أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الصحافة والاعلام - علي ابوحبله - الاستعطاف والتزلف في المجال العام: حين تتحول القيم إلى أدوات للمنفعة














المزيد.....

الاستعطاف والتزلف في المجال العام: حين تتحول القيم إلى أدوات للمنفعة


علي ابوحبله

الحوار المتمدن-العدد: 8674 - 2026 / 4 / 11 - 13:57
المحور: الصحافة والاعلام
    


بقلم: المحامي علي أبو حبلة
في ظل التحولات السياسية والاجتماعية التي تعصف بالمنطقة، تبرز على نحو متزايد ظاهرة خطابية وسلوكية تستدعي التوقف والتحليل، تتمثل في تصاعد أساليب الاستعطاف والتزلف داخل المجال العام، سواء في الخطاب السياسي أو الاجتماعي أو حتى الإعلامي. وهي ظاهرة لا تعكس مجرد انحدار في الذوق العام، بل تشير إلى أزمة أعمق في منظومة القيم، واختلال في فهم معنى الانتماء الوطني والالتزام الأخلاقي.
فالعمل لأجل الوطن، في معناه الحقيقي، لا يقوم على طلب الاعتراف أو انتظار الثناء، بل يستند إلى منظومة من المبادئ التي تجعل من الإخلاص والواجب معياراً وحيداً للفعل. وفي هذا السياق، يقول الفيلسوف أرسطو: "نحن ما نكرره باستمرار، لذا فإن التميز ليس فعلاً، بل عادة"، في إشارة إلى أن القيمة الحقيقية للفرد تُقاس بما يقدمه من عمل ثابت، لا بما يسعى إلى إظهاره من مظاهر شكلية.
غير أن ما نشهده اليوم هو انقلاب في المعايير، حيث أصبح الخطاب القائم على الاستعطاف وسيلة لتحقيق القبول، والتزلف أداة للترقي أو كسب النفوذ. وهذا التحول لا يقتصر على الأفراد، بل يمتد ليطال بنية المؤسسات، مهدداً بذلك أسس العدالة والكفاءة. وهنا يستحضر قول الفيلسوف نيكولو مكيافيلي: "الناس يحكمون بالظاهر أكثر مما يحكمون بالجوهر"، وهو ما يفسر انجذاب بعض البيئات إلى الخطاب العاطفي المبالغ فيه، حتى وإن كان على حساب الحقيقة.
إن خطورة هذا النمط من السلوك تكمن في كونه يفتح المجال أمام ترسيخ ثقافة النفاق، حيث يُكافأ من يجيد التملق، بينما يُهمّش أصحاب الكفاءة والصدق. وقد عبّر المفكر ابن خلدون عن هذا المعنى حين أشار إلى أن "فساد القيم يؤدي إلى فساد العمران"، في دلالة واضحة على أن تراجع المعايير الأخلاقية ينعكس مباشرة على استقرار المجتمعات وتماسكها.
كما أن الاستعطاف، حين يتحول إلى أداة خطابية، يُسهم في إضعاف الثقة بين أفراد المجتمع، ويعمّق الفجوة بينهم، إذ يُستبدل التقييم الموضوعي للأداء بمشاعر آنية قابلة للتلاعب. وفي هذا الإطار، يحذر الفيلسوف فريدريك نيتشه من "أخلاق القطيع" التي تقوم على الانسياق خلف العاطفة لا العقل، مما يؤدي إلى تآكل الفردية المسؤولة، واستبدالها بسلوك جماعي هش.
ومن زاوية سياسية، فإن استمرار هذا النهج يهدد بإنتاج نخب قائمة على الولاء الشكلي لا الكفاءة، ويقوّض فرص الإصلاح الحقيقي. فالمجتمعات التي تُكافئ التزلف، تعجز عن بناء مؤسسات قوية، لأنها تفتقر إلى معايير واضحة في التقييم والمساءلة. وهنا تبرز أهمية ما قاله المفكر جان جاك روسو: "حين يكون الشعب فاسداً، لا يمكن للقوانين أن تكون صالحة"، في إشارة إلى العلاقة العضوية بين القيم المجتمعية وجودة النظام السياسي.
إن مواجهة هذه الظاهرة لا تكون بالشعارات، بل بإعادة الاعتبار لقيم الصدق والشفافية، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتعزيز ثقافة نقدية تميّز بين الخطاب الحقيقي والخطاب الدعائي. كما تتطلب بناء وعي جمعي يدرك أن الوطنية ليست خطاباً يُلقى، بل سلوك يُمارس.
وخاتمة القول ؟؟؟ إن الوطن هو أغلى ما نملك، وهو الإطار الجامع الذي تتحدد في ظله معاني الكرامة والانتماء والهوية. ومن يسعى إلى خدمة وطنه بصدق، ويرتقي بمستوى المسؤولية، ويجعل من المصلحة العامة معياراً وحيداً لسلوكه وقراراته، إنما هم الذين يرسّخون أسس البناء الحقيقي للدولة والمجتمع، ويبذلون الغالي والنفيس لصون وحدة الوطن وحماية كرامته وتعزيز صموده في مواجهة التحديات.
أما أولئك النفعيون الذين يجعلون من المصلحة الشخصية بديلاً عن المصلحة العامة، ويقدّمون مكاسبهم الآنية على حساب المصلحة الوطنية العليا، فهم في المحصلة عبء على أي مشروع وطني حقيقي، وعامل إضعاف لا قوة، مهما حاولوا تجميل خطابهم أو التخفّي خلف شعارات براقة. فالتاريخ لا يخلّد إلا أصحاب المواقف، ولا يمنح شرعية البقاء إلا لمن قدّموا فعلاً لا قولاً، وبنوا لا استنزفوا، وأخلصوا لا تملّقوا.
وفي النهاية، تبقى الأوطان عصيّة على التزوير، لا يحميها إلا الصادقون، ولا ينهض بها إلا المؤمنون بها فعلاً لا ادعاءً.



#علي_ابوحبله (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- لبنان خارج معادلة التهدئة: صمت عربي وعجز دولي يفتحان أبواب ا ...
- المؤتمر الثامن لحركة فتح: بين استحقاق التجديد وإعادة تأسيس ا ...
- وقف إطلاق النار بين إيران والولايات المتحدة: تسوية الضرورة و ...
- حرب إيران وتداعياتها على النظام الدولي
- الانتخابات المحلية في زمن الاضطراب: بين استحقاق الديمقراطية ...
- هدنة ال45 يوماً بين واشنطن وطهران ؟؟؟ إدارة للصراع أم بوابة ...
- يوم الطفل الفلسطيني: ديموغرافيا الصمود في مواجهة هندسة الإبا ...
- حين تُهدَّد الحياة ويُهمَّش العدل
- قراءة استراتيجية في البيان الإقليمي الرافض لقانون الإعدام ال ...
- بين الغلاء وتآكل الدخل: المواطن الفلسطيني يدفع كلفة أزمات لا ...
- نتنياهو و”الشرق الأوسط الجديد”: بين خطاب التفوق وحدود الواقع ...
- المبادرة الصينية–الباكستانية وإعادة تشكيل التوازنات
- هل تتجه المنطقة نحو صراع ذي أبعاد دينية؟
- قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين أمام اختبار القضاء: بين الإبط ...
- خمسون عامًا على يوم الأرض: بين ثبات الحق وتحولات الواقع
- المؤتمر الثامن لحركة فتح: لحظة الحسم بين التجديد أو التآكل
- الأردن وفلسطين ووحدة الجغرافيا والتاريخ والمصير المشترك
- في ظل التصعيد الإقليمي: تصريحات إيدي كوهين بين الحرب النفسية ...
- خطوات إقليمية لمنع انزلاق المنطقة نحو الحرب
- تقليص الدوام الحكومي في فلسطين: إدارة أزمة أم اختبار شامل لم ...


المزيد.....




- برئاسة فانس.. شاهد وصول الوفد الأمريكي المفاوض إلى باكستان
- تكرار ارتداء الملابس.. اتجاه تتبعه الأميرات ويخجل الناس من ا ...
- الدفاع السعودية تعلن وصول قوة عسكرية باكستانية إلى المملكة و ...
- ترقب لمفاوضات الفرصة الأخيرة بين أمريكا وإيران وترامب يهدد: ...
- -وسيط غير عادل-: إسرائيل تستبعد فرنسا من المفاوضات المرتقبة ...
- الخرائط المفقودة.. هل فقدت طهران السيطرة على ألغامها في مضي ...
- واشنطن ستفرج عن أموال إيرانية مجمدة.. ودول عربية تشارك في مح ...
- الحالة الصحية لمجتبى خامنئي لا تزال -حرجة- بعد اصابته بتشوه ...
- لماذا تشترط ايران الإفراج عن أرصدتها قبل مفاوضات باكستان؟
- تجري مفاوضات مع ألمانيا.. ناميبيا تفتح باب العدالة الاستعمار ...


المزيد.....

- مكونات الاتصال والتحول الرقمي / الدكتور سلطان عدوان
- السوق المريضة: الصحافة في العصر الرقمي / كرم نعمة
- سلاح غير مرخص: دونالد ترامب قوة إعلامية بلا مسؤولية / كرم نعمة
- مجلة سماء الأمير / أسماء محمد مصطفى
- إنتخابات الكنيست 25 / محمد السهلي
- المسؤولية الاجتماعية لوسائل الإعلام التقليدية في المجتمع. / غادة محمود عبد الحميد
- داخل الكليبتوقراطية العراقية / يونس الخشاب
- تقنيات وطرق حديثة في سرد القصص الصحفية / حسني رفعت حسني
- فنّ السخريّة السياسيّة في الوطن العربي: الوظيفة التصحيحيّة ل ... / عصام بن الشيخ
- ‏ / زياد بوزيان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الصحافة والاعلام - علي ابوحبله - الاستعطاف والتزلف في المجال العام: حين تتحول القيم إلى أدوات للمنفعة