أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - حامد فضل الله - في رحيل يورغن هبرماس















المزيد.....



في رحيل يورغن هبرماس


حامد فضل الله
كاتب

(Hamid Fadlalla)


الحوار المتمدن-العدد: 8654 - 2026 / 3 / 22 - 23:34
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


في رحيل يورغن هبرماس:
(18 يونيو 1929 – 14 مارس 2026)
إلى الأخ الدكتور محمود بشرى والأعزاء في الحوش العابديني.
حامد فضل الله - البرليني
أثار رحيل الفيلسوف الألماني الكبير يورغن هبرماس موجة واسعة من المقالات والتحليلات في الصحافة الألمانية، حيث سارعت كبريات الصحف والمجلات إلى استعادة إرثه الفكري وتقييم إسهاماته. وليس من المبالغة القول إنّ الأسابيع والأشهر المقبلة ستشهد تدفقًا متواصلًا من الدراسات التي تتناول له، بوصفه أحد آخر كبار مثقفي القرن العشرين، وأحد أبرز الفلاسفة الألمان في العصر الحديث، فضلًا عن كونه نموذجًا للمفكر العمومي الذي ظل حاضرًا في النقاشات السياسية والثقافية حتى سنواته الأخيرة.
يتساءل في هذا السياق الصحفي " توماس اسهوير" عن البدايات الأولى لهذا المشروع الفكري: "ما الذي كان يحرك ذلك الشاب المتوقد الذكاء؟ وأي أفق نظري كان يسعى إلى بلورته؟ برز هبرماس في مطلع ستينيات القرن العشرين، بوصفه نجمًا صاعدًا في الأوساط الأكاديمية، يكتب بثقة لافتة، وبأسلوب يتسم بالصرامة والبرودة التحليلية، مقرونًا بقدرة استثنائية على بناء الحجج. وقد أثارت كتاباته المبكرة حفيظة بعض معاصريه من المحافظين، الذين رأوا فيه امتدادًا مقنّعًا للتقليد الماركسي، خاصة بعد صدور دراسته التأهيلية حول «التحول البنيوي للمجال العام»، التي انتهت إلى أطروحة نقدية مفادها أنّ الرأسمالية الحديثة قد تفضي إلى تقويض الأسس ذاتها التي قام عليها المجال العام البرجوازي.
ارتبط هبرماس في هذه المرحلة ارتباطًا وثيقًا بانخراطه في معهد البحث الاجتماعي التابع لجامعة فرانكفورت، والذي اشتهر لاحقاً باسم "مدرسة فرانكفورت النقدية" كمساعد للفيلسوف تيودور أدورنو وفي هذا الإطار، شرع في تطوير مشروعه حول المجال العام وإلى تحليل تحولاته البنيوية والوظيفية
في سياق الحداثة الرأسمالية. غير أنّ هذا المشروع لم يلقَ ترحيبًا كاملًا داخل المعهد؛ إذ أبدى مدير المعهد الفيلسوف ماكس هوركهايمر تحفظًا واضحًا على هبرماس، معتبرًا أنّ توجهاته النقدية تنطوي على نزعة يسارية قد تُلحق ضررًا بالمؤسسة. وقد أدى ذلك إلى توتر انتهى باستقالته ومغادرته المعهد، قبل أن يعود لاحقًا ليشغل كرسي الفلسفة في جامعة فرانكفورت خلفا لهوركهايمر، في مفارقة تعكس تحولات موقعه داخل الحقل الأكاديمي ذاته.
تميّزت كتاباته بدرجة عالية من الكثافة النظرية والتعقيد المفاهيمي، وهو ما يرتبط بتكوينه المتعدد في الفلسفة وعلم الاجتماع والأدب الألماني. وتكشف بعض الطرائف المتداولة عنه جانبًا إنسانيًا من شخصيته؛ إذ كان، في شبابه، يكتب مقالات منتظمة في صحيفة «فرانكفورتا ألغماينه»، قبل أن يعبّر لرئيس تحريرها عن رغبته في ترك الفلسفة والتفرغ للعمل الصحفي، فجاءه الرد بالنصيحة التي بدت لاحقًا حاسمة في مسيرته: أن يواصل دراسة الفلسفة.
كما كان هبرماس يروي، بروح مرحة، ملاحظات زوجته "أوته" على أسلوبه التدريسي، خاصة في المحاضرات التمهيدية، حيث كانت تشير إلى صعوبة فهم خطابه بالنسبة للطلبة. وهي ملاحظة لا تخلو من دلالة، إذ تعكس التوتر القائم في مشروعه بين الطموح إلى بناء نظرية نقدية دقيقة، والسعي في الوقت ذاته إلى مخاطبة الفضاء العمومي.
وقد خصصت صحيفة " دي سايت" الأسبوعية ملفًا مهمًا بمناسبة رحيله، حمل عنوان: "قوة أفكاره: لماذا يضفي موت الفيلسوف الكبير راهنية جديدة على أعماله"، في إشارة إلى أنّ فكر هبرماس لا ينتمي إلى الماضي بقدر ما يستعيد حضوره في سياق الأزمات المعاصرة، ولا سيما ما يتعلق بالديمقراطية التداولية وأزمة المجال العام.
وفي إطار الاهتمام المتجدد بإرثه، أعمل على جمع ما يصدر من دراسات ومراجعات، خاصة في المجلات العلمية المحكمة، تمهيدًا لإعداد ملف شامل حول فكره. وفي هذا السياق، أعيد الآن نشر مراجعتي السابقة لكتابه «التحول البنيوي للمجال العام»، الذي صدر قبل أكثر من ستة عقود، وأُعيد نشره في طبعة جديدة عام 2022. وهو الكتاب الذي مثّل في الأصل أطروحة التأهيل العلمي لهبرماس، واعتبره هو نفسه من أحب أعماله إليه، لما ينطوي عليه من تأسيس مبكر لمشروعه في نقد الحداثة وإعادة بناء مفهوم العقل العمومي.
إنّ رحيله لا يمثل غياب فيلسوف فحسب، بل أفول نموذج نادر للمثقف الذي جمع بين التحليل النظري العميق والانخراط الفعلي في الشأن العام. ومع ذلك، فإنّ إرثه الفكري، ولا سيما تصوره للمجال العام بوصفه فضاءً للتداول العقلاني، يظل مفتوحًا على إمكانات جديدة للفهم والنقد، في عالم تتزايد فيه التحديات التي تواجه الديمقراطية والتواصل العقلاني.

تحوّل بنيويّ جديدٌ للمجال (للفضاء) العام والسياسة التداولية (التشاورية)
Jürgen Habermasيورجن هبرماس

تقديم ومراجعة حامد فضل الله - البرليني


صدر في عام 2022 عن دار سور كامب، كتاب بالعنوان أعلاه من تأليف يورجن هبرماس أشهر فيلسوف معاصر، وأبرز ممثل للجيل الثاني من مدرسة فرانكفورت النقدية والكتاب من الحجم الصغير ويضمّ 110 صفحة ويحتوي على مقدمة وثلاثة فصول.
جاء الفصل الأول بعنوان " تأملات وفرضيات حول تغيير بنيوي متجدد في المجال السياسي العام"، والفصل الثاني بعنوان " الديمقراطية التداولية. مقابلة"، والفصل الثالث بعنوان "ماذا تعني "الديمقراطية التداولية"؟ الاعتراضات وسوء الفهم".
سوف نقوم هنا بمراجعة الفصلين الأول والثالث فقط، ونقدم هنا مراجعة الفصل الأول أما الفصل الثالث سوف نعود له لاحقاً.
يقول الكاتب "بصفتي مؤلف كتاب "التحول البنيوي للمجال العام" الذي ظهر قبل ستين عاماً، أودّ إبداء تعليقين:
أولاً: لا يزال الكتاب من حيث التوزيع، هو الأكثر نجاحاً بالنسبة لي، على رغم من أنّه كان كتابي الأول.
وثانياً: أظنّ أنّ سبب هذا التأثير التاريخي غير العادي: حيث يحتوي الكتاب على عرض اجتماعي – تاريخي، ومفهوم - تاريخي "للمجال العام" والذي أثار الكثير من الانتقادات، ولكنه أعطى قوة دفع جديدة للبحث التاريخي الأوسع أيضاً. هذا الجانب التاريخي ليس موضوعنا هنا. لكن بالنسبة للعلوم الاجتماعية، فإنّ المفهوم السياسي للمجال العام قد تمّ تضمينه الآن في سياق اجتماعي بنيوي أوسع، حيث كان المصطلح يستخدم سابقا، بشكل غير محدد إلى حد ما، بينما تم الآن تصوره اجتماعياً وإعطائه مكاناً فعلياً متميزاً بين المجتمع المدني والنظام السياسي في المجتمعات الحديثة. لذلك يمكن فحصه من حيث مساهمته في اندماج المجتمع، وعلى وجه الخصوص من حيث الاندماج السياسي للمواطنين أيضاً، على رغم من أنني أدرك، بأنّ المجال العام هو ظاهرة اجتماعية، تتجاوز بكثير المساهمة الفعلية في صنع القرار الديمقراطي في الدول الدستورية. وكذلك قد تناولت لاحقاً الموضوع من منظور النظرية السياسية.
وأبدأ في هذا النص من الدور الذي يؤديه المجال العام لتأمين وجود المجتمع الديمقراطي السياسي.
سوف أخوض أولاً في العلاقة بين النظرية المعيارية والتجريبية، ثم أشرح السبب، كيف يجب أن نفهم العملية الديمقراطية، بمجرد إضفاء الطابع المؤسسي عليها في ظل ظروف مجتمع ذاتي وتعددي، وفي ضوء السياسة التداولية.
وأخيراً نتذكر ظروف الاستقرار الزائفة في ديمقراطية رأسمالية معرّضة للأزمات. في هذا الإطار النظري، الذي كان التغيير الهيكلي لعام 1962 عملاً تحضيرياً، اجتماعياً وتاريخياً له، سأوجز الهيكل الإعلامي المتغير رقمياً وتأثيراته على العملية السياسية. يعزز التقدم التكنولوجي للاتصالات الرقمية في البداية الاتجاهات نحو تفكيك الحدود، وكذلك نحو تجزئة المجال العام أيضاً، فإن الطابع الأساس لوسائل الإعلام الجديدة يخلق مساحة اتصال يمكن من خلالها للقراء والمستمعين والمشاهدين، تولي دور المؤلفين بشكل عفوي. كما يمكن من نتائج المسح الطولي، رؤية مدى وصول الوسائط الجديدة حول استخدام العروض الإعلامية الموسعة. بينما انتشر استخدام الإنترنت بسرعة على مدى العقدين الماضيين واحتفظ التلفزيون والراديو بشكل أو بآخر بحصصهما، فقد انخفض توزيع الصحف والمجلات المطبوعة بشكل كبير. ويحدث صعود وسائل الإعلام الجديدة في ظلّ الاستغلال التجاري للاتصالات الشبكية، والتي لا تكاد تخضع للتنظيم حالياً. وهذا يهدد من ناحية أخرى، بحرمان ناشري الصحف والصحفيين التقليديين، بوصفهم مجموعة مهنية من قاعدتهم الاقتصادية ؛ ومن ناحية أخرى، يظهر مع المستخدمين الحصريين لوسائل التواصل الاجتماعي، نمط شبه عام ودائري، مما يشوّه المجال السياسي العام، ويعرّض للخطر الأسلوب التداولي لتشكيل الآراء واتخاذ القرارات من قبل نسبة متزايدة من المواطنين.
في الأعمال التي تتناول دور المجال السياسي في الدولة الدستورية الديمقراطية، عادة ما نميز بين الابحاث التجريبية (الاِمبريقية) والنظريات المعيارية - يتحدث جون راولز عن "النظرية المثالية".
أنني أعتبر هذا بديلاً مبسطًا للغاية. من وجهة نظري، يجب على النظرية الديمقراطية أن تُعاد بشكل عقلاني، وبناء المعايير والممارسات التي اكتسبت صلاحية إيجابية منذ الثورات الدستورية في أواخر القرن الثامن عشر، وبالتالي أصبحت جزءاً من الواقع التاريخي. إن حقيقة أن الأبحاث التجريبية - لعمليات تشكيل الرأي الديمقراطي تفقد حكمتها، إذا لم يتم تفسيرها في ضوء تلك المتطلبات الأساسية التي يجب الوفاء بها في الدول الدستورية الديمقراطية. وبطبيعة الحال، فإن هذا يتطلب استطراداً تاريخياً موجزاً، لأنه مع الأعمال الثورية التي أدت إلى التطبيق الإيجابي للحقوق الأساسية فقط، دخلت فجوة معيارية جديدة في وعي المواطنين والمواطنات وبالتالي في الواقع الاجتماعي نفسه.
إن جديد الحقيقة التاريخية لهذا الانحدار، بعيداً عن الوضع الراهن، الذي يشير إلى معيارية الأنظمة الدستورية القائمة على الحقوق الأساسية، يمكن فهمها بشكل أفضل على خلفية المعيار الاجتماعي المعتاد. فالظواهر الاجتماعية، سواء كانت أفعالاً، أو تدفقات اتصال، أو مصنوعات أثرية، سواء كانت قيماً، أو أعراقاً، أو عادات، أو مؤسسات، أو عقوداً، أو منظمات، لها طابع منتظم. يتضح من خلال إمكانية الانحراف عن السلوك - يمكن اتباع القواعد أو انتهاكها. هناك أنواع مختلفة من القواعد: القواعد المنطقية والرياضية والنحوية وقواعد اللعبة وقواعد العمل الآلي (الأداتي) وكذلك الاجتماعي، والتي بدورها يمكن تمييزها وفقا للتفاعلات الاستراتيجية والمنظمة بشكل معياري. إن هذه القواعد المذكورة أخيراً، هي التي تتميز بالصيغة المميزة لصلاحية ما يجب أن يكون عليه.! يمكن لمثل هذه التوقعات السلوكية المعيارية أن تفرض مطالب أكثر أو أقل صرامة، وهو ما ينعكس في نوع العقوبات المفروضة على السلوك المنحرف، حيث تُفرضْ الأخلاق، وهي أشدّ المطالب صرامة. تتميز الأخلاق الكونية التي ظهرت مع وجهات النظر العالمية للعصر المحوري (حسب الفيلسوف الألماني كارل ياسبرز ــ المراجع) بحقيقة أنّها تتطلب بشكل أساس معاملة متساوية لجميع الناس. تطورت في سياق التنوير
الأوروبي، هذه القوة الأخلاقية المعرفية (العقلية ) بعيداً عن الخلفية الدينية أو الدنيوية - وفقاً للمضمون الكانتي (المقصود، الفيلسوف الألماني إيمانويل كَنْت ــ المراجع) ، الذي لا يزال حاسماً حتى اليوم - يستحق كل فرد، في شخصيته وشخصيتها، والتي غير القابلة للتصرف، نفس الاحترام ويجب أن يتلقى نفس المعاملة. وفقاً لهذا الفهم، يجب الحكم على سلوك كلّ شخص، مع مراعاة وضعه الفردي، وفقاً للمعايير العامة بدقّة - من وجهة نظر تمّ اختبارها استطرادياً لجميع أولئك الذين قد يتأثرون - فهي جيدة للجميع على حدّ سواء.
في سياقنا، هناك نتيجة اجتماعية معينة لهذا التطور مثيرة للاهتمام: يجب على المرء أن يتذكر الطبيعة الراديكالية غير المسبوقة للأخلاق العقلانية من أجل قياس ارتفاع المطالبة التي يجب أن تتمتع بها هذه الشمولية الفردية المتساوية ومن ثم، مع تغيير المنظور من الأخلاق العقلانية إلى الحق العقلاني المستوحى من هذه الأخلاق، لفهم ما تعنيه تاريخياً، إنه منذ الثورتين الدستوريتين الأولين، شكلت هذه الإمكانات المعرفية الأخلاقية جوهر الحقوق الأساسية التي أقرتها الدولة وبالتالي القانون الوضعي على العموم. مع "إعلان" الحقوق الأساسية وحقوق الإنسان، انتقل جوهر الأخلاق العقلانية إلى بسط قانون دستوري ملزم مبني على حقوق ذاتية! مع تلك الأعمال التي لا مثيل لها تاريخياً لإنشاء أنظمة دستورية ديمقراطية في نهاية القرن الثامن عشر، تداخل التوتر غير المعروف حتى الآن للتدرج المعياري في الوعي السياسي للمواطنين الأحرار والمتساوين قانوناً. يسير هذا التشجيع على فهم ذاتي معياري جديد
جنباً إلى جنب بوعي تاريخي جديد تم فحصه بواسطة راينهارت كوسيليك ، وهو موجه بشكل صراع نحو المستقبل - بشكل عام تغيير معقد في الوعي مضمن في الديناميكيات الرأسمالية للتغيير في الظروف المعيشية الاجتماعية التي يتم تسريعها في نفس الوقت بالتقدم التقني. في غضون ذلك، أدّت هذه الديناميكية إلى نشوء وعي دفاعي إلى حد ما في المجتمعات الغربية، التي تشعر أنها غارقة في النمو المدفوع تقنياً واقتصادياً في التعقيد الاجتماعي. لكن الحركات الاجتماعية التي استمرت حتى يومنا هذا، والتي تثير الوعي مراراً وتكراراً بشأن الإدماج غير الكامل للمضطهدين والمهمشين والمُهانين، والمستضعفين، والفئات المُستغَلة والمحرومة، والطبقات الاجتماعية، والثقافات الفرعية، والأجناس، والمجموعات العرقية، والأمم والقارات، التذكير بفجوة بين مدى إيجابية الصلاحية والمحتوى الذي لا تزال غير مغذية لحقوق الإنسان " المعلنة" الآن وليس على الصعيد الوطني فقط.
لذلك فهي تنتمي، وهذا ما أريد الوصول إليه من خلال استطرادي، إلى المتطلبات الأساسية لمجتمع ديمقراطي، أن يشارك المواطنون، من منظور المعنيين، في عملية الاِدراك المستمر للحقوق الأساسية غير المنهكة ولكنها صالحة بالفعل بشكل إيجابي.
بصرف النظر عن هذه العمليات طويلة المدى لإدراك الحقوق الأساسية، فإنني مهتم بالحالة العادية للمثاليات التي يتم اعتبارها كأمرٍ مسلّم به، والتي ترتبط بوضع المواطنين الأحرار والمتساوين في مجتمع مشكل ديمقراطياً؛ لأن هؤلاء لا يمكنهم المشاركة في ممارساتهم المدنية بأي طريقة أخرى غير الافتراض البديهي (والواقعي المغاير) بأن الحقوق المدنية التي يمارسونها بشكل عام، تحقق ما وعدوا به. من أجل استقرار النظام السياسي، يجب أن يكون الجوهر المعياري للدستور الديمقراطي راسخاً في الوعي المدني، أي في القناعات الضمنية للمواطنين أنفسهم. ليس الفلاسفة، وإنما يجب إقناع أغلبية المواطنين بشكل حدسي بمبادئ الدستور.
يجب من ناحية أخرى أن يكونوا قادرين على الثقة بأنّ أصواتهم ستحسب بالتساوي في الانتخابات الديمقراطية أيضاً، وأنّ التشريعات والقضاء والحكومة والأنشطة الإدارية صحيحة بشكلٍ عام وأن هناك عادة فرصة عادلة للمراجعة إذا تم اتخاذ قرارات مشكوك فيها. حتى لو كانت هذه التوقعات مثالية تتجاوز أحياناً الممارسة الفعلية إلى حد أكبر أو أقل، فإنها تخلق حقائق اجتماعية من خلال انعكاسها في حكم وسلوك المواطنين. لا تكمن مشكلة هذه الممارسات في التلميحات المثالية التي يطلبونها من المشاركين فيها، بل في مصداقية المؤسسات، التي لا يُسمح لها بإنكار هذه الأفكار المثالية بشكل علني ودائم. لم يكن لطلب ترامب القاتل أن يجد الاستجابة المرجوة من غضب المواطنين الذين اقتحموا مبنى الكابيتول في 6 يناير 2021، إذا لم تفشل النّخب السياسية لعقود في تلبية التوقعات المشروعة المضمنة دستورياً لجزء كبير من مواطنيها. لذلك يجب تصميم النظرية السياسية المصممة خصيصاً لهذا النوع من الدولة الدستورية بطريقة تحقق العدالة لكليهما: كلا الفائض المثالي بشكل خاص لنظام قانوني أخلاقي أساسي، والذي يمنح المواطنين الوعي، للمشاركة في ممارسة الحكم الشرعي ديمقراطيا وكذلك الظروف الاجتماعية والمؤسسية التي في ظلها وحدها تظلّ المثالية الضرورية التي يربطها المواطنون بممارساتهم
ذات مصداقية. لذلك لا تحتاج نظرية ديمقراطية إطلاقاً الاضطلاع بمهمة صياغة مبادئ نظام سياسي عادل من تلقاء نفسها، أي بناءها وتبريرها ومن أجل جعلها مرئية من الناحية التربوية أمام أعين المواطنين؛ بمعنى آخر، لا يلزم فهمها كنظرية مصممة بشكل معياري. بدلاً من ذلك، تتمثل مهمتها بالأحرى في صياغة، أي إعادة بناء هذه المبادئ بشكل عقلاني من القانون المعمول به ومن التوقعات البديهية المقابلة ومشروعية المواطنين. كما يجب أن يوضح المعنى الأساس لما تم العثور عليه تاريخيا، وثبتت صلاحيته، أي الأنظمة الدستورية المستقرة بدرجة كافية، وتوضيح المبررات ــ الأسباب، التي تضفي الشرعية الفعلية للحكم الممارس - في وعي مواطنيها، وبالتالي يمكنها تأمين مشاركتهم أيضاً.
إن النظرية السياسية، إلى الحد الذي تشرح فيه الوعي الضمني لجماهير المواطنين المشاركين في الحياة السياسية، والتي بدورها يمكنها تشكيل فهمهم الذاتي المعياري، ليست أكثر غرابة من دور التاريخ الأكاديمي المعاصر، والذي يقوم بدوره على استمرار الأحداث التاريخية، التي تمثلها في كل حالة، تمارس تأثيراً أدائياً.
هذا لا يجعلها تربوية سياسية. لذلك، بالنسبة لي، فإن السياسة التداولية ليست مثالية بعيدة المنال، يجب أن نقيس مقابلها الواقع المذري، ولكنها بالأحرى شرط أساسي لوجود أي ديمقراطية في المجتمعات التعددية التي لا تزال تستحق هذا الاسم.
كلما كانت المواقف الاجتماعية والأشكال الثقافية للحياة وأنماط الحياة الفردية للمجتمع أكثر تغايراً، كلما زاد الافتقار إلى خلفية توافق يجب تعويضه عن طريق التكوين المشترك للرأي العام والإرادة.
يمكن فهم النظريات الكلاسيكية، نظراً لأن أصولها تعود إلى الثورات الدستورية في أواخر القرن الثامن عشر، على أنها مسودات معيارية لإنشاء دساتير ديمقراطية. لكن النظرية السياسية التي يمكن أن تلاحظ بسهولة اليوم، بأنه مع الفكرة الدستورية الديمقراطية المفرطة، فإن التوتر بين الصلاحية الإيجابية للمعايير الدستورية الإلزامية والواقع الدستوري، يتغلغل في واقع المجتمعات الحديثة نفسها، وفي حالات التنافر المرئي بشكل كبير حتى اليوم ، يمكن أن يؤدي إلى ديناميكية احتجاج تعبويه جماهيرية يجب أن تدرك مهمتها الترميمية. من المسلم به أن التقليد النظري الجمهوري والليبرالي يشوهان هذه الفكرة نفسها من خلال إعطاء الأولوية من جانب واحد، إما للسيادة الشعبية أو لسيادة القانون وتقويض مغزى أصل ممارسة الحريات الذاتية والسيادة الشعبية البَيْنذواتية*
بالنسبة لفكرة هاتين الثورتين الدستوريتين، هي تأسيس رابطة قائمة بذاتها من الأقران القانونيين الأحرار، بصفتهم مشرعين ديمقراطيين يجب أن يمنحوا أنفسهم حريتهم في نهاية المطاف من خلال التوزيع المتساوي للحقوق الذاتية بموجب القوانين العامة. ووفقاً لهذه الفكرة المتمثلة في تقرير المصير الجماعي، والتي تجمع بين المساواة العالمية للجميع والفردانية، تبقى الديمقراطية وسيادة القانون على قدم المساواة. ولا يمكن إرضاء هذه الفكرة، إلاّ بنظرية الخطاب، التي تدور حول السياسة التداولية فقط.
يوصي نهج السياسة التداولية، والذي يعود إلى العَالم الليبرالي المبكّر، وقد انتشر الآن اجتماعياً من قبل الدولة، قبل كلّ شيء، من خلال شرح كيف يمكن تقديم تنازلات سياسية في المجتمعات التعددية دون ديانة مشتركة أو رؤية للعالم، على خلفية توافق دستوري، يكمن أن يأتي بديهيّ حدسيّ عموماً. نشأت مع علمنة الدولة، فجوة في الشرعية، لأنّ في المجتمعات الحديثة، لم تعد سلطة إضفاء الشرعية للسلالات الحاكمة استناداً على الدعوة الإلهية كافية، كان على النظام الديمقراطي إضفاء الشرعية على نفسه إلى حدّ ما، أي من خلال توليد قوّة مؤسسيّة قانونيّة، لإجراء عملية صنع القرار الديمقراطي.
لم تحل فكرة أخرى محلّ الفكرة الدينية للشرعية ، بل بالأحرى إجراء التمكين الذاتي الديمقراطي، بحيث يكون حراً ومتساوياً، مما يمكن ممارسة المواطنين، وإضفاء الطابع المؤسس في شكل حقوق ذاتية موزعة بالتساوي. للوهلة الأولى، تبدو فكرة غامضة إلى حدّ ما، إنه من خلال هذا التأسيس القانوني لعملية صنع القرار الديمقراطي، أي من "الشرعية" الخالصة، ينبغي مع ذلك أن يؤدي إلى "شرعية" نتائج مقنعة بشكل عام. ويتمثل جزء أساسي من التفسير في تحليل الأهمية التي يكتسبها هذا الاِجراء من وجهة نظر الأطراف ؛ أي أنه مدين بقوته الإقناعية من تداعي محتمل من شرطين:
يتطلب الاِجراء من ناحية إشراك جميع المتأثرين بالقرارات المحتملة كمشاركين متساوين في تكوين الإرادة السياسية ومن ناحية أخرى، يجعل القرارات الديمقراطية، التي يتخذها الأفراد بشكل مشترك، تعتمد على الطابع الخطابي إلى حدّ ما للمداولات السابقة. فإن صنع القرار الشامل بهذه الطريقة، يعتمد على قوة الأسباب التي يتم حشدها أثناء عملية تكوين الرأي. يتوافق الإدماج مع المطلب الديمقراطي بالمشاركة المتساوية لجميع المتأثرين في تكوين الإرادة السياسية، بينما تتخذ مصفاة (فلتر) التداول في الاعتبار توقع الحلول الصحيحة والمعرفية والقابلة للتطبيق للمشكلات، ويبرر افتراض النتائج المقبولة عقلانيا.
يمكن تبرير هذا الافتراض بدوره بافتراضات قابلة للدحض، هذا في تلك الاعتبارات التي تستعد لاتخاذ قرار بشأن الأغلبية، تتم بقدر الإمكان مناقشة جميع الموضوعات ذات الصلة والمعلومات الضرورية والمقترحات المناسبة للحلول مع الحجج المؤيدة والمعارضة في تلك المداولات استعداداً لقرار الأغلبية. وهذا مطلب التداول الحر هو الذي يفسر الدور المركزي للجمهور السياسي. وبالمناسبة، فإن هذا الاعتبار المجرد يجد تأكيداً تاريخياً في حقيقة أنه أولاً في إنجلترا، ثم في الولايات المتحدة، وفي فرنسا ودول أوروبية أخرى في نفس الوقت. لقد طورت الديمقراطية الليبرالية شيئاً مثل "المجال العام البرجوازي".
ومع ذلك، فإن هذين المطلبين للعملية الديمقراطية، المداولات ومشاركة جميع المواطنين، لا يمكن تحقيقهما إلا على مستوى مؤسسات الدولة تقريباً، وقبل كل شيء في الهيئات التمثيلية للتشريعات البرلمانية. وهذا يفسر المساهمة الجوهرية والمحدودة التي يمكن أن يقدمها التواصل السياسي في المجال العام للعملية الديمقراطية برمتها. إنها تقدم مساهمة كبيرة لأنها المكان الوحيد الذي يشمل الرأي السياسي الشامل بشكل أساسي وعملية صنع القرار جميع المواطنين البالغين المؤهلين للتصويت.
تحفيز القرارات التي يجب أن يتخذها المواطنون معاً، ولكن كأفراد وفي عزلة مقصورة الاقتراع، أي بإرادتهم الحرة. تؤدي في هذا الصدد، هذه القرارات الانتخابية إلى تصويت يكون ملزماً لجميع المواطنين، النتيجة، من هذا القبيل، هي التكوين السياسي الحزبي للبرلمانات، وتحديد الحكومة سواء بشكل مباشر أو غير مباشر أيضا.
من ناحية أخرى، فإنّ المساهمة السياسية للرأي العام في تكوين الآراء الديمقراطية والإرادة محدود لأنه ، كقاعدة عامة، لا يتمّ اتخاذ قرارات فرديّة ملزمة جماعياً هنا (فقط في حالات نادرة يسمح الهيكل الواضح للقرارات الأساسية بمثل هذه الاستفتاءات).
إنّ تشكيل الآراء التي تتحكم فيها وسائل الإعلام الجماهيري يولد تعدداً من الآراء العامة في جمهور المواطنين المتناثرين. هذه الآراء، المُجمعة والموجزة من الموضوعات والمساهمات والمعلومات، تتنافس على اختيار وترجيح الموضوعات ذات الصلة، والأهداف السياسية الصحيحة وأفضل استراتيجيات لحل المشكلات.
هناك ظرف واحد ذو أهمية خاصة في سياقنا: إن ثقل إرادة المواطنين، أي المكاسب السيادية، على قرارات النظام السياسي ككل لا يعتمد بشكل كبير على الجودة الإعلامية للمساهمة التي تقدمها وسائل الإعلام في تشكيل الرأي. لأن هذا يتغذى على المعالجة الصحفية السابقة للموضوعات والمساهمات، والاقتراحات والمعلومات والبيانات البديلة المؤيدة والمعارضة، باختصار، المدخلات التي تأتي، من بين أمور أخرى، عبر قنوات المعلومات للأحزاب السياسية وجماعات المصالح و وكالات العلاقات العامة للأنظمة الوظيفية الاجتماعية وكذلك يتم إدخالها إلى المجال العام من قبل الفاعلين والمفكرين في المجتمع المدني. من خلال هذه التعددية في الرأي، التي يتمّ تصفيتها من قبل النظام الإعلامي بشكل أو بآخر، تمنح كل مواطن الفرصة لتكوين رأي خاص به واتخاذ قرار التصويت الذي يكون دافعاً عقلانياً قدر الإمكان من وجهة نظره. ومع ذلك، فإن التنافس على الآراء والقرارات في المجال العام نفسه لا يزال مفتوحاً؛ هنا لا تزال المداولات منفصلة عن القرارات الفردية المتخذة، لأنه في الانتخابات العامة للبرلمانات يتم الإعداد لها فقط. يمكن لأعضائها المنتخبين فقط التشاور واتخاذ القرار معاً وفقاً للإجراءات الديمقراطية. فقط في الهيئات التمثيلية المكونة من الناحية التمثيلية ومؤسسات الدولة الأخرى ، ولا سيما بشكل رسمي في المحاكم، تكون القواعد الإجرائية مصممة لهذا الشكل التداولي للرأي وتشكيل الإرادة، مما يبرر افتراض قرارات الأغلبية المقبولة بشكل عقلاني إلى حد ما.
من أجل التقييم الصحيح للمساهمة المحدودة للمجال السياسي العام، يجب علينا أن ننظر إلى الجزء التنظيمي للدستور وهيكل النظام السياسي القائم على تقسيم العمل ككل وقراءتهما كمخطط انسيابي. ثم يدرك المرء، كيف يتفرع التيار الديمقراطي لرأي وإرادة المواطنين ويتجاوز عتبة قرارهم الانتخابي والمحاصر من وراء كواليس الأنظمة الوظيفية وتهريبه عبر قنوات السياسة الحزبية والتشريعات والقضاء والإدارة والحكومة. ويؤدي إلى القرارات، التي تنبثق في إطار القوانين من توافق بين الضروريات الوظيفية والمصالح الاجتماعية وتفضيلات الناخبين.
ثم يتم بعد ذلك في المجال السياسي العام تقييم النتائج السياسية المشروعة وانتقادها، ومعالجتها في تفضيلات جديدة للناخبين بعد نهاية الفترة الانتخابية. غالباً ما يُساء فهم الافتراض القائل، بأن الخطابات السياسية موجهة نحو هدف التوصل إلى اتفاق أيضاً. وإنه لا يعني بأي حال من الأحوال الفكرة المثالية للعملية الديمقراطية كحدث سلمي لحلقة دراسية. على العكس من ذلك ، يمكن للمرء أن يفترض أن توجه المشاركين العقلانيين نحو حقيقة أو صحة قناعاتهم العقلانية يؤدي بالفعل إلى إشعال الخلافات السياسية ويمنحهم طابعاً حاداً بشكل أساس. من يجادل، يناقض. تتكشف من خلال الحق، أي وحتى تشجيع لقول لا بشكل متبادل، الإمكانات المعرفية للآراء المتضاربة في الخطاب فقط، لأن هذا يهدف ألي التصحيح الذاتي للمشاركين، الذين لن يكونوا قادرين على التعلم من بعضهم البعض دون النقد المتبادل.
هذه هي حكمة السياسة التداولية: إنه يمكننا تحسين قناعاتنا في النزاعات السياسية والاقتراب من إيجاد الحلّ الصحيح للمشاكل. مع ظهور نشاز الآراء المعارضة في العلن، يفترض مسبقاً شيئاً واحداً فقط: الإجماع على مبادئ الدستور المشترك الذي يضفي الشرعية على جميع الخلافات الأخرى. في ظلّ هذه الخلفية التوافقية، تتكون العملية الديمقراطية بأكملها من طوفان من الاختلاف، ينبع من بحث المواطنين دائماً من جديد لاتخاذ قرارات مقبولة منطقياً.
يتمّ في المجال السياسي العام، قياس الطابع التداولي لتكوين رأي وإرادة الناخبين من خلال نتيجة الجودة الخطابية للمساهمات، وليس بهدف الإجماع الذي لا يمكن الوصول إليه بالفعل؛ بدلاً من ذلك، من المفترض يثير اتجاه الحقيقة للمشاركين إلى تأجيج النزاع الذي يظل مفتوحاً، وتنبثق منه أراء عامة متنافسة.
هذه الديناميكية المتمثلة في استمرار المعارضة العامة تشكل المنافسة بين الأطراف والصراع بين الحكومة والمعارضة أيضاً، فضلاً عن الاختلافات في الرأي بين الخبراء؛ وبالتالي يمكن لميزانية الحجج، التي يتم تعبئتها والقرارات الإجرائية الملزمة التي يجب اتخاذها في الأماكن ذات الصلة من النظام السياسي
إن إضفاء الطابع المؤسسي، ضدّ القوي الفوضوية المطلقة والقائلة دوما بلا، في النقاشات العامة والحملات الانتخابية، وفي الخلافات بين الأحزاب، وفي مفاوضات مجلس النواب ولجانه، وفي مداولات الحكومة والمحاكم، لا يتطلب سوى تكامل سياسي مسبق، من جميع المشاركين في إجماع حول الرغبة الأساسية لدستورهم. هذا بسيط بما فيه الكفاية: إنه يوضّح ببساطة إرادة المواطنين لطاعة القوانين التي قدموها بأنفسهم. بدون مثل هذا التوافق على أهمية التشريع الذاتي الديمقراطي الذي يتم تنفيذه بطريقة تداولية، لن يكون للأقليات المعنية أي سبب للخضوع لقرارات الأغلبية لفترة محدودة من الزمن.
يجب ألا ننسى الشيء الرئيسي الذي يقرر في النهاية مصير الديمقراطية: من أجل الحكم من وجهة نظر معيارية، يجب اتخاذ القرارات المؤسسية ككل، وتوظيفها بطريق حقيقة واقعية أيضاً، بحيث تجعل الناخبين، بأن توافقهم الدستوري، تؤكده التجربة من وقت لآخر. يجب أن تكون نتائج الإجراءات الحكومية مرتبطة بوضوح، بحيث يرى فيها المواطنون القوة العقلانية الخاصة بهم وتؤكد بمقدار تشكيل رأيهم وإرادتهم. يجب على المواطنين أن يدركوا بأنّ جدالهم ليس فحسب بأنه بالغ الأهمية، بل وفي عين الوقت كنزاع حول أفضل الأسباب.
لكن الأوضاع ليست كذلك - ولا حتى في أقدم الديمقراطيات الأنجلو سكسونية. كما يجب أيضاً، فهم الصدى الإيجابي الذي وجدته العاصفة في مبنى الكابيتول بين ناخبي ترامب على أنه تعبير للناخبين، الذين لم يعد بإمكانهم على مدى عقود التعرف على تصور سياسي مترتب على مصالحهم المهملة.
إن قوة الترشيد العقلاني للمنازعات العامة، تكاد أن تنحدر، بالقياس السياسي، منذ نهاية القرن الماضي في معظم ديمقراطيات الغرب تقريباً. أن الاعتماد على قوة حل مشكلات الديمقراطية على تدفق السياسات التداولية، يسلط الضوء على الدور المركزي للمجال العام السياسي.
ومع ذلك، بدون سياق مناسب، لا تجد المتطلبات الأساسية للسياسة التداولية، والتي تعتبر ضرورية لإضفاء الشرعية الديمقراطية للحكم، أي دعم من الشعب الذي "يُفترض أن تنبع منه كل السلطة". يجب أن تلتقي الإجراءات الحكومية، والأحكام التاريخية الصادرة عن المحاكم العليا، والتشريعات البرلمانية، والمنافسة الحزبية، والانتخابات السياسية الحرّة مع مجتمع مدني نشط، لأن المجال العام السياسي متجذر في مجتمع مدني - وكصدى للاضطرابات في الأنظمة الوظيفية الهامة التي تتطلب الإصلاح – وينشئ الروابط التواصلية بين السياسة و المحيط الاجتماعي. ومع ذلك، لا يمكن للمجتمع المدني أن يضطلع بدور نوع من نظام الإنذار المبكر للسياسة إلاّ إذا أفرز الفاعلين الذين يقومون بالتنبيه بالقضايا المرتبطة بالمواطنين.
بيد أن المستوى المطلوب وظيفياً من التزام المواطن، كان منذ البداية، في المجتمعات الإقليمية الواسعة النطاق للديمقراطيات الحديثة في الغرب، متوتراً بين الالتزامات الخاصة والشخصية والمصالح التي يريدها المواطنون ويجب عليهم الوفاء بها في نفس الوقت. وينعكس هذا الصراع الهيكلي بين الأدوار العامة والخاصة للمواطنين في المجال العام نفسه أيضاً
تمكن المجال العام البرجوازي في أوروبا، في شكله الأدبي والسياسي الانفصال تدريجياً من ظلّ التشكيلات القديمة - وقبل كل شيء في المجال العام الديني لنظام الكنيسة والمجال العام التمثيلي للحكم ً
المتجسّد شخصياً في الأباطرة والملوك والأمراء – بعد أن تحققت المتطلبات الاجتماعية ـ البنيوية - للفصل الوظيفي بين الدولة والمجتمع، والمناطق الاقتصادية العامة والخاصة. من منظور عالم المعيش للمشاركين، يقف المجتمع المدني للمواطنين الناشطين سياسياً في مجال التوتر بين المجالين الخاص والعام. سنرى أن رقمنة الاتصال العام، حيث تصبح الحدود بين مجال الحياة الخاصة والعامة غير واضحة، على الرغم من أن الشروط الاجتماعية الهيكلية المسبقة لهذا التمييز، والتي لها عواقب من حيث النظام القانوني، لم تتغير أيضاً. من منظور مساحات الاتصال شبه العامة وشبه الخاصة التي يتحرك فيها مستخدمو وسائل التواصل الاجتماعي اليوم، يختفي الطابع الشامل للساحة العامة التي كان يمكن التعرف عليها، على أنها منفصلة عن المجال الخاص، كما أودّ أن أشير إلى ظاهرة مُقلقة تتعلق بالجانب الشخصي لمستخدمي وسائل الإعلام، والتي في نفس الوقت تلفت الانتباه إلى التنظيم السياسي غير الكافي لوسائل الإعلام الجديدة.
قبل أن أتناولَ تغييرات محددة في بنية وسائل الإعلام وأتوصل إلى فرضيات حول تأثيرها على الوظيفة السياسية للمجال العام، أودُّ أن أسترعي الانتباه إلى شروط الحدود الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي يجب الوفاء بها بشكل كافٍ للسياسة التداولية. لأنه فقط في ظل خلفية تعقيد أسباب أزمة استحقاق الديمقراطيات الرأسمالية، نكتسب الإحساس الصحيح بالتناسب مع المساهمة المحدودة التي يمكننا تقديمها للأسباب المحتملة، لإعاقة تشكيل تداولية الرأي والاِرادة، والتي يمكن إرجاعها إلى رقمنة الاتصالات العامة.
تتطلّب المواطنة النشطة أولاً، ثقافة سياسية ليبرالية على نطاقٍ واسعٍ، تتكّون من نسيج مُخترق من المواقف والافتراضات الثقافية. لأنّ الفهم الأساس للجمهور حول المبادئ الدستورية الديمقراطية، والذي يظلّ ضمنياً إلى حدّ كبير، متضمناً في شبكة واسعة من الذكريات التاريخية والمعتقدات التقليدية والممارسات والتوجهات القيمية؛ يتم الحفاظ عليها من جيلٍ إلى جيلٍ فقط، بفضل الأنماط المعتادة للتنشئة الاجتماعية السياسية والأنماط المؤسسية الرسمية للتربية السياسية.
لقد تطلبت فترة نصف قرن على سبيل المثال، إعادة التوطين الاجتماعي لسكان جمهورية ألمانيا (القديمة) بعد نهاية الدكتاتورية النازية، ومن 150 عاماً من التطور الدستوري، إنه مؤشّرٌ على الصعوبات التي يجب تجاوزها للتأقلم مع ثقافة سياسية ليبرالية بشكلٍ عام.
الجوهر الأخلاقي لمثل هذه الثقافة، هو استعداد المواطنين من أجل الاعتراف المُتبادل بالآخرين بوصفهم مواطنين ومشرعين ديمقراطيين متساوين.
يبدأ هذا بالتصور التوفيقي الجاهز للتسوية، بأنّ الخصم السياسي باعتباره الخصم الذي لم يعد عدواً، ويعبر استقراره حدود مختلف أشكال الحياة الأثنية (العرقية) واللغوية والدينية مع التضمين المتبادل للغرباء، الذين يريدون أن يظلوا غرباء عن بعضهم بعض، في ثقافة سياسية مشتركة. يجب أن يكون هذا قد ميّز نفسه عن ثقافة الأغلبية المعنية إلى الحدّ الذي يمكن فيه لكل مواطن في مجتمع تعددي أن يتعاطف معها. سوف تظلّ الرابطة الاجتماعية للمجتمع، بغضّ النظر عن تكوينه بشكلٍ غير متجانس، سليمة فقط، إذا كان التكامل السياسي يضمن عموماً التضامن المدني الذي لا يتطلب بأي حال إيثاراً غير مشروط فحسب، بل بالأحرى رغبة متبادلة محدودة للمساعدة. هذا النوع من الدفاع عن بعضنا البعض يتجاوز الرغبة في التسوية على أساس المصالح، ولكن بين الرفاق في نفس المجتمع السياسي، يرتبط هذا فقط بالتوقعات غير المحددة للمصالح المتبادلة، التي قد تكون ضرورية على المدى الطويل- على وجه التحديد مع توقّع أنّ الشخص الآخر في وضع مماثل، سيشعر بأنّه ملزم بتقديم مساعدة مماثلة.
ليست الثقافة السياسية الليبرالية هي السبب الجذريّ للمواقف التحررية؛ إنما تطالب توجهاً نحو الصالح العام بأقل ما يمكن. حتى يمكن قبول قرارات الأغلبية من قبل الأقلية، وأخيراً لا يُسمح لجميع المواطنين باتخاذ قرارات التصويت الخاصة بهم، فقط لمصلحتهم الذاتية قصيرة الأجل. يجب أن تكون نسبة كافية منهم - وتمثيلية أيضاً - على استعداد ورغبة لتولي دور المشرع الديمقراطي للمصلحة العامة.
الشرط الثاني الضروري للسكان النشطاء، هو إجراء المساواة الاجتماعية التي تتيح مشاركة عفوية وكافية للناخبين في تكوين الرأي الديمقراطي والاِرادة، والتي يجب ألاّ تكون إلزامية. إن المعمار للنظام القانوني الأساسي للدولة الدستورية، والتي تضمن من ناحية حقوق خاصة ذاتية (ومطالبات الدولة الاجتماعية) ومن ناحية أخرى التواصل الذاتي والمشاركة العامة، التي تكفل الاستقلال السياسي للمواطنين، لا تستمدّ بالكامل إلاّ من الاحساس الوظيفي بالدور التكميلي، الذي يؤديه كلّ من الاستقلال الذاتي السياسي والعام للمواطنين، بصرف النظر عن القيمة الجوهرية لبعضهما البعض.
تُمكِّن الحقوق السياسية من ناحية أخرى للمواطنين المشاركة في التشريع الديمقراطي، الذي يبت من بين أمور أخرى، في توزيع الحقوق والاستحقاقات الخاصة وتقرر بالتالي في نطاق اكتساب مكانة (وضع) المواطن الاجتماعي؛ ومن ناحية أخرى تنتج هذه المكانة الاجتماعية، الشروط الاجتماعية والدوافع، ليستخدمها المواطنون في الواقع من أجل حقوقهم الوطنية.
لقد تم على نطاق واسع، توثيق العلاقة المرتبطة بين الوضع الاجتماعي وإقبال الناخبين.. لكن هذا التوقع بالتمكين المتبادل للمشاركة الديمقراطية والحفاظ على المكانة ينجح فقط، طالما أنّ الانتخابات الديمقراطية تؤدي إلى تصحيح التفاوتات الاجتماعية الكبيرة والمتجذرة هيكلياُ. تؤكد التحقيقات التجريبية الحلقة المفرغة التي تنشأ عندما يصبح الامتناع عن التصويت في الشرائح الهامشية من السكان مترسخاً أيضاً، عند غياب التحسينات الملموسة في الظروف المعيشية. ثم تميل الأطراف التي كانت ذات يوم "مهتمّة" بمصالح هذه الفئات المحرومة، إلى إهمالهم حيث لا يتوقعون منهم حالياً أي أصوات؛ وهذا الاتجاه بدوره يقوي بدوره دوافع الامتناع عن التصويت. في غضون ذلك، نحن لا نلاحظ انعكاساً، بل انعكاساً ساخراً لهذه الحلقة المُفرغة إلى الحدّ الذي تنجح فيه الحركات الشعبويّة في تعبئة إمكانات هؤلاء غير الناخبين.
لم تعد المجموعات المتطرفة من غير الناخبين بالطبع، لا تُشارك في الانتخابات في ظلّ ظروف انتخابات ديمقراطية فحسب، بل ولكن بقصد العَرقلة باعتبارها "مُعارضة منهجية". حتى لو كان لا يمكن تفسير هذه الشعبويّة لـ "المتخلفين عن الركب" من خلال عدم المساواة الاجتماعية وحدها، لأن الطبقات الأخرى والتي غارقة في التكيف الضروري للتغير التكنولوجي والاجتماعي المتسارع، تشعر بأنها "متخلفة عن الركب" أيضاً ، فإن هذا يظهر تفككاً اجتماعياً حاسماً وغياب سياسة مضادة ناجحة.
يلفت هذا الانتباه أخيراً، إلى العلاقة غير المستقرة بين الدولة الديمقراطية والاقتصاد الرأسمالي، الذي يميل إلى زيادة التفاوتات الاجتماعية.
إن التوازن الاجتماعي الدولي، الذي هو الصيغة الوظيفية المعاكسة (هذا على مستوى التجريد) هو
الشرط الثالث لنجاح نظام ديمقراطي جدير بهذا الاسم. والاقتصاد السياسي؛ هو أول من يكشف عن الارتباط المنهجي بين النظام السياسي والمجتمع، وقد تابعت، من هذا المنظور، التغيير البنيوي في المجال العام في ذلك الوقت. وعلى أكثر أو أقل، فإن الثقافة السياسية الليبرالية للدولة شرط جانبي يتم الوفاء به إلى حدّ ما من قبل الدولة، بدلاً من أن تكون الدولة نفسها قادرة على التأثير على تطورها بالوسائل الإدارية. يختلف الوضع مع التقسيم الطبقي الاجتماعي للمجتمع والمستوى الحالي من عدم المساواة الاجتماعية.
على أي حال، فإن التحديث الرأسمالي المندفع ذاتياً، يخلق حاجة إلى تنظيم الدولة من أجل ترويض القوى الطاردة للاِندماج الاجتماعي. يجب على الدول الاشتراكية، التي ظهرت في الغرب خلال النصف الثاني من القرن العشرين في إطار الدساتير الديمقراطية الوطنية أن تنفذ مثل هذا الإجراء السياسي المضاد في ظل ظروف شرعية متزايدة المطالبة. من أجل تجنب الأزمات في التكامل الاجتماعي، يحاولون تلبية مطلبين متناقضين: من ناحية، يجب عليهم ضمان استغلال رأس المال في ظلّ ظروف كافية لتوليد إيرادات ضريبية. ومن ناحية أخرى، يجب عليهم تلبية الشروط القانونية والمادية لمصلحة قطاعات واسعة من المجتمع، لممارسة استقلاليتهم الخاصة والعامة في إطار العدالة السياسية والاجتماعية - وإلاّ سيتمّ تجريدهم من شرعيتهم الديمقراطية. ومع ذلك، لا يمكن للديمقراطيات الرأسمالية أن تجد طريقاً لتجنب الأزمات بين هاتين الضرورتين إلاّ إذا كانت قدرتها التوجيهية كافية. بمعنى آخر: يجب أن يتزامن نطاق السياسة المتدخلة مع توسع الدورات الاقتصادية ذات الصلة بتأمين الرخاء الوطني. تمّ على ما يبدو، الوفاء بهذا الشرط موقتاً في ديمقراطيات الغرب فقط، إلى أن تم تحرير الأسواق عالمياً وعولمة الأسواق المالية، وبذلك تحقق السيطرة على السياسات المالية للدول منذ ذلك الحين، بما فيه الكفاية.
إذا أخذ المرء وجهات النظر المنهجية المحددة تقريباً، كأساس لوصف تاريخي للمجال العام الوطني، فيمكن للمرء أن يدرك مدى صعوبة الوصول إلى أي تعميمات يمكن الدفاع عنها حول الشروط الأساسية لعمل هذا المجال العام المعطاة في فترات تاريخية مختلفة. تتداخل الخصائص القومية مع الاتجاهات العامة للرأسمالية المنظمة للدولة القومية التي حددت التطور الديمقراطي بعد الحرب في الغرب حتى التحول النيوليبرالي. أدّى تطور دولة الرفاه الاجتماعية خلال هذه الفترة إلى تعزيز قبول الشعب للديمقراطية، في سياق تطور مجتمع استهلاكي، كما كانت هناك بالفعل علامات على وجود ميول خصوصية نحو عدم التسيس (التي رأيت بداياتها في التغيير البنيويّ في ذلك الوقت في مناخ فترة المستشار أد يناور، الذي كان ينظر إليها بمبالغة، بأنها سلطوية).
منذ التغيير النيوليبرالي للسياسة، دخلت الديمقراطيات الغربية مرحلة تزايد زعزعة الاستقرار الداخلي.
وقد تمّ تكثيف هذا، بسبب تحديات أزمة المناخ والضغط المتزايد للهجرة، وكذلك بسبب الصعود الملحوظ للصين و "والبلاد السريعة النمو" الأخرى والتغيرات الناتجة من الوضع الاقتصادي والسياسي العالمي. ازداد عدم المساواة الاجتماعية داخلياً، حيث أصبح نطاق عمل الدول القومية مقيداً بصيغة تحرير الأسواق عالمياُ، ونمت في نفس الوقت مخاوف الثقافات الفرعية المتضررة، من التدهور الاجتماعي، و عدم التغلب على التركيب للتغيرات الاجتماعية المتسارعة.
بصرف النظر تماماً عن الوضع السياسي العالمي الجديد الناجم عن الوباء، تشير هذه الظروف إلى احتمالية تكامل أكبر للدول القومية المتحدة في الاتحاد الأوروبي، أي محاولة استخدام الكفاءات التي فقدوها في سياق هذا التطور على المستوى الوطني، من خلال خلق قدرة سياسية جديدة للعمل على مستوى عابر للوطني. إن الوصف الحصيف لنُهُج مؤسسي للحوكمة العالمية، والتي عززت التفاوت في القوى الدولية، بدلاً من تقليلها، ولكنها بالكاد تثير الآمال.
يثير تذبذب الاتحاد الأوروبي، خاصة في ضوء مشاكله الحالية، التساؤل حول كيف يمكن للدول القومية أن تتحد على المستوى العابر للحدود لتشكيل نظام ديمقراطي، دون أن يكون له افتراض شخصية الدولة نفسها، ومع ذلك لديه القدرة العالمية على التصرف. وسيتطلب هذا مزيداً من الانفتاح للجمهور الوطني لبعضهم البعض. لكن كلاً من الانقسامات داخل الاتحاد الأوروبي وخروج بريطانيا المتردد، و الذي اكتمل أخيراً تتحدث بشكل أكبر عن استنفاد الأنظمة الديمقراطية الحالية - وربما حتى عن حقيقة أن السياسات العالمية للقوى العظمى يمكن أن تتطور إلى نوع جديد من الإمبريالية.
إن المشكلات الاقتصادية المترتبة على المجتمع العالمي المتأثر بالوباء يتم إدراكها ومعالجتها من قبل النخب السياسية القادرة في بلداننا. لا يوجد الآن الكثير، مما يمكن قوله عن التغيير المرغوب في السياسة نحو جدول أعمال اجتماعي – إيكولوجي يهدف إلى تكامل أكبر لأوروبا الأساسية.
يعتبر النظام الإعلامي ذا أهمية حاسمة، بالنسبة لدور المجال العام السياسي في إنتاج آراء عامة متنافسة تستوفي معايير السياسة التداولية. حيث تعتمد الجودة التداولية لهذه الآراء على ما إذا كانت تلبي متطلبات وظيفية معينة في عملية تكوينها، سواء من حيث المدخلات أو على جانب الإنتاجية والإخراج.
لا تكون الآراء العامة ذات صلة إلاّ إذا كان منتجو الرأي من صفوف السياسة وكذلك أصحاب المصالح ووكالات العلاقات العامة للأنظمة الوظيفية الاجتماعية وأخيراً الجهات الفاعلة المختلفة في المجتمع المدني تستجيب بشكل كافٍ لاكتشاف المشاكل المحتاجة للتنظيم، ومن ثم توفير المدخلات الصحيحة. وتكون الآراء العامة فعالة عندما تكون المواضيع ذات الصلة والمساهمات المقابلة ومخرجاتها، تُثير انتباه المجوعة العريضة من السكان ــ الناخبين ــ نحن مهتمون بشكل خاص بالنظام الاِعلامي المسؤول عن الانتاجية، على الرغم من أن اللقاءات المباشرة للجهات الفاعلة في المجتمع المدني في الحياة اليومية وفي المناسبات العامة، تمثل هذين المجالين القريبين من الجمهور الذي تنبثق منه مبادراتهم الخاصة، فإن الاتصال العام الذي تتحكم فيه وسائك الإعلام الجماهيري هو المجال الوحيد الذي تتركز فيه أصوات التواصل على الآراء العامة ذات الصلة والفعالة.
موضوعنا هو السؤال عن كيف غيرت الرقمنة نظام الإعلام الذي يتحكم في هذا الاتصال الجماهيري؟ يتطلب النظام الإعلامي البالغ التعقيد من الناحية التقنية والتنظيمية، موظفين محترفين يلعبون دور حراس البوابة (كما هو مسمى الآن) لتدفق الاتصالات التي يكثف منها المواطنون الآراء العامة. يتكون طاقم العمل من الصحفيين الذين يعملون في الخدمات الإخبارية ووسائل الإعلام والناشرين، أي من قوى متخصصة من مؤلفين، ومحررين، وأدباء ومراجعين، وإداريين.
يدير هؤلاء الموظفون الإنتاج، ويشكلون، جنباً إلى جنب مع الشركات التي تنظم تكنولوجيا الإنتاج وتنظيم المبيعات، والبنية التحتية للجمهور، والتي تقرر في نهاية المطاف المعلمتين الحاسمتين للاتصال العام – نطاق العرض ونوعيته التداولية. ما مدى شموليّة استقبال الآراء المنشورة في الواقع، ومدى كثافتها واستهلاكها للوقت على جانب الإخراج، من جانب القراء والمستمعين ومعالجتها بشكل أكبر في الآراء العامة الفعالة في المجالين المذكورين السابقين، من الجمهور السياسي ليتمّ معالجتهما بشكل أكبر للآراء العامة الفعالة ومدى قيمتهما لنتائج الانتخابات العامة للنظام السياسي، الاعتماد في نهاية المطاف على مستخدمي وسائل الإعلام، أي انتباههم واهتمامهم، ووقتهم، وخلفيتهم التعليمية، وما إلى ذلك.
يمكن رؤية تأثير الإعلام الرقمي على التغيير الهيكلي المتجدد في المجال العام السياسي في نطاق ونوع استخدام وسائل الإعلام منذ بداية القرن الجديد. وما إذا كان هذا التغيير يؤثر على الجودة التداولية للنقاش العام، هو سؤال مفتوح أيضاً. كما يُظهر علم الاتصالات ذي الصلة، والعلوم السياسية والبحث الاجتماعي الانتخابي – ولا سيما البحوث المتعلقة بإقبال الناخبين، وعزوف أو جهل الشعب ــ لم تكن قيم هذين البعدين للتواصل العام مرضية حتى قبل ذلك؛ لكنها كانت قيماً للظروف الديمقراطية في هذا الجانب من الأزمات التي تعرض الاستقرار للخطر.
يمكن اليوم التعرف على بوادر التراجع السياسي بالعين المجردة. وإلى مدى تظهر مساهمة المجال العام السياسي في تشكيل الرأي العام وعقلانية الآراء المعروضة. من الواضح، بأن التقييم التجريبي يواجه صعوبات كبيرة في المتغير الثاني. ومع ذلك، توفر البيانات من أجل مقارنة طويلة المدى لاستخدام وسائل الإعلام، فهي أساس لاستنتاج مستوى انعكاس الرأي العام أيضاً، من تقييم مستقل لجودة عروض وسائل الإعلام المستخدمة. قبل متابعة هذا السؤال بشكل أكبر، يجب أن نكون واضحين بالطبع حول الطابع الثوري لوسائل الإعلام الجديدة، لأنها ليست مجرد توسع في النطاق السابق للوسائط، ولكنها نقطة تحول في تطور الإعلام في تاريخ البشرية، يمكن مقارنتها بإدخال المطبعة.
بعد الدفعة التطورية الأولى لنسخ الكلمة المنطوقة، في أوائل العصر الحديث، مع إدخال المطبعة، تم فصل الأحرف الأبجدية عن الورقة المكتوب بخط اليد؛ مع الرقمنة الإلكترونية، حلّت الأحرف المشفرة الثنائية محلّ الورق المكتوب بطريقة مماثلة في العقود القليلة الماضية. في سياق هذا الابتكار الأكثر أهميّة بنفس القدر، انتشرت تدفقات الاتصال وتسارعت وشبكت بسرعة غير مسبوقة في جميع أنحاء العالم، وبأثر رجعي عبر جميع فترات تاريخ العالم. مع الالغاء العالمي للحدود في المكان والزمان، أصبحت في نفس الوقت أكثر كثافة وتميزاً ومضاعفة وفقاً لوظائفها ومحتواها، ومعممة عبر الحدود الثقافية والفئوية. كانت الفكرة المبتكرة التي بدأت هذه الثورة الثالثة في تقنيات للاتصال هي الشبكات العالمية لأجهزة الكمبيوتر، والتي من خلالها يمكن لأي شخص من أي مكان الآن التواصل مع أي شخص في أي مكان آخر على وجه الأرض. في البداية كان العلماء هم من استخدموا التكنولوجيا الجديدة. وبعد ما اتخذت مؤسسة العلوم الوطنية الأمريكية قراراً في عام 1991 بإطلاق هذا الاختراع للأغراض الخاصة والتجارية. كانت هذه هي الخطوة الحاسمة في إنشاء شبكة الويب العالمية بعد ذلك بعامين. خلق هذا الأساس التقني للإكمال المنطقي لتطور تكنولوجيا الاتصال على مدار التاريخ البشري، والذي تغلب تدريجياً على القصر الأصلي للتواصل المنطوق للمحادثات بين الحاضرين والتواصل الشفوي. بالنسبة للعديدة من مجالات الحياة والوظيفة، ينفتح هذا الابتكار بشكل لا لبس فيه. كما الغاء الحدود وتسريع إمكانيات الاتصال، وكذلك توسيع نطاق المناسبات العامة مفيدة للمواطن دون شك، بعد أن أصبح العالم أصغر حجماً على الشاشة. بالإضافة إلى مزاياها الواضحة، فإن التكنولوجيا الجديدة لها أيضاً، آثار متناقضة للغاية وربما تخريبية على المجال العام السياسي في السياق الوطني. ويرجع ذلك إلى الطريقة التي يتبعها مستخدمو الوسائط الجديدة من توفير وسائل الإعلام غير المحدود.
ليس من السهل تحديد الآثار التي أحدثها ظهور الإنترنت وخاصة وسائل التواصل الاجتماعي على تكوين الرأي والإرادة في المجال العام السياسي بشكل تجريبي. ومع ذلك فإن نتائج الدراسة طويلة الأجل حول استخدام الوسائط للفترة من 1964 إلى 2020 في جمهورية ألمانيا الاتحادية، وفقاً لقناتي التلفزيون الألماني الرئيسيتين والشبه رسمية، تسمح ببعض البيانات التقريبية حول التغييرات في عرض واستخدام وسائل الإعلام، نتيجة لإدخال التلفزيون الخاص، ثم توسعت بشكل كبير، وقبل كل شيء بسبب النطاق الواسع من الخيارات عبر الإنترنت. هذا لا ينطبق على المستوى الوطني فقط؛ كما تتيح الشبكة إمكانية
الوصول إلى عدد كبير من البرامج الصحفية والإذاعية والتلفزيونية "الأجنبية". تمكنت الأطراف المعنية
في نفس الفترة الزمنية في جميع أنحاء العالم متابعة اقتحام مبني الكابيتول مباشرة، عن طريق قناة السي إن إن . وقد ارتفعت فترة استخدام جميع وسائط الإعلام ارتفاعا حاداً منذ عام 2000، ولكنها وصلت إلى الحد الأقصى في عام 2005؛ منذ ذلك الحين، استقر يومياً بصورة مذهلة لمدة ثماني ساعات. تغيرت حصص وسائل الإعلام المختلفة على مدى عقود.
تجاوز استخدام التلفزيون كوسيلة إعلام جديدة منذ عام 1970، وسائل الإعلام التقليدية، مثل الاِذاعة والصحف اليومية. كما انخفض إصدار الصحف والمجلات المطبوعة من 60 في المائة في عام 2005
إلى 22 في المائة في عام 2020، وكثافة وزمن قراءة الصحف والمجلات، خاصة وسط الفئات العمرية من 14 إلى 29، وصلت إلى 40 في المئة في عام 2005، لتنحدر وسط هذه الفئة العمرية إلى 6 في المئة عام 2020.
كما يتعرض الكاتب لدور الانترنت كوسيلة إعلام حديثة، وتأثيره على بلدان الاِتحاد الأوروبي وألمانيا، بكثير من التفصيل مع الأرقام، نقدمها هنا باختصار شديد:
حسب آخر استطلاع، والذي تم في الاتحاد الأوروبي (28 دولة) نهاية عام 2019، يمثل الحجم الحالي للعروض واستخدام وسائل الإعلام المختلفة: يستخدم 81 بالمائة من الذين شملهم الاستطلاع التلفزيون يومياً، 67 في المائة يستخدمون الإنترنت بشكل عام، و 47 في المائة يستخدمون وسائل التواصل الاجتماعي، 46 في المائة للراديو و 26 في المائة للصحافة. كما ذكر الذين تم استطلاعهم، بأن 77٪ التلفزيون، 40٪ راديو و 36٪ وسائل الإعلام المطبوعة "مصادرهم الرئيسية للمعلومات"، بينما ذكر 49٪ الإنترنت بشكل عام و 20٪ وسائل التواصل الاجتماعي. حقيقة أن هذه القيمة الأخيرة ، التي تعتبر مثيرة للاهتمام في سياقنا ، قد زادت دائماً بمقدار أربع نقاط إضافية مقارنة بمسح العام السابق، تؤكد الاتجاه المتزايد الذي تم توثيقه في مكان آخر أيضاً، وهو الانخفاض الحاد في استهلاك الصحف اليومية.
والمجلات أيضاً، مؤشر على أنه منذ إدخال الإنترنت، انخفض متوسط الاهتمام بالأخبار السياسية والمعالجة التحليلية للقضايا ذات الصلة بالسياسة. ومع ذلك ، فإن المستوى المستقر نسبياً للحصة ، التلفزيون والراديو أيضاً بشكل عام في استهلاك الوسائط ، يشير إلى أن هاتين الوسيلتين تعتبران حالياً،
موثوقة وكافية في توفير معلومات سياسية متنوعة لثلاثة أرباع الناخبين على الأقل في الدول الأعضاء من الاتحاد الأوروبي.
ما يلاحظ بوضوح أيضاً، تزايد تسرب الأخبار الكاذبة للجمهور السياسي ولا سيما التطور المذهل نحو "ما بعد ديمقراطية الحقيقة"، في الولايات المتحدة، وخاصة خلال إدارة ترامب، حيث ازداد انعدام الثقة في وسائل الإعلام. يشكك 41٪ في أن تقارير وسائل الإعلام الوطنية خالية من الضغوط السياسية والاقتصادية. ويؤكد 39٪ صراحة عدم الثقة، هذا فيما يتعلق بوسائل الإعلام العامة، والتي تشكل اليوم العمود الفقري للمجال العام الليبرالي. ويقول ما يصل إلى 79 في المائة إنهم واجهوا أخباراً مشوهة أو مزيفة. ويبدو من ناحية أخرى، أنّ الخسارة الدراماتيكية لأهمية وسائل الإعلام المطبوعة مقارنة بوسائل الإعلام المرئية السمعية السائدة تتحدث عن انخفاض مستوى الطلب على العرض، وقد تناقص تقبل المواطنين للمعالجات الفكرية والسياسية، وكذلك فإن الأدلة اليومية تشير، بأن الصحف والمجلات الوطنية المتبقية، لا تزال هي وسائل الإعلام السياسية الرائدة، هي الأكثر من ناحية الطلب، وأن وسائل الإعلام الأخرى، وخاصة التلفزيون، لا تزال تقدم المساهمات والبيانات التي تعكس الموضوعات الرئيسية من حيث المحتوى. ومع ذلك، فإن عدم الثقة في حقيقة وجدية واكتمال البرامج آخذ في الازدياد بين عامة الناس، على الرغم من أن وسائل الإعلام العامة، كما قد يفترض المرء، تواصل تقديم مجموعة موثوقة من الأخبار والبرامج السياسية. ولكن الشكوك المتزايدة حول جودة وسائط الخدمة العامة تسير جنباً إلى جنب مع القناعة المنتشرة على نطاق واسع بأن الطبقة السياسية، إما غير موثوق بها أو فاسدة، أو بأي حال من الأحوال مشكوك فيها. تشير هذه الصورة العامة إلى أنه مع تنوع الوسائط من ناحية، وما يقابلها من تعددية في الآراء والحجج ووجهات النظر من ناحية أخرى.
إن الوسائط الجديدة الموجودة: تويتر، إنستغرام، يوتيوب، وفيسبوك هي بالفعل شركات تمتثل لضرورات الاستفادة من رأس المال، وهي من بين الشركات، من حيث "الأكثر قيمة" في سوق الأوراق المالية في العالم ويتم تمويلها إلى حد كبير من عائدات الإعلانات. إنهم مدينون بأرباحهم لاستغلال البيانات التي يبيعونها لأغراض إعلانية.. ويشير إلى الضغط للتكيف الذي يمارسه منطق استغلال الإعلام الجديد على الإعلام القديم، الذي يخضع لمنطق مختلف تماماً، بقدر نجاحه في برامجه، أي بمحتواه، الذي يجب أن يفي بالمعايير المعيارية أو الجمالية.
يتطرق الكاتب إلى ميول عدم التسييس التي لوحظت في الأبحاث الإعلامية منذ ثلاثينيات القرن الماضي ، ولكنها أصبحت الآن واضحة من خلال ما تقدمه وسائل التواصل الاجتماعي.
عندما ننظر من الجانب الموضوعي لهيكل الإعلام الموسع وأساسه الاقتصادي المتغير الآن، إلى جانب المتلقين وأساليب استقبالهم المتغيرة، فإننا نلامس، السؤال المركزي حول ما إذا كانت وسائل التواصل الاجتماعي تغير الطريقة التي ينظر بها مستخدموها إلى المجال السياسي العام؟ بالطبع، المزايا الفنية للمنصات التجارية- وحتى وسيلة مثل التيوتر، الذي يوفر رسائل مختصرة، يمنح المستخدمين مزايا لا يمكن إنكارها لأغراض سياسية ومهنية وشخصية. هذه التطورات ليست مشكلتنا. السؤال هو بالأحرى ما إذا كانت هذه المنصات تشجع نوعاً من التبادل حول الآراء السياسية ضمنياً أو صريحاً أيضاً، والتي يمكن أن تؤثر كذلك على تصور الجمهور السياسي على هذا النحو من خلال طريقة الاستخدام المتغيرة.
لم يتغير الأساس الاجتماعي للتمييز القانوني والسياسي للمجال العام عن المجال الخاص للعلاقات الاقتصادية والمدنية والأسرية هيكلياً خلال الفترة التي ننظر فيها؛ لأن الشكل الاقتصادي الرأسمالي للاقتصاد نفسه يقوم على هذا الفصل. و انعكس هذا الهيكل في الدول الدستورية الديمقراطية، في وعي المواطنين أيضاً، وهو يتعلق الأمر بتصورهم. يتوقع من المواطنين اتخاذ قراراتهم السياسية في مجال التوتر بين المصلحة الذاتية والتوجه نحو الصالح العام. وكما هو موضح، فإنهم يعبرون عن هذا التوتر في فضاء الاتصال في المجال العام السياسي، والذي يشمل بشكل أساس جميع المواطنين كجمهور.
وقعت السياسة في الولايات المتحدة، في دوامة الاستقطاب المستمر للرأي العام بعد أن تبنت الحكومة وأقسام كبيرة من الحزب الحاكم التصور الذاتي لرئيس نجح في وسائل التواصل الاجتماعي، الحصول يومياً عبر تويتر على موافقة أتباعه الشعبويين، كما لا يمكن للمرء إلا أن يأمل على أن يكون هذا الاستقطاب للجمهور السياسي موقتاً فقط، ولم يعد من الممكن بالنسبة لنصف السكان تقريباً، تبادل المحتوى التواصلي بصحة الادعاءات القابلة للنقد. ليس تراكم الأخبار الكاذبة مهماً بالنسبة لتشوه واسع النطاق لتصور الجمهور السياسي فحسب، وبل حقيقة أنه من منظور المشاركين، لم يعد من الممكن تحديد الأخبار على أنها كاذبة فعلاً. ولكن سيكون من الخطأ بالنسبة للعلماء المراقبين لاستخلاص النتيجة، لفصل هذه الظواهر العرضية عن الأسئلة النظرية الديمقراطية على الاِطلاق.
لأن التواصل العام الشبة مستقل، ليس بأي حال من الأحوال غير مسيّس. وحتى عندما يكون هذا هو الحال، فإنّ القوة الأساسية التي يتمتع بها هذا الاتصال بالنسبة للنظرة العالمية للمشاركين ليست غير سياسية. يتضرر النظام الديمقراطي ككل إذا لم تعد البنية التحتية للمجال العام، أن تلفت انتباه المواطنين إلى توجيه القضايا ذات الصّلة وصنع القرار والتدريب المتنافس. وهذا يعني: لم يعد من المكن ضمان الآراء المختار نوعيا، إذا تذكرنا المتطلبات الأساسية المعقدة لاستمرار وجود الديمقراطيات الرأسمالية ، والتي هي بطبيعتها عرضة للأزمات، فمن الواضح أن فقدان الوظيفة من جانب الجمهور السياسي يمكن أن يكون له أسباب أعمق. لكن هذا لا يعفينا من البحث عن أسباب واضحة، مثل مصادفة ظهور وادي السيليكون (سيليكون فالي)، أي الاستخدام التجاري للشبكة الرقمية، من ناحية، والانتشار العالمي للبرنامج الاقتصادي النيوليبرالي من ناحية أخرى. قدمت المنطقة الممتدة عالمياً لتدفقات الاتصالات الحرة، والتي أصبحت ممكنة في ذلك الوقت من خلال اختراع الهيكل التكنولوجي لـ «الشبكة»، وعرضت نفسها على أنها انعكاس لسوق مثالية. لم يكن من الضروري تحرير هذا السوق أولاً، ولكن المزعج الآن. السيطرة المختلطة على تدفقات الاتصالات، والتي يستمد منها تركيز القوة السوقية لشركات الإنترنت الكبيرة. وسحب بيانات العملاء الشخصية والمعالجة الرقمية لها، والتي يتم تبادلها بشكل غير مخفي إلى حد ما للحصول على المعلومات المقدمة مجاناً من خلال محركات البحث وبوابات الأخبار والخدمات الأخرى، مما أدى إلى رغبة اللجنة المختصة بالمنافسة في الاتحاد الأوروبي لتنظيم هذا السوق، بمعنى على هذه المنصات أن تتحمل مسؤولية نشر محتوى حساس للحقائق ومضلل، هم مسؤولون ويجب أن يكونوا مسؤولين عن الأخبار التي لا ينتجونها ولا يحررونها؛ لأن هذه المعلومات لها القدرة على تشكيل الآراء والعقليات أيضاً، عكس وسائل الاِعلام التقليدية، الصحافة والتلفزيون والاِذاعة، ملزمة بتصحيح الأخبار الكاذبة. فهذا ليس قراراً سياسياً، ولكن شرط دستوري للحفاظ على هيكل إعلامي يشمل الطابع العام والطابع التداوليّ وتمكين الرأي العام وصنع القرار.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
Jürgen Habermas, ein neuer Strukturwandel der Öffentlichkeit und die deliberative Politik, Suhrkamp, erste Auflage 2022
* Intersubjektiv البَيْنذواتية، مصطلح يستعمل في الفلسفة وعلم النفس وعلم الاجتماع والأنثروبولوجيا للتعبير عن العلاقة النفسية بين الناس.



#حامد_فضل_الله (هاشتاغ)       Hamid_Fadlalla#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بين قصر الدموع وسقوط الجدار: سيرةُ عبورٍ لا ينتهي Eka Neuman ...
- السودان: نموذج أولي لحرب من نوع جديد
- الشعوبة كفرصة
- حين يصبح القلم مرايا الروح
- مسألة السلطة
- التعلم من أوكرانيا: دروس في سلوك المقاومة
- الرؤية القرآنية، قراءة تحليلية نقدية
- 1Das Narrenschiff سفينة الحمقى Christoph Hein2 كريستوف هاين
- حماية المدنيين في السودان هناك بدايةً نقاط، حتى بدون وقفٍ لإ ...
- من الأرشيف الألماني -القتال في السودان – ينبغي أن يولي الأل ...
- الفلسفة العربية - الإسلامية: ما بين إرث الماضي وتحديات الحاض ...
- في تذكر الدكتور عبد الرحيم بلال
- طبيب نساء سوداني برليني عند بحيرة ليتزينزي
- رحلة في ذاكرة المسرح السوداني
- الاِسلام السياسي وجدلية التأويل
- في ذكرى اللاهوتي والمفكر والمناضل الحقوقي Friedrich Schorlem ...
- نهاية الهيمنة الغربية؟ في الطريق نحو نظام عالمي جديد
- الرحيل نحو الأبديّة في تذكّر يحيى علوان (العراق).
- عودة الروح ! مع حرب بوتين، يعيش عالم الغرب آخر نهضة أيديولوج ...
- هل الأخلاق قبل كل شيء؟ لماذا قلما تتوافق القيم والمصالح الوط ...


المزيد.....




- الحرس الثوري الإيراني: إذا استهدفتم الكهرباء فسنرد بالمثل
- عاجل | الحرس الثوري الإيراني: سنرد على أي تهديد بمستوى الردع ...
- مع استمرار الهجمات الإيرانية.. نظرة على ما يحدث في الخليج ال ...
- الوكالة الدولية للطاقة تحذر من أسوأ أزمة منذ عقود وخسارة 11 ...
- ترمب ينشر على منصته مقطع فيديو يسخر من ستارمر
- تصريحات أمريكية إسرائيلية عن -نهاية اللعبة- وإيران تستعد لمع ...
- هجمات للمستوطنين بالضفة وجيش الاحتلال يقتحم مناطق عدة
- كيف ينظر الأتراك إلى اقتراب تداعيات الحرب من بلادهم؟
- -سنرى إن كان محقا أم لا-.. ترمب يرد على عراقجي بشأن التهديد ...
- حزب الله العراقي يمدّد تعليق استهداف السفارة الأمريكية في بغ ...


المزيد.....

- في رحيل يورغن هبرماس / حامد فضل الله
- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ... / رياض الشرايطي
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- حوار مع الشاعر و المفكر السياسي رياض الشرايطي. حاوره بشير ال ... / بشير الحامدي
- السياسة بعد موت الأقنعة: حين تتحول القوة إلى لغة وحيدة. / رياض الشرايطي
- مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة / هشام نوار
- من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972 / جهاد حمدان
- المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا ... / رياض الشرايطي
- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - حامد فضل الله - في رحيل يورغن هبرماس