أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمود عبد الله - بين الحلم واليقظة (قصة قصيرة):














المزيد.....

بين الحلم واليقظة (قصة قصيرة):


محمود عبد الله
أستاذ جامعي وكاتب مصري

(Dr Mahmoud Mohammad Sayed Abdallah)


الحوار المتمدن-العدد: 8664 - 2026 / 4 / 1 - 02:51
المحور: الادب والفن
    


بين الحلم واليقظة (قصة قصيرة)
بقلم: ا.د محمود محمد سيد عبدالله - أستاذ المناهج وطرق تدريس اللغة الإنجليزية (كلية التربية - جامعة أسيوط)

حين استيقظ سامر تلك المرة، لم يكن الصباح مجرد امتدادٍ ليومٍ سابق، بل بدا كأنه سؤالٌ مُعلّق: أيّهما أكثر صدقًا—ما نعيشه ونحن يقظون، أم ما نراه ونحن نائمون؟

ظلّ مستلقيًا لحظات، يتأمل أثر حلمٍ كان قد أفلت منه للتو. كان حلمًا جميلًا، على نحوٍ جارح؛ من تلك الأحلام التي تمنحك حياةً كاملة في دقائق، ثم تسحبها منك عند أول ارتطامٍ بالوعي. رأى نفسه فيه خفيفًا، بلا صراع، بلا ذلك الصوت الداخلي الذي لا يهدأ. وحين فتح عينيه، أحسّ بشيءٍ من الخسارة، كأن الحياة الحقيقية أقلّ رحمةً من الوهم.

ثم تذكّر كوابيس أخرى، ثقيلة، خانقة، كان يستيقظ منها مذعورًا، فيحمد الله طويلًا أنها لم تكن سوى حلم. عندها فقط أدرك مفارقةً طالما غفل عنها:
أن الإنسان يهرب إلى النوم ليجد عالمًا أصدق، ثم يعود منه ليكتشف أن النجاة أحيانًا تكون في الاستيقاظ منه.

نهض، ومضى نحو النافذة. كان النيل بعيدًا قليلًا، لكنه حاضرٌ في ذاكرته أكثر مما هو في نظره. أحبّ الماء منذ صغره، ربما لأنه يشبهه: هادئٌ في ظاهره، عميقٌ ومضطرب في باطنه، يمضي ولا يفسر نفسه لأحد.
كان يجد في الخضرة عزاءً، في الأشجار التي لا تشرح سبب صمودها، في القطط التي تحب بلا حساب، في الطيور التي لا تعرف فلسفة الحياة لكنها تعيشها كاملة. كان يراها أقرب إلى الفطرة، إلى ذلك الصفاء الذي فقده البشر وهم يزدادون “وعيًا”.

جلس قليلًا، وأعاد ترتيب أفكاره، أو حاول. كان داخله مزدحمًا بصراعٍ لا يهدأ:
بين رغبةٍ في التديّن، في الانضباط، في أن يكون “كما ينبغي”،
وبين نزعةٍ أخرى، خفية، نحو التحرر، نحو أن يخفّف هذا الثقل الذي وضعه على روحه.

لم يكن متمرّدًا، لكنه لم يكن مستسلمًا أيضًا.
كان يقف في منطقةٍ وسطى، متعبة، حيث لا اليقين يكتمل، ولا الشكّ يُريح.

وكذلك كان شأنه مع العمل.
لم يكن كسولًا، لكنه كان يكره ذلك الإكراه الداخلي الذي يدفعه إلى ما هو أبعد من طاقته.
كان يعمل بجدٍّ شديد، لا لأنه يحب العمل دائمًا، بل لأنه يحمل في داخله وعدًا قديمًا: أن يثبت، أن ينجح، أن يقول—بطريقته—لكل من سخر منه يومًا: “لم أكن كما ظننتم.”

وقد نجح. بل فاق ما تخيّله لنفسه.
عرف قدراته جيدًا، واستثمرها بذكاء، لكنه في الطريق حمّل نفسه ما لا تُطيق.
كان كل إنجازٍ يضيف حجرًا جديدًا إلى بناءٍ داخليٍّ لا يعرف متى يكتمل.
وفي العمل، لم يكن الطريق مفروشًا بالورود.
كان هناك دائمًا من يضيق به، من يستفزه، من يحاول عرقلته—لا لشيءٍ إلا لأنه مختلف، أو لأنه يرفض أن ينخرط في ذلك النسق الخشن الذي يخلط القوة بالفوضى، والصوت العالي بالحضور.

فآثر العزلة.
جلس في مكتبه، أمام جهازه، بالساعات.
أحبّ الآلات لأنها لا تُراوغ، لا تُسيء الفهم، لا تتدخل فيما لا يعنيها.
في عالمٍ فقد فيه ثقته بالبشر، بدت له الأشياء الصامتة أكثر وفاءً من الوجوه.

لم يكن يكره الناس، بل خاب أمله فيهم.
رأى كيف تُستبدل الغايات الكبيرة بصراعاتٍ صغيرة،
كيف يُهدر الوقت في الخصام،
كيف تتحول منصات يفترض أن تُقرّب المسافات إلى ساحاتٍ للسبّ والتشهير،
وكيف يُقاس الإنسان أحيانًا بقدر ما يعلو صوته، لا بقدر ما يصدق.

في خضمّ ذلك، كانت ليلى.
لم تأتِ في وقتٍ عادي، بل دخلت حياته وهو على حافة تعبٍ عميق.
لم تكن تشبه أحلامه القديمة، تلك التي رسمها في مراهقته بملامح مثالية، لكنها كانت أكثر واقعية، وأكثر ضرورة.
قصص الحب التي عاشها قبلاً بدت له لاحقًا كأنها تدريبات على الوهم—جميلة، نعم، لكنها لم تكن قابلة للحياة.

أما ليلى، فكانت قابلة للبقاء.

تحمّلته كما هو، أو حاولت.
رأت قسوته، ولم تُفسّرها على أنها طبع، بل أثر.
أدركت أن الطفل الذي سُخر منه يومًا لا يزال يعيش فيه، وأن بعض الحدة التي تظهر عليه ليست إلا درعًا متأخرًا.
لم تحاول تغييره بعنف، بل بالصبر.
كانت تُمسك بيده حين يضيع، وتتركها حين يحتاج أن يواجه نفسه.

قالت له مرةً، بهدوءٍ لا يخلو من حزم:
“أنت لا تحتاج أن تكون قاسيًا لتبقى قويًا.”

لم يُجب فورًا، لكنه لم ينسَ الجملة.

كان في داخله تناقضٌ آخر، أكثر خفاءً:
يحب الناس، ويحب أن يُحب، ويعطي بلا حساب،
ثم يندم لأنه لا يعرف كيف يقول “لا”.
كان يخجل من رفض الطلبات، حتى لو أثقلت عليه،
وكان يكره هذا في نفسه، كما لو أنه ضعفٌ لا يليق بالصورة التي بناها عن ذاته.

ومع ذلك، لم يستطع أن يتخلّى عنه تمامًا.
لأن تلك الطيبة، وذلك الخجل، وتلك الرغبة في العطاء—
كانت، paradoxically، أكثر ما يُبقيه إنسانًا.

في المساء، خرج يتمشى.
اختار شارعًا هادئًا، كما اعتاد.
كان يحب المشي دون هدف، كأن الحركة نفسها تفكيرٌ صامت.
مرّ بجانب شجرةٍ يعرفها، ألقى عليها نظرةً طويلة، ثم ابتسم ابتسامةً خفيفة.
لم يكن يعرف لماذا، لكنه شعر أن هناك أشياء في هذا العالم لا تزال على حالها، وهذا يكفي أحيانًا.

حين عاد، جلس وحده، وأطفأ الأنوار، وترك الأباجورة تضيء نصف الغرفة فقط.
فكّر في الموت—لا برعبٍ هذه المرة، بل بفضولٍ حذر.
ليس لأنه يتمنى النهاية، بل لأنه بدأ يفهم أن الحياة ليست ملكًا خالصًا له، وأنها، مثل الحلم، تُعطى وتُسترد.

ثم خطر له، دون جهد:
ربما ليست المشكلة في أن الحياة كانت قاسية،
ولا في أن الأحلام كانت أوهى مما ظن،
بل في أنه حاول أن يجعل كل شيءٍ نهائيًا—
بينما الحقيقة أن كل ما نعيشه، يقظةً أو حلمًا،
ليس إلا عابرًا…
لكن أثره فينا هو ما يبقى.

أغمض عينيه.
لم ينتظر حلمًا جميلًا، ولم يخف من كابوس.
ترك الأمر لما سيأتي.

وللمرة الأولى منذ زمن،
لم يشعر أنه في صراعٍ مع يومه القادم.



#محمود_عبد_الله (هاشتاغ)       Dr_Mahmoud_Mohammad_Sayed_Abdallah#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مجرد رأي: نهاية صناعة السينما في مصر!!
- المواطنة والتعايش السلمي مع الآخر!
- تأملات في الحياة: تلك هي إرادة الله!
- نصيحة لأئمة المساجد عند خطبة الجمعة!!
- الفرق بين الزمالة والصداقة!
- السيكودراما (وجهة نظر)!!
- السياق مطلوب!
- صعوبة اقناعهم بعدما ساروا في طريق اللاعودة!!
- همسة اليوم: -كل إناء بما فيه ينضح-!!
- مجرد رأي: رسالة إلى منتقدي مسلسل -الحشاشين-
- همسة اليوم: الفقر المعنوي!!
- وجهة نظر: التغير والثبات!!
- همسة اليوم: نصيحة لكل الإداريين في مصر!!
- همسة اليوم: البحث عن الأمن والأمان!!
- مجرد رأي: لماذا نبحث عن حياة أخرى خارج الأرض؟!
- همسة رمضانية (7): المشاحن (سيء الخلق)
- اضطراب الفيسبوكسيا Faceboxia
- همسة اليوم: هكذا علمتني الشطرنج!
- فن إدارة الوقت (2)
- شكرا 2022 - فقد علمتيني أن:


المزيد.....




- لماذا يثير كتاب لطه حسين جدلاً منذ مئة عام؟
- الفنان عزيز خيون: المسرح العراقي -رسالة تنويرية-
- فيديو مسرّب لمدير الـFBI كاش باتيل… يُظهره يرقص على أنغام مو ...
- بعد سنوات من الغياب.. سيلين ديون تعود إلى المسرح من بوابة با ...
- الأدب في زمن الشاشة.. هل انتهت هيبة الورق؟
- سيلين ديون تعلن عودتها إلى المسرح
- دورة ثامنة ل-الإكليل الثقافي- في الرباط حول الجهوية المتقدمة ...
- القضاء التونسي يحكم بسجن الصحفي غسان بن خليفة عامين والنقابة ...
- سيلين ديون تعلن عودتها إلى المسرح من برج إيفل: -أنا مستعدة- ...
- كيف حوّل زكي ناصيف دبكة القرية اللبنانية إلى هوية وطنية؟


المزيد.....

- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمود عبد الله - بين الحلم واليقظة (قصة قصيرة):