أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبد النور إدريس - ألا تدري .. أنا سميحة قصة عبد النور إدريس














المزيد.....

ألا تدري .. أنا سميحة قصة عبد النور إدريس


عبد النور إدريس
كاتب

(Abdennour Driss)


الحوار المتمدن-العدد: 8605 - 2026 / 2 / 1 - 10:37
المحور: الادب والفن
    


ألا تدري… أنا سميحة
قصة بقلم: د.عبد النور إدريس
(قصة رمزية طويلة)
1
لم تكن العمارة عالية، لكنها بدت لسميحة أطول مما تتذكر. كأن السنوات التي مرت فوقها تراكمت طبقة فوق طبقة، حتى صار الدخول إليها فعل شجاعة لا مجرد عبور. وقفت لحظة أمام الباب الخارجي، أخرجت مفتاحًا قديمًا من حقيبتها، تأملته ثم أعادته. لم تعد بحاجة إلى مفاتيح. بعض الأماكن لا تُفتح إلا بالذاكرة.
دخلت.
الرائحة نفسها تقريبًا: خليط من رطوبة الجدران وبقايا قهوة قديمة. السلم ضيق، والدرابزين بارد كما كان. هنا كانت تصعد فتاة نحيلة، تحمل دفاتر أكثر مما تحتمل، وتظن أن الكلمات قادرة على تغيير العالم. وهنا كانت تنزل امرأة مرتبكة، تتعلم تدريجيًا أن العالم لا يغيَّر، بل يبدّل أقنعته فقط.
في تلك السنوات الأولى، كان الأستاذ زكي يسكن في الطابق الثالث. لم يكن مجرد جار أو معلم. كان فكرة تمشي على قدمين. رجل يتكلم عن الحرية كما لو كانت امرأة يعرفها شخصيًا، ويكتب عن المقاومة كأنها مسألة ذوق. حوله، تربت سميحة على مفردات كبرى: الوطن، الشرف، القضية، النضال. لم تكن تفهمها تمامًا، لكنها صدقتها.
كانت ترى في عينيه يقينًا يكفيها.
2
طرقت باب شقته كما تُطرق الأبواب في الأحلام: بثقة مصطنعة تخفي خوفًا قديمًا.
جاءها صوته متعبًا: — من الطارق؟
قالت بنبرة خفيفة: — افتح وستعرف.
تردد قليلًا قبل أن يفتح. وحين فعل، احتاج إلى ثوانٍ ليستوعب ما يرى. امرأة في نهاية الخمسينيات، ما زالت ممشوقة، لكنها ترتدي ملابس لا تشبه عمرها ولا تاريخها. بدا له المشهد كصفحة من كتاب لم يكتبه.
— حضرتك مين؟
سألها كما يُسأل الغرباء.
ابتسمت، ولم تُجب فورًا. دخلت دون استئذان، نظرت حولها. الشقة تغيّرت قليلًا، لكنها ما زالت تشبه صاحبها: كتب في كل مكان، صور قديمة، أوراق صفراء، وشعور عام بأن الزمن توقف عند لحظة كان فيها كل شيء ممكنًا.
— أنا سميحة، قالت أخيرًا.
لم يبدُ الاسم مألوفًا له. حاول أن يستدعيه من ذاكرته، فلم يجد سوى فراغ مقلق.
3
جلست دون أن يُطلب منها الجلوس. وضعت حقيبتها جانبًا، كأنها جاءت لتقيم لا لتزور.
— جئت بعد ثلاثين سنة، قالت، لا لأراك، بل لأرى نفسي في عينيك.
ضحك ضحكة قصيرة مرتبكة: — سيدتي، يبدو أنك تخلطين الأمور. أنا كاتب، لا طبيب ولا قاضٍ.
نظرت إليه بحدّة: — وهذا بالضبط ما جئت لأقوله.
سكت قليلًا، ثم أضافت: — حين كنت طفلة، علّمتني أن الاحتلال لا يبدأ بالدبابة، بل باللغة. صدقتك. تعلمت أن الكلمات قد تكون سلاحًا. لكنك لم تقل لي ماذا أفعل حين تتحول الكلمات إلى زينة، وحين يصير الجسد هو ساحة المعركة.
نهض من مكانه، اقترب من النافذة، كأنه يبحث عن مخرج. — أنت تبالغين. الأدب لا يتحمل كل هذا العبء.
— بل أنتم من حمّلتموه، ردت بهدوء. ثم حين ثقل، تركتموه يسقط علينا.
4
تذكرت سميحة تلك الليلة الأولى التي فهمت فيها معنى الهزيمة. لم يكن هناك جنود ولا رصاص. كان هناك رجل، ونظرة، وصمت طويل. بعدها، صارت الأمور أسهل. الهزيمة الأولى تفتح الباب لما بعدها. قالت ذلك للأستاذ زكي وهي تراقب يديه المرتجفتين.
— قلتَ لي يومًا إن الاستسلام الأول أخطر من الهزيمة. أتذكر؟
لم يُجب.
— أنا لم أستسلم مرة واحدة، تابعت. استسلمت بالتدريج. عن الاسم، عن الصوت، عن الغضب. حتى صرت كما ترى: جسدًا بلا سياق.
نظر إليها أخيرًا: — لكنك اخترتِ، أليس كذلك؟ كل إنسان يختار.
ابتسمت بسخرية: — هذا ما تحبون قوله. الاختيار حين يكون كل الطرق مسدودة ليس اختيارًا، بل تكيّف.
5
اقتربت من رف الكتب، سحبت نسخة قديمة من روايته زمن الغياب. قلّبت الصفحات، توقفت عند جملة، قرأتها بصوت عالٍ: — “المرأة التي تعرف طريقها لا تخاف الظلام”.
أغلقت الكتاب وقالت: — كتبتَ هذا وأنا صدقته. مشيت في الظلام طويلًا. لكن الطريق لم يكن موجودًا.
صرخ فجأة: — أنتِ لستِ شخصيتي! أنا لم أكتبك!
نظرت إليه نظرة طويلة، ثم قالت: — الشخصيات التي تكتبها لا تبقى في الكتب. تخرج، تعيش، تتشوّه، ثم تعود لتسألك: لماذا تركتني؟
6
أخبرته عن الدعوى. لم تكن دعوى قانونية بالمعنى التقليدي، بل دعوى رمزية، مرفوعة باسم كل ما لم يُستكمل: الأفكار المبتورة، الأحلام المؤجلة، النساء اللواتي حُملن أكثر مما يحتملن باسم القضايا الكبرى.
— ستصلك، قالت، مع أول خبر عاجل، مع أول مظاهرة صامتة، مع أول امرأة تكتشف أنها تُستعمل رمزًا ثم تُنسى.
اقترب منها، صوته صار أضعف: — وماذا تريدين الآن؟
نهضت، التقطت حقيبتها: — لا شيء. فقط أردت أن تعرف أنك لست بريئًا تمامًا.
7
خرجت، وأغلقت الباب خلفها بهدوء. نزلت السلم ببطء. لم تعد تشعر بالمرارة. كان في داخلها فراغ مختلف، أقل إيلامًا. في الخارج، تنفست هواء المدينة، مدينة لم تعد تعرفها، ولم تعد تنتظر منها شيئًا.
أما الأستاذ زكي، فبقي واقفًا وسط شقته، محاطًا بكتبه. لأول مرة شعر أن شخصياته تنظر إليه. حاول أن يكتب، لكن الكلمات خانته. فتح دفترًا جديدًا، وكتب عنوانًا فقط:
سميحة.
ثم توقف. لم يعرف من أين يبدأ.



#عبد_النور_إدريس (هاشتاغ)       Abdennour_Driss#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- جماليات الخوف واللايقين في قصيدة: أخاف من عينيك للشاعرعبد ال ...
- الصمت الرقمي: تجليات القوة في زمن الإفراط التواصلي
- الكتابة النسائية : تراجيديا اللغة واختلاف الهوية.
- الإشهار والتسويق الافتراضي: نحو تفكيك الخطاب والسلطة في الفض ...
- مابعد الحقيقة في العصر الرقمي
- تحليل فلسفي-نفسي لأخلاقيات خوارزميات TikTok
- الخوارزميات وتشكيل الوعي المعاصر ،تكتوك أنموذجا
- الأدبية الرقمية للغة العربية والتلقي الإلكتروني
- أنثى التيك توك: شهرزاد الرقمية في مصفوفة افتراضية مُشَكِّلة ...
- بَلقيسُ الثّانيةُ… مَنْ يَشْتَري خريطة العرب؟ شعر عبد النور ...
- التكتوكر كومي وعلم نفس-النانو: قراءة نفسية في مصفوفة تكتوك
- التكتوكر و التكنو- فلسفة: قراءة فلسفية في مصفوفة تيك توك
- رواية التكتوكر والتكنو- فلسفة: من وعي المصفوفة إلى الخلود ال ...
- قصة: إنسان -النانو S-Nous والوعي
- السفرُ لكِ وحدكِ ،شعر عبد النور إدريس
- سندريلا التي عبرت المرايا – ال Striptease التكتوكي
- التكتوكر NORI19 و Dataisme ، نحو تأويل فلسفي لمفهوم الفهم
- التكتوكر Gerrard والعوالم الرقمية
- التكتوكر كاتب السر والخوارزميات السعيدة.
- رِوَايَةُ التِّكْتُوكَر للقاص عبد النور إدريس


المزيد.....




- رحيل الفنان المغربي عبد الهادي بلخياط
- -شبكات-.. فشل فيلم ميلانيا ترمب و-لوحة فارغة- تباع بآلاف الد ...
- -سرديات تحت الاحتلال-... افتتاح معرض -رام الله آرت فير- بمشا ...
- أشهر خمسة انتهازيين في السينما العالمية
- فيندرز رئيسا للجنة التحكيم: هل يطلق مهرجان برلين النار على - ...
- رحيل عبد العزيز السريّع أحد رواد المسرح الكويتي
- تطورات قضية مقتل الفنانة هدى الشعراوي.. اعترافات الخادمة بار ...
- تذكرة واحدة بلندن.. فشل فيلم ميلانيا ترمب يثير سخرية المنصات ...
- إيران تحتفي بالمسرح في مهرجان فجر بعروض وطنية واجتماعية
- كيت بلانشيت في صندوق أفلام النزوح و-شكوى- مصرية في مهرجان رو ...


المزيد.....

- ذاكرة لا تصافح أحداً. حكايات وذكريات الكاتب السيد حافظ الجزء ... / ياسر جابر الجمَّال
- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي
- خرائط العراقيين الغريبة / ملهم الملائكة
- مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية ... / عبدالرؤوف بطيخ
- يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال ... / السيد حافظ
- ركن هادئ للبنفسج / د. خالد زغريت
- حــوار السيد حافظ مع الذكاء الاصطناعي. الجزء الثاني / السيد حافظ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبد النور إدريس - ألا تدري .. أنا سميحة قصة عبد النور إدريس