كمال غبريال
كاتب سياسي وروائي
(Kamal Ghobrial)
الحوار المتمدن-العدد: 8650 - 2026 / 3 / 18 - 20:02
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
اثنان يجرمان في حق الإنسانية ومستقبلها.
- مجرم باسم الليبرالية يفتح أبواب مراكز الحضارة لأعداء الحضارة.
- مجرم باسم التعقل والحكمة يرفض دفع ثمن صد المغول والتتار وتفضيل المهادنة حتى يكتسح الخراب والمخربون المدينة وحضارتها.
***
إن التاريخ لا يرحم الأمم التي لا تفرق بين "التسامح" وبين "التفريط"، ولا بين "الحكمة" وبين "الجبن". فالحضارة، في أوج ازدهارها، غالباً ما تُصاب بمرض الرضا عن الذات، مما يولد صنفين من الجناة يرتكبون، بوعي أو ببدونه، جريمة نكراء في حق المستقبل البشري.
أولاً: الليبرالية حين تفقد غريزة البقاء
المجرم الأول هو ذاك الذي يتخذ من "الليبرالية" و"الإنسانية" شعاراً، لكنه يفرغها من محتواها التحصيني. تكمن الجريمة هنا في فتح أبواب مراكز الإشعاع الحضاري والقيم المدنية لأطراف لا تؤمن أصلاً بهذه القيم، بل تسعى لاستغلالها كأدوات للهدم.
• المفارقة الانتحارية: إن الليبرالية التي لا تحمي حدودها الفكرية والمادية تتحول إلى "عقد انتحار". عندما تُمنح منصات التعبير لمن يريد إلغاء التعبير، وعندما تُفتح الحدود لمن يحمل في أجندته هدم النمط الحضاري الذي استضافه، فإننا لا نتحدث هنا عن تنوع ثقافي، بل عن استقالة حضارية.
• النتيجة: يؤدي هذا المسلك إلى تآكل الثقة الاجتماعية، وتحويل مراكز الحضارة إلى ساحات للصراع الداخلي، مما يسهل المهمة على كل "عدو للحضارة" ينتظر لحظة الانقضاض.
ثانياً: "تعقل" المهادنين.. استدعاء التتار بصمت
المجرم الثاني يرتدي ثوب الحكيم والواقعي، وهو الذي يرى في "دفع ثمن المواجهة" عبئاً ثقيلاً لا يطاق. هذا النوع من الإجرام يتمثل في تفضيل السلام المؤقت والمذل على الصدام الضروري لحماية الوجود.
• وهم السلام بالخنوع: تاريخياً، عندما اقترب المغول والتتار من أبواب المدن الإسلامية والمسيحية، انقسم الساسة إلى صنفين: صنف أدرك أن ثمن المقاومة باهظ لكنه ضروري، وصنف ادعى "العقلانية" وفضّل المهادنة وتقديم الجزية.
• ثمن المهادنة: إن هؤلاء "المسالمين" بغير حق لم يحموا شعوبهم، بل قدموا لها موتاً مؤجلاً. فالمهادنة مع قوى تتبنى الفلسفة العدمية أو التوسعية المتطرفة (مثل التتار قديماً) لا تؤدي إلا إلى تقوية المعتدي وإضعاف الروح المعنوية للمدافعين.
إن رفض دفع ثمن "الصد" اليوم يعني دفع أضعافه من الدماء والكرامة غداً.
الجريمة المشتركة: خيانة المستقبل
كلا المجرمين يشتركان في نقطة واحدة: قصر النظر.
1. الليبرالي المنفلت: يضحي بالمستقبل من أجل "مثالية مدعاة" في الحاضر.
2. المهادن الحذر: يضحي بالمستقبل من أجل "أمان زائف" في الحاضر.
إن مستقبل الإنسانية لا يبنيه من يفتح الثغرات في جدار الحضارة، ولا من يخشى ترميمها خوفاً من غبار المعركة. بل يبنيه من يمتلك الوعي الصلب؛ الوعي الذي يدرك أن القيم الإنسانية تحتاج إلى "أنياب" تحميها، وأن الحكمة الحقيقية تكمن في القدرة على التمييز بين الصديق الذي يغني التجربة، والعدو الذي يسعى لاجتثاثها.
خاتمة
إن الحفاظ على الحضارة يتطلب توازناً دقيقاً؛ فبدون الانفتاح تتحجر الحضارة وتشيخ، وبدون القوة والحزم تتبدد وتندثر.
إن الجريمة الحقيقية هي ترك المصير البشري يتأرجح بين يد متساهلة تفتح الباب للدمار، ويد مرتجفة ترفض إغلاقه.
ثلاثة نماذج تاريخية صارخة تجسد هاتين الجريمتين:
1. سقوط روما: حين أصبحت "الليبرالية الرومانية" ثغرة للأعداء
في قرونها الأخيرة، اعتمدت روما سياسة "الاحتواء" تجاه القبائل الجرمانية (القوط وغيرهم). بدلاً من صد الغزاة، سمحت لهم بالدخول والاستيطان داخل حدود الإمبراطورية كمواطنين أو جنود مرتزقة، ظناً منها أنها "تمدنهم" وتستفيد من قوتهم.
• الجريمة باسم الحضارة: فتحت روما أبوابها لثقافات لا تؤمن بالقانون الروماني بل بقوة السيف فقط.
• النتيجة: في عام 410م، قام "ألاريك" ملك القوط -الذي كان جندياً في الجيش الروماني وتعلم فنون قتالهم من الداخل- بنهب روما. كانت تلك اللحظة التي أثبتت أن فتح الأبواب لمن لا يحترم قيم الدار هو انتحار بطيء.
2. سقوط بغداد (1258م): "واقعية" الوزير مؤيد الدين بن العلقمي
قبل وصول هولاكو إلى أسوار بغداد، انقسم البلاط العباسي. كان هناك تيار يرى ضرورة الاستعداد العسكري الشامل، وتيار آخر (مثله ابن العلقمي) كان يدعو إلى "التعقل" والمهادنة وتقليل نفقات الجيش لإرضاء المغول وتجنب غضبهم.
• الجريمة باسم الحكمة: تم إقناع الخليفة بتسريح جزء كبير من الجيش لتوفير المال و"عدم استفزاز" المغول، معتمدين على الدبلوماسية والرسائل اللطيفة.
• النتيجة: عندما وصل التتار، لم يجدوا مقاومة تذكر. دُمرت المكتبات، قُتل العلماء، وانتهت الخلافة العباسية للأبد لأن "الحكمة" المزعومة كانت في الحقيقة تجريداً للحضارة من درعها.
3. اتفاقية ميونخ (1938): جريمة "السلام في عصرنا"
في العصر الحديث، يبرز "نيفيل تشامبرلين" رئيس وزراء بريطانيا كنموذج للمجرم باسم "التعقل". لمواجهة أطماع هتلر، اختار سياسة "الترضية" (Appeasement)، وسلمه أجزاء من تشيكوسلوفاكيا مقابل وعود وهمية بالسلام.
• الجريمة باسم السلام: رفض تشامبرلين ومن معه دفع ثمن المواجهة المبكرة (صد المغول الجدد)، وظنوا أن المهادنة ستشبع وحش النازية.
• النتيجة: لم تزد المهادنة هتلر إلا شراسة واحتقاراً للديمقراطيات الغربية، مما أدى إلى الحرب العالمية الثانية التي دفعت فيها البشرية عشرات الملايين من القتلى.. ثمنٌ كان يمكن تقليله لو وُجد الحزم في البداية.
الخلاصة من التاريخ
هذه النماذج تخبرنا بوضوح:
1. الحضارة التي لا تضع شروطاً لمن يدخلها، تفقد هويتها.
2. السلام الذي لا يستند إلى قوة رادعة، هو مجرد استراحة للمعتدي.
عندما نسحب هذه الدروس التاريخية على واقعنا المعاصر في عام 2026، نجد أن "الجريمتين" اللتين ذكرناهما لم تعدا مجرد أخطاء سياسية، بل تحولتا إلى أزمات وجودية تهدد استقرار المجتمعات الحديثة.
كيف تتجسد هذه الأفكار في التحديات المعاصرة:
1. المجرم باسم "الليبرالية": أزمة الهوية والاندماج في الغرب
تعيش المجتمعات الغربية (خاصة في أوروبا) صراعاً حاداً حول مفهوم "السيادة الثقافية". الجريمة هنا لا تتمثل في "الهجرة" بحد ذاتها، بل في الفشل في فرض سيادة القيم المدنية.
• التسامح مع غير المتسامحين: هناك تيار ليبرالي يصر على منح "حقوق كاملة" لجماعات تتبنى أيديولوجيات تسعى علناً لتقويض الديمقراطية وحقوق المرأة وحرية التعبير.
• المجتمعات الموازية: بدلاً من "صهر" الجميع في بوتقة المواطنة، أدى الانفتاح غير المشروط إلى نشوء "جزر" داخل المدن الكبرى لا تخضع لقانون الدولة بل لأعراف متشددة معادية للحضارة التي تستضيفها.
• النتيجة: صعود تيارات اليمين المتطرف كرد فعل "عنيف" على هذا التهاون، مما يهدد السلم الأهلي وجوهر الليبرالية نفسه.
2. المجرم باسم "التعقل": المهادنة أمام القوى التوسعية والمليشيات
في الشرق الأوسط وشرق أوروبا، نجد "المجرم الحكيم" الذي يرفض مواجهة التمدد الراديكالي أو القوى الإمبراطورية الجديدة (المغول الجدد) بحجة "تجنب الحروب" أو "الواقعية السياسية".
• دبلوماسية الجزية الحديثة: نرى دولاً ومنظمات دولية تكتفي بالتنديد والبيانات بينما تلتهم القوى التوسعية (سواء كانت دولاً أو مليشيات عابرة للحدود) سيادة الدول الضعيفة.
• رفض دفع ثمن الردع: يظن البعض أن "التعايش" مع التنظيمات المتطرفة أو القوى التي تؤمن بالهيمنة المطلقة هو خيار عقلاني، بينما هو في الحقيقة مجرد تأجيل للانفجار الكبير.
• النتيجة: تآكل مفهوم "الدولة الوطنية" وتحول مناطق شاسعة إلى ساحات للفوضى، لأن "الحكماء" خافوا من تكلفة المواجهة المبكرة، فدفعوا ثمنها لاحقاً انهياراً شاملاً.
مقارنة بين المنطقين. . توضح كيف تتحول المبررات المعاصرة إلى واقع مرير:
أولاً: جريمة "الليبرالية المنفلتة"
• المبرر المعاصر: ترتكز هذه الرؤية على تقديس "حقوق الإنسان الكونية" و"التعددية الثقافية المطلقة" دون قيود أو شروط اندماج حقيقية، بدعوى أن الحضارة يجب أن تسع الجميع مهما اختلفت منطلقاتهم.
• الواقع المرير: يؤدي هذا الانفتاح غير المحصن إلى تغلغل القوى المعادية للمدنية في مفاصل الدول الحرة، حيث يتم استغلال القوانين الليبرالية ومنصات حرية التعبير كأدوات "حصان طروادة" لهدم أسس المجتمع من الداخل، وتحويل مراكز الإشعاع إلى ساحات للصراع الهوياتي.
ثانياً: جريمة "المهادنة" (التعقل الزائف)
• المبرر المعاصر: تتسرب هذه الجريمة تحت غطاء "تجنب التصعيد" و"الحفاظ على الاستقرار المؤقت"، حيث يرى دعاة هذه المدرسة أن دفع "الجزية السياسية" أو التنازل عن المبادئ والقيم أمام القوى التوسعية هو قمة "الواقعية والحكمة" لتفادي ويلات الحروب.
• الواقع المرير: تفضي هذه المهادنة إلى تمكين "المغول الجدد" (سواء كانوا قوى إمبراطورية أو مليشيات أيديولوجية) ومنحهم الوقت والموارد للتمدد والتوغل، حتى يصلوا إلى نقطة يصبح فيها صدهم مستحيلاً أو ذا كلفة بشرية ومادية تفوق بمراحل كلفة المواجهة المبكرة التي هرب منها "الحكماء".
ميزان النجاة: "الليبرالية المسلحة" و"الحكمة الشجاعة"
إن مخرج الإنسانية اليوم ليس في نبذ الليبرالية أو التخلي عن الحكمة، بل في إعادة تعريفهما:
1. ليبرالية ذات مخالب: تؤمن بأن الحقوق تُمنح فقط لمن يحترم حقوق الآخرين، وأن الديمقراطية ليست "صكاً بياضاً" لتدمير المجتمع.
2. حكمة استباقية: تدرك أن السلم يُحرس بالقوة، وأن "صد المغول" عند الحدود، مهما كان مكلفاً، هو أرخص بكثير من مواجهتهم في غرف النوم والمكتبات والمصانع.
"إن من يفتح الباب للذئب باسم الرفق بالحيوان، لا يرتكب خطأً بحق نفسه فقط، بل يرتكب مجزرة بحق كل من في الدار."
الآن
هل المجتمعات الغربية اليوم في سائر مراكز الحضارة بأوروبا وأمريكا وأستراليا، تمتلك "الإرادة السياسية" لتصحيح هذين المسارين؟
أم أننا نسير نحو "سقوط بغداد" أو "سقوط روما" من جديد؟!!
#كمال_غبريال (هاشتاغ)
Kamal_Ghobrial#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟