أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - فتحي زيدان جوابرة - خاطرة سردية (ما الوطن؟)















المزيد.....

خاطرة سردية (ما الوطن؟)


فتحي زيدان جوابرة

الحوار المتمدن-العدد: 7441 - 2022 / 11 / 23 - 00:32
المحور: الادب والفن
    


ذات مرة سألتني:
- "ما تعريف الوطن بالنسبة لك؟".
-"الوطن يا زميلتي هو الأرض التي شهدت ماضينا وتشهد حاضرنا وستشهد مستقبلنا...". سألتها:
-"وأنتِ ماذا تقولين؟"
-" الوطن هو الأرض بجغرافيتها وتاريخها والناس الذين يعيشون عليها". سكتتُ أنا، فقالت:
-" اكتب لي خاطرة عن الوطن". وعَدْتُها أن أكتب لها خلال الأسبوع القادم نصّا (من الآخِر)، لكنني تكاسلتُ على الآخر، وأنا أقول في نفسي:
-"إم اللغة؟! وتريد موضوع تعبير عن الوطن؟". حاولت أن أكتب، لكن كنت أرى عباراتي قاصرة وفاشلة، وكانت كلما التقت بي تبتسم وتذكّرني بالوعد، فأقول:
-"حكيت لك الأسبوع القادم، وأنا عند وعدي ولن أخلفه". ثم صرتُ أتناسى الأمر، ومع مرور الأسابيع دُفِن الطلب في أدراج النسيان والإهمال، ولم أكتب لها شيئا عن الوطن.
أما اليوم وأنا هنا قابع في الزنزانة، وقد مرجحتني السّنون، وتقاذفتني دروبُ الحياة، وهزّتني حبال التجارب، يمكنني أن أكتب عن الوطن:
الوطن يا أعزائي أكبر مما تتصورون، ليس مجرد جغرافيا وشعب، إنه كائن حيّ يحيا بقدسيّة هذا العَلم المُخضّب بالتراب وبالدم، يحيا بشرفِ القَسَم الذي يصدح به طلاب الكليات العسكرية، يحيا بهيبة (فدائي وموطني وبلادي)، التي تلاها الشهداء والسجناء والجرحى والفدائيون والمنفيّون واللاجئون والكادحون والأخوة والرفاق والفهود والصقور والنسور والحمائم والمجاهدون والمكافحون والمناضلون والمقاومون والسياسيّون والدبلوماسيّون والمتفاوضون والتكتيكيّون والمتخاذلون والمنافقون والمستسلمون، وأمراء الحروب وتجّار الصراع. تلَوها مسبقا، ثم صاروا إلى ما صاروا إليه...
يا بن عمّي: كلما أتذكّر التلافيف في كفّ جدّي التي اتّكأ بها على جذع زيتونة حين مات، أُدرِك ماهيّة الوطن ومعنى الأرض، وكلما أتذكّر دماءَ جارنا الحصّادِ المجبولةَ بالتراب، حين ضرب المنجلُ يَدَه، فخضّب جرحه بالطيّون والتراب، ولفّ سيجارة عربية، وارتاح قليلا في ظلّ اللوزة، وهو يبتلع الدخان، ثم أكمل العمل، أُدرِك ماهية الوطن ومعنى الأرض، ويمكنني القول: إنّ ذلك الحصّاد هو أكثرنا فهما لمعنى الأرض.
يا أمّي، عندما وقفتُ على حدود الوطن عائدا إليه، فأعادوني قسرا إلى حيث كنت، فهمتُ تماما معنى أن يكون لي وطن، وأدركتُ أنّ في داخلي يعيشُ هذا الوطن.
يا أسمى، يتعزّز إدراكي لماهيّة الوطن وسرّ الوطن كلما يأتيني طيفكِ عندما وقفتِ قرب الزعرورة، متوشّحةً بالكوفيّة، مبتسمةً تحتضنين المصحف الذي تقرئين منه على روح جدّك الشهيد، وإلى جانب المصحف بين يديكِ ثلاث زهرات من اللبّيدة التي تنبت في وادي خروبة، الذي استُشهد فيه جدّكِ خلال معركة جنين، التي انتصر فيها الثوار والجنود العراقيون على عصاباتِ الصهاينة، الذين فرّوا إلى العفولة شمالا.
يا إخوتي، إيمان المواطن بأن الوطن هو ملاذه الأخير، يشبه إيمان الصائم بأنّ جوعه المؤقّت طمع بالشبع الأبديّ. يشبه إيمان الرضيع بالطمأنينة الأبدية حين يغفو على ثدي أمه. ألا تؤمنون مثلي أنّ للوطن صوت ولون وحركة ورائحة موجودة في كل شيء؟ ألا تقتنعون أن أرض الوطن يمكن أن تصير روحا تسكن فينا وتحيا معنا؟ روحا تحزن لأحزاننا وتفرح لأفراحنا؟ أنا مقتنع يا إخوتي أنه عندما نموت ستشربنا روح الأرض، لنصير جزءا لا يتجزّأ منها...
لا يمكن أن يصير الوطن وطنا إلا إذا عاش فينا، فالوطنيّون وحدهم يدركون النشوة في رائحة التراب حين يتشرّب باكورةَ المطر. وحدهم يميّزون العلاقة الحميميّة بين الزيتون والتراب، حين يشتَمّون رائحة أوراق الزيتون المخَضّبة بغبار الأرض. وحدهم يرون الأشياء في كل الوطن ويرون الوطن في كلّ الأشياء:
- في أقمشة الجدّات القديمة، وفي تزييفهنّ للحقائق حول صِباهُنّ الغابر.
- في العرق المنساب من جِباه البنّائين وحفّاري أساسات المنازل.
- في عشوائية السحب الهائمة في الفضاء، وفي تطاوُل الدّخان فوق أبنية المدينة.
- في ابتسامات خاطِبَيْن، ودمعة أب في زفاف ابنته.
- في ضوضاء الباعة المتجوّلين.
- في قهقهة طفلٍ يلهو بماء المطر المتجمّع في الحُفَر، وفي ارتجافته عندما يعود مُبَلّلا إلى البيت.
- في أنين غصنٍ مكسور شلخته ريح عاتية عن أمّه الشجرة، وظلّ ملتصقا بها، يتأرجح ويئنّ كلما استثارت آلامه الريح بين حين وآخر.
- في نشيج أمّ يتقطّع فؤادها على فراق ابنها الشهيد، وفي انتحاب أخرى ثكلت ابنها في حادث سير.
- في همعة طالبة عادت إلى أمها دامعة بسبب سؤال سخيف ورد في امتحان قصير، وضعته المعلمة على حين غِرّة.
- في حشرجة جرّاح في مستشفى كُتِب على بوابته: "وإذا مرِضتُ فهو يشفين"، ترقرقت عيناه حين استخرج رصاصة من صدْرِ شابٍّ أُصيب في مظاهرة ساخنة.
- في لعبة (السبع حجار) الصاخبة، التي لا تكتسب شرعيتها إلا بضجيج الأطفال وتخاصمهم.
- في لعبة (الكال) الهادئة تمارسها الفتيات الصغيرات في ركن البيت، خلال سهرة نسويّة تشكّلتْ من جارات الحيّ.
- في الحلوق الجافة للكادحين في مقالع الحجر، وفي الشفاه المتشقّقة للحطّابين والرعاة في صباحات الريح الشرقية.
- في أسرار العجائز حول رحلتهنّ السّرّيّة إلى عرّافة.
- في أبيات غزلية منحها شاعر لعاشقيْنِ.
- في كتابات باحث لغوي قضى يومين بلا نوم، يبحث في بلاغة "ن والقلم وما يسطرون".
- في رسمة كبيرة لمرج ابن عامر على جدارٍ مدرسيّ، وضع فيها رسّام محترف زبدة مهاراته، ثم ازداد جمالها الفنيّ جرّاء الضربات العشوائية المتكررة لكرة القدم من تلاميذ الصف الأول.
- في المعنى الكامن في ردّ سميح القاسم حينما سألوه عن قبوله بالهوية الزرقاء الإسرائيلية، فكان ردّه: "ليطبعوها على [مشيرا إلى قفاه]، ولن أغادر الرامة مهما كان الأمر".
يا أعزّائي، إن أخفاهُ عنكم غَسَقُ الليل سيبديه لكم شعاع النور، فابحثوا عنه في كل الأشياء، يمكن أن تعثروا عليه غافيا في ظلال سنديانة، أو تشاهدوه متربعا على بدر الليل، يمكن أن تسمعوا حنينه أو أنينه في صوت مزراب يشقع بماء المطر، يمكن أن تشمّوا رائحته في تربة تشرّبت بباكورة المطر، يمكن أن تتذوّقوا لذّته في شاي الصباح الخفيف بنكهة الزعتر البري، أو في شاي الغروب ثقيلا مع ميرمية عاسية، مغليّا على نار القيشة والسّوّيد في إبريق مُشَحْبَر.
يا إخوتي، إذا عاش الوطن فينا سيتحوّل حتما إلى جَنّة نعيش فيها... إنه كلّ أشيائنا وأحداثنا على أرضنا.



#فتحي_زيدان_جوابرة (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حول الانتخابات في البرازيل مع عالم الاجتماع والفيلسوف الماركسي ميكائيل لووي - اضواء على احداث ساخنة
حوار مع صلاح عدلي الامين العام للحزب الشيوعي المصري حول اوضاع ومكانة القوى اليسارية والتقدمية في مصر


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصيدة نثرية (من وحي دموع العربيات)
- مقالة نقدية (القرية والتراث الريفي في قصص محمد نفاع)
- مقالة سردية أو خاطرة: (زيارة مؤلمة لكن لا بدّ منها)
- قصة قصيرة (ليلة سقوط عروس الروحة)
- (حركة فتح: أسباب التّشتّت والعجز عن توحيد الصفوف)
- قصة قصيرة: أنا و(لولو) كلب آل روخمان
- قراءة عامة في مجموعة (التفاحة النهرية) لمحمد نفاع
- قصة قصيرة ( أنا وكلب نتانيا لولو روخمان)
- قصة قصيرة ( مجندة إسرائيلية )
- قصة قصيرة: ( هل من مترجم في المعبر؟ )


المزيد.....




- فنانة مصرية تعلن -اختفاء- عظم قفصها الصدري
- بعد فوزها بجائزة لجنة التحكيم ….مخرجة فيلم “صاحبتي” : الفيلم ...
- أغنية : أحلى عيون
- العثور على بطل فيلم -الكتاب الأخضر- مقتولا في أحد شوارع نيوي ...
- مجلس الحكومة يتداول في خمسة مشاريع قوانين تتعلق بإصلاح المنظ ...
- وزير خارجية غواتيمالا.. فتح قنصلية عامة بالداخلة من شأنه توط ...
- رحلة العائلة المقدسة: لماذا أدرجت اليونسكو احتفالات مصر بالر ...
- أكثر الكتب مبيعًا في عام 2022 وفقاً لواشنطن بوست
- شاهد.. الفنان شريف منير يضحك السيسي
- فيلم عن قصة حب تتجاوز المعايير المفروضة للأدوار الجندرية


المزيد.....

- المرأة والرواية: نتوءات الوعي النسائي بين الاستهلاك والانتاج / عبد النور إدريس
- - السيد حافظ في عيون نقاد وأدباء فلسطين- دراسات عن السيد ح ... / مجموعة مؤلفين عن أعمال السيد حافظ
- البناء الفني للحكاية الشعبية على بابا والأربعين حرامي (بين ... / يوسف عبد الرحمن إسماعيل السيد
- شخصية مصر العظيمة ومصر العبيطة / السيد حافظ
- رواية سيامند وخجي مترجمة للغة الكردية / عبد الباقي يوسف
- كتاب (كحل الفراشة) - ايقاعات نثريَّة - الصادر في عام 2019 عن ... / نمر سعدي
- رواية تأشيرة السعادة : الجزء الثاني / صبيحة شبر
- مسرحية حكاية الفلاح عبدالمطيع ممنوع أن تضحك ممنوع أن تبكي / السيد حافظ
- مسرحية حلاوة زمان أو عاشق القاهرة الـحـاكم بأمـــــر اللـه / السيد حافظ
- المسرحية الكوميدية خطفونى ولاد الإيه ؟ / السيد حافظ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - فتحي زيدان جوابرة - خاطرة سردية (ما الوطن؟)