أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - احمد كانون - الحديقة: جمهورية الغيوم والذات الحرة














المزيد.....

الحديقة: جمهورية الغيوم والذات الحرة


احمد كانون
كاتب عقلاني حر

(Ahmed Kanoun)


الحوار المتمدن-العدد: 8651 - 2026 / 3 / 19 - 08:39
المحور: الادب والفن
    



في تلك الحديقة الفسيحة، كانت تنتهي حدود "الدولة" وتبدأ حدودي أنا. لم تكن مجرد مساحة خضراء محاطة بسور، بل كانت "المضاد الحيوي" الذي يحميني من عدوى التلقين. هناك، لم يكن الوقت يُقاس بحصص دراسية ثقيلة، بل بحركة الظلال على العشب، وبتشكل الغيوم التي كنت أطاردها بعينيّ لساعات دون أن يجرؤ أحد على مناداة اسمي لترديد ببغائي لنص ميت.
​كنتُ أستلقي على ظهري، أراقب تلك الكتل البيضاء وهي تعيد تشكيل الوجود فوقي. في المدرسة، كانت الغيوم "بخار ماء متكاثف" كما تقول المعلمة التي لا تؤمن بما تدرس، أما في حديقتي، فكانت الغيوم جيوشاً من الأفكار، خيولاً جامحة، ومدناً فاضلة لا يدخلها "الولد الشقي" ولا يجرؤ "الشيخ" على الاقتراب من أبوابها. كنت أتخيلني هناك، بعيداً عن صراخ الزحام عند باب الفصل الصغير، بعيداً عن رائحة العرق والتدافع "الدارويني" المقيت للحصول على قطعة بروتين مغموسة بالذل.
​في الحديقة، كنت أمارس "ديالكتيك" خاصاً بي. كنت أستحضر "الآخرين" الذين يسكنون داخلي؛ أولئك الذين لم تلوثهم بعد مناهج "احفظ لتعبر". كنت أخوض معهم مناظرات كبرى حول الأرض التي قالت المعلمة إنها ثابتة؛ كنت أسأل الأشجار: "كيف تثبتون لى حركتها؟"، فكانت تجيبني بهزّ أغصانها مع الريح، كأنها تضحك من ضيق أفق الفصول الدراسية. كانت الحديقة هي مختبري "الأرخيولوجي" الحقيقي؛ حيث كنت أنبش في ترابها لا لأبحث عن عظام الإنسان القديم، بل لأبحث عن إنسانيتي أنا، تلك التي يحاولون دفنها تحت أكوام الواجبات المنزلية والعقوبات الجماعية.
​لم تكن "الأخلاق الحميدة" في حديقتي شعارات تُلقن، بل كانت صمتاً مهيباً يحترم خصوصية النملة وهي تعبر، وتناغماً مع الطبيعة التي لا تعرف "السادية" ولا "البلطجة". هناك، لم يكن عليّ أن أكون "مُرغماً" على التفوق لأثبت جدارتي، بل كنت متفوقاً بطبيعتي لأنني كنت "حراً".
​بينما كان زملائي يتدربون في المدرسة على "النباح قبل وصول الطعام" وتلقي "الفلقة" بصبر العبيد، كنت أنا في مملكتي الخضراء أتعلم لغة الغيوم. كنت أعلم يقيناً أن هذه الساعات من "اللاشيء" هي في الحقيقة "كل شيء". هي المخزون الاستراتيجي من الوعي الذي سيجعلني لاحقاً أرفض أن أكون ترساً في آلة، أو صوتاً أخرساً في طابور طويل أمام شباك مصرف أو مؤسسة خدمية.
​لقد كانت الحديقة هي "المستشفى" الوحيد الذي عالجني من أمراض المؤسسات، وهي "دار الإفتاء" التي منحتني الفتوى الوحيدة التي أؤمن بها: "أن الإنسان خُلِق ليتخيل، لا ليُدجن".



#احمد_كانون (هاشتاغ)       Ahmed_Kanoun#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- في يوم المرأة العالمي.. كرنفال التناقض الشرقي!!؟.
- سيمفونية الجسد: الرقص كوثيقة وجودية
- صراع النبوءات الرقمية: حين يمتطي -الجهل المقدس- صهوة التكنول ...
- الذكاء الاصطناعي هو ذكاء الطبيعة(الانتخاب الطبيعي) المعدل بش ...
- -التفوق الاسرائيلي/اليهودي.. وهم الجينات وحقيقة فن التحكم-:
- الدمج بين فلسفة التاريخ عند هيجل، وعلم النفس التحليلي عند فر ...
- -الشماتة المقدسة- او اذا اردتم، -الشامت الذي يظن أن الله معه ...
- اضطراب الشخصية الكاذب المتكرر
- القوة في (التوازن الديناميكي) و ليست في المرونة على حساب الث ...
- -الاتجاه أهم من السرعة-
- ما نخافه يتحقق ليس بسبب -قدر- أو -سحر-، بل بسبب آليات نفسية ...
- تفكيك جينولوجيا الوهم من جينولجيا الأخلاق:-
- شهوة السلطة ليست متجذرة في القوة بل في الضعف
- النجاح و الزمن
- كلمات عن الصراع: الزوجة الصالحة!: أو الزوج الصالح:
- المختصر المفيذ في ازمة الخطاب
- عن الحب والهيمنة.....البداية و الإستمرار.....البدايات و النه ...
- مقاربة بين نظرية فرويد للتحليل النفسي، و نظرية كارل يونج الن ...
- تفكيك، تحليل و تجميع؛ ظاهرة الحب.
- دور القمل؛ في الاستمالة الاجتماعية و تطور العاطفة البشرية تا ...


المزيد.....




- اختيار الراحل محمد بكري رمزاً للثقافة العربية لعام 2026
- اختير رمزا للثقافة العربية.. كيف حول محمد بكري حياته إلى فيل ...
- من -برشامة- إلى -سفاح التجمع-.. أفلام عيد الفطر في سباق شباك ...
- مطاردة بانكسي تنتهي بسجلات صادمة لشرطة نيويورك تكشف هويته ال ...
- جلال برجس يفتش عن معنى الوجود في -نحيل يتلبسه بدين أعرج-
- من يحمي الكنوز الثقافية في الشرق الأوسط من الحروب؟
- مدن الأشجار المكتظة
- 30 رمضان.. ذكرى رحيل داهية العرب وحارس السنة وغدر بونابرت
- سينما ضد الموت والدمار.. 10 أفلام صورت بشاعة الحرب
- أسماء المدير تتصدر الفائزين بدعم صندوق مهرجان روتردام السينم ...


المزيد.....

- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - احمد كانون - الحديقة: جمهورية الغيوم والذات الحرة