أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث قانونية - نور جواد الدليمي - بين الرصاص والنص: كيف يقرأ القانون جريمة قتل المحامية نور الحمداني؟














المزيد.....

بين الرصاص والنص: كيف يقرأ القانون جريمة قتل المحامية نور الحمداني؟


نور جواد الدليمي

الحوار المتمدن-العدد: 8671 - 2026 / 4 / 8 - 00:14
المحور: دراسات وابحاث قانونية
    


واقعة تبدأ بخلاف… وتنتهي برصاصة

في مساء الاثنين السادس من نيسان، لم تكن البصرة على موعد مع خبر عابر، بل مع واقعة تصدم في تفاصيلها قبل نتيجتها. المحامية نور الحمداني، في الخامسة والثلاثين من عمرها، قُتلت على يد والدها، باستخدام سلاح من نوع "كلاشنكوف"، في مشهد تختلط فيه صفة الأبوة مع أقصى درجات العنف. وبينما سلّم الجاني نفسه بعد الحادث، كانت الضحية تصارع إصابتها في مستشفى الصدر التعليمي، قبل أن تفارق الحياة، وقد حمل جسدها آثار الطلق الناري، وكدمات الوجه التي تشير إلى أن العنف لم يكن لحظة واحدة، بل سلسلة انتهت بالقتل.

الواقعة، كما نُقلت، ترتبط بخلاف عائلي يُرجّح أنه مالي، لكن هذه التفاصيل – على قسوتها – لا تكفي وحدها لفهم الجريمة قانوناً. فالقانون لا يقف عند "ماذا حدث"، بل يتجاوز ذلك إلى سؤال أكثر دقة:
كيف يجب أن يُفهم ما حدث؟

القانون لا يرى الرصاصة… بل القصد

في الجرائم الجنائية، لا يكون الفعل وحده كافياً لتحديد الوصف القانوني، بل إن النية الكامنة خلفه هي التي ترسم حدوده. إطلاق النار، مهما بدا واضحاً في دلالته، لا يُصنّف قانوناً إلا بعد الإجابة عن سؤال مركزي:
هل أراد الجاني القتل فعلاً، أم أنه أراد الإيذاء فقط فانتهى الأمر بالموت؟

هذا السؤال، رغم بساطته الظاهرية، يفصل بين جريمتين مختلفتين تماماً في طبيعتها وعقوبتها.

بين الإيذاء والقتل: المسافة التي يصنعها القصد

إذا افترضنا أن الأب لم يكن يقصد قتل ابنته، وإنما اعتدى عليها بقصد الإيذاء، ثم أدّى هذا الاعتداء إلى وفاتها، فإن الواقعة تدخل في نطاق ما يُعرف بجريمة الضرب المفضي إلى الموت، وهي الجريمة التي يعاقب عليها القانون عندما تكون النتيجة أشد من القصد. هنا، لا يكون الموت مقصوداً، بل نتيجة تجاوزت نية الفاعل.
لكن هذا التصور يصطدم بطبيعة الوسيلة المستخدمة. فالسلاح الناري، وبالأخص سلاح مثل الكلاشنكوف"، ليس أداة إيذاء عادي، بل وسيلة قاتلة بطبيعتها، واستخدامها يثير – منطقياً وقانونياً – قرينة قوية على اتجاه الإرادة نحو القتل، لا مجرد الإيذاء.

حين يتحول الفعل إلى قتل عمد

إذا ثبت أن الجاني كان يقصد إزهاق روح ابنته، فإننا نكون أمام جريمة قتل عمد، وهي الجريمة التي تقوم على تلاقي الفعل مع القصد في اتجاه واحد. هنا لا يكون الموت نتيجة عرضية، بل الهدف الذي سعى إليه الفاعل.
لكن هذا التكييف، رغم خطورته، قد لا يكون النهاية، بل مجرد مرحلة أولى في فهم الجريمة.

الدافع الدنيء: حين لا يكون القتل مجرد قتل

القانون لا يكتفي بالنظر إلى الفعل والقصد، بل يمتد أحياناً إلى فحص الدافع. فإذا كان القتل قد وقع بسبب خلاف مالي، وتحول هذا الخلاف إلى سبب مباشر لإزهاق الروح، فإننا نكون أمام ما يسميه القانون الدافع الدنيء. وهنا لا يعود القتل مجرد اعتداء على الحياة، بل يصبح تعبيراً عن انحدار في الباعث الذي حرّك الجاني.
في مثل هذه الحالة، يرتقي الوصف القانوني إلى جريمة قتل مشددة، قد تصل عقوبتها إلى الإعدام، لا لأن الفعل تغيّر، بل لأن الدافع كشف عن خطورته الحقيقية.
ومن هنا، فإن التكييف الأقرب – في ضوء الوقائع المتاحة – هو أن الجريمة تمثل قتلاً عمداً مقترناً بدافع دنيء، وهو من أشد صور القتل في قانون العقوبات.

إشكالية صامتة في النص القانوني

لكن خلف هذا التكييف، تظهر إشكالية أعمق، لا تتعلق بالواقعة وحدها، بل ببنية النص القانوني نفسه. فالقانون يشدد العقوبة إلى أقصى حد إذا قتل الفرعُ أصلَه، أي إذا قتل الابن أباه، فيجعل العقوبة الإعدام. أما إذا انعكست الصورة، وقتل الأصلُ فرعَه، فإن هذا الظرف لا يُعد مشدداً، ولا يؤدي تلقائياً إلى النتيجة نفسها.
وهنا يبرز تساؤل لا يفرضه الواقع فقط، بل النص أيضاً:
لماذا يُنظر إلى الجريمة بشكل مختلف تبعاً لاتجاهها داخل الأسرة؟
أليس الاعتداء على الحياة واحداً في جوهره، بغض النظر عن موقع الجاني والمجني عليه؟

بين المجتمع والقانون: من يحكم على الجريمة؟

لا شك أن المجتمع سيجد في هذه الواقعة ما يفوق مجرد الجريمة، وسيراها خرقاً أخلاقياً ودينياً قبل أن تكون فعلاً مجرّماً. لكن القانون لا يتحرك بهذا المنطق، فهو لا يعاقب لأن الفعل صادم، بل لأنه يندرج تحت نص محدد، ويستوفي شروطاً دقيقة.
وهنا تظهر إحدى أهم خصائص القانون الجنائي:
أنه لا يعاقب على "ما نرفضه"، بل على "ما قرر المشرّع تجريمه".

خاتمة: حين يكون الفهم أهم من الحكم

ليست صعوبة هذه القضية في تحديد أن جريمة قد وقعت، فهذا أمر لا خلاف عليه، بل في كيفية قراءتها قانوناً دون الانجراف وراء وقعها العاطفي. فبين الإيذاء والقتل، وبين القتل العادي والقتل المشدد، تتحرك مفاهيم دقيقة لا تُحسم بالانطباع، بل بالتحليل.
وفي النهاية، قد تكون الحقيقة الأقسى التي تكشفها هذه الواقعة ليست فقط أن الرصاصة أُطلقت، بل أن فهمها قانوناً يتطلب قدراً من التجرد لا يملكه إلا المختصون في هذا المجال.



#نور_جواد_الدليمي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تعظيم الإيرادات… حين تتحول الرسوم إلى خدمة لا عبء
- العراقي في حروب العالم… أين يقف القانون من المقاتلين في الحر ...
- ليس قضاءً وقدراً… داء الكلب في العراق جريمة صامتة يتحمّل الج ...
- سرقة الجوارب أمام القضاء: حين تتحول السرقة التافهة إلى ملف ج ...
- الكهرباء في العراق: لماذا خرجت بعض المناطق من الظلام وبقيت أ ...
- حين يصبح الزي الموحد جزءاً من الطريق: هل الزام اصحاب الكيات ...
- 120 مليون دولار كادت تُنتزع من العراق… كيف قلب ملف قانوني من ...
- حين يتحول الخلاف الأسري الى شروع في القتل: قراءة قانونية في ...
- جريمة السحر والشعوذة في المقابر:سرد أدبي لوقائع حقيقية
- فحص المخدرات عند التعيين… حلٌّ ناقص لظاهرة خطيرة: لماذا نحتا ...
- أخطر ثغرات دعوى منع المعارضة في القانون العراقي… وكيف تتجنب ...
- الصك بين الحقيقة القانونية والواقع: هل هو أداة وفاء أم أداة ...
- أسرار اختيار أفضل محامي في العراق: الدليل الذي يبحث عنه الجم ...
- لا تملك دليلاً مكتوباً؟ إليك الطريق السري لاسترجاع دينك
- كارثة الكوت: عندما يتحول الإهمال إلى مقصلة جماعية – قراءة قا ...


المزيد.....




- رئيسة الجمعية العامة للأمم المتحدة ليورونيوز: الحروب الجارية ...
- مسيرة حاشدة في الأردن تنديدا بإغلاق الأقصى وقانون إعدام الأس ...
- برنامج الأغذية العالمي: لبنان يقترب من أزمة أمن غذائي
- أزمة إنسانية خانقة بلبنان وضغط هائل على فرق الإغاثة
- برنامج الأغذية العالمي يحذر من أزمة أمن غذائي في لبنان بسبب ...
- دماء في غزة وتشكيك في المساعدات: مقتل 5 أشخاص جراء قصف إسرائ ...
- وزير الخارجية الإسباني: الحرب في لبنان عار على الإنسانية وأر ...
- الشرطة الإيرانية: تفكيك شبكة لتهريب السلاح واعتقال أعضائها ف ...
- مفوضة حقوق الإنسان الروسية تخطط للقاء المفوض الأممي السامي ل ...
- الأنبار تشدد على تسعيرة المولدات.. وحملة اعتقالات تطال المخا ...


المزيد.....

- الوضع الصحي والبيئي لعاملات معامل الطابوق في العراق / رابطة المرأة العراقية
- التنمر: من المهم التوقف عن التنمر مبكرًا حتى لا يعاني كل من ... / هيثم الفقى
- محاضرات في الترجمة القانونية / محمد عبد الكريم يوسف
- قراءة في آليات إعادة الإدماج الاجتماعي للمحبوسين وفق الأنظمة ... / سعيد زيوش
- قراءة في كتاب -الروبوتات: نظرة صارمة في ضوء العلوم القانونية ... / محمد أوبالاك
- الغول الاقتصادي المسمى -GAFA- أو الشركات العاملة على دعامات ... / محمد أوبالاك
- أثر الإتجاهات الفكرية في الحقوق السياسية و أصول نظام الحكم ف ... / نجم الدين فارس
- قرار محكمة الانفال - وثيقة قانونيه و تاريخيه و سياسيه / القاضي محمد عريبي والمحامي بهزاد علي ادم
- المعين القضائي في قضاء الأحداث العراقي / اكرم زاده الكوردي
- المعين القضائي في قضاء الأحداث العراقي / أكرم زاده الكوردي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث قانونية - نور جواد الدليمي - بين الرصاص والنص: كيف يقرأ القانون جريمة قتل المحامية نور الحمداني؟