أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - السياسة والعلاقات الدولية - علي ابوحبله - تحولات ما بعد هرمز: تآكل عقيدة الحسم الإسرائيلية وإعادة تشكيل معادلات القوة














المزيد.....

تحولات ما بعد هرمز: تآكل عقيدة الحسم الإسرائيلية وإعادة تشكيل معادلات القوة


علي ابوحبله

الحوار المتمدن-العدد: 8682 - 2026 / 4 / 19 - 15:06
المحور: السياسة والعلاقات الدولية
    


بقلم: المحامي علي أبو حبلة

تسير التطورات الإقليمية، في أعقاب التصعيد المرتبط بأمن مضيق هرمز، نحو مسار تفاوضي متسارع بين الولايات المتحدة وإيران، يهدف إلى بلورة اتفاق إطار يضع حداً لحالة الاشتباك المفتوح. ويعكس هذا المسار إدراكاً متبادلاً لحجم الكلفة الاستراتيجية والاقتصادية لأي انزلاق نحو مواجهة شاملة، في مقابل بروز مؤشرات مرونة نسبية في ملفات شديدة الحساسية، وعلى رأسها البرنامج النووي وأمن الممرات البحرية.

في هذا السياق، تفرض نتائج المواجهة منذ “طوفان الأقصى” إعادة تقييم جذرية للعقيدة الأمنية الإسرائيلية، التي قامت على فرضية المبادرة الاستباقية، وتوسيع نطاق العمليات العسكرية، ونقل المعركة إلى عمق الخصوم. غير أن هذه العقيدة، التي سعت إلى الانتقال من إدارة الصراع إلى حسمه، اصطدمت بواقع ميداني واستراتيجي أكثر تعقيداً، كشف حدود القوة الإسرائيلية رغم تفوقها العسكري والتكنولوجي.

لقد أظهرت التجربة العملية أن الضربات الاستباقية، على كثافتها، لم تعد قادرة على إنتاج ردع حاسم أو منع التهديدات بشكل جذري. بل تحوّلت إلى نمط يمكن للخصوم استيعابه والتكيّف معه، من خلال امتصاص الضربات وإعادة بناء القدرات، وإدارة إيقاع المواجهة بما يفرض توازناً جديداً. وبدلاً من أن تتحكم إسرائيل بمسار الصراع، وجدت نفسها منخرطة في منظومة تفاعلية مفتوحة، تتداخل فيها الجبهات وتتشابك نتائجها.

وقد تجلّى هذا التحول بوضوح في ساحتي لبنان وإيران، حيث برز تطور نوعي في مستوى التنسيق بين أطراف محور المقاومة، تجاوز البعد العسكري إلى أبعاد استراتيجية واقتصادية. هذا الترابط أسهم في توسيع دائرة الكلفة، عبر إدخال ممرات الطاقة والملاحة الدولية كأدوات ضغط، الأمر الذي لم ينعكس على إسرائيل فحسب، بل طال استقرار النظام الاقتصادي العالمي.

وفي ظل هذا الواقع، لم يعد بالإمكان عزل أي جبهة عن الأخرى؛ إذ بات أي تصعيد في ساحة معينة يولّد تداعيات متسلسلة في ساحات متعددة. كما كشفت الحرب عن محدودية القدرة الإسرائيلية على اجتثاث التهديدات من جذورها، في ظل استمرار القدرات الصاروخية والبنى العملياتية لخصومها. ومع امتداد أمد المواجهة، تحوّل الرهان على “الحسم التراكمي” إلى حالة استنزاف طويل، أصبح فيها عامل الزمن عنصر ضغط يفاقم الكلفة على مختلف المستويات.

في المقابل، لعبت الولايات المتحدة دوراً محورياً في إعادة ضبط إيقاع الصراع. فمع تهديد الحرب لتدفقات الطاقة واستقرار الأسواق العالمية، لم يعد الدعم الأميركي لإسرائيل غير مشروط، بل أصبح خاضعاً لحسابات استراتيجية أوسع، تتعلق بحماية الاقتصاد العالمي ومنع الانزلاق إلى مواجهة شاملة. وهكذا، تحوّل الحليف الاستراتيجي إلى عامل قيد يحد من حرية الحركة الإسرائيلية.

وقد أفرز هذا التداخل بين الأبعاد العسكرية والاقتصادية والسياسية ما يمكن تسميته بـ”الردع المركّب”، حيث لم تعد القوة العسكرية وحدها كافية لفرض الوقائع، بل أصبحت جزءاً من منظومة معقدة تحكمها توازنات متعددة. ونتيجة لذلك، تراجعت فاعلية مبدأ “نقل المعركة إلى أرض الخصم”، خاصة في ظل عجز إسرائيل عن تحييد جبهتها الداخلية، وتزايد حساسيتها تجاه تداعيات أي تصعيد إضافي.

في المقابل، أخذت تتبلور عقيدة مضادة لدى خصوم إسرائيل، لا تقوم على تحقيق حسم عسكري مباشر، بل على إدارة صراع طويل الأمد قائم على الاستنزاف، وتوسيع نطاق الكلفة، والحفاظ على القدرة العملياتية رغم الضربات. وهي عقيدة تهدف بالأساس إلى منع إسرائيل من تحقيق أهدافها الاستراتيجية، بدلاً من مواجهتها في معركة فاصلة.

وعلى المستوى العملياتي، كشفت الحرب عن دور حاسم لعنصر المفاجأة، سواء في أداء “حزب الله” أو في توسيع إيران لنطاق ردودها أفقياً. وبدلاً من منع الاختراق بشكل كامل، تم التركيز على امتصاصه ومواصلة المواجهة، بما يقوّض جوهر العقيدة الإسرائيلية القائمة على الحسم السريع عبر المبادرة.

أما على المستوى الإدراكي، فقد أدت هذه التحولات إلى إعادة تعريف مفهوم القوة ذاته؛ إذ لم يعد التفوق العسكري كافياً لتحقيق الحسم، بل باتت القوة تُقاس بمدى القدرة على إدارة الصراع، وتوزيع كلفته، وفرض شروطه أو تعطيل شروط الخصم. وفي هذا السياق، تآكلت الركيزة النفسية للعقيدة الإسرائيلية التي قامت على فرضية التفوق المطلق.

في المحصلة، نحن أمام تصادم بين نموذجين استراتيجيين: الأول يسعى إلى فرض السيطرة عبر المبادرة والتصعيد، والثاني يعمل على نزع هذه القدرة عبر التشابك والاستنزاف وتوسيع الكلفة. ورغم أن هذا التصادم لم يُفضِ إلى حسم نهائي، إلا أنه أفرز توازناً ديناميكياً جديداً، يمتلك فيه كل طرف أدوات تأثير، لكنه يواجه في الوقت ذاته قيوداً بنيوية تحدّ من قدرته على تحقيق انتصار حاسم.

وعليه، يمكن القول إن العقيدة الأمنية الإسرائيلية لم تنهَر بشكل كامل، لكنها فقدت قدرتها على فرض نتائج أحادية. في المقابل، نجحت العقيدة المضادة، رغم أنها لا تزال في طور التشكل، في كبح الحسم، وتقييد الهامش العملياتي، وفرض واقع استراتيجي جديد يدفع إسرائيل إلى التكيّف معه.

إن ما نشهده اليوم ليس نهاية صراع، بل بداية مرحلة جديدة تتشكل فيها قواعد اشتباك مختلفة، تُعاد فيها صياغة مفاهيم الأمن والردع، في ظل بيئة إقليمية ودولية شديدة التعقيد، مفتوحة على احتمالات متعددة، لكنها محكومة بحقيقة واحدة: لم يعد الحسم العسكري السريع خياراً متاحاً كما كان في السابق.



#علي_ابوحبله (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- غضب داخل إسرائيل بعد وقف إطلاق النار في لبنان: أزمة قرار وتد ...
- الديون المتراكمة على بلدية طولكرم: بين اختلالات الهيكل المال ...
- مفاوضات تحت النار: هل تُعيد واشنطن رسم قواعد الاشتباك بين لب ...
- صراع الكرامة من أجل لقمة العيش: قراءة قانونية واستراتيجية في ...
- انتخابات المجر: تحولات الداخل ورسائل الخارج في ميزان الاسترا ...
- بعد فشل أوسلو والتوسع الاستيطاني: الدولة ثنائية القومية كخيا ...
- مضيق هرمز تحت المجهر: هل الحصار الأمريكي يسبق الحرب أم يمنعه ...
- تضخم فاتورة الرواتب في البلديات الفلسطينية بين غياب المساءلة ...
- الانتخابات البلدية والوحدة الوطنية: معيار الكفاءة في زمن الت ...
- مضيق هرمز على حافة الانفجار: تعثر المفاوضات الأمريكية الإيرا ...
- انتخابات الهيئات المحلية في فلسطين بين الطابع الخدمي وتحديات ...
- لبنان على مفترق الطرق: بين ضغوط التسوية واستحقاقات السيادة
- الاستعطاف والتزلف في المجال العام: حين تتحول القيم إلى أدوات ...
- لبنان خارج معادلة التهدئة: صمت عربي وعجز دولي يفتحان أبواب ا ...
- المؤتمر الثامن لحركة فتح: بين استحقاق التجديد وإعادة تأسيس ا ...
- وقف إطلاق النار بين إيران والولايات المتحدة: تسوية الضرورة و ...
- حرب إيران وتداعياتها على النظام الدولي
- الانتخابات المحلية في زمن الاضطراب: بين استحقاق الديمقراطية ...
- هدنة ال45 يوماً بين واشنطن وطهران ؟؟؟ إدارة للصراع أم بوابة ...
- يوم الطفل الفلسطيني: ديموغرافيا الصمود في مواجهة هندسة الإبا ...


المزيد.....




- محادثات استثنائية بين -حماس- و-فتح- لاستكمال تنفيذ المرحلة ا ...
- رسائل تصعيد وسط توتر مع سيول.. بيونغ يانغ تختبر صواريخ باليس ...
- بروفيسور أمريكي: إيران ستصبح القوة الرابعة عالميا إذا احتفظت ...
- بإشراف أمريكي.. توحيد ميزانية ليبيا بعد 13 عاما
- -التحقيقات الفيدرالي- يواصل التحقيق بلغز اختفاء وموت 11 عالم ...
- جندي إسرائيلي يحطم تمثال -المسيح- في لبنان.. غضب وتحقيق بتل ...
- تصدع -العلاقة الخاصة-.. حرب إيران تدفع بريطانيا للعودة إلى أ ...
- استثمار أمريكي في مشروع للمعادن النادرة بجنوب أفريقيا
- التباين بين عراقجي وقاليباف.. هل كشف حدود سلطة الحكومة أمام ...
- بعد إعلان ترامب.. فيديو للحظة إطلاق النار على سفينة إيرانية ...


المزيد.....

- النظام الإقليمي العربي المعاصر أمام تحديات الانكشاف والسقوط / محمد مراد
- افتتاحية مؤتمر المشترك الثقافي بين مصر والعراق: الذات الحضار ... / حاتم الجوهرى
- الجغرافيا السياسية لإدارة بايدن / مرزوق الحلالي
- أزمة الطاقة العالمية والحرب الأوكرانية.. دراسة في سياق الصرا ... / مجدى عبد الهادى
- الاداة الاقتصادية للولايات الامتحدة تجاه افريقيا في القرن ال ... / ياسر سعد السلوم
- التّعاون وضبط النفس  من أجلِ سياسةٍ أمنيّة ألمانيّة أوروبيّة ... / حامد فضل الله
- إثيوبيا انطلاقة جديدة: سيناريوات التنمية والمصالح الأجنبية / حامد فضل الله
- دور الاتحاد الأوروبي في تحقيق التعاون الدولي والإقليمي في ظل ... / بشار سلوت
- أثر العولمة على الاقتصاد في دول العالم الثالث / الاء ناصر باكير
- اطروحة جدلية التدخل والسيادة في عصر الامن المعولم / علاء هادي الحطاب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - السياسة والعلاقات الدولية - علي ابوحبله - تحولات ما بعد هرمز: تآكل عقيدة الحسم الإسرائيلية وإعادة تشكيل معادلات القوة