أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المغرب العربي - احمد كانون - الجسد الأنثوي بين تجليات الجمال وسطوة الغريزة: قراءة في التشظي الإدراكي














المزيد.....

الجسد الأنثوي بين تجليات الجمال وسطوة الغريزة: قراءة في التشظي الإدراكي


احمد كانون
كاتب عقلاني حر

(Ahmed Kanoun)


الحوار المتمدن-العدد: 8669 - 2026 / 4 / 6 - 17:50
المحور: اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المغرب العربي
    


​لطالما شكل الجسد الأنثوي ساحةً لصراع خفي، صراع تتصادم فيه حتمية البيولوجيا مع محاولات الإنسان المستميتة لفرض المعنى وصناعة الحضارة. لا يمكننا استيعاب هذا المأزق الأنطولوجي في نظرتنا للجسد بمعزل عن تفكيك تلك الجدلية الأزلية بين "الجمال" كقيمة عليا، و"الإثارة" كدافع غريزي؛ فالتماهي المعاصر بين المفهومين ليس مجرد زلة لغوية، بل هو انعكاس لأزمة بنيوية في وعينا الحديث.
​إذا أردنا مقاربة هذا المأزق، يمكننا استعارة الثنائية النيتشوية الشهيرة، حيث يتجلى "الجمال" كحالة أبولونية (Apollonian) تعكس التناغم والنظام والسكينة. في لغة علم النفس التطوري، هذا الجمال هو هندسة بصرية (كتناسق الوجه وصفاء البشرة) تُترجم في اللاوعي إلى مؤشرات على النقاء الجيني وسلامة النمو. إنه خطاب يوجه رسائله إلى مراكز التذوق الجمالي، باعثاً على الارتقاء.
​في النقيض تماماً، تقف "الإثارة" كقوة ديونيسية (Dionysian) عاتية؛ بدائية، فوضوية، ومحكومة بالرغبة. الإثارة لا تستأذن الوعي الجمالي، بل تخترق الدفاعات العقلية مباشرة لتستفز أقدم أجزاء الدماغ (كاللوزة الدماغية). هي تعتمد على ما يمكن تسميته بالمحفزات الفائقة – كالتناسب التشريحي الصارخ – لتبث إشارات ملحة حول الخصوبة والاستعداد للتكاثر.
​هنا تبرز المشكلة: لو تُرِكت هذه الغريزة العمياء لتسود منفردة، لأحالت التجمعات البشرية إلى ساحات اقتتال ذكوري تفكك أي بنية اجتماعية محتملة. غير أن الإنسان لا يُختزل في استجاباته الغريزية أو البيولوجية؛ فالوعي الإنساني، بما يملكه من إرادة حرة وقدرة على التسامي، يظل القوة القادرة على كبح هذه الحتمية وتجاوز نداءات "اللوزة الدماغية" نحو بناء حضاري يعي ذاته.
​من رحم هذا التناقض، برزت الحاجة إلى تدخل صارم. لم تقف المجتمعات القديمة، ولا الأنساق الدينية الكبرى، مكتوفة الأيدي أمام هذه الفوضى البيولوجية. التدريعات السوسيولوجية – بدءاً من آليات الحجب الجسدي في القبائل البدائية وصولاً إلى التشريعات الأخلاقية للستر في الأديان الإبراهيمية – لم تكن مجرد كبت متعسف للجسد كما يحلو للبعض تصويرها. بل كانت، في جوهرها، محاولة ديالكتيكية (جدلية) لخلق مركب جديد ينقذ المجتمع؛ عبر تحييد المحفزات البيولوجية الصارخة، وإرساء "يقين الأبوة"، ضماناً لعدم تمزق النسيج المجتمعي. بيد أننا يجب ألا نقع في فخ الرومانسية التاريخية؛ فهذا الحل الديالكتيكي لم يكن محايداً بالمطلق، بل تماهى في أحيان كثيرة مع ديناميكيات الهيمنة الذكورية، ليتحول إلى أداة لفرض الوصاية على جسد المرأة وحركتها تحت غطاء الحفاظ على الاستقرار المجتمعي.
​ولكن، أين نحن اليوم من هذا التوازن؟
​لقد تكفلت الرأسمالية الاستهلاكية في عصر ما بعد الحداثة بتدمير هذه التسويات التاريخية. بمنطق يسعى لتعظيم الربح المادي بلا هوادة، تم سحق "الجميل" ودمجه قسراً في أتون "المثير". وكما حذر فلاسفة الاستهلاك، أمثال جان بودريار، تحول الجسد الأنثوي إلى مادة، أو بالأحرى، إلى "سلعة".
​هذا التشويه الهيكلي أفرز واقعاً مأساوياً نعيشه يومياً. فمن جهة، يُقصف العقل الذكوري بسيل لانهائي من المحفزات الفائقة عبر الشاشات، مما يرفع عتبة الإشباع (الدوبامين) ويخلق حالة من الاغتراب العاطفي والبرود تجاه الواقع. ومن جهة أخرى، تُزج المرأة في صراع عدمي مع الزمن؛ إذ تُسلب حقها في النضوج الطبيعي المتسق مع مراحل العمر، ليُفرض عليها سعي محموم نحو خلود وهمي لـ "الإثارة الاستهلاكية"، وهو ما يفسر الاكتئاب البنيوي الذي ينهش أجيالاً بأكملها.
​إلا أن الاستسلام لسردية "الضحية" يعفينا من المواجهة ويُرسخ انتصار هذه المنظومة الاستهلاكية. فالمسؤولية الأخلاقية تقتضي اليوم تخليق "وعي مضاد". العقل الذكوري مُطالب بتحمل مسؤوليته في التمرد على هذا التخدير البصري ورفض تسليع الآخر، تماماً كما أن المرأة مدعوة للثورة على قوالب الاستهلاك التي تصادر حقها في الوجود الإنساني المتجاوز لحدود التشييء الجسدي.
​في النهاية، يبدو أن استعادة وعينا الإدراكي مرهونة بمدى قدرتنا على الفصل المفاهيمي مجدداً بين الجمال والإثارة. الجمال هو حالة تماهٍ مع النظام الكوني تمنحنا السكينة، بينما الإثارة نداء بيولوجي حتمي لا يمكن ترويضه إلا داخل إطار سوسيولوجي منضبط وأخلاقي. التغافل عن هذه الثنائية، والاستسلام لمنطق السلعة، هو ببساطة إعلان لهزيمة العقل الحضاري الناقد أمام سطوة الغريزة وجشع السوق.



#احمد_كانون (هاشتاغ)       Ahmed_Kanoun#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- جينالوجيا العدالة: وهم المطلق، ومكابدة النسبي
- فلسفة التربية: بين حكمة القيادة ووهم السيطرة
- صنم الخارج ومورفولوجيا الدولة: الدستور بين سيف الغلبة وميزان ...
- انتحار المستعمرة: قراءة في كيمياء الفناء البشري
- ديالكتيك الخوف والمركزية: الوعي الجمعي بين غريزة النكوص وإرا ...
- ​العلمانية العربية: من الاستيراد القسري إلى الوعي العض ...
- الحديقة: جمهورية الغيوم والذات الحرة
- في يوم المرأة العالمي.. كرنفال التناقض الشرقي!!؟.
- سيمفونية الجسد: الرقص كوثيقة وجودية
- صراع النبوءات الرقمية: حين يمتطي -الجهل المقدس- صهوة التكنول ...
- الذكاء الاصطناعي هو ذكاء الطبيعة(الانتخاب الطبيعي) المعدل بش ...
- -التفوق الاسرائيلي/اليهودي.. وهم الجينات وحقيقة فن التحكم-:
- الدمج بين فلسفة التاريخ عند هيجل، وعلم النفس التحليلي عند فر ...
- -الشماتة المقدسة- او اذا اردتم، -الشامت الذي يظن أن الله معه ...
- اضطراب الشخصية الكاذب المتكرر
- القوة في (التوازن الديناميكي) و ليست في المرونة على حساب الث ...
- -الاتجاه أهم من السرعة-
- ما نخافه يتحقق ليس بسبب -قدر- أو -سحر-، بل بسبب آليات نفسية ...
- تفكيك جينولوجيا الوهم من جينولجيا الأخلاق:-
- شهوة السلطة ليست متجذرة في القوة بل في الضعف


المزيد.....




- لحظة إلقاء مشتبه به عبوة حارقة على منزل الرئيس التنفيذي لـ-O ...
- شاهد.. أعاصير مدمرة تضرب ولاية كانساس الأمريكية
- صور من محادثات مسؤولي لبنان وإسرائيل.. وهذا ما قاله وزير خار ...
- وسط صمت رسمي يثير التساؤلات.. انفجاران انتحاريان يهزان الجزا ...
- لافروف من بكين: الولايات المتحدة تؤجج التوترات في آسيا وتسعى ...
- -لا تغتصبوا الأفريقيات فالتونسيات جميلات-: تصريحات وُصفت بال ...
- حزب الله: لن نلتزم بنتائج المفاوضات المباشرة مع إسرائيل
- هل تمثل زيارة البابا دعماً للدبلوماسية الجزائرية؟ مقال في لو ...
- تقرير: العنف المعادي للسامية يبلغ أعلى ذروة له منذ ثلاثة عقو ...
- سابرينا كاربنتر تثير الجدل في كوتشيلا بعد تعليقها على “الزغر ...


المزيد.....

- حوار الرفيق ع.الغني القباج مع جريدة -المناضل-ة- / عبد الغني القباج
- عن الجامعة والعنف الطلابي وأسبابه الحقيقية / مصطفى بن صالح
- بناء الأداة الثورية مهمة لا محيد عنها / وديع السرغيني
- غلاء الأسعار: البرجوازيون ينهبون الشعب / المناضل-ة
- دروس مصر2013 و تونس2021 : حول بعض القضايا السياسية / احمد المغربي
- الكتاب الأول - دراسات في الاقتصاد والمجتمع وحالة حقوق الإنسا ... / كاظم حبيب
- ردّا على انتقادات: -حيثما تكون الحريّة أكون-(1) / حمه الهمامي
- برنامجنا : مضمون النضال النقابي الفلاحي بالمغرب / النقابة الوطنية للفلاحين الصغار والمهنيين الغابويين
- المستعمرة المنسية: الصحراء الغربية المحتلة / سعاد الولي
- حول النموذج “التنموي” المزعوم في المغرب / عبدالله الحريف


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المغرب العربي - احمد كانون - الجسد الأنثوي بين تجليات الجمال وسطوة الغريزة: قراءة في التشظي الإدراكي