أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - كرار جمعة الامارة - غلام حسين سعيدي: رمز المقاومة ضد الإمبريالية والرجعية الملكية والثيوقراطية الدينية















المزيد.....



غلام حسين سعيدي: رمز المقاومة ضد الإمبريالية والرجعية الملكية والثيوقراطية الدينية


كرار جمعة الامارة

الحوار المتمدن-العدد: 8587 - 2026 / 1 / 14 - 23:21
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


صرخة الكاتب الثوري: إرث سعيدي وتدنيس الملكيين والعلم الإسرائيلي
حادثة في باريس تكشف صراع السرديات داخل المعارضة الإيرانية
*سهيل آصفي
January 7, 2025

في فعل صادم انتشر على نطاق واسع، أقدمَ رجلٌ ملكيّ على تدنيس قبر غلام حسين سعيدي (الاسم الأدبي: گوهر مراد)، الكاتب الإيراني اليساري الأيقوني، عبر التبوّل عليه في مقبرة بير لاشيز بباريس. وقد لفّ نفسه بالعلم الإسرائيلي، فحوّل بشكلٍ رمزيّ مثوى سعيدي الأخير — وهو مكان مقدّس للمنفيين الإيرانيين ولليسار العالمي — إلى أداةٍ موجهة ضد القيم ذاتها التي ناضل الكاتب من أجلها: مقاومة الطغيان والتضامن مع المظلومين.
ليست مقبرة بير لاشيز مجرد مكانٍ للدفن؛ إنها نصبٌ لذاكرةٍ ثورية. فهي تضم قبور شهداء كومونة باريس، الذين ألهم نضالهم اليساريين في أنحاء العالم، وبالنسبة للإيرانيين تحتضن قبري غلام حسين سعيدي وصادق هدايت، وهما عملاقان أدبيان جسّدا روح التمرّد والمنفى. لقد كان سعيدي ناقدًا لا يلين لملكية الشاه وللجمهورية الإسلامية معًا، وكرّس حياته للدفاع عن قضية العدالة. أما قبره، وقد أصبح اليوم بؤرةً للمقاومة، فيُبرز حدّة الصراع الأيديولوجي الدائر داخل الشتات الإيراني.
كانت حياةُ سعيدي موسومةً بمعارضةٍ لا هوادة فيها للقمع. فقد تعرّض للتعذيب في عهد نظام الشاه، وأعلنَ مشهورًا بعد الإفراج عنه: «كسروا جسدي، لكنهم لم يكسروا روحي.» وقد لاقت أعماله، التي انتقدت الظلم الاجتماعي والاستبداد السياسي، صدىً عميقًا لدى أولئك التائقين إلى الحرية. وبعد ثورة 1979 غير المكتملة، أصيب سعيدي — مثل كثير من الثوريين — بخيبة أمل من خيانة الجمهورية الإسلامية لوعودها. أُجبر على المنفى في باريس، حيث عاش حياةً من الوحدة والحنين، وكتب في سنواته الأخيرة عام 1985:
المنفى ليس مجرد انتقال جغرافي. إنه وجعٌ لا ينتهي، وحالةُ شوقٍ دائمة، حيث تحوم الروح بين ذاكرة ما فُقد واستحالة العودة. ومع ذلك، ففي هذا الحيّز المعلّق، تجد المقاومةُ أنقى أشكالها.
إن تدنيس قبره ليس اعتداءً على ذكراه فحسب، بل هجومٌ على القيم التي مثّلها: مناهضة الإمبريالية، والعدالة، والتضامن مع المقهورين.

توظيف الحنين كسلاح سياسي
إنّ هذا الحادث يُجسّد ظاهرةً أوسع بين بعض تيارات المعارضة الإيرانية، ولا سيما الملكيين. فاحتضانهم لحنينٍ تنقيحيّ إلى عهد البهلويين يتعزّز عبر وسائل إعلام ناطقة بالفارسية ممولة غربيًا وإسرائيليًا مثل «مانوتو» و«إيران إنترناشونال»، التي يُشار إليها أحيانًا بسخرية باسم «موساد إنترناشونال». تعمل هذه المنصات على تلميع النظام القمعي للشاه، وتقدّمه بوصفه يوتوبيا ضائعة، فيما تُقصي وتطمس أصوات الذين عانوا من بطشه وقمعه.
إن الفعل الهستيري المتمثّل في التبوّل على قبر أحد أبرز الكتّاب اليساريين الإيرانيين في المنفى ليس حادثةً معزولة؛ بل هو جزء من نمطٍ أوسع ومتكرر. وقد تكرّر هذا المسار مرارًا بأشكال مختلفة، بما يسلّط الضوء على هيمنة الإعلام الإمبريالي الناطق بالفارسية، الذي تحوّل إلى مجالٍ مربح لشرائح من الشتات الإيراني المنخرطة اليوم في سرديات «الترويج للديمقراطية». كثيرٌ من هؤلاء، الذين يتقاضون رواتب باهظة، سبق لهم العمل في وسائل إعلام رسمية تابعة للجمهورية الإسلامية أو في صحف إصلاحية، قبل أن يعيدوا تقديم أنفسهم بوصفهم شخصيات معارضة تحت رايتي واشنطن وتل أبيب. وهم اليوم مشاركون فاعلون في الحرب النفسية المستمرة ضد النظام الإيراني. ومثالٌ آخر على هذا المسار يتمثّل في الإصدار الأخير لفيلمٍ وثائقي يمجّد برويز ثابتي، أحد أكثر الشخصيات الأمنية سيئ السمعة في عهد الشاه، والمقيم حاليًا في الولايات المتحدة.
شغل ثابتي منصب نائب مدير جهاز السافاك، جهاز الاستخبارات التابع للشاه، في الفترة ما بين عامي 1973 و1979. وبصفته رئيس الدائرة الثالثة في السافاك — وهي أقوى أقسام الجهاز وأكثرها قمعًا — أشرف على الأمن الداخلي لما وصفه جيمي كارتر ذات مرة بـ«جزيرة الاستقرار». لقد اتسم عهد الشاه، الذي أُعيد تثبيته عبر الانقلاب المدعوم من الولايات المتحدة في آب/أغسطس 1953، بسفك الدماء، ولا سيما إعدام أعضاء وضباط حزب توده الشيوعي الإيراني. وكان النظام خاضعًا بشكلٍ عميق للمصالح الأميركية، وهي حقيقة اعترف بها مرارًا مسؤولون سابقون في عهد البهلويين في مقابلات ما بعد الثورة، كما تؤكدها وثائق رفعت عنها السرية صادرة عن السفارة الأميركية.

يكشف الفيلم الوثائقي، وإن بدا ظاهريًا محاولةً لتلميع فصلٍ من تاريخ نظام بهلوي، على نحوٍ غير مقصود مدى التورّط الإمبريالي في تشكيل جهاز السافاك. فبحسب ثابتي، جاءت فكرة إنشاء السافاك باقتراح من حلف السنتو CENTO (منظمة المعاهدة المركزية)، وهو أحد أحلاف الحرب الباردة التي قادتها الولايات المتحدة بهدف مواجهة الكتل المتحالفة مع الاتحاد السوفييتي، مثل حلف وارسو.
إن عودة شخصية بالغة القتامة مثل ثابتي إلى الواجهة بعد أربعة عقود، بالتوازي مع أفعال رمزية كتلويح الملكيين بالعلم الإسرائيلي أو التبوّل على قبور خصومهم السياسيين، ليست محض صدفة. فهذه الأفعال تعبّر بعمق عن اصطفافٍ أيديولوجي أوسع: تلاقي التيارات الملكية مع الأجندات الصهيونية والنيوليبرالية. إن تدنيس قبر غلام حسين سعيدي ليس مجرد إهانة رمزية، بل هو بيان سياسي ينسجم مع القوى ذاتها التي قضى سعيدي حياته في مقاومتها — الإمبريالية، والاستبداد، ومحو الذاكرة الثورية.
ويُظهر التحليل الأعمق لهذه الظاهرة مركزية الرمزية القضيبية في إضفاء الشرعية على الملكية الوراثية. فالألقاب من قبيل «الأمير»، و«الشهبانو»، و«صاحب السمو الملكي» تستمد مشروعيتها من بُنى أبوية غيرية تُعلي من شأن النَسَب والهيمنة الذكورية. وما تسميه الدراسات الماركسية الكويرية النسوية بـ«النظرة القضيبية المتمركزة» يتجلّى هنا بوضوح، إذ تقوم ماهية الملكية ذاتها على ما يمكن تسميته «ديمقراطية مدفوعة بالحيوانات المنوية» — نظام تُختزل فيه السلطة في الوراثة البيولوجية، بوصفها المصدر الوحيد للشرعية، عبر وسيطٍ قضييبي يكرّس الامتياز والهيمنة.
لا تقتصر هذه الاستعراضات المتمركزة حول القضيب على الملكيين البهلويين، الذين يُعدّون بلا شك من أكثر قوى المعارضة أبويةً ورجعية. بل إنها تتكرّر أيضًا داخل قطاعاتٍ واسعة من اليسار، حيث لا تزال الإشكاليات الأبوية والثقافية حاضرة، ولا سيما لدى ما يُعرف عالميًا بتيارات «اليسار الذكوري» (brocialist). وعلى الرغم من أن الخوض العميق في مسألة الأبوية داخل اليسار يتجاوز نطاق هذا المقال، فإن الإقرار بارتباطها الوثيق بالسياق العام يظلّ أمرًا ضروريًا.
أما البهلويون، فيستمدّون شرعيتهم من سلطةٍ قضيبية، ويوظّفونها كأداةٍ للترهيب، في محاكاةٍ واضحة لأساليب حليفهم الوثيق، النظام الإسرائيلي، في مساعيه لإعادة تشكيل الشرق الأوسط بوصفه «شرقًا أوسط جديدًا». إن هذه السياسة التسلطية المتمركزة حول القضيب لا تكشف فقط هشاشة ادعاءات الملكية بالسلطة، بل تُبرز أيضًا الطابع الرجعي العميق لتحالفها مع القوى الإمبريالية.
في الوقت ذاته، يعمل هؤلاء المروّجون لـ«الديمقراطية» الموالون للغرب، والمموَّلون من أصول غربية وإسرائيلية، على تشكيل الخطابات بطرق تُنتج ارتباكًا أيديولوجيًا داخل أوساط يسارية مترددة، ما يؤدي إلى مزيد من تمييع الأطر المناهضة للإمبريالية. ويتفاقم هذا الواقع بفعل وحشية الجمهورية الإسلامية نفسها، التي تزعم دعم القضية الفلسطينية بينما تمارس، في الوقت عينه، قمعًا ممنهجًا بحق شعبها، الأمر الذي يقوّض أي تضامن حقيقي ويفتح المجال أمام السرديات الرجعية كي تزدهر.
إن عملية تسويق وإعادة تسويق «الأمير بلا تاج» تتكشّف عن الفراغ الذي خلّفه غياب بديل ديمقراطي حقيقي لنظامٍ بُني، خلال العقد الأخير من الحرب الباردة، على إعدام وسجن ونفي الثوريين اليساريين، مع إعادة تدوير الشعار البالي «الموت لأميركا». غير أن الخصوصيات الشخصية للأمير — إذ أمضى أربعة عقود مستلقيًا بالقرب من مقر وكالة الاستخبارات المركزية في لانغلي، بانتظار أن تعيده القوى الأجنبية إلى الحكم كما فعلت مع والده — تحوّلت إلى مادةٍ للسخرية على وسائل التواصل الاجتماعي. ففي إحدى المقابلات، اعترف بصراحة: «طوال هذه الأربعين سنة، كنت أتقاضى مصروفًا من عائلتي لكي أتمكن من القيام بعمل سياسي!» وفي مناسبة أخرى، قال إن جميع أصدقائه يعيشون في الخارج، مضيفًا أنه لا يستطيع العمل في إيران إلا بدوامٍ جزئي، لأنه — على حد تعبيره — «أصبحتُ الآن إنسانًا حرًا، ولن أتخلى تحت أي ظرف عن الحرية التي أمتلكها، ولن أضحّي بنفسي من أجلها».
ومؤخرًا، وبعد تغيير النظام في سوريا، أعلن استعداده لتولّي حكمٍ انتقالي. إن الجرأة الفجّة لهذه التصريحات، مقرونةً بسجلّه الطويل من الخمول السياسي، تكشف بوضوح عبثية هذا المشروع الدعائي المُحكم لإعادة تسويقه.
وتأتي زيارة رضا بهلوي الأخيرة إلى إسرائيل، حيث التقى بنيامين نتنياهو، لتسلّط مزيدًا من الضوء على هذا التحوّل الأيديولوجي. فإشاراته المتكرّرة إلى التماهي مع السرديات المؤيدة لإسرائيل تتجاهل التاريخ الثوري لليسار الإيراني الذي وقف، منذ ستينيات القرن الماضي، بثبات إلى جانب القضية الفلسطينية. غير أن توظيف الجمهورية الإسلامية للقضية الفلسطينية كأداة سياسية، مقرونًا بقمعها الوحشي في الداخل، قد خلق فراغًا استغلّته قوى رجعية لتوجيه معارضة النظام نحو الارتماء في أحضان التحالفات الإمبريالية.

الوجه الجديد للفاشية
تعكس واقعة التدنيس التي انتشرت على نطاق واسع أيضًا تصاعدًا مقلقًا لما وصفه مثقفون إيرانيون بـ«الخطاب الفاشي الجديد» داخل بعض أوساط المعارضة. ففي بيانٍ حديث، أدانت مجموعة من المثقفين والأكاديميين الإيرانيين هذا المنحى، من بينهم المحامي الماركسي-اللينيني المقيم في طهران ناصر زرافشان. وجاء في البيان تحذيرٌ واضح:
«لقد شهدنا في الأسابيع الأخيرة تصاعدًا مقلقًا لاتجاهٍ خطير على وسائل التواصل الاجتماعي، تغذّيه بعض المنصات المموّلة من الخارج. إذ تلجأ مجموعات تُعرّف نفسها كقوى معارضة إلى الابتذال، والتشهير الشخصي، والهجمات اللفظية المتواصلة للترويج لخطابٍ فاشي. ويُعيد هذا المنحى إلى الأذهان الأساليب التي استخدمتها تاريخيًا الأنظمة الاستبدادية لقمع المثقفين والمناضلين من أجل الحرية، بهدف تمهيد طريقٍ سلس إلى السلطة عبر إقصاء كل أشكال المعارضة».
وأشار البيان كذلك إلى أوجه الشبه بين هذه الهجمات وحملات التشويه التي كانت تشنّها سابقًا وسائل إعلام مرتبطة بالسلطة داخل إيران، مثل صحيفة «كيهان» المتشددة. واختُتم البيان بنداءٍ قوي جاء فيه:
«إن تصاعد الهجمات الممنهجة ضد المثقفين والمفكرين لا يزيدنا إلا إصرارًا على التوحّد في مواجهة هذه الفاشية الناشئة، وعلى إعادة التأكيد على المبادئ الأساسية لحرية التعبير غير المقيّدة».

كيف تعيد وسائل الإعلام الجديدة واليسار التائِب كتابة النضالات ضد الرأسمالية والصهيونية
في قلب المنظومة الإمبريالية، نشهد تحوّلًا عميقًا في دور منصّات الإعلام الجديد مثل «إكس» المملوكة لإيلون ماسك (تويتر سابقًا)، وفيسبوك، ونتفليكس، وغوغل. لقد تحوّلت هذه الشركات التكنولوجية العملاقة إلى آلات تعليمية هائلة — لا من أجل التنوير أو التقدّم الديمقراطي، بل من أجل الترويج النشط لأيديولوجيات اليمين المتطرّف وقيم رأسمالية العصابات. تقوم خوارزمياتها بتضخيم السرديات الرجعية، وتشويه الحقائق التاريخية، وتهيئة المستخدمين لاستبطان الأطر الإمبريالية، كل ذلك تحت غطاء الحياد أو الديمقراطية الزائفة.
وقد أثّرت هذه الآلة الرقمية بعمق في تمثيل إيران وغيرها من بلدان الجنوب العالمي، إذ حوّلت تواريخها المعقّدة إلى ثنائيات أخلاقية تبسيطية من قبيل «الديمقراطية مقابل الديكتاتورية». فعلى سبيل المثال، تُظهر مسلسلات إسرائيلية مثل طهران على +Apple TV كيف تُبرز السرديات الإعلامية الانتقائية قضايا التجسّس والصراعات الداخلية والاستبداد في إيران، من دون وضعها في سياق إرث التدخّل الإمبريالي والعدوان الغربي المستمر. وبالمثل، تقدّم أفلام مثل آرغو (2012) صورةً استعراضية ومثيرة عن إيران، تعزّز تصوّرها كدولة عدائية وغير عقلانية، فيما تُهمَّش تمامًا تاريخها المناهض للإمبريالية. أما الأفلام الوثائقية مثل من أجل ندى (2010)، التي تركّز على مقتل ندى آغا سلطان خلال احتجاجات عام 2009، فتتمحور حول سرديات الضحية والقمع السلطوي، متجاهلةً دور العقوبات والتدخلات التي قادتها الولايات المتحدة في تشكيل المشهد الاجتماعي والسياسي الإيراني.
وربما الأكثر إزعاجًا هو محو أو تشويه أحداث تاريخية مفصلية، مثل مجزرة آلاف الشيوعيين واليساريين الإيرانيين في سجون الجمهورية الإسلامية خلال ثمانينيات القرن الماضي. فعندما يجري الاعتراف بهذه الجريمة أصلًا في الإعلام الغربي، غالبًا ما تُختزل إلى «انتهاك عام لحقوق الإنسان»، بما يجرّدها من أبعادها الثورية والمناهضة للإمبريالية. هذا التأطير لا يفرغ الضحايا من سياقهم السياسي فحسب — وهم في غالبيتهم أعضاء في حركات يسارية ومناهضة للإمبريالية — بل ينسجم أيضًا مع الأجندة الإمبريالية الأوسع الهادفة إلى نزع الشرعية عن إيران كدولة، بدلًا من مساءلة القوى العالمية التي أسهمت في صياغة تاريخها.
إن مثل هذه التمثيلات الاختزالية تُشوّه تاريخ إيران وتخلّف آثارًا عميقة على الخطاب اليساري العالمي. فمن خلال الترويج لثنائية مبسّطة من قبيل «الحرية» في مقابل «الطغيان»، تحجب هذه المنصّات الإعلامية والإنتاجات الثقافية البُنى الإمبريالية التي أنجبت وأنعشت أنظمة مثل الجمهورية الإسلامية في إيران. فعلى سبيل المثال، كثيرًا ما يجري تجاهل أحداث مفصلية كـالانقلاب المدعوم أميركيًا عام 1953 ضد رئيس الوزراء محمد مصدّق، الذي أطاح بحكومة منتخبة ديمقراطيًا واستبدلها بحكم الشاه الاستبدادي، ممهدًا الطريق لثورة 1979 الإسلامية.
وقد أسهم هذا التبسيط السردي في تآكل الالتزامات المناهضة للإمبريالية والصهيونية لدى قطاعات من اليسار في الشرق الأوسط والعالم الثالث. فحين تُنتقد أنظمة مثل النظام الإيراني من دون وضعها في سياقها الأوسع ضمن الإمبريالية الأميركية والتدخلات النيوليبرالية، يُعاد تشكيل وعي المتلقّين على نحوٍ يجعل من القوة الإمبريالية قوةً حميدة أو محايدة. والنتيجة هي سياسة تعكس أولويات إمبريالية، وتُقصي الرؤى البديلة، وتُعيد إنتاج الهيمنة العالمية للأطر الأيديولوجية الغربية.
غالبًا ما تُقدَّم الجمهورية الإسلامية بوصفها خصمًا قائمًا بذاته في النظام العالمي — نظامًا استبداديًا معزولًا تمامًا عن قوى الإمبريالية. غير أن هذا التأطير يتجاهل، عن قصد، حقيقة أن الجمهورية الإسلامية هي، في جوانب كثيرة، نتاج مباشر لتدخلات إمبريالية في أواخر الحرب الباردة. فبعد انقلاب 1953 المدعوم من الولايات المتحدة، الذي أعاد الشاه إلى الحكم وقضى على الحركات الديمقراطية والشيوعية الصاعدة في إيران، جرى تمهيد الأرضية لردّة فعل رجعية. وقد قام جهاز السافاك، المدرَّب والمدعوم من وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية والموساد، بقمع المعارضة اليسارية إلى حدٍّ جعل الفراغ الذي خلّفه سحق اليسار العلماني في أواخر سبعينيات القرن الماضي يُملأ بالثورة الإسلامية. إن تناقضات الجمهورية الإسلامية — خطابها المناهض للإمبريالية المترافق مع ثيوقراطية قمعية — تنبع مباشرة من هذا الإرث الإمبريالي.
ويُضاف إلى هذا التعقيد ما يمكن تسميته بظاهرة «الهامشية المزدوجة»، حيث يجد كثير من الأعضاء السابقين في الأحزاب والمنظمات اليسارية في الشرق الأوسط والجنوب العالمي أنفسهم اليوم بلا أي وزن أو تأثير. ففي إطار حركاتهم الأصلية، كانوا يمتلكون معنى ودورًا متجذّرًا في النضال الجماعي، لكن مع إضعاف تلك التنظيمات أو تفكّكها، تلاشى هذا الدور. ومع انفصالهم عن أحزابهم وحركاتهم، لم يعودوا منخرطين في ممارسة ثورية حقيقية، ولا قادرين في الوقت ذاته على التفاعل المؤثر مع الخطاب السائد. هذا الفراغ في المعنى والفاعلية يفتح المجال أمام قوى رجعية — من تيارات ملكية وعناصر فاشية وما شابهها — لملئه بالضجيج وأفعال الاستفزاز الرمزي، مثل تدنيس قبر غلام حسين سعيدي.
إن هذا الضجيج اليميني المتطرّف ليس مصادفة. فهو يزدهر في الفراغ الذي خلّفه تآكل الحركات السياسية ذات المعنى وتهميش النضالات المناهضة للإمبريالية. وفي غياب بديلٍ يساريّ قوي، تتقدّم القوى الرجعية لملء هذا الفراغ، مستخدمةً تنقيح التاريخ وأدوات الإعلام الجديد كسلاحٍ لتقويض المبادئ ذاتها للعدالة والتحرّر التي مثّلتها حركات مثل الثورة الإيرانية في بداياتها. فالسؤال ليس ما إذا كان ينبغي نقد أنظمة كالجمهورية الإسلامية — فهذا أمرٌ بديهي — بل ما إذا كان هذا النقد يخدم مشروع التحرّر أم يعزّز الوضع القائم الإمبريالي.
ولاستعادة السردية، لا بدّ من مواجهة إشكالية «الهامشية المزدوجة» التي يعاني منها اليساريون السابقون، وإعادة وصلهم بممارسة مناهضة للإمبريالية ذات مضمون فعلي؛ ورفض الثنائيات الاختزالية من نوع «الديمقراطية مقابل الديكتاتورية»؛ والعودة إلى المبادئ التأسيسية للنضال المناهض للإمبريالية والصهيونية؛ وكشف دور وسائل الإعلام الجديدة بوصفها أجهزة أيديولوجية للسلطة الإمبريالية؛ ومقاومة استحواذ القوى الرجعية على الخطاب الثوري وتفريغه من محتواه التحرّري.
إنّ النضال ضد الإمبريالية والرأسمالية والصهيونية لا يتطلّب مجرد نقدٍ للأنظمة القائمة، بل يستلزم التزامًا متجدّدًا ببناء حركات قادرة على مواجهة ضجيج اليمين المتطرّف واستعادة الإمكانات الثورية التي جسّدتها شخصيات مثل سعيدي. فبدون ذلك، سيظلّ الفراغ الذي تخلّفه «الهامشية المزدوجة» مُتاحًا لأولئك الذين يضخّمون الأجندة الإمبريالية تحت ستار «الترويج للديمقراطية».
وتُعدّ مسألتا الهامشية المزدوجة ووهم الفاعلية مفتاحيتين لفهم الديناميات السائدة في المشهد الفكري الإيراني ما بعد عام 1979، ولا سيما داخل مجتمع المنفى. وقد عادت هذه الثيمات إلى الواجهة مؤخرًا بذريعة فعلٍ استعراضي أدّاه عنصرٌ ملكيّ ذكوري من البروليتاريا الرثّة عند قبر غلام حسين سعيدي. ففي التجمع الكبير الذي أُقيم في باريس — المدينة التي شكّلت، إلى جانب برلين ولندن، تاريخيًا مختبرًا للحركات الفكرية والسياسية الإيرانية — بدا هذا المشهد الاستعراضي فاقعًا، خاليًا من أي فاعلية حقيقية تتجاوز سطحه الرمزي. وهو ما يعكس انحدارًا أيديولوجيًا أوسع، تشكّل بفعل الهزيمة العالمية للحركات اليسارية، وفراغ الخطاب المعادي لأميركا لدى النظام الإسلامي، والطابع غير المكتمل لثورة عام 1979 نفسها.


الثورة غير المكتملة عام 1979: إطارٌ مستمر
إن الثورة الإيرانية عام 1979، التي وعدت بقطيعة مع الإمبريالية والاضطهاد الطبقي، لا تزال ثورةً غير مكتملة — ثورة جرى احتواؤها وتحويلها إلى نقيضها المضاد عبر ترسيخ ثيوقراطية إسلامية. ولا يقتصر هذا النقص على كونه توصيفًا تاريخيًا فحسب، بل هو دينامية حيّة لا تزال تؤثّر بعمق في مجتمع المنفى. فهو يسلّط الضوء على الكيفية التي جرى بها قمع التطلعات الثورية لعام 1979 — المتجذّرة في الحركات المناهضة للإمبريالية، والماركسية، والاشتراكية — واستبدالها بخطاب أيديولوجي أجوف.
إن الفشل في إنجاز ثورة تحرّرية حقيقية ومعادية للإمبريالية أفضى إلى حالة التفكّك الراهنة داخل الشتات الإيراني، حيث باتت الإيماءات الاستعراضية وسياسات نمط الحياة تطغى على النضال الجماعي الذي شكّل في السابق جوهر الحركة الثورية.
تقدّم مقولة جودي دين حول «الرأسمالية التواصلية» عدسةً نقدية بالغة الأهمية لفهم هذا التحوّل. ففي المشهد ما بعد 1979، تعمل المنصّات الرقمية التي تهيمن على خطاب المنفى على تسليع الاعتراض، محوِّلة الفاعلية السياسية إلى أفعال سطحية قائمة على الظهور والمرئية. فما كان في السابق معارضةً ثورية متماسكة، منظَّمة عبر خطوط أيديولوجية وجغرافية متعدّدة — من حزب توده الشيوعي الإيراني المقرّب من موسكو في برلين الشرقية، إلى الماويين والتروتسكيين وغيرهم في برلين الغربية وباريس ولندن والولايات المتحدة ضمن اتحاد الطلبة الإيرانيين (الاتحاد الوطني) — قد اختُزل اليوم إلى تعبيرات مجزّأة وفردانية عن السخط، فاقدة للقدرة على الفعل الجماعي المنظَّم.


المنفى، والتحجّر، والفاعلية الاستعراضية
يستدعي هذا الانحدار تأمّلاتٍ كئيبة وردت في رواية «المنفى» للكاتب الألماني ليون فوختفانغر، التي ترجمتها إلى الفارسية الكاتبة اليسارية الراحلة روشنك داريوش. إن ملاحظات فوختفانغر حول مجتمع المنفيين الألمان تتردّد أصداؤها بعمق داخل الشتات الإيراني ما بعد 1979:
بين المنفيين كان هناك شتّى أنواع البشر: بعضهم طُرد بسبب معتقداته، وآخرون لمجرّد ما تحمله شهادات ميلادهم أو بفعل المصادفة. بعضهم اختار الهجرة طوعًا، وآخرون أُجبروا عليها. جاؤوا من قناعات سياسية ومواقع اجتماعية ومسارات حياة مختلفة. ومع ذلك، جرى تسطيحهم جميعًا، ووسمهم بوصفهم «مهاجرين» قبل أن يُنظر إليهم كذواتٍ حقيقية. قاوم كثيرون هذا التصنيف القسري، لكن دون جدوى. فقد أصبحوا ينتمون إلى هذه الفئة، برابطة لا انفصام لها…
إن المُثل والوفاء للمبادئ هما أول الضحايا؛ يُتخلّى عنهما قبل الخبز نفسه الذي تقوم عليه شروط البقاء. وإذا كان لا بدّ من التخلّي عن عبء، فإن الأخلاق هي أول ما يُلقى جانبًا. يفقد كثير من المهاجرين نزاهتهم؛ فالعيوب التي كانت كامنة في أزمنة الرخاء تطفو بلا كوابح، بينما تنحرف الفضائل وتتبدّل.
الحذرون يصيرون جبناء، والشجعان ينزلقون إلى الجريمة. الاقتصاد يتحوّل إلى بخل، والسخاء ينقلب تبجّحًا. ويغدو معظمهم متمركزين حول ذواتهم، فاقدين الإحساس بالمقياس وبالتمييز بين المباح والمحرَّم. تتحوّل بؤسهم إلى ذريعة للتهوّر والتمرّد، ويغدون كثيري الشكوى والخصومة، وقد شحذت ألسنتهم مرارة الإحباط.
أولئك الذين اقتُلعوا من أمان الروابط المستقرة وأُلقي بهم في فوضى اللايقين، يصبحون في آنٍ معًا وقحين وخاضعين، صاخبين في ادّعاءاتهم، خواء في جوهرهم. يزعمون أنهم يعرفون أكثر من الجميع، فيما تخفي غطرستهم هشاشةً أعمق. وكثمارٍ قُطفت قبل أوانها، لا تنضج، بل تجفّ — قاسية، خشبية الروح.
ومع تلاشي الأمل في العودة — أو حتى في طمأنينة وجودٍ مستقر — يتركون أنفسهم للانزلاق أكثر في الهاوية، مستسلمين لعمق اليأس، من دون حبلٍ يشدّهم إلى الأعلى.
الصفحات 211–217، المجلد الأول، Exile، بقلم Lion Feuchtwanger، مترجمة عن الألمانية بواسطة Roshanak Daryoush، دار نشر Roshangaran Publishing، الطبعة الأولى، ربيع 1989
إن هذا التجانس القسري يوازي ديناميات الشتات الإيراني، حيث يجري في كثير من الأحيان طمس التعدّد في الاختلافات السياسية والاجتماعية لصالح سردية أحادية للمنفى. ويعكس تصوير فوختفانغر للمنفى بوصفه في آنٍ واحد انتقاصًا وإغناءً ازدواجية تجربة المنفى الإيراني. فمن جهة، جرّد المنفى الحركة من الفاعلية الجماعية التي ميّزت مرحلتي ما قبل 1979 وما بعدها مباشرة. ومن جهة أخرى، أتاح منظورًا نقديًا لفهم تسليع الاعتراض وفشل الثورة.
لقد اشتركوا جميعًا في رغباتٍ واحدة: جوازات سفر، وتصاريح عمل، ومال، ووطن جديد، وفوق كل شيء، عودة إلى وطنهم القديم — محرَّرًا وحُرًّا. غير أن دوافعهم، و«لماذا» رغباتهم، وأهدافهم، والمسارات التي اختاروها لبلوغها، كانت شديدة التباين. فما كان أحدهم يراه ساميًا، كان آخر يجده مُرعبًا.
حتى أولئك الذين ربطهم مصيرٌ مشترك وأهداف متقاربة، كانوا يحتكّون ببعضهم البعض، فيُهتز الخيط الهشّ للرفاقية. وكل اصطدام كان يُنجب خيبة أمل جديدة. ونمت بينهم كراهية سامة لا تلين. واشتدّت العداوات إلى حدٍّ بدا فيه الموت الحلّ الوحيد. وبقناعةٍ راسخة، أخذوا يتّهم بعضهم بعضًا بالاستهتار وبخيانة مُثُلهم المشتركة.
نعم، المنفى يجرح — يُضعِف، ويُهين، ويُنخِر. لكنه في الوقت نفسه يُقوّي، ويُوسّع، ويصوغ المقاتلين. فحياة المتجذّرين، أولئك المرتبطين بالأرض، تتطلّب سماتٍ تختلف عن سمات الرحّالة ومن لا جذور لهم. غير أنّه في عصر الآلة — حين يزاح الفلاحون يومًا بعد يوم — تغدو صلابة المقتلعين من جذوهم ضرورةً لا تقلّ أهمية. بل إن خصالهم تبدو أكثر ملاءمة لمن أُجبروا على خوض معارك الحياة يوميًا.
يمتلك المهاجرون حقوقًا أقل من غيرهم، لكن حياتهم أقل تقييدًا بكثير من الواجبات والأحكام المسبقة والحدود التي تُثقِل كاهل الآخرين. فالأكثر حدّةً بينهم يصبحون أسرع، وأقسى عودًا، وأكثر مرونة. وكما قال الكاتب الألماني القديم سيباستيان فرانك: «الماء الجاري لا يتعفّن». ولم يكن في ذلك لعنة، بل نعمة.
لقد خنق المنفى كثيرين، غير أن أصحاب العزيمة الأقوى وجدوا آفاقهم تتّسع وأرواحهم تتمدّد. فقد علّمهم التخلّي عن غير الجوهري، والعيش بخفّة ولكن بعمق. ومن نيويورك إلى موسكو، ومن ستوكهولم إلى كيب تاون، أُجبروا على التفكير على نحوٍ أوسع وأعمق من أولئك الذين ظلّوا متشبّثين بكراسي مكاتبهم في برلين طوال حياتهم.
لقد اغتنى كثير من المنفيين في دواخلهم، وتحوّلوا بفعل الرحلة، وتجددوا في جوهرهم. وصارت العبارة القديمة «مُتْ لتصير!» — التي تحوّل المُنهك إلى مُبتهج — شعارهم، ونبض بقائهم.

استعادة إرث سعيدي
إن هذه الموجة الجديدة من السياسات الرجعية — سواء تجلّت في تدنيس قبر سعيدي أو في الاصطفاف مع قوى إمبريالية — تمثّل خيانةً عميقة للإرث الثوري الإيراني. فالقوى التي تلوّح اليوم بالأعلام الإسرائيلية فوق قبور مفكّرين مناهضين للإمبريالية تزعم معارضة الجمهورية الإسلامية، غير أنّ أفعالها تعكس الاستبداد ذاته الذي تدّعي مقاومته.
تذكّرنا حياة سعيدي وكلماته بأن المنفى، على الرغم من عزلته، يمكن أن يكون فضاءً لمقاومةٍ عميقة. وبالنسبة للمنفيين الكوير وغيرهم ممن يتنقّلون في ألم الاقتلاع، يقدّم إرثه خريطة طريق لاستعادة الانتماء عبر التحدّي. لقد تحوّل قبر سعيدي، الذي دنّسه ملكيون فاشيون مفرطو الذكورية، إلى نقطة تجمّع لأولئك الملتزمين بالعدالة والتضامن.
كان سعيدي كاتبًا وشاعرًا وناشطًا سياسيًا يساريًا مؤثّرًا، ومعارضًا شرسًا لنظام محمد رضا شاه بهلوي. وبصفته عضوًا في رابطة الكتّاب الإيرانيين، كان أحد المتحدّثين البارزين في أمسيات معهد غوته الشعرية الشهيرة التي أُقيمت في طهران خلال خريف عام 1977. وفي عام 1974، اعتقله جهاز السافاك، الشرطة السرّية سيّئة الصيت التابعة للشاه، وقضى عامًا في السجن بسبب نشاطه. وقد أُجبر على المشاركة في اعترافٍ متلفز — على نحوٍ يذكّر بشكلٍ مخيف بأساليب الإكراه التي تستخدمها الجمهورية الإسلامية اليوم — غير أنّ تحدّيه ظلّ عصيًّا على الكسر. إذ كتب إلى شقيقه من السجن: «إذا أسكتوني، فلن يستطيعوا إسكات زئيري. تذكّر، حتى بعد موتي، سأواصل الصراخ، وسيظلّ صراخي مسموعًا.»
ما زلت أرى سعيدي جالسًا في مقهى خافت الإضاءة في طهران، وكأس العرق أمامه يلمع بخفوت في ضباب دخان السجائر، يهمس لنفسه بأبيات الخيّام بالفارسية، فيما تنسج لكنته الآذرية القوية إيقاعًا لا يُخطئه السمع في الكلمات العتيقة. كانت كل رشفة تحمل ثقل قرونٍ من التاريخ، وكل همسة فعلَ تحدٍّ للأرثوذكسية. كان صوته، الحميمي والعنيد في آن، يعلو فوق همهمات العمّال والمتقاعدين والممرّضات والمعلّمين، المجتمعين لمقاومة قمع الجمهورية الإسلامية وخياناتها النيوليبرالية. بدا سعيدي، بشعره الأشعث ونظرته المتحفّزة على الدوام، كأنه يحمل حزنهم وغضبهم الجماعيين في كلماته، محوّلًا إياهما إلى نداءٍ جهوريّ يخترق صمت الديكتاتورية الخانق.
لكنّ تمرّد سعيدي لم يكن يومًا محصورًا في شوارع طهران. فقد امتدّ تضامنه إلى ما وراء الحدود، وكان صوته — بلكنته التي تمزج عالمين — يرنّ بفخرٍ عنيد يرفض كل أشكال المحو. في مشاهد فلسطين ولبنان المليئة بالأنقاض، حيث تشهد ندوب الاستعمار الاستيطاني على مقاومةٍ لا تنقطع، تحوّلت كلماته إلى أصداء لمعركةٍ مشتركة من أجل التحرّر. وفي شوارع الجنوب العالمي — سواء في ماناغوا أو جوهانسبرغ أو جاكرتا — وجد صوته قرابةً حيّة في هتافات أولئك الذين يرفضون أن يُسحقوا تحت ثقل الإمبراطورية.
أن يرتشف ويهمس، أن يتكلّم ويزأر — بلكنته الآذرية القوية التي كانت تُثبّته في إرثٍ من العصيان — جسّد سعيدي الجرأة الراديكالية للعيش في المنفى، ولتحويل الاقتلاع إلى سلاحٍ في مواجهة بُنى السلطة التي سعت إلى إسكات صوته. كان حضوره، سواء بين عمّال طهران القلقين أو في مخيّلات الانتفاضات العالمية، تذكيرًا بأن التضامن محليّ وعابر للحدود في آنٍ معًا، يُهمَس به في الزوايا المعتمة ويُصرخ به عبر المتاريس. إن إرث سعيدي، مثل قصائد الخيّام التي طالما ردّدها، يرفض الأفول، ويواصل حياته شاهدًا على لا محدودية المقاومة.
كان سعيدي من أنصار ثورة 1979 غير المكتملة التي أطاحت بـ«جزيرة الاستقرار» التي روّج لها كارتر، وقد عكست كتاباته المشهدين الاجتماعي والفكري المعقّدين في إيران خلال الفترة الممتدة من ستينيات إلى ثمانينيات القرن العشرين. غير أنّ خيبة أمله من الجمهورية الإسلامية في مرحلة ما بعد الثورة دفعته إلى مغادرة إيران عام 1981، ليستقرّ في باريس حيث توفّي بعد أربع سنوات عن عمر ناهز الخمسين. وتُجسّد أعمال سعيدي، مثل (The Mourners of Bayal)، و(The Cow) (التي حُوِّلت إلى فيلم على يد داريوش مهرجويي)، و(Eye for an Eye)، و(Strangers in the City)، نضالات المجتمع الإيراني ومحنة المثقفين تحت وطأة الأنظمة القمعية. وتبقى قصصه شاهدًا على الروح الدائمة للمقاومة في وجه الطغيان — منارةً لأولئك الذين يرفضون السماح لجراح المنفى بأن تمحو التزامهم بالعدالة.
وكما لاحظ سعيدي بمرارة في المنفى: «المقاومة ليست فعل تحدٍّ لنظامٍ بعينه؛ إنها رفض السماح بمحو الذاكرة والكرامة والعدالة.» إن كلماته تُلزمنا بمواجهة قوى المحو والتلاعب الأوسع. فالدفاع عن إرث سعيدي لا يقتصر على حفظ ذاكرة كاتبٍ ثوري، بل هو معركة ضد ما سمّاه غرامشي (cultural hegemony)، أي هيمنة القوى الحاكمة على المعايير الاجتماعية والسرديات التاريخية من أجل ترسيخ سلطتها. فمن القمع الوحشي للجمهورية الإسلامية، إلى الحنين الرجعي لدى الملكيين، وصولًا إلى النظام الاستيطاني الكولونيالي في إسرائيل المدعوم بقوى إمبريالية، تواصل هذه البُنى السلطوية إحكام سيطرتها عبر إعادة كتابة التاريخ وإسكات الاختلاف.
وقد استشرف سعيدي نفسه هذه المخاطر. ففي أحد مقالاته الأخيرة، المنشورة في مجلة المنفى (Alefba) (المجلد 3، باريس، 1983)، كتب عن مخاوفه من الإبادة الثقافية والاستسلام لما أسماه «الانتحار الثقافي». وإذ حذّر من هشاشة الذاكرة، ناشد قائلًا:
دعونا لا نصل إلى نقطة يكون فيها مصيرنا كمصير أبطال (Fahrenheit 451). الذاكرة غير موثوقة. لدينا ذاكرة بعيدة وذاكرة قريبة، وهاتان أحيانًا تندمجان وأحيانًا تفترقان. ذاكرةٌ تُبعث حيّة وتمتزج بأخرى، وهكذا تختلف ذاكرة البشر عن أمانة جهاز تسجيل.
إن تكريم سعيدي يعني التأكيد على أن المقاومة — كما يجادل غرامشي — تتطلّب صراعًا دائمًا على استعادة الفضاءات التي تُصاغ فيها الذاكرة والثقافة والحقيقة. إنها رفضٌ لا يلين لإسكات الحقيقة، مهما كانت مُقلِقة. وتبقى كلمات سعيدي صدىً يذكّرنا بأن معركة الحفاظ على الثقافة ليست فعلًا سلبيًا، بل فعل مقاومة راديكاليًا في مواجهة القوى التي تسعى إلى محو التاريخ والاستحواذ على الذاكرة لخدمة مصالحها.
*سهيل آصفي صحفي ومؤرّخ ومحلّل سياسي إيراني في المنفى، ومرشّح لنيل درجة الدكتوراه، ويقيم في مدينة نيويورك. أُفرج عنه مؤقتًا بكفالة من سجن إيفين في طهران، قبل أن يصبح لاحقًا «كاتبًا في المنفى» ضمن برنامج PEN Germany. ويُدرّس آصفي حاليًا تاريخ أوروبا المعاصر من منظور الجنوب العالمي في Lehman College

https://url-shortener.me/7SCL



#كرار_جمعة_الامارة (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ثورة النفط والغاز الصخري، الإمبريالية الطاقوية الأمريكية، وت ...
- قراءة وتحليل في الادب البلزاكي / رواية الجلد المسحور ( جلد ا ...
- قراءة في رواية الأوهام المفقودة لبلزاك: رصد تحوّلات المجتمع ...


المزيد.....




- ترامب يوضح موقفه من استخدام الخيار العسكري ضد إيران
- أخبار اليوم: أكراد وعلويون يدعون لعدم استقبال الشرع في ألمان ...
- من بينها مصر والعراق... واشنطن تعلن تعليق إجراءات تأشيرات ال ...
- قطر ترحب ببدء المرحلة الثانية من اتفاق غزة وتدعو لتطبيقه كام ...
- حضرموت تطلق حملة لمنع التجول بالسلاح والمهرة تمهل المتورطين ...
- الاحتلال يعزل 80% من أراضيها.. ماذا يحدث في قرية مخماس بالقد ...
- -ما وراء الخبر- يبحث دوافع تهديد ترامب بضرب إيران مجددا
- ما حجم الضربة الأميركية المحتملة وكيف سترد إيران؟
- برلماني دانماركي يحذر من سيناريو كارثي في أزمة غرينلاند
- تعرف على نقاط التماس بين الجيش السوري و-قسد- غرب الفرات


المزيد.....

- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ / غنية ولهي- - - سمية حملاوي
- شيوعيون على مر الزمان ...الجزء الأول شيوعيون على مر الزمان ... / غيفارا معو


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - كرار جمعة الامارة - غلام حسين سعيدي: رمز المقاومة ضد الإمبريالية والرجعية الملكية والثيوقراطية الدينية