أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - قمرات السيد - كيف بدأ شم النسيم














المزيد.....

كيف بدأ شم النسيم


قمرات السيد

الحوار المتمدن-العدد: 8675 - 2026 / 4 / 12 - 10:28
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


يُعد عيد الربيع أو ما يعرف "بشم النسيم" من أقدم الأعياد ذات الجذور الراسخة في التاريخ المصري، حيث يمثل نموذجاً حياً لاستمرارية الموروث الثقافي عبر العصور، ويتميز هذا العيد بكونه تقليداً مصرياً أصيلاً لا يرتبط بأي إطار عقائدي أو طائفي محدد، على خلاف ما قد يتبادر إلى الأذهان أحياناً، ربما لتزامن هذا العيد في العصر الحديث مع بعض المناسبات الدينية.
وتعود نشأة هذا العيد إلى ما يقرب من خمسة آلاف عام، وتحديداً إلى نحو 2700 سنة قبل ميلاد السيد المسيح علية السلام، حيث ارتبط لدى المصريين القدماء ببدايات فصل الربيع وتجدد الحياة في الطبيعة، وفي السياق الحديث يُحتفل به في يوم الأثنين الذي يلي مباشرة عيد القيامة المجيد، وذلك وفقاً لتقويم الكنيسة القبطية الأرثوذوكسية، حيث يوافق هذا التوقيت شهر برمودة من كل عام.
ولا شك أن طقوس وعادات هذا العيد، تحمل معقتدات وأفكار المصريين القدماء وبصمات بيئتهم، إبتداءً من اسمه " شم النسيم " الكلمة التي يعود أصلها إلى الكلمة الفرعونية " شمو " وهي كلمة هيروغليفية قديمة تعني عيد الخلق أو بعث الحياة، حيث كان المصريون القدماء يعتقدون أن ذلك اليوم يرمز إلى أول الزمان، أو بدء خلق الحياة حسبما كانوا يرون، وقد تعرض الاسم للتحريف على مر العصور، وأضيفت إليه كلمة "النسيم" لارتباط هذا الفصل بإعتدال الجو، وطيب النسيم، وما يصاحب الاحتفال بذلك العيد من الخروج إلى الحدائق والمتنزهات والاستمتاع بجمال الطبيعة.
ولعل ما يفعله المصريون اليوم احتفالاً بشم النسيم هو أمتداداً طبيعياً لما كانوا يقومون به منذ آلاف السنين، مع وجود بعض الاختلافات الطفيفية، والتي تمثلت في الاحتفال الرسمي الكبير الذي كان يقام ليلة الرؤية، ويغلب عليه الطابع الديني، فكان يحضره الفرعون وكبار الكهنة وباقي رجال الدولة، حيث كانوا يجتمعون أمام الواجهة الشمالية للهرم قبيل الغروب لمتابعة مشهد غروب الشمس واقتراب أشعتها تدريجياً من قمة الهرم، حتى تخترقها في لحظة بصرية فريدة، فتبدو واجهته أمام أعين المشاهدين وكأنها تنقسم إلى شطرين في مشهد مهيب يعكس جانباً من أسرار العمارة المصرية القديمة.
ومع شروق شمس اليوم التالي، كان الاحتفال يتحول إلى طابع شعبي شامل، تشارك فيه مختلف فئات المجتمع، حيث يخرج الناس في جماعات الى الحدائق والمتنزهات، حاملين معهم الطعام والشراب، لقضاء يوم كامل من البهجة والاحتفال، يبدأ من شروق الشمس ويمتد حتى غروبها، في تعبير واضح عن ارتباط هذا العيد بالطبيعة وتجدد الحياة.
ويرتبط الاحتفال بشم النسيم بمجموعة أطعمة تقليدية خاصة تتعلق بالعادات والتقاليد، والتي انتقلت من المصريين القدماء عبر العصور لتفرض نفسها على أعياد الربيع في أنحاء العالم القديم والحديث، حيث تشمل قائمة الأطعمة المميزة لمائدة شم النسيم كل من البيض الملون، والفسيخ (السمك المملح)، والخس، والبصل، والملانة (الحمص الأخضر)، ولحم الأوز المشوي، وهي أطعمة مصرية كان لها معنى ومدلول عند المصريين القدماء، فكان البيض يرمز إلى خلق الحياة من الجماد، وكان المصريون القدماء ينقشون عليه الدعوات والأمنيات بالألوان المستخلصة من وحي الطبيعة، ويجمعونه في سلال من سعف النخيل الأخضر ويتركونه في شرفات المنازل، أو يتم تعليقها على فروع الأشجار بالحدائق لتحظى ببركات نور الإله عند شروقه فيحقق دعواتهم، وقد تطورت هذه النقوش فيما بعد لتصبح لوناً من الزخرفة الجميلة والتلوين البديع للبيض.
وحينما زار المؤرخ الإغريقي هيردوت مصر في القرن الخامس قبل الميلاد، أشار في كتاباته إلى أن تناول السمك المملح والبصل كان من أبرز مظاهر الاحتفال بعيد الربيع لدى المصريين القدماء، وقد احتلَ البصل مكانة خاصة في معتقداتهم، إذ اعتبروه وسيلة للوقاية من الأمراض وطرد السحر والأرواح الشريرة، وترتبط هذه المعتقدات بأسطورة من مدينة منف، تتحدث عن أمير فرعوني صغير كان محبوباً من الجميع، لكنه أصيب بمرض عضال عجز الأطباء عن علاجه، فظل طريح الفراش غير قادر على الحركة، وفي محاولة لإنقاذه أقترح كبير الكهنة على الملك تعليق حبات البصل حول سرير الأمير، وعلى أبواب القصر أعتقاداً بقدرتها على طرد الأرواح الشريرة، وتروي الأسطورة أن الأمير تعافى بالفعل واستعاد نشاطه، وقد تزامن شفاؤه مع بداية فصل الربيع، مما دفع المصريين إلى الاحتفال بهذا اليوم تخليداً لهذه المناسبة، حيث علقوا البصل في منازلهم وقدموه على موائدهم مع السمك المملح والبيض الملون، ومع مرور الزمن، انتقلت مظاهر هذا الاحتفال إلى ثقافات مختلفة من العالم مثل المغرب وتونس واليونان واوكرانيا وغيرها البلدان الأخرى، مع احتفاظ كل شعب بطابعه الخاص في الاحتفال بهذه المناسبة فمنهم من يزين شعره بالورود، ومنهم من يوقد الشموع بالإضافة إلى البيض الملون الذي بدأه الفراعنه ويعد العامل المشترك في احتفالات شم النسيم في كل مكان.
وهكذا فقد نجح شم النسيم في الحفاظ على استمراريته عبر آلاف السنين، ليبقى شاهداً حياً على عمق الحضارة المصرية وقدرتها على المزج بين الماضي والحاضر، حيث لا يزال المصريون حتى اليوم يخرجون إلى المتنزهات ويحتفلون بنفس الروح التي عاش بها أجدادهم القدماء، مستمتعين بنسمات الربيع وبجمال الطبيعة.



#قمرات_السيد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عودة طابا والتنمية المستدامة في سيناء
- محمد علي باشا وجذور النهضة السياحية في مصر
- الهروب من التجنيد في عهد محمد علي
- فن الموسيقى في عهد الخديو إسماعيل
- تلغراف الهنا
- صناعة الغناء في مصر في عهد الخديو إسماعيل
- العدوي.. شيخ يتحدى السلطان
- المسحراتي في التراث المصري
- أوبرا عايدة.. حكاية الصراع بين الواجب الوطني والعاطفة
- حلاوة زمان.. عروسة حصان
- أوجيني الامبراطورة التي أحبها الخديو
- تعديل وراثة العرش المصري
- الخاطبة ومراسم زواج المصريين في القرن التاسع عشر


المزيد.....




- حظر أمريكي للملاحة نحو الموانئ الإيرانية بعد انهيار محادثات ...
- لبنان يتحرك لوقف الحرب عبر التفاوض وإسرائيل تواصل عملياتها ا ...
- حصار هرمز و-أسطول الأشباح-..كيف ستخنق واشنطن النفط الإيراني؟ ...
- كثرة المفاوضين لم تعوض ضيق الوقت.. محادثات إسلام آباد تنتهي ...
- تبادل الاتهامات بين إيران وأمريكا بعد فشل المحادثات واحتمال ...
- هل ينجح حصار موانئ إيران في فرض واقع جديد بهرمز؟
- كيف ستنفّذ أميركا حصار مضيق هرمز وما أبرز تحدياته؟
- صحيفة: ترامب يدرس توجيه ضربات عسكرية محدودة لإيران
- الإمارات والصين.. شراكة استراتيجية وعلاقات راسخة
- ترامب: سنعمل على فتح مضيق هرمز.. وتفعيل الحصار البحري


المزيد.....

- قراءات فى كتاب (عناصر علم العلامات) رولان بارت (1964). / عبدالرؤوف بطيخ
- معجم الأحاديث والآثار في الكتب والنقدية – ثلاثة أجزاء - .( د ... / صباح علي السليمان
- ترجمة كتاب Interpretation and social criticism/ Michael W ... / صباح علي السليمان
- السياق الافرادي في القران الكريم ( دار نور للنشر 2020) / صباح علي السليمان
- أريج القداح من أدب أبي وضاح ،تقديم وتنقيح ديوان أبي وضاح / ... / صباح علي السليمان
- الادباء واللغويون النقاد ( مطبوع في دار النور للنشر 2017) / صباح علي السليمان
- الإعراب التفصيلي في سورتي الإسراء والكهف (مطبوع في دار الغ ... / صباح علي السليمان
- جهود الامام ابن رجب الحنبلي اللغوية في شرح صحيح البخاري ( مط ... / صباح علي السليمان
- اللهجات العربية في كتب غريب الحديث حتى نهاية القرن الرابع ال ... / صباح علي السليمان
- محاضرات في علم الصرف ( كتاب مخطوط ) . رقم التصنيف 485/252 ف ... / صباح علي السليمان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - قمرات السيد - كيف بدأ شم النسيم