|
|
ثورة النفط والغاز الصخري، الإمبريالية الطاقوية الأمريكية، وتبعية المكسيك
كرار جمعة الامارة
الحوار المتمدن-العدد: 8579 - 2026 / 1 / 6 - 02:04
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
ماتيو كروسا أستاذٌ باحث في معهد مورا (Instituto Mora) في مدينة مكسيكو.
MONTHLY REVIEW VOL. 77 NO. 8 JANUARY 2026
ارتكزت الإمبريالية الأمريكية تاريخيًا على سيطرتها على الوقود الأحفوري العالمي، مستثمرةً إياه بوصفه آليةً محورية للقوة الجيوسياسية والهيمنة العالمية. ففي أوائل القرن العشرين، برزت الولايات المتحدة باعتبارها المنتج الأبرز للنفط في العالم، مُدمِجةً قوتها الإمبريالية في البُنى التي قام عليها نمط الرأسمالية المعتمد على الوقود الأحفوري. وقد شكّلت شركات النفط العملاقة، مثل الكارتل العالمي المعروف بـ«الأخوات السبع» (ستاندرد أويل أوف نيوجيرسي [إكسون]، غَلف أويل، تكساكو، بي بي، شِل، موبيل، وشيفرون) Standard Oil of New Jersey [Exxon], GulfOil, Texaco, BP, Shell, Mobil, and Chevron)، تشكيلاتٍ احتكارية جرى تسخيرها بالقوة الإمبريالية، بما أتاح صعود الصناعة الأمريكية وتعزيز نفوذها العالمي. ومع بلوغ إنتاج الوقود الأحفوري في الولايات المتحدة ذروة «النفط الأقصى» وتراجع الاحتياطيات النفطية المحلية منذ منتصف القرن العشرين، انتقلت الولايات المتحدة من تفوّق قائم على الاستخراج إلى نمطٍ إمبريالي من الحوكمة يتمحور حول التحكم في تدفقات الطاقة العالمية القائمة على الوقود الأحفوري. وقد تسارع هذا التحول الاستراتيجي بفعل صدمات النفط في سبعينيات القرن الماضي، مُكرِّسًا اعتمادًا متزايدًا على آليات قسرية شملت التدخلات العسكرية، وتغيير الأنظمة، والتلاعب الاقتصادي في المناطق الغنية بالنفط، ولا سيما في الشرق الأوسط والجنوب العالمي. ومع مطلع القرن الحادي والعشرين، شهدت الديناميات العالمية للإمبريالية الطاقوية القائمة على الوقود الأحفوري تحوّلًا جديدًا، إذ أعادت «ثورة النفط والغاز الصخري»، المدفوعة بتقنيات التكسير الهيدروليكي، إحياء الطموحات الإمبريالية الأمريكية، ولا سيما في قطاع الغاز الطبيعي. فمن خلال طفرةٍ في الاستخراج الكثيف التكنولوجيا، أعادت الولايات المتحدة تموضعها سريعًا بوصفها منتجًا رائدًا ومُصدِّرًا عالميًا، مؤكِّدةً درجةً من الاكتفاء الذاتي الطاقوي المتمحور حول الغاز الطبيعي. والأهم من ذلك، أن هذا الانتعاش عزّز القوة الجيوسياسية لواشنطن القائمة على الوقود الأحفوري. فمن خلال هندسة تبعيات إقليمية جديدة وإعادة تشكيل التحالفات الطاقوية بما يتلاءم مع طموحاتها الاستراتيجية، قامت الولايات المتحدة بتسليح سيطرتها على الغاز الطبيعي لتعميق قبضتها على النظام العالمي للطاقة الأحفورية وتعزيز امتدادها الإمبريالي. ويتفاقم هذا الاتجاه أكثر مع صعود دونالد ترامب إلى الرئاسة لولاية ثانية. ولا يتجلّى هذا الترتيب الإمبريالي الجديد، المدفوع بالوقود الأحفوري، بوضوحٍ أشدّ مما هو عليه في هيمنة الولايات المتحدة الطاقوية على المكسيك، الدولة التي كانت تُعرَّف رمزيًا وسياسيًا، في مرحلة ما بعد الثورة، بسعيها إلى السيادة الطاقوية. فقد جرى تفكيك ذلك الإرث تدريجيًا مع اندماج المكسيك بنيويًا في نظام الطاقة الأحفورية الأمريكي، لتغدو في آنٍ واحد مستوردًا رئيسيًا للغاز الطبيعي الأمريكي وممرًا استراتيجيًا لصادرات الطاقة الأمريكية، ولا سيما نحو الأسواق الآسيوية عبر ساحلها المطل على المحيط الهادئ. وتشير هذه إعادة الهيكلة إلى استراتيجية إمبريالية أوسع تدمج الابتكار التكنولوجي بالخضوع الجيوسياسي، بما يعيد تأكيد التفوق الأمريكي ويقوّض الاستقلال الطاقوي لجيرانه. وعليه، فقد شهدت الإمبريالية الأمريكية في مجال الطاقة الأحفورية تحوّلًا واضحًا، مثّلت فيه ثورة النفط والغاز الصخري نقطة انعطافٍ رئيسية. ولم يقتصر هذا الانتعاش في القوة الاستخراجية على إعادة تشكيل المشهد الطاقوي الداخلي فحسب، بل أعاد أيضًا صياغة البنية العالمية لتراكم الاحتكار القائم على الوقود الأحفوري. وتتمحور تحليلاتنا حول الموقع المتحوّل للمكسيك ضمن هذا التشكيل الإمبريالي الجديد، إذ انتقلت من كونها رمزًا للقومية الطاقوية في القرن العشرين إلى عقدةٍ خاضعة في شبكة الطاقة الأحفورية الأوسع التي تهيمن عليها الولايات المتحدة. ومن الضروري مساءلة تشابك التقدم التكنولوجي، وتوسّع الاحتكارات، والهيمنة الإمبريالية الجيوسياسية في المسار المستمر—وإن كان آخذًا في الضعف—لتطور القوة الإمبريالية الأمريكية.
ثورة النفط والغاز الصخري والإمبريالية الأمريكية
من أواخر القرن العشرين إلى مطلع القرن الحادي والعشرين، شهد إنتاج النفط في الولايات المتحدة تراجعًا مطوّلًا، وهو اتجاه جرى تحليله على نطاق واسع في الأدبيات تحت مفهوم «ذروة النفط» (Peak Oil). وعلى الرغم من أن هذا التراجع كان قد تنبّأ به منذ خمسينيات القرن الماضي عالم الجيوفيزياء ماريون كينغ هوبيرت، فإن هذا الانكماش أصبح أكثر وضوحًا في سبعينيات القرن العشرين عبر صدمتين نفطيتين. وقد أبرزت هاتان الصدمتان عمق أزمة الطاقة العالمية، والنمو المستمر في عجز الميزان التجاري النفطي الأمريكي، وتحول الولايات المتحدة (التي كانت سابقًا أكبر منتج للنفط في العالم) إلى مستوردٍ صافٍ للنفط الخام.¹ في هذا السياق، انتهجت الولايات المتحدة استراتيجيةً إمبريالية قوامها الهيمنة على مناطق الإنتاج النفطي الرئيسية، مستخدمةً آليات رأسية وقسرية وعسكرية. وقد تجلّت هذه السياسة بوضوح في غزو العراق عام 2003، الذي كان دافعه تأمين السيطرة على الإنتاج النفطي العالمي وضمان الوصول إلى هذه الموارد.² وبحلول العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، خضعت الإمبريالية الأمريكية القائمة على الوقود الأحفوري لتحوّلٍ استراتيجي، مدفوع بالتوسّع العدواني في التكسير الهيدروليكي. فقد جرى الترويج لهذه التقنية في البداية خلال صدمات النفط وأزمات الطاقة في سبعينيات القرن الماضي، وحظيت بدعمٍ سخي من الحكومة الفدرالية عبر الإعفاءات الضريبية وتمويل الأبحاث. غير أن هذه الطريقة ظلّت حبيسة الغموض التقني حتى تسعينيات القرن العشرين، حين كشف رجل النفط والجيولوجي في تكساس جورج ب. ميتشل إمكاناتها التجارية من خلال دمج التكسير الهيدروليكي بالحفر الأفقي. وقد أتاح هذا التلاقي التكنولوجي استغلال تكوينات صخرية مثل حوض بارنيت الصخري، مُطلِقًا مرحلةً جديدة في تصنيع استخراج الطاقة الأحفورية. وما أعقب ذلك لم يكن مجرد اختراقٍ طاقوي، بل تعميقًا لنموذجٍ استخراجي يقوم على تحميل التكاليف البيئية إلى الخارج، وتهميش الأصوات المحلية، وتعزيز الاعتماد على الوقود الأحفوري في لحظةٍ كانت تشهد تصاعد الأزمة البيئية.³ وقد جاء هذا التحول التكنولوجي متزامنًا مع ارتفاع أسعار النفط والغاز عقب الأزمة المالية لعام 2008، ما حفّز تحوّلًا دراماتيكيًا في إنتاج الطاقة في الولايات المتحدة. ولم يجرِ التسامح مع نمو التكسير الهيدروليكي فحسب، بل جرى تشجيعه بنشاط من قبل إدارة باراك أوباما، التي وفّرت مرونة تنظيمية ودعمًا سياسيًا تحت خطاب «التحول إلى الطاقة النظيفة» والتعافي الاقتصادي. وبعيدًا عن أن يشير ذلك إلى انفصال عن الاعتماد على الوقود الأحفوري، مثّل هذا المنعطف تعميقًا للالتزام بالممارسات الاستخراجية، مغطّى بسرديات «خضراء» مُبيَّضة.⁴ وكانت النتيجة تصعيدًا سريعًا في استخراج النفط والغاز محليًا، وكان التكسير الهيدروليكي في صلب هذا التصعيد. فما بدأ كاستراتيجية صناعية محدودة تحوّل بسرعة إلى اندفاع وطني واسع لاستغلال التكوينات الصخرية، من باكن في داكوتا الشمالية ومونتانا إلى حوض مارسيلوس الصخري في شرق الولايات المتحدة. وفي غضون سنوات قليلة، قلبت الولايات المتحدة دورها في أسواق الطاقة العالمية—من أحد أكبر مستوردي الطاقة في العالم إلى منتجٍ مهيمن، ولا سيما في مجال الغاز الطبيعي. هكذا بدأت ما يُسمّى «ثورة النفط والغاز الصخري». وقد أصبحت هذه «الثورة» شريان حياة للإمبريالية الأمريكية في مواجهتها الاقتصادية لأزمة 2008. فقد خفت صدى خطابات ذروة النفط، وانكشفت سرديات الرأسمالية الخضراء بوصفها مجرد سراب، وعاد الاستخراج الأحفوري ليحتل موقع الصدارة في الخريطة الجيوسياسية العالمية بوصفه محرّك التراكم وتركيز الاحتكار. وبدأت رؤوس كبرى الاحتكارات الطاقوية الأمريكية تبتسم مجددًا. ففي عام 2000، لم يكن التكسير الهيدروليكي يشكّل سوى 2 في المئة من إنتاج الغاز الطبيعي في الولايات المتحدة؛ وبحلول عام 2023، ارتفعت هذه النسبة إلى 78 في المئة، مع اتجاهات تشير إلى نموٍّ أكبر في المستقبل.⁵ وقد صرّح بن برنانكي، الذي كان آنذاك رئيس مجلس الاحتياطي الفدرالي حتى تقاعده عام 2014، بأن اكتشاف النفط الصخري كان «أحد… إن لم يكن أكثر التطورات فائدةً» للاقتصاد الأمريكي بعد «الكساد العظيم» لعام 2008.
يتجلّى المنطق الإمبريالي للسيطرة على الطاقة الأحفورية بأوضح صوره من خلال الغاز الطبيعي أكثر مما يتجلّى عبر النفط. ففي حالة النفط، وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة أصبحت بعد عام 2010 أحد كبار المنتجين العالميين بفضل صعود التكسير الهيدروليكي، فإن ارتفاع كلفة إنتاج النفط الناتج—نحو 73 دولارًا للبرميل، مقارنةً بـ3 دولارات فقط في دول مثل السعودية—يحول دون قدرتها على التحكم في السوق النفطية العالمية.⁷ ونتيجةً لذلك، تعتمد أرباح النفط الأمريكية اعتمادًا كبيرًا على الأسعار الدولية وعلى قرارات منظمة أوبك المتعلقة بالإنتاج، بما يكشف عن غياب هيمنة نفطية حقيقية رغم تفوقها الكمي في الإنتاج.
أما في حالة الغاز الطبيعي، فإن الدور القيادي للقوة الإمبريالية الأمريكية يصبح جليًا على نحوٍ لافت، إذ جرى ترسيخ هيمنتها بسرعة عبر التوسع الاستراتيجي في استخراج الغاز الصخري—وهو مسار يتجاوز مجرد إنتاج الطاقة ليُعيد تشكيل التبعيات العالمية ويُعمّق النفوذ الجيوسياسي. وبين عامي 2010 و2022، وكما يبيّنه الشكل (1)، ارتفع إنتاج الولايات المتحدة من الغاز الطبيعي من 652 مليار متر مكعب إلى 1.1 تريليون متر مكعب، وهو توسّع دراماتيكي تحقق تقريبًا بالكامل بفضل التكسير الهيدروليكي في التكوينات الصخرية. ولم يقتصر هذا الازدهار غير المسبوق على إعادة تشكيل البنية الطاقوية الأمريكية فحسب، بل أعاد أيضًا موضعة توازنات القوة العالمية المتمحورة حول الوقود الأحفوري.
وفي حين يتدفّق النفط عبر سوق عالمية أكثر ترابطًا وتشابكًا، يخضع الغاز الطبيعي لبُنى تحتية مجزّأة ومحصورة إقليميًا. وقد أفضى هذا الانقسام إلى توليد توترات جيوسياسية مميّزة، حيث يغدو التحكم في سلاسل الإمداد وبُنى التسعير أداةً للهيمنة الاستراتيجية، لا مجرد تنافسٍ سوقي. وفي هذا السياق، تبدو الولايات المتحدة وكأنها تضع نفسها في موقع يمكّنها من تشكيل سوق عالمية للغاز الطبيعي، ساعيةً إلى تحديد الأسعار الدولية وترسيخ نفوذها على تدفقات الغاز الطبيعي العالمية. وتمتلك الولايات المتحدة، بفضل احتياطياتها الصخرية الضخمة وتقنيات الاستخراج منخفضة الكلفة نسبيًا، أفضليةً حاسمة: فهي قادرة على إنتاج الغاز الطبيعي بتكلفة أقل، ما يؤهلها لتكون لاعبًا مركزيًا في إعادة تنظيم تدفقات الطاقة العالمية. وعلى النقيض الحاد من النفط الصخري الأمريكي—الذي يواجه منافسة شديدة على أساس الكلفة من دولٍ نفطية أخرى—فإن الغاز الطبيعي الأمريكي ليس وفيرًا فحسب، بل يتمتع أيضًا بميزة اقتصادية واضحة، ما يعزّز نفوذ الولايات المتحدة داخليًا وإمكاناتها التصديرية في آنٍ واحد. وتتيح هذه اللاتماثلية للولايات المتحدة ممارسة تأثير غير متكافئ على هياكل التسعير ومسارات الإمداد، مُرسِّخةً دورها بوصفها مديرًا إمبرياليًا لأسواق الغاز الطبيعي. وبهذا، تُدمِج الولايات المتحدة الطاقة الأحفورية بصورة أعمق في آليات الاستراتيجية الجيوسياسية، محوِّلةً الاختراقات التكنولوجية إلى أدواتٍ للهيمنة البنيوية.⁸
لقد ثبت أن استخدام التكسير الهيدروليكي مدمّر بيئيًا. فهو ممارسةٌ افتراسية.⁹ إذ يتطلّب كميات هائلة من المياه، ما يفرض ضغطًا مفرطًا على موارد شحيحة أصلًا في المناطق الجافة. وإضافةً إلى ذلك، تؤدي هذه العملية إلى تلويث المياه الجوفية، إذ تتسرّب المواد الكيميائية المستخدمة في التكسير إلى الطبقات المائية الجوفية، ما يشكّل خطرًا جسيمًا على جودة المياه. فضلًا عن ذلك، يُعدّ التكسير الهيدروليكي مساهمًا رئيسيًا في الكارثة المناخية، بسبب إطلاقه كميات كبيرة من غاز الميثان، وهو من الغازات الدفيئة شديدة الفعالية. وقد قاومت مجتمعات السكان الأصليين، مثل أمة بيفر ليك كري في ألبرتا وأمة تسلي–واوتوث في كولومبيا البريطانية، منذ زمنٍ طويل الدمار البيئي الناجم عن التكسير الهيدروليكي. وبالمثل، لا تزال معركة قبيلة ستاندينغ روك سيو ضد خط أنابيب داكوتا أكسس في داكوتا الشمالية مثالًا بارزًا على مقاومة السكان الأصليين للممارسات المدمّرة للبيئة.¹⁰ ومع ذلك، وعلى الرغم من الإدانات الجماعية والأدلة العلمية التي تثبت آثاره البيئية الكارثية، لا يزال الغاز الطبيعي الناتج عن التكسير الهيدروليكي يُسوَّق بوصفه «طاقة نظيفة»، وذلك بفضل جهود الضغط التي يبذلها معهد البترول الأمريكي. وقد أسهم ذلك في تقليص الرقابة التنظيمية، وأتاح لشركات النفط الكبرى إعادة تقديم نفسها باعتبارها «شركات طاقة» لتحسين صورتها العامة؛ إذ غيّرت شركة BP اسمها إلى «Beyond Petroleum» عام 2000 ثم عادت لاحقًا إلى الاسم المختصر BP، كما أعادت الشركة الفرنسية «توتال» تسمية نفسها إلى «TotalEnergies» عام 2021.¹¹
أما صناعة النفط والغاز الصخري في الولايات المتحدة، التي كانت في تسعينيات القرن العشرين وبدايات الألفية الجديدة تتكوّن أساسًا من مشغّلين مستقلين، فقد شهدت عملية تركّز واحتكار واسعة مع دخول كبرى شركات النفط والغاز إلى هذا القطاع بصورةٍ عدوانية. ومن أجل تأمين السيطرة على الموارد الصخرية الوفيرة، سعت عمالقة الصناعة مثل إكسون موبيل وشيفرون إلى تعزيز مواقعها وتوسيع حضورها في استغلال النفط والغاز الصخري. وقد أدّى هذا التحوّل إلى إطلاق موجة من عمليات الاندماج والاستحواذ البارزة، معلنًا حقبةً جديدة من الإنتاج الاحتكاري في قطاع النفط والغاز الصخري. فمنذ يوليو/تموز 2023، أعلنت هذه الشركات العملاقة مجتمعةً عن صفقاتٍ متعلقة بالنفط والغاز الصخري في الولايات المتحدة بقيمة 194 مليار دولار، ما يعكس التزامها طويل الأمد بتأمين الاحتياطيات الرئيسية.¹²
وقد جرى دمج «الأخوات السبع» التاريخيات—وهي شركات النفط العملاقة متعددة الجنسيات في أوائل القرن العشرين—في مجموعة أصغر تُعرف اليوم باسم «العمالقة الكبار» (Supermajors): إكسون موبيل، شيفرون، BP، وشِل. ولا تهيمن هذه الشركات على إنتاج النفط الصخري فحسب، بل تشارك أيضًا في السيطرة على إنتاج الغاز الصخري إلى جانب شركات أخرى مثل EQT وغيرها.
غير أن لعلّ الجانب الأهم في عملية تركّز الاحتكار داخل هذا القطاع يتجلّى في دوّامة التمويَل (Financialization) التي اجتاحته. فشركات النفط والغاز الأمريكية الكبرى—إكسون موبيل، شيفرون، وكونوكو فيليبس (ConocoPhillips)، من بين شركات أخرى—تتراوح نسبة الملكية الواقعة في أيدي رأس المال المالي لديها بين 60 و80 في المئة، وتشمل ذلك بنوك الاستثمار وصناديق إدارة الأصول. وتلعب شركات شديدة التركّز مثل فانغارد (Vanguard)، وبلاك روك (BlackRock)، وستيت ستريت (State Street) دورًا محوريًا بوصفها أكبر المساهمين في شركات الطاقة. ويُظهر ذلك أن السيطرة على ملكية هذه الشركات قد شهدت تحوّلًا نوعيًا، وأن المستفيدين الرئيسيين من صناعة النفط الغربية ليسوا شركات النفط وحدها، بل أيضًا التكتلات المالية الكبرى التي تسيطر في آنٍ واحد على الأسواق وعلى إنتاج ونقل الطاقة الأحفورية. وكما يوضح آدم حنيّه (Adam Hanieh): «إن الحضور القوي لهذه التكتلات المالية وغيرها يشير إلى أنه، عند النظر فيمن يجني الأرباح من صناعة النفط الغربية، لا يكفي التركيز على شركات النفط بحد ذاتها. فبينما تقود الشركات العملاقة (Supermajors) جزءًا كبيرًا من الاستخراج المادي للنفط الخام في أمريكا الشمالية، فإن ديناميات إنتاج النفط ترتبط في نهاية المطاف بإملاءات التكتلات المالية الكبرى التي تنشط في الوقت نفسه في الأسواق المالية وفي العالم الواقعي اليومي لإنتاج الطاقة. ومن خلال انخراطها العميق في ملكية الشركات العملاقة وفي صناعة النفط الأوسع في أمريكا الشمالية وأوروبا، تُعدّ هذه الاستثمارات المالية من أبرز المستفيدين من اقتصاد الكربون».¹³
وفي ميدان تجارة الطاقة العالمية، كانت عملية إعادة تموضع الإمبريالية الأمريكية داخل صناعة الطاقة القائمة على الوقود الأحفوري—التي أطلقتها ثورة النفط والغاز الصخري—بالغة الأهمية، لا لأنها جعلت الولايات المتحدة مكتفية ذاتيًا في سوق الغاز الطبيعي العالمية فحسب، بل لأنها وضعتها أيضًا في موقع المصدّر الأكبر للغاز الطبيعي في العالم. ففي عام 2023، استهلكت الولايات المتحدة نحو 80–83 مليار قدم مكعب من الغاز الطبيعي يوميًا، في حين بلغ إنتاجها 100.5 مليار قدم مكعب يوميًا.¹⁴ وقد وضع ذلك البلاد في موقع فائضٍ إنتاجي، مع ارتفاع الصادرات من 0.2 مليار قدم مكعب يوميًا عام 1990 إلى 19 مليار قدم مكعب يوميًا عام 2022، كما يبيّنه الشكل (2). وفي عام 2022، كان 11 مليار قدم مكعب يوميًا من صادرات الغاز الطبيعي الأمريكية عبارة عن غاز طبيعي مُسال يُنقل أساسًا بحرًا، في حين جرى إرسال 9 مليارات قدم مكعب يوميًا عبر خطوط الأنابيب.¹⁵ ونتيجةً لذلك، لم تبرز الولايات المتحدة بوصفها أكبر منتج للغاز الطبيعي في العالم فحسب، بل كذلك بوصفها المصدّر الأول لهذا المورد الطاقوي على الساحة الدولية (انظر الشكل 3).
إن تحوّل الولايات المتحدة إلى مُصدِّرٍ رئيسي للغاز الطبيعي كان مدفوعًا باستثماراتٍ ضخمة في البنية التحتية مكّنتها من دخول سوق الغاز الصخري الدولية. ومن أبرز هذه الاستثمارات تشييد محطات تسييل كبرى على الساحل الأطلسي، استهدفت تزويد أوروبا بالغاز الطبيعي المُسال. ومن الأمثلة البارزة على ذلك إنشاء محطة سابين باس (Sabine Pass) عام 2016، ومحطة كاميرون (Cameron) للغاز الطبيعي المُسال في ولاية لويزيانا عام 2019، بطاقة تصديرية تبلغ 4.5 مليارات و2.2 مليار قدم مكعب يوميًا على التوالي. كما تبرز محطة كوربوس كريستي (Corpus Christi)، التي شُيّدت على خليج المكسيك وافتُتحت عام 2019، بطاقة تصدير تصل إلى 1.8 مليار قدم مكعب يوميًا. وتُدار هذه محطات التسييل وتُشرف عليها شركات طاقة كبرى مثل شينيير إنرجي (Cheniere Energy)، وسيمبرا (Sempra)، وتوتال (Total)، وإكسون (Exxon). وتحظى هذه الشركات بدعمٍ كثيف من عمالقة المال مثل بلاك روك (BlackRock) وفانغارد (Vanguard)، بما يؤكد الدور المركزي لرأس المال المالي في دفع عودة الإمبريالية الطاقوية الأمريكية.
ولا يمكن فهم بروز الولايات المتحدة بوصفها مُصدِّرًا عالميًا مهيمنًا للغاز الطبيعي فهمًا كاملًا من دون الإقرار بالاستغلال الاستراتيجي للحرب في أوكرانيا وما أعقبها من تعطّل إمدادات الغاز الروسي إلى أوروبا. ففي حين ألحق انقطاع الغاز الروسي أضرارًا جسيمة بالطبقة العاملة في البلدان الأوروبية—ولا سيما من خلال الارتفاع الحاد في معدلات التضخم—فإن أوروبا، بدلًا من مقاومة هذه الأزمة، اصطفّت مع المصالح الأمريكية عبر زيادة وارداتها من الغاز الأمريكي بوتيرة سريعة. ففي غضون عامٍ واحد فقط من اندلاع النزاع، قفزت واردات أوروبا من الغاز الطبيعي المُسال الأمريكي من 2.2 مليار قدم مكعب يوميًا في نهاية عام 2021 إلى 6.3 مليارات قدم مكعب يوميًا بحلول عام 2024. ولا يمثّل هذا التحوّل مجرد تغيير في مصادر الإمداد، بل إعادة اصطفافٍ حادّة، إذ ارتفعت حصة الولايات المتحدة من واردات أوروبا من الغاز الطبيعي المُسال من 22 في المئة إلى 45 في المئة، بما يعزّز هيمنتها الطاقوية على حساب الاستقرار الاقتصادي الأوروبي.¹⁶ بل إن إخضاع أوروبا لصادرات الغاز الطبيعي الأمريكية يُراد له أن يتعمّق أكثر في عهد ترامب، الذي ربط مفاوضات الرسوم الجمركية بزيادة مشتريات أوروبا من الغاز الطبيعي الأمريكي.¹⁷
وقد أسهم تزويد أوروبا بالغاز—إلى جانب حلفاء استراتيجيين للولايات المتحدة مثل اليابان وكوريا الجنوبية—في إنشاء شبكة متخصّصة لتصدير الغاز، تتخذ من محطات التسييل العديدة التي شُيّدت خلال العقد الماضي على طول الساحل الجنوبي الأطلسي للولايات المتحدة مركزًا لها. فمنذ عام 2013 وحتى اليوم، جرى إقرار ثلاثة وعشرين ميناءً لتسييل الغاز الطبيعي في الولايات المتحدة. وباستثناء واحد في ولاية أوريغون، تتركّز هذه الموانئ جميعها على الساحل الشرقي، ولا سيما في ولايات تكساس ولويزيانا وفلوريدا. ويُبرز ذلك توسّع الإمبريالية الطاقوية الأمريكية، التي تصوغ استراتيجيةً مكانية تُعطي الأولوية للبنى التحتية الموجّهة للتصدير، بما يضمن قدرًا أكبر من السيطرة على السوق العالمية للغاز الطبيعي ويعزّز هيمنتها على حساب سيادة الدول الأخرى ومصالحها الاقتصادية. وقد تجلّى هذا التوجّه بوضوح في تصريحات المتحدث باسم وزارة الطاقة الأمريكية بن ديتدريش (Ben Dietderich)، الذي أكد أن «إدارة ترامب تعمل بنشاط على الترويج للغاز الطبيعي المُسال الأمريكي على المستوى العالمي، مُجدِّدةً التأكيد على أن الولايات المتحدة عادت مجددًا مفتوحةً للأعمال، وتبقى المورّد الأكثر موثوقية للطاقة في العالم». وكما أشار أيضًا، فإن «أهمية إعادة ترسيخ اليقين التنظيمي لصادرات الغاز الطبيعي المُسال—وهو أولوية منذ اليوم الأول للإدارة—لا يمكن المبالغة في تقديرها».¹⁸
المكسيك: المجال الحيوي الطاقوي (Lebensraum) للولايات المتحدة
على الرغم من أن أوروبا أدّت دورًا مهمًا بوصفها مستهلكًا للغاز الطبيعي الأمريكي، فإن المكسيك هي التي تقف بوصفها الفاعل المركزي والاستراتيجي في التحوّل الطاقوي الذي تقوده ثورة النفط والغاز الصخري. فاليوم، تفوق واردات المكسيك من المنتجات النفطية والغاز الطبيعي من الولايات المتحدة واردات أي بلدٍ آخر في العالم. وتؤدي المكسيك دورًا حاسمًا في توسيع السوق الطاقوية الأمريكية، بما يسهّل توطيدها إقليميًا ويعزّز النفوذ الأمريكي داخل الجيوسياسة العالمية للطاقة. وفي سياق الإمبريالية الأمريكية للطاقة الأحفورية المدفوعة بالتكسير الهيدروليكي، تعمل المكسيك كحيّزٍ حيوي—أو Lebensraum (المجال الحيوي)—على نحوٍ شبيه بالدور الذي أدّته بولندا بالنسبة لألمانيا الفاشية: إقليمٌ للهيمنة والتراكم غير القابلين للطعن، يؤمّن القوة الإمبريالية الأمريكية.
يتناقض هذا المشهد بحدّة مع تاريخ قطاع الطاقة في المكسيك، الذي شهدت السيطرة عليه وإدارته تحوّلاتٍ عميقة خلال العقود الأخيرة. ففي ثلاثينيات القرن العشرين، قاد الرئيس لازارو كارديناس عملية نزع ملكية النفط وتأميمه، مُرسِّخًا بمرسومٍ احتكارًا دولتيًا لاستخراج واستغلال وتوزيع الهيدروكربونات تحت إدارة شركة بتروليوس مكسيكانوس (PEMEX). وقد مثّل هذا الإجراء محطةً فارقة في السيادة الطاقوية للبلاد، إذ رسّخ شركة PEMEX بوصفها العمود الفقري للاقتصاد الوطني. غير أن المكسيك، ابتداءً من ثمانينيات القرن الماضي، شهدت موجةً عدوانية من السياسات النيوليبرالية التي دفعت نحو خصخصة قطاع الطاقة وتفكيكه التدريجي. وفي ظل هذا النموذج الاقتصادي، تآكلت السيطرة الحكومية على نحوٍ متدرّج، ما أضعف PEMEX ومهّد الطريق أمام انخراطٍ أوسع لرأس المال الخاص والأجنبي.
وقد بلغ هذا المسار ذروته في إصلاح الطاقة لعام 2013، الذي لم يمثّل فحسب الخسارة النهائية لاحتكار الدولة لهذا القطاع، بل قام أيضًا بمواءمة قطاع الطاقة المكسيكي بالكامل مع المصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة، بما عمّق تبعيته الاقتصادية على نحوٍ أكبر.¹⁹ ولا يزال هذا الهجوم الإمبريالي العنيف على قطاع الطاقة في المكسيك مستمرًا حتى اليوم، في ظل شروط الضغط الإمبريالي التي أُطلقت عبر اتفاق الولايات المتحدة–المكسيك–كندا، الجاري حاليًا إعادة التفاوض بشأنه.²⁰
في حالة النفط، ينعكس تنامي التبعية الطاقوية للمكسيك تجاه الولايات المتحدة بوضوح في الارتفاع المستمر لواردات المشتقات النفطية، وفي التآكل المتدرّج للصناعة النفطية المحلية في البلاد. وفي سياق ثورة النفط والغاز الصخري التي وضعت الولايات المتحدة في موقع أكبر منتج للنفط في العالم وأكبر مُصدِّر للمشتقات النفطية، أصبحت المكسيك السوق الأكبر للولايات المتحدة، إذ استوردت في عام 2023 مشتقات نفطية بقيمة 30 مليار دولار—ما يمثّل 28 في المئة من أصل 107 مليارات دولار صدّرتها الولايات المتحدة في ذلك العام. وبحلول عام 2023، كان 60.9 في المئة من منتجات الطاقة المكرّرة التي استهلكتها المكسيك مصدرها الولايات المتحدة، وهو ما يكشف عن درجة عميقة من تفكّك البنية التحتية الطاقوية المكسيكية.²¹ ويُبرز هذا النمط تحوّلًا مقلقًا في ديناميات الطاقة، حيث باتت المكسيك محاصَرة على نحوٍ متزايد في دورٍ تابع يُضعف استقلالها الاقتصادي وسيادتها الطاقوية.²²
وإذا كانت حالة النفط تُجسّد خضوع المكسيك للسيطرة الإمبريالية الأمريكية على الطاقة الأحفورية، فإن هذه العلاقة تصبح أكثر جلاءً عند فحص تجارة الغاز الطبيعي. فمنذ عام 2008، شهدت واردات المكسيك من هذا المورد نموًا مطّردًا، إذ ارتفعت من نحو مليار قدم مكعب يوميًا إلى 6.4 مليارات قدم مكعب يوميًا بحلول عام 2024.²³ وقد حوّل هذا الارتفاع المكسيك إلى وجهةٍ رئيسية للغاز الطبيعي الأمريكي، حيث استوعبت ما يقارب 31 في المئة من إجمالي صادراته. وقد أسهم التوسع في البنية التحتية لخطوط الأنابيب العابرة للحدود في تسهيل هذا التدفق المتزايد، بما رسّخ تبعية المكسيك على نحوٍ أكبر وعزّز الهيمنة الاحتكارية الأمريكية على الطاقة في المنطقة (انظر الشكل 3). وفي الواقع، تستورد المكسيك 70 في المئة من الغاز الطبيعي الذي تستهلكه، يأتي 96 في المئة منه من الولايات المتحدة، وهو ما يكشف عن تبعيةٍ كاملة وخضوعٍ بنيوي، إلى جانب التآكل العميق لسيادتها الطاقوية تحت قبضة القوة الإمبريالية الأمريكية. وقد تغذّى تحوّل المكسيك إلى جيبٍ استيرادي للغاز الطبيعي بإصلاح الطاقة لعام 2013، الذي فتح الأبواب على مصراعيها أمام الاستثمار الخاص والأجنبي في قطاع الطاقة. كما دُفع هذا التحوّل بتنفيذ عددٍ من المشاريع الكبرى في قطاع النقل والمعالجة الوسيطة (Midstream)، ولا سيما خطوط الأنابيب التي ربطت المكسيك بإنتاج الغاز الطبيعي في جنوب شرق الولايات المتحدة (انظر الخريطة 1). وقد شُيّدت هذه الخطوط جميعها خلال العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين. ومن أبرزها خطوط تكساس–توكسـبان (Texas–Tuxpan)، ولوس رامونيس (Los Ramones)، وإل إنسينو–لا لاغونا (El Encino–La Laguna)، وترانس–بيكوس (Trans-Pecos)، التي أسهمت على نحوٍ كبير في زيادة القدرة على استيراد الغاز الطبيعي وتوزيعه داخل البلاد.
يسيطر رأس المال الاحتكاري على البنية التحتية الأساسية لخطوط الأنابيب في البلاد. وتُعدّ الشركتان الأقوى في قطاع نقل الغاز الطبيعي في المكسيك هما شركة IEnova–Sempra Energy الأمريكية، وشركة TC Energy الكندية—المعروفة سابقًا باسم TransCanada—والتي كانت متورطة بشكل مباشر في الاستغلال المؤسسي لأراضي وموارد السكان الأصليين في حالتي خطّي أنابيب داكوتا أكسس وكيستون. وتُعدّ كلتاهما من الفاعلين الرئيسيين في البنية التحتية الطاقوية لأمريكا الشمالية، وتحظيان بدعمٍ واسع من عمالقة المال مثل بلاك روك (BlackRock) وفانغارد (Vanguard). وعلى الرغم من تنامي نفوذ هذه الكيانات الأجنبية، فقد أدّت الشركة المكسيكية CFEnergía، وهي شركة تابعة للجنة الفدرالية للكهرباء المملوكة للدولة (Comisión Federal de Electricidad)، دورًا ثانويًا في إدارة بعض خطوط الأنابيب. وإلى جانب ذلك، تشارك شركات محلية أخرى، مثل كارسو إنفراستركتورا إي كونستروكسيون (Carso Infraestructura y Construcción)، المملوكة للملياردير الأوليغارشي كارلوس سليم، في هذا القطاع، ما يُرسّخ أكثر هيمنة مصالح النخب الاقتصادية على موارد الطاقة في البلاد. وتُبرز هذه البنية استمرار تركّز السلطة في أيدي عددٍ محدود من الكيانات متعددة الجنسيات والنخب المحلية الثرية، بما يعيد إنتاج نظامٍ احتكاري للسيطرة الطاقوية يقوّض السيادة الطاقوية للمكسيك.
ومن المهم التأكيد على أن تزايد استيراد الغاز الطبيعي من الولايات المتحدة لا يهدف في الأساس إلى توليد الطاقة من أجل التنمية الاقتصادية الداخلية. فالتوسع في خطوط الأنابيب الكبرى داخل المكسيك والارتفاع المتزايد في واردات الغاز الطبيعي الأمريكي يرتبطان ارتباطًا وثيقًا بتحوّل المكسيك إلى جيبٍ تصديري قائم على الماكيلادورا*.²⁴ وبعبارةٍ أخرى، يتركّز الطلب على الطاقة لدى الشركات العابرة للحدود الكبرى التي أنشأت عمليات تصنيع بنظام الماكيلادورا في المكسيك من أجل الاستغلال الفائق لقوة عمل أرخص بكثير من نظيرتها في الولايات المتحدة.²⁵ وعلى هذا النحو، تصبح إقامة خطوط الأنابيب ركيزةً أساسية للتكامل الاقتصادي بين المكسيك والولايات المتحدة، بما يرسّخ نموذجًا صناعيًا قائمًا على التبعية الطاقوية وإخضاع الإنتاج الوطني لمصالح رأس المال العابر للحدود.²⁶ وفي المكسيك، يعتمد القطاع الصناعي أساسًا على مصدرين للطاقة: الغاز الطبيعي، الذي يمثّل 34 في المئة من استهلاك الطاقة في هذا القطاع، والكهرباء، التي تشكّل 39 في المئة من الإجمالي.²⁷ غير أنه من الضروري التشديد على أن توليد الكهرباء في البلاد مرتبط بقوة بالغاز الطبيعي، إذ يأتي 59 في المئة من الكهرباء المنتَجة في المكسيك من هذا المصدر.²⁸ وإضافةً إلى ذلك، يستهلك القطاع الصناعي 57 في المئة من الكهرباء المولَّدة في البلاد، ما يعزّز الصلة بين توسّع التصنيع الموجَّه للتصدير والتبعية للغاز المستورد.²⁹ ويكشف هذا النموذج أن تحوّل المكسيك إلى منصة ماكيلادورا موجّهة للتصدير—تتسم بالأجور المتدنية والاستغلال الفائق لقوة العمل—ليس عمليةً معزولة. بل إنه يسير جنبًا إلى جنب مع تعمّق خضوع البلاد للوصاية الطاقوية الأمريكية. فالبنية الإنتاجية المحلية لا تُصمَّم فقط لتلبية احتياجات الشركات متعددة الجنسيات من حيث العمالة الرخيصة، بل أُعيد تشكيلها أيضًا لضمان الاستهلاك الواسع للغاز الطبيعي القادم من الولايات المتحدة. وهكذا، فإن إخضاع الاقتصاد المكسيكي لمصالح السيطرة الإمبريالية الاحتكارية الأمريكية القائمة على الطاقة الأحفورية لا ينعكس في شروط العمل فحسب، بل يتجلّى كذلك في تبعيةٍ بنيوية عميقة في مجال الطاقة. يتعزّز هذا الاتجاه أكثر من خلال مشاريع البنية التحتية العملاقة الجديدة التي جرى الترويج لها مؤخرًا في المكسيك، مثل ممرّ العابر لبرزخ تيهوانتيبيك (Trans-Isthmus Corridor) وقطار المايا (Maya Train). وهي مشاريع واسعة النطاق تهدف إلى جذب الاستثمار الأجنبي إلى المناطق الجنوبية والجنوبية الشرقية من المكسيك، بغية تحويل هذه الأقاليم إلى مناطق معفاة من الرسوم والضرائب. وستُزوَّد هذه المناطق بالغاز الطبيعي عبر ما يُعرف بـ خط أنابيب بوابة الجنوب الشرقي (Puerta al Sureste Pipeline)، الجاري تشييده حاليًا من قبل شركتي TC Energy وCFEnergía. ويهدف هذا الخط إلى ربط جنوب شرق المكسيك بمدينة توكسـبان، بما يتيح تزويد المنطقة بالغاز الطبيعي القادم من ولاية تكساس.³⁰
ولم تقتصر مكانة المكسيك على كونها أكبر مستوردٍ للغاز الطبيعي الأمريكي، بل تؤدي أيضًا دورًا محوريًا في الاستراتيجية الإمبريالية الطاقوية الأوسع للولايات المتحدة، بوصفها منصة لتصدير الغاز الطبيعي المُسال إلى آسيا—ولا سيما إلى الحلفاء الاقتصاديين مثل اليابان وكوريا الجنوبية. ولتحقيق ذلك، تحوّلت السواحل الشمالية الغربية للمكسيك، ولا سيما في ولاية سونورا، إلى منطقة استراتيجية لإنشاء محطات تسييل الغاز الطبيعي. وبدلًا من تحمّل الكلفة المرتفعة لشحن الغاز الطبيعي المُسال من تكساس عبر خليج المكسيك ثم إلى المحيط الهادئ مرورًا بقناة بنما—وهو مسار يضيف نحو 5,000 ميل بحري—يمكن لروّاد صناعة الغاز في هيوستن اللجوء إلى بديلٍ أكثر كفاءة وأقل كلفة: نقل الغاز لمسافة 700 ميل إلى سونورا، حيث يُسيَّل عبر عمليات التبريد والضغط قبل شحنه إلى آسيا. ويُرسّخ هذا الترتيب دور المكسيك بوصفها فاعلًا تابعًا في النبض الإمبريالي الأمريكي لقطاع الغاز الطبيعي، إذ لا تقتصر وظيفتها على تلبية احتياجاتها الطاقوية، بل تمتد لتسهيل صادرات الطاقة الأمريكية إلى الأسواق العالمية للغاز الطبيعي.
وفي هذا السياق، يُروَّج مخطط سونورا (Sonora Plan) الذي أُعلن عنه مؤخرًا بوصفه نموذجًا للاستدامة البيئية، في حين أنه في الواقع يخدم أساسًا الأجندة الجيوسياسية والجيو-اقتصادية الإمبريالية الأمريكية في مجال الطاقة. ويُعدّ إنشاء محطات لتصدير الغاز الطبيعي المُسال في غوايماس وبويرتو ليبرتاد أحد المكوّنات الأساسية لهذا المشروع. ففي حالة غوايماس، تخضع خطوط الأنابيب التي تصل إلى المنطقة لسيطرة شركة TC Energy، التي تُعدّ BlackRock أحد أكبر مساهميها. وفي الوقت نفسه، ستتولى شركة LNG Alliance، ومقرّها هيوستن، تشييد وتشغيل محطة غوايماس، وهو مشروع تُقدَّر قيمته بـ2.1 مليار دولار. وتُعدّ LNG Alliance كذلك من أبرز منتجي الغاز الطبيعي المُسال في الولايات المتحدة. أما مشروع محطة تسييل٧ الغاز الطبيعي في بويرتو ليبرتاد، المعروف باسم «ساغوارو إنرغيا» (Saguaro Energía)، والذي يشمل إنشاء محطة تسييل وخط أنابيب سييرا مادري، فستديره شركة Mexico Pacific-limit-ed الأمريكية. وعلى الرغم من اسمها، لا تمتلك هذه الشركة أي ملكية مكسيكية. وتُبرز هذان المشروعان سعي الولايات المتحدة إلى ترسيخ موقعها كقوة عالمية مُصدِّرة للطاقة، وفي الوقت ذاته يكشفان بوضوح الموقع التابع للمكسيك ضمن هذه العملية.³¹
*ترامب وأصداء الإمبريالية القائمة على الوقود الأحفوري
جاء فوز دونالد ترامب في الانتخابات الرئاسية الأمريكية لعام 2024 على خلفية احتدام الصراع العالمي حول السيطرة على الموارد الطبيعية، والريوع التكنولوجية، والعمل. فالعالم اليوم يتشكّل تحت وطأة منافسة شرسة على الهيمنة في التحوّل الإنتاجي الكهرو-معلوماتي الناشئ—المدفوع بالرقمنة، والكهربنة، والذكاء الاصطناعي—مع بروز الصين بوصفها طليعة تكنولوجية على الساحة العالمية. وقد حدّد هذا التنافس المتصاعد مسار السياسة الاقتصادية الأمريكية خلال العقد الماضي. وضمن هذا السياق الأوسع من التنازع العالمي ينبغي فهم عودة ترامب وشعارِه القومي «اجعل أمريكا عظيمة مجددًا» بوصفهما مشروعًا سياسيًا يهدف إلى تدعيم التفوق الأمريكي.³² ولا يمكن إدراك الجبهة الموحدة التي تقدّمها كبرى الشركات متعددة الجنسيات الأمريكية—عبر قطاعات التكنولوجيا والمال والعسكر والطاقة—إلا من خلال هذه العدسة؛ إذ تصطفّ جميعها خلف استراتيجية إمبريالية متجددة لإعادة ترسيخ القوة الاحتكارية الأمريكية. ويتكشف هذا الجهد المتناسق في الوقت ذاته الذي يتضح فيه تراجع القوة الإمبريالية الأمريكية، ولا سيما عند مقارنتها بالصعود السريع للصين كقوة مركزية في تشكيل النظام الاقتصادي العالمي. ويشكّل هذا المشهد ما كان بول إم. سويزي سيعرّفه بوصفه «الطبقة الحاكمة الأمريكية»، التي تتسم أفعالها ودوافعها بنزعات معادية للديمقراطية، وميول سلطوية، ومصالح أنانية، ونظرة إمبريالية تاريخية.³³ ويتعزّز شعورها بالأحقية في الهيمنة العالمية بما تراه ضرورةً استراتيجية: قيادة الثورة التكنولوجية الكهرو-معلوماتية الجارية والتحكم بها. ويتجلّى هذا الاندفاع نحو السيطرة على خلفية احتدام المنافسة العالمية، ولا سيما ردًّا على الصعود التكنولوجي والجيوسياسي المتواصل للصين، الذي يقوّض الهيمنة الاقتصادية الأمريكية بوتيرة متسارعة.³⁴
وفي السياق الأوسع للتنافس العالمي وإعادة هيكلة أنظمة الإنتاج، يبرز التزاحم على السيطرة على موارد الطاقة بوصفه سمةً حاسمة، مبرزًا الدور الاستراتيجي للطاقة في تشكيل الهيمنة الاحتكارية والحفاظ عليها، سواء على الصعيد الاقتصادي أم التكنولوجي. وليس هذا الأمر عارضًا؛ إذ يُظهر التاريخ وجود علاقة مباشرة بين التحولات في أنماط الطاقة وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية. فقد كانت كل ثورة صناعية محفَّزة بأساسٍ طاقوي جديد: فالثورة الصناعية الأولى انطلقت بالفحم، الذي لم يزوّد صعود الصناعة الميكانيكية بالوقود فحسب، بل أسّس أيضًا لتوسّع الإمبراطورية البريطانية. أما الثورة الصناعية الثانية، التي تمحورت حول النفط، فقد تمركزت نواتها في الولايات المتحدة، وأتاحت ترسيخ الرأسمالية الاحتكارية بالتوازي مع تطوّر محرّك الاحتراق الداخلي وصناعة السيارات.³⁵ ولم تكن هذه التحولات تكنولوجيةً فحسب، بل مثّلت إعادة تنظيمٍ جذرية للقوة الجيوسياسية، وأنظمة العمل، وأنماط التراكم الرأسمالي.
في هذه المرحلة، لا تزال الملامح الدقيقة للتحوّل الجاري في أنظمة الإنتاج والطاقة في ظل الرأسمالية غير محسومة. ومع ذلك، بات من الواضح على نحوٍ متزايد أن الانتقال نحو نموذج كهرو-معلوماتي—مدفوع بالاندماج السريع للتقنيات الرقمية، والذكاء الاصطناعي، والكهربنة—سيؤدي إلى تصعيدٍ كبير في الطلب العالمي على الكهرباء. وهذا التحوّل بعيدٌ كل البعد عن كونه تغييرًا تقنيًا محضًا؛ إذ إنه يعيد بنشاط تشكيل الأسس ذاتها لتراكم رأس المال، ويكثّف في الوقت نفسه التنافسات الجيوسياسية والاقتصادية العالمية. وتغدو هذه الديناميات أشدّ حدّة ضمن السياق الأوسع لتفاقم الكارثة البيئية. وفي هذا الإطار، يصبح دالًا أن يُطلق إيلون ماسك—بوصفه نموذجًا للغطرسة التكنو-سلطوية التي تميّز نخب وادي السيليكون—تحذيراتٍ من أزمة طاقة عالمية وشيكة. إذ تكشف تنبيهاته إلى «جفاف كهربائي» مرتقب عن قلقٍ عميق من أن الطلب الطاقوي المتفجّر لأنظمة الذكاء الاصطناعي وشبكات المركبات الكهربائية قد يتجاوز قريبًا قدرة البنى التحتية المتقادمة لشبكات الكهرباء.³⁶ ورغم تغليف هذه التصريحات بخطاب الابتكار والمستقبلية، فإنها تؤدي وظيفةً أقلّ حيادًا وأكثر أيديولوجية، إذ تُمهّد الأرضية لمساعي النخب إلى تشديد سيطرتها على أنظمة الطاقة والموارد الطبيعية. وتحت رايات التقدّم والحتمية المألوفة، يُراد ترسيخ أشكالٍ جديدة من الاحتكار والهيمنة الإمبريالية. وفي هذا المشهد المتحوّل، تبرز السيطرة على موارد الطاقة بوصفها ركيزةً استراتيجية حاسمة في السباق العالمي لتحديد شروط تحوّل الرأسمالية. وليس توجيه إدارة ترامب نحو تصعيد الجهود الأمريكية لتوسيع هيمنتها على سوق الطاقة العالمية القائمة على الوقود الأحفوري أمرًا عارضًا؛ بل هو متجذّر في منطقٍ إمبريالي أوسع. ويؤكد هذا الدفع نحو ما وصفه ترامب بـ«الهيمنة الطاقوية» أن الوصول إلى تدفقات الطاقة والتحكم بها يظلّان عنصرين مركزيين في تأمين النفوذ الجيوسياسي، والتفوّق التكنولوجي، واستمرار التراكم الرأسمالي.³⁷ ومع إعادة هيكلة الرأسمالية العالمية حول الكهرباء والرقمنة، فإن الصراع على الهيمنة الطاقوية لا يتعلّق بالإمداد فحسب، بل بمن يمتلك القدرة على إملاء مستقبل السوق العالمية. وفي هذا السياق، يعاود المنطق الإمبريالي تأكيد ذاته عبر الارتداد إلى سلالةٍ راسخة تقوم على الوقود الأحفوري—تُستبعَد فيها بدائل الطاقة المتجددة وأطر مثل «الصفقة الخضراء الجديدة» استبعادًا قاطعًا. ففي صميم الاستراتيجية الإمبريالية الأمريكية يكمن رفضٌ لأي تباطؤٍ جوهري في الإنتاج أو انتقالٍ فعلي نحو مصادر طاقة مستدامة. إذ يُنظر إلى مثل هذا التحوّل بوصفه هشاشةً استراتيجية، ولا سيما في ظل احتدام المنافسة العالمية—وخاصة مع الصين، التي تموضع نفسها بسرعة بوصفها قائدًا في التحوّل الطاقوي العالمي. فقد لم تكتفِ الصين بزيادة إنتاجها من الطاقة النظيفة، بل طوّرت أيضًا مكوّناتٍ أساسية لشبكات الكهرباء، وأمّنت معادنَ حرجةً لا غنى عنها للتقنيات الطاقوية الناشئة.³⁸ وكما بيّن باحثون مثل إلمار ألتفاتر، وآدم حنيّه، وجون بيلامي فوستر—استنادًا إلى نظرية القيمة عند ماركس—فإن الوقود الأحفوري أدّى تاريخيًا دور شريان الحياة لرأس المال الاحتكاري. فارتفاع كثافته الطاقوية، وقابليته للتوسّع، وتوافقه مع الأنظمة الصناعية واسعة النطاق جعلته عنصرًا لا غنى عنه في الاندفاع المحموم لرأس المال نحو التراكم. وإن التخلي عن هذا النموذج لا يعني مجرد انعطافٍ بيئي، بل يستلزم تباطؤًا بنيويًا في دورات الربح، وتأخيرًا في دوران رأس المال، وربما تراجعًا استراتيجيًا ضمن منطق المنافسة الصفرية على الصعيد العالمي. وخلاصة القول: إن تمسّك رأس المال الإمبريالي بالوقود الأحفوري لا يتعلّق بالطاقة فحسب، بل بالحفاظ على الهيمنة الجيوسياسية وبنية القوة الاحتكارية ذاتها، بصرف النظر عن الانهيار البيئي الذي ينذر به ذلك لكل أشكال الحياة على الكوكب. ولا تعكس خطابية ترامب صوتَ شخصيةٍ سياسية واحدة فحسب، بل الإرادة الجماعية لأوليغارشية الوقود الأحفوري في الولايات المتحدة—من كبار منتجي النفط والغاز، إلى التكتلات المالية، وصولًا إلى قوى المجمع الصناعي-العسكري—التي ترتبط عملياتها وأرباحها ارتباطًا بنيويًا باستمرار استغلال الطاقة الأحفورية. وإن إحياءه للشعار سيّئ الصيت «احفروا، احفروا، احفروا» (Drill, Baby, Drill) ليس مجرد حيلةٍ انتخابية حنينية، بل إشارة واضحة إلى عودة أجندةٍ استخراجية عدوانية متجذّرة في مصالح الطبقة المهيمنة الأمريكية الراسخة. أما سيل الأوامر التنفيذية الذي أُطلق في اليوم الأول من الولاية الثانية لترامب، إلى جانب الإيماءات الاستفزازية مثل اقتراح إعادة تسمية خليج المكسيك إلى «خليج أمريكا»، والدعوة إلى ضمّ كندا بوصفها الولاية الحادية والخمسين، وإحياء مقترح شراء غرينلاند—الغنية باحتياطيات نفط وغاز غير مستغلة في القطب الشمالي—فلا يمكن اختزالها في نزواتٍ مسرحية لسردية نيو-فاشية. بل إنها تعبّر عن تبلور اندفاعةٍ إمبريالية متجاسرة، وعن الطموح الاستراتيجي لرأس المال الاحتكاري القائم على الطاقة الأحفورية لفرض السيطرة على مستقبل استخراج الطاقة العالمية وتوزيعها. تتلاقى الكتل الأساسية لرأس المال الأمريكي—عبر قطاعات المال، والصناعة، والجهاز العسكري، والتكنولوجيا المتقدمة، وقطاع الوقود الأحفوري—على نحوٍ متزايد حول رهانٍ عالي المخاطر: قطاع الطاقة بوصفه المحرّك الأساسي لتحقيق تراكمٍ استثنائي في العقود المقبلة. وليس هذا التقارب محض صدفة؛ بل يعكس استراتيجيةً محسوبة تهدف إلى تحويل السيطرة على الطاقة إلى ركيزةٍ لاستمرار التوسع الرأسمالي والهيمنة الجيوسياسية. ويتجلّى ذلك بوضوح اليوم في الحضور العسكري الأمريكي في منطقة الكاريبي، الذي يكشف عن نزوع واشنطن المحموم إلى تأمين السيطرة على موارد الطاقة في الإقليم، ولا سيما في فنزويلا، التي تمتلك أكبر احتياطيات نفطية في العالم وتخضع لضغوط أمريكية متواصلة تستهدف زعزعة استقرار الحكومة البوليفارية. وعلى هذا النحو، تعكس إدارة ترامب محاولةً جريئة—ومتزايدة —لإحياء الإمبريالية الطاقوية بوصفها ركيزةً مركزية للقوة الأمريكية، وذلك في لحظةٍ تتآكل فيها البنية الأوسع للهيمنة الإمبريالية الأمريكية بصورةٍ جلية. ولا يتعلّق الأمر هنا بسياسات داخلية أو باستعراض قومي فحسب، بل بمشروعٍ موجّه عالميًا يسعى إلى فرض السيطرة الأمريكية على تدفقات الطاقة ومواردها. فالسعي للسيطرة على موارد القطب الشمالي، والمواقف العدوانية تجاه المناطق الغنية بالنفط، والعسكرة المتصاعدة لسلاسل إمداد الطاقة ليست تحرّكاتٍ معزولة أو ثانوية، بل تشكّل أعمدةً أساسية في تصميمٍ استراتيجي أشمل يهدف إلى ضمان تفوق الولايات المتحدة في النظام الطاقوي العالمي.
وفي هذا السياق، لجأ ترامب إلى تسليح التهديدات الجمركية بوصفها أداةً لإكراه حلفاء رئيسيين على الاصطفاف مع الأجندة الطاقوية للإمبريالية الأمريكية. فقد جرى الضغط على المكسيك، وعدد من الدول الأوروبية، واليابان، وكوريا الجنوبية، وتايوان (إلى جانب دول آسيوية أخرى) لزيادة مشترياتها من الغاز الطبيعي الأمريكي، لا بدافع الاختيار الحر في السوق، بل عبر ابتزازٍ اقتصادي يعمّق التبعية ويُرسّخ قبضة واشنطن على تدفقات الطاقة الاستراتيجية.³⁹ ولتحقيق هذا الهدف، تسعى الإدارة إلى توسيع استخراج الغاز الطبيعي في ألاسكا وتحويل الولاية—إلى جانب المكسيك—إلى مركزٍ استراتيجي لتصدير الغاز إلى الأسواق الآسيوية. وانسجامًا مع هذه الأجندة، وقّع الرئيس في 20 كانون الثاني/يناير 2025 أمرًا تنفيذيًا يهدف إلى تفكيك العديد من القيود البيئية التي فرضها الرئيس السابق جو بايدن على تطوير النفط والغاز في ألاسكا. ويمنح هذا الأمر أولوية لإجراءات الترخيص والموافقة الخاصة بمشروع ألاسكا للغاز الطبيعي المُسال (Alaska LNG Project)، الذي ينطوي على مبادرة واسعة النطاق لاستخراج الغاز من المنحدر الشمالي لألاسكا، ونقله عبر خط أنابيب بطول 800 ميل، ثم تصديره بوصفه غازًا طبيعيًا مُسالًا من محطة تقع على الساحل الجنوبي للولاية. ويهدف المشروع إلى تموضع ألاسكا كمصدّرٍ طاقوي رئيسي، مع ما يثيره ذلك من مخاوف بيئية ومناخية جسيمة.⁴⁰
أما في حالة المكسيك، فقد أدّت السيطرة الطاقوية التي تسعى إليها الولايات المتحدة إلى تحويل البلاد إلى أكبر مستوردٍ للغاز الطبيعي الأمريكي، وإلى منصةٍ استراتيجية لتصدير الغاز الأمريكي المتجه إلى آسيا. وإلى جانب ذلك، تشير أدلةٌ متزايدة إلى أن الدولة المكسيكية باتت تُروّج بنشاط لاستخدام التكسير الهيدروليكي داخل أراضيها، رغم المقاومة الشعبية القوية والمخاوف المثبتة علميًا بشأن الآثار البيئية والاجتماعية لهذه التقنية الاستخراجية المثيرة للجدل.⁴¹ وإن توسيع إنتاج الغاز الطبيعي عبر التكسير الهيدروليكي في المكسيك سيعني تعميق الاصطفاف مع الأجندة الإمبريالية الأمريكية القائمة على الطاقة الأحفورية، وفي الوقت نفسه الابتعاد أكثر عن تطوير بدائل غير أحفورية. ولا شكّ أن ذلك سيمثّل تشديدًا للتبعية الطاقوية للمكسيك وانتكاسةً كبيرة لمساعيها نحو استراتيجيات طاقة سيادية ومستدامة. .....................................................................
Notes
1. جون بيلامي فوستر، «ذروة النفط والإمبريالية الطاقوية»، Monthly Review، المجلد 60، العدد 3 (تموز–آب 2008): ص 12.
2. مايكل ت. كلير، الدم والنفط (لندن: Penguin Books، 2004).
3. تشونغمين وانغ وآلان كروبنيك، «مراجعة استعادية لتطور الغاز الصخري في الولايات المتحدة: ما الذي قاد إلى الطفرة؟»، Economics of Energy and Environmental Policy، المجلد 4، العدد 1 (2015): ص 5–18.
4. جود كليمنتي، «دعم الرئيس أوباما للنفط الصخري والغاز الطبيعي في الولايات المتحدة»، Forbes، 31 كانون الأول/ديسمبر 2019.
5. إدارة معلومات الطاقة الأمريكية (U.S. EIA)، «كم تبلغ كمية الغاز الصخري المنتَج في الولايات المتحدة؟»، 19 أيلول/سبتمبر 2024، eia.gov.
6. آفا فيريد زيف، «ثورة النفط الصخري في الولايات المتحدة: التهديد للسعودية ومستقبل العلاقة الخاصة الأمريكية–السعودية»، أطروحة جامعية، جامعة Fordham، 2022.
7. ارتفع إنتاج النفط الخام في الولايات المتحدة من 347 مليون طن متري عام 2010 إلى 820 مليون طن عام 2022، ما جعلها أكبر منتج للنفط في العالم. وفي ذلك العام، جاء 64 بالمئة من النفط المستخرج في الولايات المتحدة من التكسير الهيدروليكي. Enerdata، «Producción de crudo»، دون تاريخ، datos.enerdata.net.
8. لمزيد من المعلومات حول أسعار الغاز، انظر: إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، «أسعار الغاز الطبيعي في مركز Henry Hub في الولايات المتحدة عام 2023 كانت الأدنى منذ منتصف 2020»، 4 كانون الثاني/يناير 2021.
9. جون بيلامي فوستر، «حرب الوقود الأحفوري»، Monthly Review، المجلد 65، العدد 4 (أيلول/سبتمبر 2013): ص 29.
10. نِك إستِس وجاسكيرن ديلون (محرران)، الوقوف مع ستاندينغ روك (Minneapolis: University of Minnesota Press، 2019).
11. كريس مكغريل، «كيف تساعد جماعة ضغط أمريكية قوية شركات النفط الكبرى على عرقلة العمل المناخي»، The Guardian، 19 تموز/يوليو 2021.
12. كارول نخلة، «النفط والغاز الصخري في الولايات المتحدة: من الاستقلال إلى الهيمنة»، GIS Reports، 30 آب/أغسطس 2024، gisreportsonline.com.
13. آدم حنيّه، الرأسمالية النفطية (لندن: Verso، 2024)، ص 206.
14. إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، «شرح الغاز الطبيعي»، 30 حزيران/يونيو 2023.
15. إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، «الولايات المتحدة صدّرت حجمًا قياسيًا من الغاز الطبيعي في عام 2023»، 15 نيسان/أبريل 2024.
16. إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، «الولايات المتحدة بقيت أكبر مُصدّر للغاز الطبيعي المُسال في العالم عام 2024»، 27 آذار/مارس 2025.
17. في ظل الرسوم الجمركية والترتيبات التجارية الجديدة، كان من المتوقع أن يلتزم الاتحاد الأوروبي بشراء طاقة أمريكية بقيمة 750 مليار دولار بحلول عام 2028. البيت الأبيض، «الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي يتوصلان إلى اتفاق تجاري ضخم»، 28 تموز/يوليو 2025، whitehouse.gov.
18. كارلوس أنشوندو، «مساعي ترامب لدفع مشاريع الغاز الطبيعي المُسال تصطدم بوقائع اقتصادية قاسية»، E&E News (Politico)، 7 نيسان/أبريل 2025، eenews.net.
19. جون ساكس-فرنانديز، بيع وشراء المكسيك (مدينة مكسيكو: Universidad Nacional Autónoma de México، 2016).
20. «استمرار النزاع الطاقوي مع اقتراب مراجعة اتفاق الولايات المتحدة–المكسيك–كندا (USMCA)»، Mexico Business News، 24 تشرين الأول/أكتوبر 2025.
21. أوكتافيو أمادور، «انخفض الوقود المستورد من 72% إلى 60% من الاستهلاك خلال الولاية الرئاسية»، El Economista، 26 أيلول/سبتمبر 2024.
22. بيانات من The Observatory of Economic Complexity، «المنتجات النفطية المكررة في الولايات المتحدة»، تموز/يوليو 2025، oec.world.
23. بيانات من إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، «صادرات وإعادة تصدير الغاز الطبيعي الأمريكي حسب البلد، 2023».
24. خافيير هـ. إسترادا، فيكتور رودريغيز، وفيكتور هوغو فينتورا، الغاز الطبيعي في المكسيك (المكسيك: Comisión Económica para América Latina y el Caribe، 2022)، ص 87.
25. الماكيلادورا هي مصانع تصنيع تديرها شركات متعددة الجنسيات وتشكل قطاعًا إنتاجيًا واسعًا يوظف قرابة ثلاثة ملايين عامل في المكسيك. تتخصص هذه المصانع في أكثر مراحل سلسلة الإنتاج كثافةً في العمل، وتُوجَّه منتجاتها أساسًا للتصدير إلى الولايات المتحدة، وتمثل قرابة 60 بالمئة من إجمالي صادرات المكسيك. انظر: ماتيو كروسا، «نقل القيمة غير المتكافئ من المكسيك إلى الولايات المتحدة»، Monthly Review، المجلد 75، العدد 5 (تشرين الأول/أكتوبر 2023): ص 42–53.
26. جيمس م. سايفر وماتيو كروسا، الاقتصاد السياسي للسلطة والإنتاج العابرين للحدود (لندن: Routledge، 2023).
27. المجلس الوطني للعلوم والتكنولوجيا، الطاقة الخضراء والكفاءة للقطاع الصناعي والتجاري والسكني (المكسيك: CONACYT، 2022)، ص 2.
28. CFEnergia، «الغاز الطبيعي»، دون تاريخ، cfenergia.com.
29. المجلس الوطني للعلوم الإنسانية والعلوم والتكنولوجيا، «استهلاك الطاقة الكهربائية (GWh) حسب القطاع والكيان الاتحادي»، 2022، energia.conacyt.mx.
30. Geocomunes، إعادة الهيكلة الطاقوية في المكسيك: التبعية الإقليمية في شمال غرب وجنوب شرق المكسيك، 2024، geocommunes.org.
31. Geocomunes، إعادة الهيكلة الطاقوية في المكسيك.
32. تشنغ إنفو ولي جينغ، «التغيرات في الاستراتيجية الكبرى للولايات المتحدة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ وإجراءات الصين المضادة»، Monthly Review، المجلد 76، العدد 3 (تموز–آب 2024): ص 24–48.
33. بول م. سويزي، «الطبقة الحاكمة الأمريكية»، في The Present as History (نيويورك: Monthly Review Press، 1953): ص 123–124.
34. جون بيلامي فوستر، «الطبقة الحاكمة الأمريكية ونظام ترامب»، Monthly Review، المجلد 76، العدد 11 (نيسان/أبريل 2025): ص 1–22.
35. هاري برافرمان، العمل ورأس المال الاحتكاري (نيويورك: Monthly Review Press، 1998).
36. لينا، «إيلون ماسك يطلق تحذيرًا من الولايات المتحدة إلى العالم بأسره: لم يُشهد مثله من قبل»، E-Notícies، 22 شباط/فبراير 2025، e-noticies.cat.
37. عند توليه المنصب، أعلن ترامب أن الولايات المتحدة تدخل عصر «الهيمنة الطاقوية». البيت الأبيض، «الرئيس دونالد ج. ترامب يؤسس مجلس الهيمنة الطاقوية الوطني»، 14 شباط/فبراير 2025.
38. بوني تشان، «كيف تساعد الصين في دفع التحول الأخضر العالمي»، World Economic Forum، 17 كانون الثاني/يناير 2025.
39. Fitch Ratings، «اعتماد المكسيك على الغاز الطبيعي الأمريكي مرشح للزيادة وسط تصاعد التوترات التجارية»، 20 شباط/فبراير 2025؛ غابرييل غافين، Politico، 14 نيسان/أبريل 2025؛ Reuters، 20 نيسان/أبريل 2025.
40. Earthjustice، «أجندة اليوم الأول لإدارة ترامب تعطي الأولوية للصناعات الاستخراجية فوق كل اعتبار في ألاسكا»، بيان صحفي، 20 كانون الثاني/يناير 2025، earthjustice.org.
41. أرتورو روخاس، «تعتزم الحكومة تخصيص 12,364 مليونًا لمشاريع تنطوي على التكسير الهيدروليكي»، El Economista، 29 تشرين الثاني/نوفمبر 2024.
https://monthlyreview.org/articles/the-shale-revolution-u-s-energy-imperialism-and-mexicos-dependence/
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
قراءة وتحليل في الادب البلزاكي / رواية الجلد المسحور ( جلد ا
...
-
قراءة في رواية الأوهام المفقودة لبلزاك: رصد تحوّلات المجتمع
...
المزيد.....
-
اتصال بين وزيري دفاع سوريا وتركيا وسط التصعيد العسكري في حلب
...
-
لقطات تُظهر اشتعال مبانٍ حكومية في إيران وسط احتجاجات متواصل
...
-
الجزائر تنهار أمام نيجيريا وتودع كأس الأمم الأفريقية في ربع
...
-
-الفُقع- هدية الشتاء الفلسطيني.. غذاء من الأرض وطقس متوارث
-
عاجل | العليمي يعلن تشكيل لجنة عسكرية عليا بقيادة تحالف دعم
...
-
باكستان تبدأ -المناورة الملهمة- مع الجيش الأميركي
-
أمين حزب المؤتمر الشعبي: لا بد من حكم مدني في السودان
-
ما حقيقة مساهمة تنسيقات عشائرية سرية داخل -قسد- في حسم معركة
...
-
عاجل | الرئاسة اليمنية: نطالب دولة الإمارات بالسماح بسفر عضو
...
-
سوريا: إغلاق مطار حلب أمام حركة الملاحة الجوية
المزيد.....
-
صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة
/ محمد حسين النجفي
-
الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح
...
/ علي طبله
-
الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد
...
/ علي طبله
-
الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل
...
/ علي طبله
-
قراءة في تاريخ الاسلام المبكر
/ محمد جعفر ال عيسى
-
اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات،
...
/ رياض الشرايطي
-
رواية
/ رانية مرجية
-
ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا
/ حسين جداونه
-
تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ
/ غنية ولهي- - - سمية حملاوي
-
شيوعيون على مر الزمان ...الجزء الأول شيوعيون على مر الزمان
...
/ غيفارا معو
المزيد.....
|