أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - كرار جمعة الامارة - التصعيد المنضبط والقطيعة الدبلوماسية: قراءة في ديناميات الأزمة الإيرانية الأميركية الراهنة














المزيد.....

التصعيد المنضبط والقطيعة الدبلوماسية: قراءة في ديناميات الأزمة الإيرانية الأميركية الراهنة


كرار جمعة الامارة

الحوار المتمدن-العدد: 8609 - 2026 / 2 / 5 - 15:39
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


يمكن فهم مسار الصراع الجاري بوصفه نتاج تفاعل معقّد بين الدبلوماسية القسرية، وتآكل الثقة، واختلاف أهداف الحلفاء، إضافة إلى قيود السياسة الداخلية في الولايات المتحدة. فالمفاوضات التي كانت جارية تعرّضت لانتكاسة حادة بعد سلسلة من العمليات العسكرية النوعية التي قوضت البيئة التفاوضية، ما دفع الأطراف إلى نمط من التصعيد المتبادل بدلاً عن إدارة الخلاف عبر القنوات الدبلوماسية التقليدية.
من منظور العلاقات الدولية، كان الانسحاب السابق من الاتفاق النووي قد أضعف أصلًا ما يمكن تسميته (رأس المال التفاوضي) بين واشنطن وطهران. ومع اندلاع الحرب القصيرة عالية الكثافة – كما حدث بحرب الأيام الاثني عشر – انتقل المشهد السياسي من “التفاوض الهش” إلى القطيعة الدبلوماسية شبه كاملة. هذه القطيعة لم تعني فقط توقف المباحثات الرسمية، انما ادت إلى انهيار قنوات الاتصال غير الرسمية والتفاهمات الضمنية التي كانت تضبط قواعد الاشتباك. وبذلك دخلت العلاقة مرحلة (اللا-تواصل الاستراتيجي ) حيث تحولت الرسائل السياسية السابقة إلى إشارات ردعية وعسكرية.
حرب الاثناعشر يوماً المكثفة والقصيرة لم تنتج حسمًا عسكريًا نهائيًا، لكنها دمرت الثقة بين الطرفين الايراني والامريكي . وهنا ينشأ ما يمكن تسميته (مأزق ما بعد الصراع)؛ إذ اعتقد الطرف الإيراني أن الجانب الأمريكي استخدم التفاوض غطاءً للتحضير العسكري، ففقد الإيمان بإمكانية العودة إلى الطاولة .
وهنا تدرك واشنطن أن القطيعة الدبلوماسية الكاملة تمثّل بحد ذاتها مخاطرة استراتيجية عالية. لانه عندما تنهار القنوات الدبلوماسية، يفقد الطرفان أدوات الضبط غير العسكري الممثلة في الرسائل غير المباشرة و التفاهمات الضمنية، وقنوات نقل التحذيرات. في هذا الجو من الفراغ، يصبح سلوك الخصم أقل قابلية للتنبؤ، لأن غياب التفاوض يرفع القيود السياسية والنفسية التي تدفع عادة إلى ضبط السلوك.
من هذا المنظور، ترى المؤسسات الأميركية أن استمرار القطيعة يترك الطرف الإيراني من دون آليات التزام أو كوابح سياسية، ما يوسّع هامش حركته العسكرية والتقنية. فالتفاوض حتى وإن كان محدودًا يفرض قدرًا من الانضباط المتبادل ويخلق إطارًا يمكن من خلاله نقل الرسائل وضبط الإيقاع. أما انعدام التواصل فيدفع العلاقة إلى ردع عسكري صرف، وهو أكثر هشاشة وعرضة لسوء التقدير.
لذلك تميل واشنطن في أزمات مماثلة إلى تجنّب القطيعة الطويلة، حتى أثناء التصعيد، وتسعى إلى إبقاء قنوات خلفية أو وساطات نشطة. فوجود حد أدنى من التواصل لا يُنظر إليه باعتبارة تنازل ، انما هو بحد ذاته سياسة إدارة مخاطر تمنع الخصم من العمل في فراغ كامل من القيود السياسية. وبعبارة أخرى، فإن استمرار أي مسار تفاوضي حتى في أدنى مستوياته يُعدّ وسيلة لفرض قدر من الضبط على سلوك الطرف الآخر وتقليل احتمالات الانزلاق إلى تصعيد غير محسوب.
ضمن هذا الإطار، يمكن قراءة رفع سقف الشروط التفاوضية من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل بوصفه جزءًا من تكتيك التفاوض الاقصى . فالهدف من طرح شروط مرتفعة لايدخل ضمن تحقيقها حرفياً ، انما هو لخلق بيئة ضغط تدفع إيران إلى التفاوض بين خيارين صعبين: تهديد عسكري مباشر، أو شروط سياسية واقتصادية قاسية. هكذا النمط عادة يُستخدم لإجبار الطرف المقابل على القبول بتسوية وسط، بعد أن يكون السقف قد رُفع إلى مستوى يبدو وجوديًا لبقاء الدولة . تكمن خطورة هذه الاستراتيجية هو شعور الطرف الإيراني المستهدف بأن هذه المطالب تهدد بقاءه، فقد يختار التصلب والتصعيد بدل التفاوض. وهنا جاء الدور الأمريكي بقبول الطلب الإيراني لنقل المفاوضات من أنقرة إلى عُمان ، ليعطي نوع من المرونة ويرسل رسائل اطمئنان للجانب الإيراني.
يبرز هنا أيضًا عامل اختلاف الأهداف بين الحليفين الرئيسيين. فإسرائيل، وفق قراءة واقعية، قد تميل إلى مقاربة كسر استراتيجي طويل المدى للخصم، انطلاقًا من اعتبار التهديد الإيراني تهديدًا بنيويًا. أما الولايات المتحدة، فتفكر غالبًا بمنطق أوسع: منع الحرب الإقليمية الشاملة، الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي العالمي، وتجنب التورط في صراع طويل مكلف. هذا التباين لايعني صراع صراع بينهما، لكنه يخلق ما يمكن تسميته فجوة أهداف داخل التحالف. في مثل هذه الحالات، تميل القوة الكبرى إلى ممارسة دور الضبط، فتسمح بهامش تصعيد محدود لإعادة ترميم الردع، لكنها تحاول منع الانزلاق إلى حرب واسعة.
تملك واشنطن بالفعل أدوات مؤثرة تمكّنها من ضبط سقف التصعيد إذا رأت أن مصالحها الكبرى مهددة: الدعم العسكري النوعي، المظلة الدبلوماسية، التنسيق العملياتي، والإشارات الاستراتيجية التي تحدد حدود المقبول والمرفوض. لكن هذا الضبط غالبًا ما يتم بصورة غير علنية، حفاظًا على تماسك التحالف. لذلك يمكن القول إن الولايات المتحدة قادرة بنيويًا على كبح التصعيد، لكنها تستخدم هذه القدرة بشكل انتقائي، مفضّلة إدارة الصراع بدل إنهائه أو حسمه جذريًا.
إلى جانب ذلك، تلعب الاعتبارات الداخلية الأميركية دورًا مهمًا لمنع الدخول في صراع طويل . فاقتراب انتخابات الكونغرس النصفية في تشرين الثاني/نوفمبر 2026 يشكّل قيدًا واضحًا على أي إدارة أميركية، إذ إن الدخول في حرب واسعة وغير متوقعة يحمل مخاطر اقتصادية وسياسية قد تنعكس مباشرة على المشهد الانتخابي. لذلك يصبح الخيار الأكثر ترجيحًا هو الجمع بين ضغط عسكري محسوب يهدف إلى استعادة المصداقية الردعية، ومحاولة فتح مسار تفاوضي يسمح بإنتاج اتفاق يمكن تسويقه داخليًا بوصفه إنجازًا.
في المقابل، تميل إيران تاريخيًا إلى استراتيجية يمكن وصفها بـ الصبر الاستراتيجي والرد المحسوب: تجنّب الانهيار أو الحرب الشاملة، الحفاظ على عناصر الردع الأساسية، ثم التفاوض عندما تتضح حدود التصعيد. هذا يفتح المجال أمام التسويات التي تحفظ ماء الوجه، حيث يخرج كل طرف برواية انتصار أمام جمهوره الداخلي، رغم بقاء جذور الصراع.



#كرار_جمعة_الامارة (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- كيف تُعيد مناورات ترامب في السياسة الخارجية تشكيل العالم
- كيف جعلت القوة العسكرية الإيرانية ترامب يعيد حساباته تبدّلت ...
- غلام حسين سعيدي: رمز المقاومة ضد الإمبريالية والرجعية الملكي ...
- ثورة النفط والغاز الصخري، الإمبريالية الطاقوية الأمريكية، وت ...
- قراءة وتحليل في الادب البلزاكي / رواية الجلد المسحور ( جلد ا ...
- قراءة في رواية الأوهام المفقودة لبلزاك: رصد تحوّلات المجتمع ...


المزيد.....




- -دعونا لا نضيع الوقت-.. الكرملين يرد على علاقة إبستين بالمخا ...
- -بدء تجهيز الصواريخ والمسيّرات-.. الحوثيون -يستعدون للحرب-
- مرسوم يهزّ جنوب السودان: تعيين سياسي متوفى ضمن لجنة الانتخاب ...
- البرلمان البريطاني يوافق على نشر وثائق تتعلق باللورد ماندلسو ...
- وثائق إبستين: بيل غيتس نادم وميليندا سعيدة بابتعادها عن فضائ ...
- كأس فرنسا: ليون ولنس إلى ربع النهائي
- كأس رابطة الأندية الإنكليزية: مانشستر سيتي يتأهل للنهائي لمو ...
- توقيف مغربي في اليونان بعد اصطدام قارب مهاجرين بزورق خفر الس ...
- سحب وثائق وصور نشرت في قضية إبستين كشفت هويات الضحايا
- السلطات الأمريكية تبدأ سحب 700 من قوات وكالة الهجرة من مينيس ...


المزيد.....

- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله
- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - كرار جمعة الامارة - التصعيد المنضبط والقطيعة الدبلوماسية: قراءة في ديناميات الأزمة الإيرانية الأميركية الراهنة