أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - احمد كانون - فلسفة التربية: بين حكمة القيادة ووهم السيطرة














المزيد.....

فلسفة التربية: بين حكمة القيادة ووهم السيطرة


احمد كانون
كاتب عقلاني حر

(Ahmed Kanoun)


الحوار المتمدن-العدد: 8659 - 2026 / 3 / 27 - 18:15
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


لا يكمن جوهر التربية في فرض الوصاية المطلقة على مسار الطفل، بل في إدراك الوظيفة الحقيقية للدفة. فالدفة لم تُصمم لتخلق قوة الدفع، بل لتتناغم مع الزخم الأمامي للسفينة؛ لتكون دليلاً دقيقاً وموجهاً ثابتاً. في هذا المنظور، يمثل الوالدان هذا الميل اللطيف – منظومة القيم، والحدود، والحكمة – الذي يتفاعل مع طاقة الطفل الفطرية وفضوله (الرياح والتيار) بهدف توجيهها، لا كبتها أو مصادرتها.

مأزق القصور الذاتي: متى يصبح التوجيه قمعاً؟

من منظور فيزيائي، يؤدي الإفراط في إمالة الدفة وتثبيتها بقوة إلى مقاومة هائلة، تتحول معها السفينة إلى كيان بطيء فاقد للاستجابة، عرضة للغرق في ذات الأمواج التي خُلقت لتعبرها. في التربية، يظهر هذا الخلل بوضوح في النزعة إلى التسلط؛ حيث تتحول إرادة الطفل إلى خصم يجب إخضاعه، وتُقيد حركته بالإفراط في التخطيط والاحتراز، أو تُشل إرادته باستخدام الخوف والشعور بالذنب كأدوات للضبط. النتيجة ليست طفلاً منضبطاً، بل كائناً مسلوب الإرادة يتحرك بدافع الخوف من إحباط السلطة، لا بدافع الوعي الذاتي.

لكن هنا لا بد من توضيح دقيق: القصور الذاتي في التربية لا ينشأ فقط عن فرط التحكم، بل قد ينشأ أيضاً عن غياب التوجيه تماماً. فالسفينة التي لا دفّة لها قد تظل تدور في مكانها أو تنجرف بلا هدف. لذلك نحن أمام وجهين لشلل النمو: قمع يُفقد المبادرة، وفوضى تُفقد الاتجاه.

عواقب شل السفينة: أكثر من مجرد تمرد

حين يتحول الضبط إلى غاية في ذاته، تُشل ديناميكية النمو الطبيعي للطفل، وتتبلور العواقب في ثلاث أزمات:

· فقدان البوصلة الداخلية: غياب التوجيه الذاتي، والعجز عن اتخاذ القرار متى غابت السلطة الخارجية.
· هشاشة التكوين: الحرمان من خوض تجربة الخطأ والفشل يحرم الطفل الصلابة اللازمة لمواجهة العواصف.
· التمرد الانتحاري: فالقمع يولد قوة معاكسة قد تدفع الطفل لانتزاع الدفة بعنف والإبحار نحو مياه شديدة الخطورة لمجرد التحرر من القبضة.

غير أن التمرد العنيف ليس المصير الوحيد. في أحيان كثيرة، يولد القمع المزمن استسلاماً صامتاً، أو اكتئاباً، أو تبعية مَرَضية، أو سلوكيات مؤذية للذات لا تحمل شعار التمرد بقدر ما تحمل انهياراً داخلياً لا يُرى. وهذا الوجه الآخر للقهر لا يقل خطورة عن التمرد الصاخب.

جدلية الحزم: متى يكون التدخل ضرورة؟

لا تلغي هذه الرؤية ضرورة الحزم. فالبحار الحكيم لا يكتفي باللمسات الرقيقة حين يلوح في الأفق حاجز مرجاني مدمر. هناك لحظات فارقة – كالتهديدات الأخلاقية أو المخاطر الجسيمة – تتطلب تدخلاً حاسماً بقوة لتغيير المسار. الفارق الدقيق هنا بين تصحيح المسار الضروري، والتشبث المرضي بالدفة النابع من هوس السيطرة.

لكن الحزم نفسه لا يمكن أن يكون نمطاً واحداً في كل مرحلة. فالطفل في سنواته الأولى يحتاج إلى دفّة أكثر وضوحاً وثباتاً؛ لأن شعوره بالأمان يأتي من حدود صلبة ومتوقعة. أما في مرحلة المراهقة، فيحتاج إلى دفّة تتفاوض وتشرك في القيادة. فلسفة التربية التي تصلح لمرحلة قد تعجز عن فهم احتياجات مرحلة أخرى، ومن هنا تأتي أهمية النظر إلى التوجيه كعلاقة ديناميكية تختلف باختلاف عمر السفينة ووجهتها.

الغاية الكبرى: الدفّة الداخلية لا تولد تلقائياً

في التحليل الأخير، ليس الهدف أن نصنع سفينة تسير في خط مستقيم مفروض عليها سلفاً، بل أن نبني كياناً متيناً يمتلك دفته الداخلية الخاصة، وعياً وصلابة، ليكون قادراً على شق مساره الحكيم نحو المستقبل حتى في أعتى العواصف.

لكن كيف تُبنى هذه الدفّة الداخلية؟ لا تظهر بمجرد رفع اليد عن السيطرة. إنها تحتاج إلى بيئة يتاح فيها الفشل الآمن، والاختيار الحقيقي، والمساءلة الواضحة. التجارب التي يخوضها الطفل ويحصد نتائجها – سواء كانت نجاحاً أو فشلاً – هي التي تصقل بوصلته الذاتية، لا مجرد ترك الحرية دون صحبة.

إعادة نظر في فطرية الفضول

وأخيراً، ثمة افتراض ضمني في كثير من الكتابات التربوية أن الطاقة الفطرية والفضول هما بذرة الخير دوماً. لكن الواقع يعلّمنا أن بعض الرياح التي تحرك السفينة قد تكون مدمرة: العدوانية غير المضبوطة، أو الانجرار المبكر نحو منافذ رقمية سامة. هنا لا يكفي أن نوجه الرياح الموجودة؛ بل قد نحتاج أحياناً إلى مساعدة الطفل في صناعة شراع جديد، أو حتى إرساء السفينة لفترة وجيزة لحين تصحيح المسار. المربي الحقيقي ليس فقط من يوجّه الدفّة، بل من يعرف متى يغير شكل الشراع، ومتى ينتظر حتى تصبح الرياح صالحة للإبحار.



#احمد_كانون (هاشتاغ)       Ahmed_Kanoun#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- صنم الخارج ومورفولوجيا الدولة: الدستور بين سيف الغلبة وميزان ...
- انتحار المستعمرة: قراءة في كيمياء الفناء البشري
- ديالكتيك الخوف والمركزية: الوعي الجمعي بين غريزة النكوص وإرا ...
- ​العلمانية العربية: من الاستيراد القسري إلى الوعي العض ...
- الحديقة: جمهورية الغيوم والذات الحرة
- في يوم المرأة العالمي.. كرنفال التناقض الشرقي!!؟.
- سيمفونية الجسد: الرقص كوثيقة وجودية
- صراع النبوءات الرقمية: حين يمتطي -الجهل المقدس- صهوة التكنول ...
- الذكاء الاصطناعي هو ذكاء الطبيعة(الانتخاب الطبيعي) المعدل بش ...
- -التفوق الاسرائيلي/اليهودي.. وهم الجينات وحقيقة فن التحكم-:
- الدمج بين فلسفة التاريخ عند هيجل، وعلم النفس التحليلي عند فر ...
- -الشماتة المقدسة- او اذا اردتم، -الشامت الذي يظن أن الله معه ...
- اضطراب الشخصية الكاذب المتكرر
- القوة في (التوازن الديناميكي) و ليست في المرونة على حساب الث ...
- -الاتجاه أهم من السرعة-
- ما نخافه يتحقق ليس بسبب -قدر- أو -سحر-، بل بسبب آليات نفسية ...
- تفكيك جينولوجيا الوهم من جينولجيا الأخلاق:-
- شهوة السلطة ليست متجذرة في القوة بل في الضعف
- النجاح و الزمن
- كلمات عن الصراع: الزوجة الصالحة!: أو الزوج الصالح:


المزيد.....




- 4 دول خليجية تتعرض لهجمات إيرانية جديدة الجمعة.. إليكم التفا ...
- أول قرد ذهبي الأنف يولد خارج آسيا يظهر في حديقة حيوان فرنسية ...
- تقرير: خطة أمريكية من خمس مراحل خلال 8 أشهر لنزع سلاح حماس و ...
- الخارجية الفرنسية: لا ننوي الانخراط في الحرب.. ومهمتنا في ال ...
- تحقيق استقصائي يفجر بالوثائق فضيحة كبرى بشأن تهجير سكان غزة ...
- ليون بانيتا للجزيرة نت: أمريكا أخطأت تقدير الحرب وإغلاق هرمز ...
- رواد -ناسا- يستعدون لأول رحلة مأهولة نحو القمر منذ عقود
- إسبانيا.. وفاة شابة -بالموت الرحيم- بعد معركة قضائية
- مسؤول أميركي يكشف حصيلة إصابات الجيش منذ بدء حرب إيران
- أسباب أمنية.. الجيش الألماني يقيّد جنوده على مواقع التواصل


المزيد.....

- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله
- تراجيديا العقل / عمار التميمي
- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد
- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار
- العقل العربي بين النهضة والردة قراءة ابستمولوجية في مأزق الو ... / حسام الدين فياض
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- تقديم وتلخيص كتاب " نقد العقل الجدلي" تأليف المفكر الماركسي ... / غازي الصوراني
- من تاريخ الفلسفة العربية - الإسلامية / غازي الصوراني
- الصورة النمطية لخصائص العنف في الشخصية العراقية: دراسة تتبعي ... / فارس كمال نظمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - احمد كانون - فلسفة التربية: بين حكمة القيادة ووهم السيطرة