أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أسامة عرابي - وداعًا سمير غريب..المثقف اليقظ، والفنان ذو الوعي الشامل















المزيد.....

وداعًا سمير غريب..المثقف اليقظ، والفنان ذو الوعي الشامل


أسامة عرابي
(Osama Shehata Orabi Mahmoud)


الحوار المتمدن-العدد: 8661 - 2026 / 3 / 29 - 09:11
المحور: الادب والفن
    


عرفته عن كثبٍ مُذ عملنا معًا في مجلةٍ كانت ستصدر عن دار أخبار اليوم في السياسة الدوليَّة برئاسة تحرير الكاتب الكبير الرَّاحل محمد العزب موسى، وأعددنا ثلاثة أعداد زيرو توطئة لتدشينها.لكن المرحوم موسى صبري رأى ألَّا ضرورة لصدورها، وتكفيه صفحة السياسة الخارجية لجريدته!

كان سمير متحمسًا، ذكيًّا في اختياراته، يُعينه في ذلك إجادته للغة الفرنسية، التي ترجم لنا من خلالها فصولًا مهمَّة في جريدة الأخبار من كتاب جيل بيرو "رجل من نسيج خاص" عن القائد الشيوعي المصري هنري كورييل، بلغة دقيقة وفيَّة بمراميها السياسية، عوَّضتنا عن ركاكة بعض الترجمات للكتاب ذاته.

كتب سمير غريب مقالاتٍ ضافيةً رصينةً في الفن التشكيلي بدأت بكتاب "كتابات من زمن الحرية"، أتبعه بجزءٍ ثانٍ بعنوان"كتابات الزمن الآخر"، ثم جاء الجزء الثالث باسم"كتاب الفن".راميًا من وراء ذلك إلى "نشر الوعي بالفن التشكيلي، وإلى تقدُّم هذا الفن الجميل في مصر" على حدِّ تعبيره.
وكان قد سبقهم جميعًا بكتابيْن مهميْن بعنوان" السريالية العالمية" و"السريالية في مصر" بعد أن اكتشف معهما"أن مصر في الثلاثينيات والأربعينيات كانت أكثر تحررًا فكريًّا ونشاطًا ثقافيًّا مما هي عليه في الثمانينيات(وقت صدور كتابه هذا)".فقد كانت مصر تموج بحركات ثقافية حيَّة من اتجاهات مختلفة رصد بعضها:كانت حركة الفن والحرية جزءًا من الحركة السريالية العالمية في نهاية عصرها الذهبي.وبينما كانت مجلة "أنيفور" تنشر رسائل من بول فاليري إلى جماعة "المحاولين"، كان طه حسين ينشر في مجلة "الكاتب المصري" رسائل من أندريه جيد، مثلما كان جورج حنين ينشر رسائل من أندريه بريتون إلى السرياليين المصريين.
وقد كتب سمير هذيْن الكتابيْن عن الحركة السريالية؛ لأنه وجد فيهما "ثورة ثقافية" ونحن الآن في حاجةٍ إلى ثورة ثقافية".كما وجد كتاباتٍ عن السريالية تفتقر إلى المعرفة الكاملة والحقيقية عنها، كما لمسه عند المفكِّر الفني حامد سعيد الذي نعتها بأنها "التعثر في أذيال النفس عند محاولة الخروج من ظلمة الشكّ".وكان عباس محمود العقاد ضدَّ السريالية لأنها "تشويه للذوق السليم في الأدب والفن، وتجعل الذوق المريض هو القاعدة، والهذيان هو المنطق، والجنون هو العبقرية"!

وغضب سمير لأن مَنْ هاجموا السريالية لم يقرءوها، ولم يختبروها في مصادرها الأصلية.ذلك أن "أغلب المراجع السريالية الهامَّة غير مترجمة إلى العربية.وكتبَ أندريه بروتون مؤسِّس السريالية عشرات الكتب والقصص لم يُترجم أيٌّ منها إلى العربية.وكتب أراجون وفيليب سوبول وبول إيلوار وأنطوان أرتو مئات القصائد غير المترجمة إلَّا بعض المنثورات هنا وهناك."
وفي هذا الإطار، تحمَّس سمير لمشروع المتمرد السريالي العراقي عبد القادر الجنابي في تأسيس سريالية عربية حديثة.

واتَّصل بالسيدة إقبال العلايلي (بولا) زوجة الشاعر المصري العظيم جورج حنين، الذي أسَّس الجماعة السريالية المصرية، وسوينا وسيلفي ابنتي الفنان والناقد الموسوعي رمسيس يونان؛ لمدِّهِ بموادّ ووثائق تُعينه على وضع كتابيْه هذيْن، عندئذ اكتشف كَنزًا وثورة هي "روح الخروج من شرنقة فنون السكك الحديد، أي الفنون التي تسير على قضبان لا تخرج عليها، حتى في الخيال".مُشدِّدًا على أن هذا في نظره "أهم أسباب "أزمة الثقافة" في مصر الآن التي بتحدثون عنها".

وظلَّ رائد سمير في الفن كما ترجمه في كتبه هو "نفس الدرس الذي أضاءته السريالية: التحطيمُ عملٌ فنيٌّ، مثلما هو بناء.. الخيال هو المُقدَّس الوحيد في الواقع.. لا ثقافة بلا حريَّة".

وقد ختم سمير غريب حياته بكتاب كانت تفتقر إليه المكتبة العربية؛ ألا وهو كتاب "محمود حسين كما عرفته"، وهو اسم يكتب به مفكِّران مِصريان مقيمان في باريس هما بهجت محمد محمد النادي، الشهير ببهجت النادي، وإدي ليفي الشهير بعادل رفعت، راويًا لنا سيرتهما الفكريَّة والنضالية في صفوف الحركة الشيوعيَّة المِصريَّة، ومعرِّفًا بنتاجهما العلمي الثري، الذي بدأ بكتابهما الرائد "الصراع الطبقي في مصر من 1945 إلى 1970"، ثم "العرب في الحاضر"، و"أزمة الإمبريالية"، و"بعثة بونابرت في مصر"، و"السيرة..نبيّ الإسلام كما يرويه أصحابه وصحابته"، و"التفكُّر في القرآن، أو القرآن بين السماء والأرض"، و"ما لم يقله القرآن"، و"المسلمون أمام تحدي داعش"، وروايتها "تحدي الآلهة"، وكتاب "ثوار النيل.. تاريخ آخر لمصر الحديثة"، الذي صدر عن دار الشروق المصرية بعنوان"صحوة المحكومين في مصر الحديثة من رعايا إلى مواطنين 1798- 2011" بترجمة لمحمد مدكور.بالإضافة إلى كتابيْن لم يُنشرا لمحمود حسين هما "إسلاميات"و"تُوفِّيَ رسول الله".

ورأى سمير بحقٍّ أن ما كتبه عنهما إنما هو "سيرة غير ذاتية؛ لأنه لم يكتبها صاحبها، وإنما كتبها صاحبهما".

وكان سمير كالعهد به دقيقًا، دارسًا لموضوعه بعمق، واضعًا نصب عينيْه الحاضر في علاقته بالمستقبل.
لن ينسى التاريخ لسمير غريب أنه مؤسِّس صندوق التنمية الثقافية عام 1990، وما قدَّمه في أثناء رئاسته لدار الكتب والوثائق القومية، والأكاديمية المصرية في روما، والجهاز القومي للتنسيق الحضاري، وكتابه "معارك العمران"، وأنه أول مِصري يرأس الاتحاد العربي للوثائق.

ولا أنسى له يومَ استضفته في جمعية النداء الجديد التي رأسها المفكِّر المِصري د.سعيد النجار، وكنتُ مديرها العامّ، أنه تقبَّل بصدر رحب وديمقراطية نادرة ما أثرتُه من نقاط اختلاف مع قانون الوثائق المصرية الرجعي، وهجومي عليه، بل سعى لتوطيد علاقته بي، والاتِّصال الدائم بي،

بل وصل نُبله الكريم حدَّ اتصِّاله بي، طالبًا الإذن بالمشاركة في ندوةٍ كنتُ قد عقدتُها بحكم رئاستي للجنة الأدب بأتيليه القاهرة لمناقشة مذكرات صديقي الغالي الدكتور رءوف عباس المؤرِّخ الوطني الكبير التي صدرت عن دار الهلال باسم "مشيناها خطًى"؛ ليشكره على إنصافه له على الجهد العظيم الذي أدَّاه سمير للجمعية التاريخية حين كان رئيسًا لدار الكتب؛ فقد أمدَّها بثمانية أمينات ذوات خبرة للقيام بأعمال الفهرسة والتصنيف، وخدمة الباحثين في نوبتيْن: صباحًا ومساء؛ حيث لم يكن لدى الجمعية التاريخية سوى أمين واحد يعمل مساء (فاستجاب سمير على الفور، وقدَّم للجمعية على سبيل الإعارة العدد المطلوب من الأمناء، على أن تتحمَّل دار الكتب مرتباتهم وحوافزهم، وهنَّ جميعًا من السيدات المقيمات بمدينة نصر، وأحدثهن خدمة تزيد سنوات على عشرٍ)، ويُضيف د.رءوف عباس قائلًا:(فقدَّم سمير غريب بذلك للجمعية خدمة جليلة تنمُّ عن إدراكه لأهمية رسالتها، وأصبح ذلك أمرًا واقعًا التزمَ به خلفه د.صلاح فضل الذي تعاونَ مع الجمعية بلا تحفُّظٍ، وإن ظهرت بوادر التراجع النسبي لهذا في عهد رئاسة أحمد مرسي لدار الكتب؛ فعندما طلبتْ أمينتان من الأمينات العودة إلى دار الكتب
، ماطلَ رئيس الهيئة في تزويد الجمعية بالبديل) راجع مذكرات د.رءوف عباس"مشيناها خطًى، ص ص 321 و322.
رحم الله سميرغريب الذي كتب لنا يومًا كتابًا آسرًا في جماله باسم "خلود المحبة" درسه في الحياة من خلال رحلته مع الأدب والفن والصحافة مُشدِّدًا على أن نجاح المرء رهنٌ بحبِّه لما يمتهنه ويضطلع به من أدوار في الحياة سياسية كانت أو ثقافية أو فكرية؛ فخاطب زوجته الجميلة سامية، قائلًا:"أنتِ لم تشتهي الرحيل عني يومًا ولا أنا اشتهيتُ. رحلتِ عني رغمًا عنكِ فزاد وجودكِ معي والتصقتُ بكِ. تعرفين أنني تشبثتُ بمركب الموت بجسدي كله حتى لا يأخذَكِ مني لكنه - بالطبع - كان أقوى".
مؤكِّدًا لأصدقائه: الصحفي الكبير جلال الدين الحمامصي والشاعر محمد عفيفي مطر ومهندس الديكور صلاح مرعي والكاتب إبراهيم أصلان والمثَّال آدم حنين والأكاديمي والناقد د. شاكر عبدالحميد. وللأماكن والمدن التي خالطها مُبادلًا إياها الحبَّ والحوار مثل شرم الشيخ وباريس ولبنان وكذلك دار الكتب والوثائق القومية القديمة في باب الخلق ومطعم جروبي بوسط البلد. مؤكِّدًا أن المحبة أجمل وأنقى ما في الوجود، متسائلًا بصدق:" وهل هناك ما هو أكثر خلودًا من خلود المحبة؟".

ألم يقلٍ لنا الشاعر:
لسان الفتى نصف ونصف فؤاده
فلم يبقَ إلا صورة اللحم والدم
ووزاد النفرى بقوله: أهل المحبة يحجون بمحبتهم؟

إلى اللقاء يا سمير.



#أسامة_عرابي (هاشتاغ)       Osama_Shehata_Orabi_Mahmoud#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ليلى شهيد..تاريخ من النضال والثقافة الطليعيَّة
- عاش شريفًا جسورًا، ومات شريفًا جسورًا
- لماذا رحلتَ يا زياد؟
- رحيل مؤرِّخة النضال الوطني والثقافي الفلسطيني بيان نهويض الح ...
- عاشت عظيمة، ورحلت عظيمة، وستبقى في وجداننا ووعينا عظيمة
- إلياس خوري تاريخ مجيد من الإبداع والمقاومة
- روح مصر كما جسَّدتها الخواجاية
- رحيل الكاتب الصحفي الكبير بلال الحسن أحد مؤسسي الصحافة العرب ...
- هل رحل كريم مروة حقًّا؟
- في عيد ميلاد عميد الرواية العربية نجيب محفوظ 11/ 12 .. نجيب ...
- القاء الحواري بين عمرو موسى وأهداف سويف بالجامعة الأميركية م ...
- رحيل الفقيه..دارس الفلسفة أسامة خليل
- رحيل الكاتب الصحفي العربي الكبير طلال سلمان
- زكريا محمد..بالموت اكتمل
- الشهيد البطل محمد صلاح يردُّ على موشي دايان
- محمد أبو الغيط والتجربة الإنسانية في رِهاناتها المتجدِّدة
- صفحة بغيضة من صفحات الاحتلال البريطاني لمصر
- ألبير آريِّه.. قصة مرحلة..ورحلة وعي ودور
- الشيخ يوسف القرضاوي..إمام التيارات المحافظة والسلفية
- محمد الطراوي..والحلم بوطن حر


المزيد.....




- الجازلايتينغ في الحرب على إيران: بين صناعة الرواية وتزييف ال ...
- فيلم -آلة الحرب-.. يوم -غيرت- هوليود نظرتها لحروب أمريكا
- رحيل الفنان اللبناني أحمد قعبور صوت المقهورين
- شعانين بلا كشافة ولا موسيقى.. كنائس دمشق تحتج بصمت على هجوم ...
- مناقشة أطروحة دكتوراة عن مسرح سناء الشّعلان في جامعة كاليكوت ...
- بين القانون والقرصنة.. فيلم -إيجي بست- يحكي قصة الموقع الأكث ...
- غزة وفنزويلا وإيران.. عندما يطبق ترمب ما كتبه حرفيا
- رحيل المخرج مهدي أوميد أحد أبرز رواد السينما العراقية والكرد ...
- دليلك لاستخدام ليريا 3 برو.. النموذج الأكثر تقدما من غوغل لت ...
- -بوتّو-.. فنان رقمي مدعوم بالذكاء الاصطناعي يجني الملايين


المزيد.....

- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أسامة عرابي - وداعًا سمير غريب..المثقف اليقظ، والفنان ذو الوعي الشامل