احمد كانون
كاتب عقلاني حر
(Ahmed Kanoun)
الحوار المتمدن-العدد: 8673 - 2026 / 4 / 10 - 03:57
المحور:
الادب والفن
لست متأكداً أن "المرآة" هي التشبيه المناسب. ربما أقف اليوم أمام جدار معتم، أحاول أن أرسم عليه شكلي بيدي. كلما رسمت خطاً، تلطخ طرف أصبعي، وتغير الرسم. هذا هو الوعي عندي الآن: ليس مرآة تعكس، بل طين نراه ونتردد ثم نعيد تشكيله.
لم أعد أهتم كثيراً بأسئلة "من أكون" بصيغتها المطلقة. الأسئلة التي ترهقني الآن أصغر وأكثر إزعاجاً: لماذا انفعلت بتلك الطريقة أمس؟ لماذا أعيد إنتاج ذات الغضب الذي انتقدته في غيري؟ هذا هو الفرق الحقيقي الذي أشعر به: انتقلت من محاكمة الآخرين إلى مراقبة ردود أفعالي أنا.
نعم، لا زلت أعتقد أن الكثير من ردود فعلنا هي "بافلوفية" - نقرع الجرس فنلعق شفاهنا غضباً أو حزناً. لكني لست استثناءً. أحياناً أكتشف أن "غضبي المقدس" على التقليد الأعمى هو نفسه تقليد لخطاب رائع سمعته من مفكر معجب به. هذه المفارقة تؤلمني، وهي بالضبط ما أحاول تفكيكه.
هدفي الآن؟ ليس "الوعي الكوني" - هذه العبارة تجعلني أشعر بالضحك على نفسي. هدفي أصغر وأكثر تواضعاً: أن أتوقف عن رد الفعل قبل أن أفهم لماذا أتفاعل. أن أصمت أحياناً. أن أعترف بأن بعض ما أسميه "طفراتي الفكرية" ما هي إلا تقلبات مزاجية تصادف أنها وُجدت في سياق كتاب.
طريقي ليس "ديالكتيكياً" بطريقة أنيقة. طريقي فوضوي. أقرأ شيئاً يهزني، أتخلى عنه بعد شهر، ثم أعود إليه خجولاً. أحتقر "النسخ واللصق" لكني أمارسه دون أن أشعر حين أرد على من يضايقني. الفرق الوحيد أنني صرت أمسك نفسي متلبساً في منتصف الفعل. هذا هو كل تقدمي.
بوصلتي؟ لا أملك بوصلة ثابتة. أتأرجح بين لحظات من الانضباط العقلي القاسي (تلك الحالة التي أسميتها بالأبولونية) وأخرى من الفوضى والعنفوان الديونيسي. لكني لم أعد أعتقد أن هاتين الحالتين "تتوازنان" بشكل جميل. هما يتعارضان، ويجعلان حياتي غير مريحة. ربما هذا هو الثمن الوحيد الذي يستحق.
آلياتي الحقيقية: أن أرتاب. أن أقرأ فكرة تعجبني ثم أسأل: "لماذا أعجبتني؟ هل لأنها صحيحة أم لأنها تجعلني أشعر بالتميز؟" هذا السؤال وحده دمّر لي متعة الكثير من الاقتناعات. لكنه أيضاً أنقذني من أن أكون نسخة مكررة عن سيد أيديولوجي ما.
أما الادعاء بأن "الإنسان صورة مصغرة عن الوجود المطلق" - هذا جميل في الكتب، لكنه في حياتي اليومية شعور نادر. معظم الوقت أشعر أنني بقعة صغيرة وعابرة. وعيي المتضخم أحياناً هو مجرد ورم حميد ناتج عن الخوف.
إذا أصررت على أن أقول "هذا أنا الآن" - فأنا: شخص يحاول أن يكون صادقاً مع تناقضاته، لا مع "حقيقته المطلقة". شخص لم يعد يهتم إن كان "متناغماً مع الكون" بقدر ما يهتم إن كان قادراً على النوم دون أن يكره نفسه صباحاً.
هذا أنا الآن. غداً قد أختلف. وهذا بالضبط هو المهم.
#احمد_كانون (هاشتاغ)
Ahmed_Kanoun#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟