أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - كرار جمعة الامارة - إعادة تشكيل الهوية في مصر: قراءة في مشروع السيسي














المزيد.....

إعادة تشكيل الهوية في مصر: قراءة في مشروع السيسي


كرار جمعة الامارة

الحوار المتمدن-العدد: 8656 - 2026 / 3 / 24 - 00:47
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


من الصعب فهم التحولات الجارية في مصر اليوم إذا تم النظر إليها فقط من زاوية السياسة المباشرة أو الإجراءات الأمنية. ما يحدث أعمق من ذلك بكثير. نحن أمام محاولة لإعادة تعريف هوية مصر نفسها. منذ وصول عبد الفتاح السيسي إلى السلطة، بدأ يتشكل تدريجيًا مشروع يمكن وصفه بأنه “هندسة رمزية” للمجتمع، مشروع يسعى إلى إعادة إنتاج الهوية على مستوى الوعي والخيال الجماعي.

لفهم هذا التحول، يجب العودة إلى اللحظة التي فقدت فيها مصر آخر خطاب جامع لها، أي لحظة أفول المشروع القومي العربي بعد اتفاقيات كامب ديفيد. منذ تلك اللحظة، لم تعد مصر تمتلك أيديولوجيا واضحة تعرّف نفسها من خلالها. انتهى زمن جمال عبد الناصر، ولم يأتِ بديل حقيقي، بل نشأت دولة تدار أساسًا بمنطق أمني-بيروقراطي، بلا سردية كبرى قادرة على تعبئة المجتمع أو منحه معنى سياسيًا متماسكًا. يمكن القول إن مصر دخلت، منذ أواخر السبعينيات، في حالة فراغ هوياتي طويل.

هذا الفراغ هو ما يبدو أن السيسي يحاول ملأه، عبر تركيب هوية جديدة، هجينة، تمزج بين مستويات تاريخية مختلفة. فمن جهة، هناك استدعاء مكثف للبعد الفرعوني: احتفالات ضخمة، استعراضات تاريخية، وتسويق لمصر بوصفها حضارة ضاربة في القدم، تتجاوز حدود العروبة والإسلام السياسي معًا. ومن جهة أخرى، هناك إحياء واضح لعناصر من التراث الإسلامي، خصوصًا المرتبط بالقاهرة الفاطمية، من خلال ترميم المساجد التاريخية، والاهتمام بمراقد آل البيت مثل مسجد الإمام الحسين، والانفتاح على طقوس دينية كانت مهمشة أو محصورة في نطاق ضيق.
هذا المزج هو محاولة لبناء هوية تستطيع أن تخاطب مستويين في آن واحد: عمق تاريخي طويل يمنح الدولة نوعًا من “الخلود الرمزي”، وعمق ديني شعبي يضمن التواصل مع المزاج الاجتماعي العام، ولكن دون الانزلاق إلى مشروع الإسلام السياسي الذي تمثله قوى مثل الإخوان المسلمون. بمعنى آخر، هو سعي لإنتاج دين مُؤمَّم، وتاريخ مُعاد توظيفه، في إطار يخدم الدولة وليس بديل عنها .

لا يمكن فصل هذا التوجه عن السياق الإقليمي الأوسع، حيث يبدو أن المنطقة بأكملها تعاد صياغتها على أساس هوياتي. إسرائيل تعمّق طابعها الديني-التوراتي، إيران تواصل بناء مشروعها الشيعي، وتركيا تستدعي إرثها العثماني بشكل متزايد وسوريا تهندس بطريقة اخوانية . في هذا المشهد، يبدو أن الدولة المصرية تدرك أن البقاء ضمن نموذج “الدولة بلا هوية” لم يعد ممكنًا، وأن الصراع لم يبقى حول الاستيلاء على السلطة، انما يمتد ليشمل تعريف الذات وتحديد الهوية التي من خلالها تستمر شريعية السلطة.

هنا ادرك السيسي محدودية الحكم العسكري التقليدي. فالقوة وحدها لا تكفي لإنتاج استقرار طويل الأمد، ما لم تُدعّم بسردية تمنح النظام نوعًا من القبول أو حتى الانتماء. هذه الفكرة قريبة مما طرحه أنطونيو غرامشي حول الهيمنة، حيث تُمارس السلطة عبر بناء توافق رمزي يجعل النظام يبدو طبيعيًا أو بديهيًا. ويمكن أيضًا استحضار فكرة بندكت أندرسون عن “الجماعات المتخيلة”، حيث تُبنى الأمة من خلال سرديات مشتركة أكثر من كونها معطى جاهزًا.

حتى المشاريع العمرانية الكبرى، وعلى رأسها العاصمة الإدارية الجديدة، يمكن قراءتها في هذا الإطار. فهي ليست مجرد نقل إداري أو توسع حضري، بل محاولة لإنتاج فضاء جديد للسلطة، فضاء منفصل رمزيًا وماديًا عن القاهرة التاريخية. كما يشير هنري لوفيفر، فإن الفضاء يُنتَج سياسيًا. وبذلك، تصبح العاصمة الجديدة جزءًا من مشروع أوسع لإعادة تشكيل العلاقة بين الدولة والمجتمع واعادة تعريف الهوية .



#كرار_جمعة_الامارة (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أمريكا لا تحتاج إلى صفقة ولا إلى حرب مع إيران
- خريف آيات الله: أيُّ تحوّلٍ ينتظر إيران؟
- ماذا قد يحدث إذا وجّهت الولايات المتحدة ضربة إلى إيران؟ سبعة ...
- لماذا تراهنُ إيران على الحرب؟
- لماذا يتردّد ترامب في الذهاب إلى حرب مع إيران
- التصعيد المنضبط والقطيعة الدبلوماسية: قراءة في ديناميات الأز ...
- كيف تُعيد مناورات ترامب في السياسة الخارجية تشكيل العالم
- كيف جعلت القوة العسكرية الإيرانية ترامب يعيد حساباته تبدّلت ...
- غلام حسين سعيدي: رمز المقاومة ضد الإمبريالية والرجعية الملكي ...
- ثورة النفط والغاز الصخري، الإمبريالية الطاقوية الأمريكية، وت ...
- قراءة وتحليل في الادب البلزاكي / رواية الجلد المسحور ( جلد ا ...
- قراءة في رواية الأوهام المفقودة لبلزاك: رصد تحوّلات المجتمع ...


المزيد.....




- بعد إعلان ترامب عن رغبته في -إنهاء- حرب إيران.. هل ستسمح طهر ...
- نحو 80 قتيلا في تحطم طائرة عسكرية كولومبية
- باكستان تتحرك على خط الوساطة.. اتصالات مكثفة مع إيران ومساع ...
- -لا تتوقعوا نتائج سريعة-.. محلل إسرائيلي: تحقيق أهداف الحرب ...
- -سنحافظ على مصالحنا بكل الطرق-.. نتنياهو: سنواصل توجيه الضرب ...
- باكستان تؤكد التزامها بـ-القضاء على خطر الإرهاب- مع قرب انته ...
- مسؤول إيراني للجزيرة: تبادلنا رسائل مع واشنطن عبر مصر وتركيا ...
- خطوة أولى نحو وقف الحرب.. مبادرات إقليمية متوازية لخفض التصع ...
- إسبانيا تدين مساعي إسرائيل لعزل وتقسيم الأراضي اللبنانية
- لندن تستدعي السفير الإيراني بسبب -أعمال طهران المتهورة-


المزيد.....

- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني
- تأملات علمية / عمار التميمي
- في رحيل يورغن هبرماس / حامد فضل الله
- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ... / رياض الشرايطي
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- حوار مع الشاعر و المفكر السياسي رياض الشرايطي. حاوره بشير ال ... / بشير الحامدي
- السياسة بعد موت الأقنعة: حين تتحول القوة إلى لغة وحيدة. / رياض الشرايطي
- مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة / هشام نوار
- من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972 / جهاد حمدان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - كرار جمعة الامارة - إعادة تشكيل الهوية في مصر: قراءة في مشروع السيسي