أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - فتحي زيدان جوابرة - (انطَلقوا لشراء ملابس العيد فعادوا بالأكفان)














المزيد.....

(انطَلقوا لشراء ملابس العيد فعادوا بالأكفان)


فتحي زيدان جوابرة
كاتب ، قاصّ ، روائي

(Fathy Zedan Jawabreh)


الحوار المتمدن-العدد: 8651 - 2026 / 3 / 19 - 08:41
المحور: الادب والفن
    


لم تكن ثمة حرب واشتباكات في الطريق، الهدوء الحذر ليلا يعمّ المكان، ويبحث الناس فيه عن طمأنينة يتشبّثون بها، كحبلٍ يسحب قلوبهم إلى صبيحة يوم العيد.
ولم يكن في السيارة الوادعة سوى أطفال أربعة، أحدهم لا يبصر العالَم بعينيه، بل يراه عالما جميلا بقلبه. أطفال أربعة يتقدّمهم قلبُ أمٍّ رؤوم، وظلّ دافئ يستشعره الأطفال من أبٍ عاد للتوّ من العمل في الداخل المحتلّ، عاد من تعبٍ باحثا عن فسحة فرح، حلق شعره في صالون الحلاقة المعتاد عليه، ثم اصطحبهم إلى المدينة؛ لشراء ملابس العيد وبعضًا من الفرح.
انطلقوا من طمون يحملون الفرح معهم، يحذوهم الأمل لاستقبال العيد بملابس جديدة وألعاب سيشترونها، كل على مزاجه وذوقه وميوله. ولا بأس من تدخّل الأم في نوعية الملابس وشكلها وثمنها، فهذا الأمر تدركه الأم أكثر منهم. ويدركون أنها تعرف ما يناسبهم أكثر منهم.
جلسوا في السيارة ومنحوا للفرح مساحة كافية، لكنهم لم يكونوا على علم بأنّ الموت قد تسلَّل إلى المقعد الخلفي، وأقعى وراءهم ينتظر اللحظة.
في هذه الليلة الرمضانية قاد (علي عودة) السيارة، آمِلا بأن يعتلي أبناؤه صهوة المسرّة، ثم العودة سريعا إلى طمون، وإلى جواره تجلس زوجته (وعد) التي وعدت أبناءها أن تشتري لهم ما يرضيهم. وخلفهما القلوب البريئة (خالد، مصطفى، عثمان، ومحمد). والموت يحدّق بهم أجمعين، يتجادل مع ذاته: أيّهم سيكون الضحية، الفريسة، وجبة هذا الليل؟.
تجوّلوا في السوق، تحاوروا، وربما تجادلوا على شيء ما، واتفقوا أخيرا على المشتريات، عادوا مع كمية أكبر من الفرح، سيارة تكتظ بالغبطة والضحكات، والفرح يتقافز بين المقاعد. والأشِقّاء يداعبون عثمان، الطفل الذي يرى العالم بقلبٍ بريء.
حانت ساعة الصفر، والموت المقعي توثّبَ للانقضاض، وانهمر الرصاص فجأة من سيارة تشبه سياراتنا وتحمل لوحة من لوحات سياراتنا. لم يحتجِ الموت سوى ثوانٍ قليلة ليبدّد الفرح الصغير ويجلب محلّه خوفا ورعبا وصرخات لا تجد مغيثا، ثم ألما وحسرة عميقة لا يمحوها تعاقب الفصول ولا تُنسى بالتقادم. صرخت (وعد) بكلمة واحدة "خلص"، تلك الكلمة التي قالتها انتصار الوزير حينما انهمر الرصاص على صدر زوجها الشهيد أبو جهاد. "خلص" التي صدحت في تونس قبل ثمانية وثلاثين سنة تتكرر اليوم في طمون ونابلس، كما صدحت كثيرا في غزة. لكن الفارق أن "خلص" السابقة أبقت على انتصار، أما "خلص" اليوم فلم تبق على وعد الطمونية أم خالد، ولا هند الغزية التي رآها العالم كله حين مزّقتها أنياب الموت، ولم يفعل شيئا.
خلال ثوانٍ أو دقيقة أنهى الموت مهمّته واكتملت المأساة في مركبة العيد السعيد؛ أُزيلَ الظل الدافئ (علي) من الوجود، بعد أن تلقى الرصاص بكل أنحاء جسده، واغتيل القلب الرؤوم (وعد) بعد أن صرخ صرخة لعلها توقظ ضمير الإنسانية الغائب، وغادر هذا العالَمَ الظالمَ الطفلان الأصغران: محمد وعثمان الذي كان يعتقد أن هذا العالم جميل، حيث كان يبصره بقلبه لا بعينيه. أما خالد ومصطفى فقد منحهما القدر فرصة للاختباء من الموت الداهم؛ ليظلا شاهدين على جريمة إنسانية، أطفأت أضواء الفرح وموسيقى الحب.
يقول خالد الطفل الناجي من المجزرة الدموية: "كان أخي محمد يضحك مع أبي وفجأة لم يعد هناك صوت". "هجموا على السيارة، وانهالوا عليّ ضربًا، وحاولوا انتزاع شقيقي مصطفى من بين يديّ".
يا طمونُ الثكلى، لست وحدك، كلنا نحترق ونتألم وجعا، فالجرح واحد هنا وفي غزة وفي كل مكان يتواجد فيه إنسان هواه وهويته فلسطين... الدموع غزيرة والقلوب محترقة، ولون السواد يشكّل خلفية لحروف لهجتنا الفلسطينية المخضبة بالدم وبالصبر والصمود.



#فتحي_زيدان_جوابرة (هاشتاغ)       Fathy_Zedan_Jawabreh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة قصيرة (حُرّاس مدينة الأنبياء)
- قصة قصيرة (محكمة الضباع)
- قصة قصيرة (عبور في ممرّ الموت)
- قصة قصيرة (يوم عمل مع ميريام ومريم في بستان الزّلّيق)
- قصة قصيرة ( أبو الحسن والمتعقبون في ليلة مثلجة )
- خاطرة ( أسمى)
- خاطرة سردية (ما الوطن؟)
- قصيدة نثرية (من وحي دموع العربيات)
- مقالة نقدية (القرية والتراث الريفي في قصص محمد نفاع)
- مقالة سردية أو خاطرة: (زيارة مؤلمة لكن لا بدّ منها)
- قصة قصيرة (ليلة سقوط عروس الروحة)
- (حركة فتح: أسباب التّشتّت والعجز عن توحيد الصفوف)
- قصة قصيرة: أنا و(لولو) كلب آل روخمان
- قراءة عامة في مجموعة (التفاحة النهرية) لمحمد نفاع
- قصة قصيرة ( أنا وكلب نتانيا لولو روخمان)
- قصة قصيرة ( مجندة إسرائيلية )
- قصة قصيرة: ( هل من مترجم في المعبر؟ )


المزيد.....




- سينما ضد الموت والدمار.. 10 أفلام صورت بشاعة الحرب
- أسماء المدير تتصدر الفائزين بدعم صندوق مهرجان روتردام السينم ...
- التشيع العربي والفارسي: كتاب يشعل الجدل ويكسر المحرّمات
- وفاة الكاتب والمترجم المغربي عبد الغني أبو العزم
- -فاميلي بيزنس- و-برشامة- و-إيجي بيست-.. أفلام عيد الفطر في م ...
- يعرض في صالات السينما السعودية بعيد الفطر.. -شباب البومب 3- ...
- لودريان: التفاوض هو المخرج الوحيد للحرب في لبنان وإسرائيل فش ...
- نازحون على خشبة مسرح صور.. قصة ملجأ ثقافي في زمن الحرب
- -لا للحرب-... -الحرية لفلسطين-. كيف تحول حفل الأوسكار الـ98 ...
- أزياء لمصممين عرب تخطف الأنظار في حفلي الأوسكار و-فانيتي فير ...


المزيد.....

- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - فتحي زيدان جوابرة - (انطَلقوا لشراء ملابس العيد فعادوا بالأكفان)