عبد النور إدريس
كاتب
(Abdennour Driss)
الحوار المتمدن-العدد: 8649 - 2026 / 3 / 17 - 00:31
المحور:
الادب والفن
الحبُّ يَهْرُبُ مِنَ الشُّبَّاك
قصة قصيرة
في البداية، كان كل شيء يشبه نوتة موسيقية تضيء في العتمة.
التقيا مصادفة، أو هكذا ظنا.
كان المقهى نصفَ فارغ، والمدينة تتثاءب في مساءٍ ربيعي رقيق.
قالت له وهي تحرك فنجان القهوة:
ـ أتعرف؟ أشعر أننا التقينا من قبل.
ابتسم.
لم يكن يعرف إن كان ذلك صحيحًا، لكنه أحب الفكرة.
هناك أشياء لا تحتاج إلى دليل، يكفي أن تصدقها لتصبحَ حقيقة.
كانت عيناها مفتوحتين على غابةٍ من الأسئلة.
وكان صوته حين يحدثها يشبه ماء هادئا ينسدل بين الأحجار.
تكررت اللقاءات.
صارت المدينةُ أصغر، لأنهما يلتقيان في كل زاويةٍ تقريبا:
عند بائع الكتب القديمة،
في حديقةٍ تنام تحت شجرةِ توت،
أو في الشارع الذي تعبره القطط بوقارٍ فلسفي.
كان الحب ينمو ببطءٍ جميل، مثل شجرة تعرف طريقها نحو الضوء.
كان يقول لها:
ـ سنبني بيتا من الضحك.
فتضحك، وتقول:
ـ ومن الموسيقى أيضًا.
وكانا يصدقان ذلك تمامًا.
ثم تزوجا، ظنا أن الحكاية بدأت أخيرا.
لكن الحكايات أحيانا تنتهي حين نظن أنها بدأت.
البيت الذي حلمَا به صار غرفة مليئة بالأشياء:
فواتير، مواعيد، صمتٍ ثقيلٍ يجلس على الأريكة.
لم يعد الحديث يشبه الماء.
صار يشبه حجارة صغيرة ألقياها في وجه الصباح.
قالت له ذات مساء:
ـ لم تعد كما كنت.
أجاب، وهو يحدِّقُ في هاتفه:
ـ وأنتِ أيضًا.
كان الحوار قصيرا، لكنه ترك جرحا طويلا.
تسلَّلت الصراعات إلى البيت مثل قط جائع.
مرة بسبب المال، مرةً بسبب الوقت، ومراتٍ كثيرة بسبب أشياءٍ لا اسمَ لها.
كانت تقول في سرِّها:
أين اختفى ذلك الرجل الذي كان يصغي إلي كأنني قصيدة؟
وكان يفكّر بصمت:
أين ذهبت تلك المرأة التي كانت تضحك كأن العالم بسيط؟
البيت الذي وعدا ببنائه من الضحك صار بيتا من الأسئلة.
وذات ليلة شتوية، و بعد جدال طويل، جلسا صامتين.
المطر يدق على المشاعر، وأحيانا يطرق الزجاج برفق.
قالت فجأة:
ـ هل تذكر أول مرة التقينا؟
رفع رأسه.
كان السؤال بسيطا، لكنه بدا كشرفة فتحت على زمن بعيد.
قال:
ـ في المقهى.
ابتسمت بحزن:
ـ نعم… كنا نظن أن الحب يكفي.
لم يجب.
في تلك اللحظة، كان هناك شيء غير مرئيٍّ يخرج من الغرفة.
شيء خفيف… يشبه فراشة صغيرة.
ربما كان الحب.
في الصباح، استيقظا على صمت غريب.
البيت بدا أوسع قليلا،
وأبرد قليلا.
كانت النافذة مفتوحة.
قالت وهي تنظرُ إلى الخارج:
ـ يبدو أن الريح دخلت ليلا .
قال بهدوء:
ـ ربما خرجت أيضا.
لم يقولا أكثر.
لكن شيئًا في داخلهما كان يعرف الحقيقة:
الحبّ لم يمت.
الحب فقط…
هرب من الشباك.
#عبد_النور_إدريس (هاشتاغ)
Abdennour_Driss#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟