أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - كمال غبريال - أزمة الهوية في الشرق الأوسط: هل سقطت -الوطنية- في فخ الطائفية؟















المزيد.....

أزمة الهوية في الشرق الأوسط: هل سقطت -الوطنية- في فخ الطائفية؟


كمال غبريال
كاتب سياسي وروائي

(Kamal Ghobrial)


الحوار المتمدن-العدد: 8654 - 2026 / 3 / 22 - 02:48
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


"مايحدث الآن يشير إلى أن شعوب الشرق الأوسط عجزت حتى الآن عن تمثل مفهوم الوطنية، وتوقفت عند مرحلة الانتماء الديني والطائفي."

لطالما كان الشرق الأوسط ساحة لصراع الهويات. وبينما نجحت شعوب كثيرة في تحويل "الوطن" إلى بوتقة تصهر التباينات، يبدو أن المنطقة لا تزال تعيش مخاضاً عسيراً في تمثّل مفهوم الوطنية كعقد اجتماعي وسياسي حديث، متعثرةً عند حدود الانتماءات الضيقة من دين وطائفة وعرق.

1. الدولة الوطنية: غرسٌ خارجي أم تطور طبيعي؟

تكمن جذور الأزمة في أن الدولة الوطنية في الشرق الأوسط لم تنشأ دائماً كنتيجة لتطور اجتماعي داخلي طويل، بل فُرضت في كثير من الأحيان ككيانات جغرافية (مثل اتفاقية سايكس بيكو) بعد سقوط الخلافة العثمانية.
• الانتماء العضوي: قبل قيام الدولة الحديثة، كان الفرد يعرّف نفسه من خلال قبيلته أو طائفته الدينية، وهي ولاءات توفر الحماية والأمان.
• المفهوم المستورد: دخل مفهوم "المواطنة" كفكرة قانونية باردة لم تنجح الأنظمة السياسية اللاحقة في شحنها بمحتوى عاطفي أو حقوقي ملموس يضاهي قوة "الرابطة المقدسة" للدين أو "رابطة الدم" للطائفة.

2. لماذا تغلبت "الطائفية" على "المواطنة"؟

إن عجز الشعوب عن تمثل الوطنية إن لم يكن عجزاً جينياً، سيكون نتيجة لغياب الدولة الضامنة. عندما تفشل الدولة في توفير الأمن، والعدالة، وتكافؤ الفرص، يرتد الفرد تلقائياً إلى "هوياته الصغرى" طلباً للحماية.
• الاحتماء بالهوية: تصبح الطائفة هنا "دولة مصغرة" توفر للفرد ما عجزت عنه الدولة المركزية.
• تسييس الدين: استغلال النخب السياسية للمشاعر الدينية والمذهبية كأداة للتحشيد والبقاء في السلطة أدى إلى تآكل مفهوم "المصلحة الوطنية العليا" لصالح "مصلحة المكون".

3. الفرق بين "الوطنية العاطفية" و"الوطنية الدستورية"

ما يحدث الآن يشير إلى أننا نملك "وطنية عاطفية" (أغاني، شعارات، أعلام) لكننا نفتقد "الوطنية الدستورية".
• في الوطنية الدستورية: يكون الولاء للقانون وللمؤسسات، حيث يتساوى الجميع بغض النظر عن معتقداتهم.
• في الواقع الحالي: يتم التعامل مع الوطن كغنيمة تتقاسمها الطوائف، ويصبح "الآخر" في الوطن شريكاً مشكوكاً في ولائه إذا اختلف في المذهب أو الدين.

4. التداعيات: وطن ممزق ومستقبل معلق

إن التوقف عند مرحلة الانتماء الطائفي يعني بقاء المنطقة في حالة "سيولة أمنية" دائمة. فالصراعات في سوريا، العراق، لبنان، واليمن ليست إلا تجليات حية لهذا العجز عن صياغة هوية وطنية جامعة تتجاوز الانقسام المذهبي.

"الوطنية هي حب مواطنيك أولاً، أما القومية العرقية أو الدينية(بمعناها الطائفي الضيق) فتقوم بالأساس على كراهية الآخرين أولاً. وقد تغفل خلال ذلك عن أن تحب قومك"

الخاتمة: هل من مخرج؟

إن تجاوز الانتماء الطائفي نحو "تمثل الوطنية" يتطلب بناء دولة الحق والقانون. لا يمكن للشعوب أن تتخلى عن تخندقاتها الطائفية، إلا إذا وجدت في "الوطن" مظلة تحمي حقوقها وتصون كرامتها.
إنها عملية تربوية، سياسية، واقتصادية تبدأ من المدرسة وتنتهي بصناديق الاقتراع التي لا تقوم على المحاصصة، بل على الكفاءة والمواطنة الكاملة.

يبدأ الحل من تفكيك "البنية التقليدية" التي تعيد إنتاج الولاءات الضيقة، وهذا لا يحدث بقرار سياسي مفاجئ، بل عبر مسارات متوازية تعمل معاً لإعادة صياغة علاقة الفرد بالدولة وبالآخر.

يمكن تلخيص خريطة الطريق للحل في أربعة محاور أساسية:

1. دولة المواطنة وسيادة القانون (المدخل السياسي)
لا يمكن إقناع الفرد بالتخلي عن "حماية الطائفة" إلا إذا وجد بدلاً عنها "حماية القانون".
• تفكيك المحاصصة: الانتقال من نظام توزيع المناصب بناءً على الدين أو العرق إلى نظام "الجدارة والاستحقاق".
• استقلال القضاء: عندما يشعر المواطن أن حقه يُسترد بالقانون بغض النظر عن خلفية خصمه، يضعف احتياجه للاحتماء بمرجعيات دينية أو عشائرية.
• المواطنة المتساوية: تجريم التمييز بجميع أشكاله في التوظيف، التعليم، والخدمات.

2. إصلاح "العقل الجمعي" (المدخل التعليمي
والثقافي)

المناهج التعليمية في المنطقة غالباً ما تعزز "الأنا" الطائفية أو الدينية وتصور "الآخر" كخصم تاريخي.
• أنسنة التعليم: التركيز على القيم الإنسانية المشتركة وتدريس تاريخ المنطقة كنسيج متداخل من الحضارات والأديان، وليس كصراع دائم.
• النقد الذاتي: تشجيع التفكير النقدي الذي يسمح للفرد بمراجعة موروثاته وعدم قبول خطاب الكراهية الذي قد يصدر من المؤسسات التقليدية.

3. التنمية الاقتصادية الشاملة (المدخل المعيشي)

الفقر والبطالة هما الوقود الحقيقي للطائفية. في غياب التنمية، تصبح الهويات الفرعية وسيلة للحصول على الموارد (الواسطة والمحسوبية الطائفية).
• العدالة في توزيع الثروة: إنهاء تهميش الأطراف أو الأقاليم التي تنتمي لمكونات معينة، لأن التهميش التنموي يُترجم فوراً إلى شعور بالمظلومية الطائفية.
• خلق طبقة وسطى عابرة للطوائف: عندما ترتبط مصالح الناس الاقتصادية باستقرار الدولة وازدهار السوق، يقل اندفاعهم نحو الصراعات الهووية.

4. دور المثقف والمجتمع المدني (المدخل الاجتماعي)

المجتمع المدني هو "المختبر" الذي تتدرب فيه الشعوب على الوطنية.
• الروابط العابرة للهويات: دعم النقابات المهنية، والنوادي الرياضية، والجمعيات الخيرية التي تجمع الأفراد بناءً على "الاهتمام المشترك" (كالطب، أو البيئة، أو الأدب) بدلاً من "المنبت المشترك".
• تجديد الخطاب الديني: تشجيع القراءات التنويرية التي تفصل بين "الإيمان الشخصي" وبين "المواطنة السياسية"، بحيث لا يكون الدين عائقاً أمام الاندماج الوطني.

خلاصة القول: الحل لا يبدأ من الأعلى (السلطة) فقط، ولا من الأسفل (الشعب) فقط، بل هو عملية عقد اجتماعي جديد يعترف بالتنوع كقوة، ويجعل من "الوطن" مؤسسة خدمات وحقوق، وليس مجرد ساحة لتصفية حسابات تاريخية.
مع الأخذ في الاعتبار أن أي محاولات تأتي من أعلى للتطور والتحضر، لن تكون ذات جدوى، مالم تكن انعكاساً وصدى لإرهاصات تموج بها القاعدة الشعبية. وإلا ستصبح القوانين حبراً على ورق. والنظم الحداثية هياكل مجهورة لا حياة فيها.

تغيير القوانين وتطبيق سيادة القانون هو نقطة البداية الحقيقية.

لماذا؟
لأننا لا نملك ترف الوقت لانتظار نتائج التعليم التي قد تستغرق أجيالاً.
الأسباب التي تجعل "القانون" هو الرافعة الأولى للتغيير:
1. القانون يغير السلوك.. والسلوك يغير القناعات
البشر بطبعهم يتبعون النظام الذي يحمي مصالحهم. إذا وضعنا قانوناً صارماً يمنع التمييز الطائفي في التوظيف ويجرم خطاب الكراهية، سينضبط الناس "خوفاً" أو "مصلحة" في البداية. ومع مرور الوقت، يصبح هذا الانضباط سلوكاً طبيعياً، ثم يتحول إلى قناعة اجتماعية.

• مثال: في المجتمعات الغربية، لم يتوقف التمييز العرقي لأن الجميع أصبحوا "طيبين" فجأة، بل لأن القانون جعل ثمن التمييز باهظاً جداً.

2. كسر "حلقة الخوف"
الولاء للطائفة في الشرق الأوسط هو "ولاء دفاعي". الفرد يخاف من الظلم، فيحتمي بجماعته. عندما يرى المواطن أن القضاء مستقل وأن القانون يحميه من "ابن طائفته" ومن "الغريب" على حد سواء، ستسقط الحاجة لتقديم الولاء للطائفة كصك أمان.

3. التعليم بلا قانون "نظريات معطلة"
مهما علمنا الطفل في المدرسة أن "الوطن للجميع"، فإنه حين يخرج للواقع ويجد أن الوظيفة تذهب لمن لديه "واسطة طائفية" أو "انتماء حزبي"، سيكفر بكل ما تعلمه. الواقع أقوى من الكتاب المدرسي.

خريطة الطريق المختصرة:
1. دستور مدني حقيقي: ينص على أن المواطنة هي المعيار الوحيد للحقوق والواجبات.
2. تجريم الطائفية السياسية: منع الأحزاب على أساس ديني أو مذهبي، وتحويل الصراع من "حقوق طوائف" إلى "برامج سياسية".
3. قضاء مستقل تماماً: لضمان ألا تتحول القوانين إلى مجرد حبر على ورق.



#كمال_غبريال (هاشتاغ)       Kamal_Ghobrial#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- صراع السموّ والسطوة: قراءة في فلسفة -قوة الحق- مقابل -حق الق ...
- بين الانفتاح الساذج والمهادنة القاتلة: حين تغتال الحضارةُ نف ...
- أوروبا في مهب الريح: بين ضغوط -ترامب- وتآكل الهوية الديموغرا ...
- اليسار والتأسلم السياسي، من الراكب ومن المركوب؟
- التعددية Pluralism تحت المجهر
- تجسد الآلهة في عقائد الشعوب
- بين البراغماتية والانتهازية: هل تنفرد قطر بـ -الرقص على الحب ...
- الحياد بين سويسرا ودول الخليج
- الوحشية موروث فكري أم طبيعة بشرية
- صمود أم جنون: جدلية القتال حتى الرمق الأخير
- الهوية بين مطرقة التقديس وسندان الجمود: لماذا يتعثر الشرق؟
- لبنان: صراع الكينونة بين إرث التاريخ ومخاض المستقبل
- مخاضة الشرق الأوسط من -التبشير بالديمقراطية- إلى -إدارة الان ...
- يسوع واحد ورؤى متعددة
- صلاةٌ في محراب النقمة: عندما تعجزُ اللغات وتتحدث الضغينة
- ما بعد الدوجما والأيديولوجيا: هل يركب الشرق الأوسط قطار الحد ...
- سُقوط الأقنعة: هل كان نظام الملالي -صمام أمان- أم معول هدم؟
- المنابر العربية من الإعلام إلى الإعلان والتضليل
- حوار طريف بيني وبين الذكاء الاصطناعي حول انتصارات إيران
- لماذا استهداف الإمارات


المزيد.....




- تحليل: الغارات الإيرانية على قواعد تستخدمها الولايات المتحدة ...
- واشنطن وتل أبيب تلوحان بالتصعيد -للحسم- وإيران تعلن -سماء إس ...
- ديمونة مقابل نطنز.. إيران ترسي معادلة -الردع المتبادل- وتسته ...
- بعثات دبلوماسية غربية في القدس ورام الله تدين -إرهاب المستوط ...
- تلميح أمريكي إلى إنهاء تدريجي للحرب مع إيران ومناقشات بشأن م ...
- ترمب يهدد بتدمير طاقة إيران ونتنياهو يصف الليلة بـ-العصيبة- ...
- طهران تنفي خبرا عن تحذير بإخلاء الدوحة
- صاروخ إيراني يخلّف جرحى في جنوب إسرائيل
- زامير يحذر: عواصم أوروبية تحت تهديد الصواريخ الإيرانية
- نتنياهو يتوعد بمواصلة ضرب أعداء إسرائيل على جميع الجبهات


المزيد.....

- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ... / رياض الشرايطي
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- حوار مع الشاعر و المفكر السياسي رياض الشرايطي. حاوره بشير ال ... / بشير الحامدي
- السياسة بعد موت الأقنعة: حين تتحول القوة إلى لغة وحيدة. / رياض الشرايطي
- مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة / هشام نوار
- من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972 / جهاد حمدان
- المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا ... / رياض الشرايطي
- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - كمال غبريال - أزمة الهوية في الشرق الأوسط: هل سقطت -الوطنية- في فخ الطائفية؟