|
|
الحرب والصراع الطبقي
سعود سالم
كاتب وفنان تشكيلي
(Saoud Salem)
الحوار المتمدن-العدد: 8669 - 2026 / 4 / 6 - 15:43
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
لا تظهر الحروب كنيازك ساقطة في سماء التاريخ، ولا تأتي بوصفها حوادث عابرة أو انقطاعات مفاجئة. إنها نتيجة خطوط توتر عميقة تراكمت عبر الزمن، تجسيدٌ حاد للتناقضات المزروعة في قلب البُنيان الإقتصادي الرأسمالي. وكذلك الأمر بالنسبة لما نسمّيه «الأزمة الاقتصادية»؛ فهي ليست عطلاً مؤقتاً في النظام، بل إحدى آلياته المفضّلة لإعادة توزيع الفقر والحاجة وتشديد قبضة الطبقات المهيمنة على شروط الحياة والعمل. لا شيء يحدث خارج منظومة مترابطة من علاقات السيطرةالسلطوية؛ كل شيء يتآلف وفق منطق يُملي على مجتمعاتنا ما هو ممكن، وما هو مقبول، وما هو مُستباح. أمام هذه البنية، لا يمكن للفعل السياسي أن يختزل في تناوب بين "مدراء" أكثر أو أقل رأفة بالمنتجين، فالمسألة ليست تلطيف وتجميل إطارٍ قائم وجعله أكثر إنسانية، لأن إنسانية النظام الرأسمالي تكمن في تراكم الأرباح وليس في توزيعها على من أنتج هذه الأرباح. بل دور الفعل السياسي هو مساءلة هذا النظام من جذوره: مساءلة ملكية أدوات الإنتاج، من مصانع وآلات واراض ومؤسسات، أي تطبيق المقولة التاريخية " من أين لك هذا؟ "، كيف يمكن لمواطن أن يمتلك آلاف الهكتارات بينما مواطن آخر من نفس القرية أو المدينة لا يملك شبر واحد من أراضي وطنه؟ كيف يكون هذا ممكنا؟ أي شكل من أشكال الحياة يُعدّ معياراً؟ إن الصراع السياسي الذي يحقق تقدما للمجتمع ليس مسرحاً صغيراً لطموحات فردية، بل جهداً جماعياً، صاعداً، تتلمّس فيه طبقةٌ إجتماعية مشتّتة ومهمشة وعيها بذاتها كقوة تاريخية. هذا الصراع، إذا أراد أن يكون فعّالاً، لا بدّ أن ينهل من القدرة على نسج الروابط بين أفرادها في زمنٍ تحوّل فيه الأفراد إلى جزر منفصلة. إنه إعادة اكتشاف لـ «نحن» التي هشّمتها المنافسة والتشرذم والحركة الدائمة للأفراد والصراع من أجل الحياة. فالصراع الطبقي ليس مجرد نظرية، بل ممارسةٌ مشتركة، طريقةٌ لإعادة التعلّم والوعي بقدراتنا على تغيير العالم، أن نشعر معاً، أن نفكّر معاً، أن نعمل معاً، أن نناضل معا. أدوات هذه الاستعادة ليست تنظيمية فقط، بل تنتمي أيضاً إلى شاعرية الفعل وإندماجه في نسيج المجتمع. هناك مجالس القاعدة الإجتماعية، وهي متعددة، الإحتفالات، الأفراح والمآتم، الأعياد، الرياضة، التجمعات المختلفة، المظاهرات السياسية، والتظاهرات الفنية من معارض ومحاضرات ونشاطات متنوعة إلخ، حيث تجد الأصوات المتفرّقة فضاءً للتتناغم ولتبادل التجارب. وهناك الإضراب، ليس كرفضٍ فحسب، بل كإعلان عن إمكانية العمل الجماعي وقوته، فعندما يتوقّف العمل في ورش العالم، يظهر أن هذا العالم قائم برمته على أيادٍ غير مرئية. وهناك الفعل المباشر، حين يقرر جمعٌ من الناس أن الكرامة لا يمكن أن تنتظر إذناً قانونياً. وهناك، قبل كل شيء، أشكال التضامن التي تُجسّد ملامح مجتمعٍ آخر، مجتمع لا يقوم على التبادل الربحي أو تراكم فائض القيمة، بل على المسؤولية المتبادلة. ولأن القوى التي تحكمنا، هي قوى عالمية عابرة للحدود، فإن الروابط والتحمعات التي تقاومها يجب أن تمتد بدورها على خريطة العالم. فالأممية ليست فضيلة إضافية، بل الشرط العملي الوحيد لمواجهة سلطة عاتية عابرة للقوميات. ابتكار بديل عن الاستسلام لا يعني مجرّد بناء حلم طوباوي، بل هو فتح ثغرات في أسوار الحصار، هنا والآن، في جسد النظام القائم. ثغرات نلمح فيها ما يمكن أن يكون عليه مجتمع يدير شؤونه بنفسه من دون الخضوع لمنطق الربح وبدون سلطة تراتبية. في هذه الثغرات، يلوح تصور لإنشاء بنى اجتماعية جديدة تُعاد فيها صياغة الحاجات الإنسانية انطلاقاً مما يجعل الحياة ممكنة من الغذاء، الرعاية الصحية، السكن، الطاقة، الإتصالات ووسائل التنقل، ولكن أيضا علاقة جديدة بالزمان والمكان والمعنى والجمال، والقدرة على العيش خارج سباق الإنتاجية العقيم. كما تظهر فيها بذور ديمقراطية ملموسة، متجذّرة، متعددة المراكز، حيث تنبع القرارات من التجربة المشتركة لا من سلطة متعالية، ويستعيد فيه المواطن هويته كإنسان بدلا من الهوية المفروضة عليه كمستهلك أو كناخب أو كمواطن. الفردانية المعاصرة Individualisation، وهي قدرة الإنسان على اتخاذ قراراته الذاتية، وصياغة مشروع حياته، وتحمّل مسؤولية هويته، عادة ما تقود - في بعض المجتمعات المحاصرة فكريا بالجهل والدين والقومية إلى "الأنانية - Egoism" وهي جعل الذات مركزًا حصريًا للمصلحة، مع تجاهل التزاماتها تجاه الآخرين. غير أن هذه الأنانية المرضية ليست قدراً، بل حالة مُصنّعة، ضبابٌ اجتماعي يجعل المرء عاجزاً عن رؤية من يقف إلى جانبه. ولتفكيك هذا الضباب، نحتاج إلى أماكن يتداول فيها الناس الكلمة، تُتقاسم فيها المعرفة، ويصبح فيها الغضب إدراكاً مشتركاً لا عزلة خانقة. أن نكون هجوميّين في مناخ مثقل بالإنهاك لا يعني تجاهل التعب، بل المرور من خلاله. يتطلب الأمر ابتكار ممارسات بسيطة ومثابرة، تُغذي اقتناعاً بأن أشكالاً أخرى للحياة لا تزال ممكنة، وأن محاولة المستحيل هو "معنى" الحياة وهدفها العبثي . فالمقاومة وحدها لا تكفي؛ لا بدّ من الخيال، تلك القوة التي تنتشل الفكر من بداهاته التي تنشر الشلل في كل أطراف المجتمع. إن الصراع الطبقي ليس مجرد مواجهة، بل هو- في جوهره الأعمق - إعادة تركيب للحسّ، طريقة لجعل ما كان مخفياً مرئياً، ولإتاحة التفكير فيما كان يبدو غير قابل للفكر، ولجعل ما كان غير مُتصوّر قابلاً للرغبة. إنه فعل مقاومة وفعل خلق جماعي. إنّ « نحن » التي نتحدّث عنها في سياق الصراع الاجتماعي ليست « نحن الليبيين » ولا « نحن العرب » ولا « نحن الأمازيغ » ولا أي جماعة تُعرَّف بحدود الدولة أو رموزها. إنّ « نحن » الحقيقية - الممتدة عبر الأزمنة والأنظمة - ليست « نحن » جوازات السفر ولا نحن المرتبطة باللغة أو الدين أو الجغرافيا أو التاريخ، بل « نحن » الشروط المادية الحالية نفسها، نحن المُستغَلّين، نحن العمّال الذين تُسخَّر حياتهم لمراكمة الأرباح، نحن غير المرئيين الذين لا يسير العالم بدونهم، ومع ذلك لا نملك شيئاً، سوى سلاسلنا. إن قول « نحن » بهذا المعنى هو قطيعة مع الوهم القائل بأن مصالح الشعب تتطابق مع مصالح حكّامه ومع مصالح الدولة. فالطبقات المسيطرة تلوّح بخطاب الأمة عندما تريد ضبط المجتمع أو تبرير الحروب وقمع الحريات، لكنها تتخلّى عنه فوراً عندما تتجاوز التضامنات الحدود وتخلق علاقات تضامن بين العمال في بلدان مختلفة يتقاسمون التجربة نفسها من القهر. فالورشة والمصنع والمستشفى والمدرسة والمزرعة والمتجر ومستودع البضائع ليست لها جنسية ولا جواز سفر. وسلاسل الإنتاج لا تعترف بعَلَمٍ أو نشيد أو ديانة أو قومية. ومن يعمل ليعيش من عرقه يشترك، في الواقع، مع عامل آخر على بعد آلاف الكيلومترات في قارة أخرى بأكثر مما يشترك مع الرأسمالي-الملياردير المولود في الشارع نفسه. وهكذا تتكوّن « نحن » آخرى، « نحن » عابرة للقارات وتتجاوز الأمم واللغات والأديان، مبنية على الأيدي المتعبة، والتجارب المشتركة، والأجور غير الكافية، ولكن أيضاً على الآمال التي يحملها الجميع في ثورة شاملة من أجل الحياة كإنسان. « نحن » ترفض أن تتحول الحدود إلى سلاح لتفريق من يقمعهم النظام نفسه. « نحن » تدرك أن الطبقة تسبق الأمة، وأن الكرامة لا لون لها ولا هوية وطنية وأنه لا معنى للحرية إذا لم تكن حرية للجميع. هذه الـ « نحن » ما تزال هشة، وربما لا وجود لها، فغالباً ما يطغى عليها الخطاب الهويّاتي الضيق الذي يملأ الفضاء العام نتيجة الخوف من الآخر وعدم الثقة في النفس. لكنه يبقى الأساس الوحيد القادر على بناء تضامن فعلي. فحين نتعرّف إلى أنفسنا كطبقة مستغلة ومهمشة وغير مسموعة - متجاوزين الهويات المصطنعة من اللغات والأديان والقوميات - يصبح ممكناً فتح أفق تحرّري جديد، أفق إنسانيةٍ تعي أنّ ما يربطها هو شرط العمل المشترك، والرفض المشترك للاستغلال وللعسكر والحروب المدمرة.
#سعود_سالم (هاشتاغ)
Saoud_Salem#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
محاولة يائسة لمواجهة الحرب
-
الدولة: العدو الأول للمواطن
-
منطق الحرب « نحن - و - هم-
-
إسرائيل وعقدة إيران
-
الأشياء الصغيرة
-
فشل التمرد
-
ثورة ديسمبر
-
الإعداد لتمرد ديسمبر
-
الرؤيا
-
الكتابة
-
الموجيك والثورة العدمية
-
رقصة الموت
-
بوغاتشيف وتمرد القوزاق
-
قلعة بطرس وبول المرعبة
-
عيون اوفيليا
-
مقاطع
-
ثمن العودة
-
الجيش الأمريكي والسيطرة على الكرة الأرضية
-
كل عام وأنتم بخير
-
مزايا الجيوش وصناعة الحرب
المزيد.....
-
وسط تراجع شعبيته.. استطلاع لـCNN يكشف تحولا في الرأي بين ناخ
...
-
-تمالك نفسك أيها الرجل العجوز-.. سفارات إيران تسخر من ترامب
...
-
ترامب يوضح سبب استخدامه ألفاظًا نابية عندما هدد إيران بـ-الج
...
-
-يا مجانين- و -يا أولاد …- بكلمات نابية ترامب يهدد إيران لفت
...
-
السفارة 87: هل دفعت الحرب مجموعة #MBC لتأجيل عرض مسلسل يروي
...
-
مقالات مقابل 250 إلى 700 دولار: كيف تؤثر روسيا على المحتوى ا
...
-
ترمب: الثلاثاء هو الموعد النهائي لإيران
-
مسؤول إيراني رفيع يوضح للجزيرة نت إستراتيجية طهران إزاء العب
...
-
قصف منشآت صناعية وتعليمية إيرانية والحرس الثوري يستهدف سفينة
...
-
الحوثيون: استهدفنا إيلات بعملية مشتركة مع الحرس الثوري وحزب
...
المزيد.....
-
كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام
/ احمد صالح سلوم
-
كتابات غير.. ساخرة
/ حسين جداونه
-
يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية
/ حسين جداونه
-
جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا
...
/ احمد صالح سلوم
-
مقالات في الثورة السورية
/ عمر سعد الشيباني
-
تأملات علمية
/ عمار التميمي
-
في رحيل يورغن هبرماس
/ حامد فضل الله
-
بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر
...
/ رياض الشرايطي
-
أطلانتس
/ فؤاد أحمد عايش
-
أطلانتس
/ فؤاد أحمد عايش
المزيد.....
|