أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبد النور إدريس - العصافير تختبئ لتموت















المزيد.....

العصافير تختبئ لتموت


عبد النور إدريس
كاتب

(Abdennour Driss)


الحوار المتمدن-العدد: 8645 - 2026 / 3 / 13 - 08:37
المحور: الادب والفن
    


تأمّلات فلسفية في موت المعنى وقلق الشعر العربي المعاصر.

ثمّة لحظة خفيّة في اقتصاد الطبيعة؛ لحظة تكاد تكون غير مرئية في نظام الوجود. العصافير، حين تشعر بأن زمنها الحيوي بلغ تخوم نهايته، لا تموت علنا. إنّها تختار الانسحاب حيث يحدث الموت بصمت كامل، كما لو أنّ الطبيعة تمارس نوعاً من الإخفاء الأنطولوجي للنهاية.
هذه الصورة ليست مجرد استعارة بيولوجية ، إنها نموذج إسقاطي يمكن من خلاله التفكير في وضع الشعر العربي المعاصر.
فالشعر لم يمت، كما قد يبدو ظاهريا، لكنه دخل في حالة من السبات الرمزي. لقد انسحب من مركز المخيال الثقافي العربي، ذلك المركز الذي شغله طويلاً حين كانت القصيدة خطاباً يعلن الوجود في تجلياته وذاكرةً للقبيلة وصوتاً للذاكرة الجماعية.
ما حدث في الحقيقة ليس تراجعاً بسيطاً في حضور الشعر، بل تحولا عميقا في بنية العلاقة بين اللغة والواقع، وفي موقع الكاتب داخل مركزية نظام الخطاب.
فالكتابة، كما نعلم، ليست مجرد تقنية لغوية، وليست مجرد اختيار أسلوبي. إنها، في جوهرها، موقف تاريخي من اللغة. إنها شكل من أشكال الوعي الذي يتخذ من الكلمات مجالاً للتفاوض مع العالم.
الكاتب لا يكتب من فراغ. إنه يكتب داخل تاريخ اللغة، داخل طبقاتها الرمزية ولقيتها الدالة، داخل ما يمكن تسميته بأخلقة الكتابة. وكل نص هو، في العمق، اختيار داخل شبكة من الإكراهات الثقافية والاجتماعية التي تشكل شروط إمكان القول.
إذا انطلقنا من هذا الأفق النظري، فإن الشعر العربي المعاصر يمكن فهمه بوصفه بحثاً دائماً عن درجة الصفر الخاصة به، تلك اللحظة التي تحاول فيها اللغة أن تتحرر من البلاغة المتراكمة عبر التاريخ.
لقد وُلد الشعر العربي الحديث في قلب هذا التوتر. كان عليه أن ينجز قطيعة مع نظام بلاغي استمر قروناً، دون أن يفقد في الوقت نفسه ذاكرته الجمالية. ومن هنا ظهرت القصيدة الحديثة بوصفها فضاءً للتجريب: تجريب في الإيقاع، وتجريب في الصورة، وتجريب في العلاقة بين الكلمة والمعنى.
غير أن هذا التحرر لم يكن ممكناً دون ثمن.
فالشاعر العربي المعاصر وجد نفسه في وضعية مزدوجة:
من جهة، عليه أن يتحرر من ثقل البلاغة الموروثة، ومن جهة أخرى، عليه أن يواجه عالماً حديثاً أصبحت فيه اللغة نفسها موضع ريبة.
نحن نعيش زمناً لم تعد فيه الكلمات بريئة. لقد دخلت اللغة في اقتصاد السلطة والإعلام والدعاية، حتى صار المعنى نفسه هشّاً، قابلًا للتآكل والتلاشي والإندثار.
من هنا، فإن الشعر المعاصر لا يُكتب من داخل يقين لغوي، بل من داخل أزمة اللغة ذاتها.
وبذلك يمكن القول إن الفضيلة الأولى للشعر المعاصر هي الشك.
ليس الشك في العالم فحسب، بل الشك في اللغة التي تدّعي تمثيل العالم. فالكلمات لم تعد لها شفافية المعجم ، إنها ملوثة وكثيفة بالتاريخ، مثقلة بآثار الاستعمالات السابقة.
لذلك لم تعد القصيدة الحديثة خطاباً مكتفياً بذاته، بل صارت منطقة توتر بين ما يمكن للشاعر قوله وما يستحيل عليه التصريح به. إنها محاولة دائمة للاقتراب من تلك اللحظة التي تحلم فيها الكتابة بأن تبلغ درجة من الحياد، أن تصبح خفيفة من أعباء البلاغة، قريبة من الصمت.
إلا أنه كلما اقترب من هذه الدرجة الصفرية، اكتشف استحالة الوصول إليها.
فاللغة، بحكم طبيعتها، لا تسمح بالحياد المطلق. الكلمات تحمل ذاكرة استعمالها، وإيقاعاتها القديمة، والظلال الثقافية التي تسكنها. لذلك فإن كل محاولة غسل اللغة وإعادة وضعها في درجة الصفر تنتهي دائماً بإعادة اكتشاف تاريخها.
وهنا تبدأ المغامرة الحقيقية للشعر.
فالشاعر المعاصر لا يبحث عن لغة جديدة فحسب، بل يبحث عن طريقة جديدة للتواجد داخل اللغة. القصيدة لم تعد وصفاً للعالم، بل تجربة معرفية تحاول أن تفهم العلاقة المعقدة بين الذات والكلمات، بين الحلم والواقع، بين الصمت والصوت.
في هذا السياق يمكن قراءة تجربتي الشعرية بوصفها إحدى التجارب التي تتعامل مع القصيدة باعتبارها جهازاً للتفكير الشعري.
فالنص عندي لا يقوم على الزخرفة البلاغية، بل على توتر دلالي يجعل اللغة دائما في حالة انعتاق من ترسباتها . فالصور الشعرية عندي تتحرك داخل النصوص مثل إشارات في متاهة رمزية: المدن، الضوء، المطر، الغربة، الجسد… كلها تتحول إلى علامات داخل نظام شعري يسعى إلى استكشاف هشاشة الوجود المعاصر.
إن القصيدة اليوم لا تقدم معنى نهائياً، بل تبني فضاءً دلالياً مفتوحاً يظل المعنى فيه في حالة تشكّل مستمر.
وهذا ما يجعل القصيدة الحديثة قريبة من تصور النص بوصفه فضاءً للعب الدلالي. فالمعنى لم يعد شيئاً ثابتاً داخل الكلمات، بل حدثاً يتولد أثناء القراءة. القارئ لم يعد مكتشفاً للمعنى، بل شريكاً في إنتاجه ومتورطا في تمثله.
غير أن هذه الحرية التأويلية لم تأت بلا ثمن.
فالشعر المعاصر يعيش أيضاً داخل سلسلة من الأزمات العميقة:
أولها عزلة القصيدة داخل مجتمع السرعة الرقمية، حيث تتحول اللغة إلى مادة للاستهلاك الفوري.
وثانيها أزمة التلقي، إذ لم يعد القارئ التقليدي للشعر حاضراً كما كان في الأزمنة السابقة.
وثالثها تضخم النصوص في الفضاء الإلكتروني، حيث تتكاثر القصائد إلى درجة قد يفقد معها الشعر ندرته الرمزية.
لكن رغم كل هذه التحولات، يحتفظ الشعر بميزة لا تزال فريدة.
إنه المجال الأخير الذي تستطيع فيه اللغة أن تفكر في نفسها.
فالشعر لا ينافس الرواية ولا السينما ولا وسائل الإعلام؛ وظيفته مختلفة. إنه يحفر في الطبقة العميقة للكلمات، في تلك المنطقة الغامضة حيث يلتقي الفكر بالإيقاع، والمعنى بالصمت.
من هنا تبدو صورة العصافير التي تختبئ لتموت استعارة دقيقة لوضع الشعر اليوم.
ليس لأن الشعر يحتضر، بل لأنه ينسحب أحياناً من الضجيج العام ليعيد اكتشاف شروط وجوده.
فالقصيدة ليست حدثاً اجتماعياً صاخباً، بل تجربة دقيقة بين الإنسان واللغة؛ لحظة يصغي فيها الصوت البشري إلى ما تقوله الكلمات عندما تبلغ حدودها القصوى.
وهكذا يستمر الشعر أثرا، لا بوصفه سلطة ثقافية كما كان في الماضي، بل بوصفه مختبراً هادئاً للمعنى.
قد تختبئ العصافير لتواجه موتها بعيداً عن العيون،
لكن الشعر، في اختبائه ، إنما يعيد اختراع حياته وتحديث مراجعه.



#عبد_النور_إدريس (هاشتاغ)       Abdennour_Driss#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من موت المؤلف إلى موت المتلقي: الذكاء الاصطناعي، وانهيار الم ...
- بلاغة التشيؤ وانمحاء الاسم: مقاربة بنيوية سيميائية تفكيكية ج ...
- الجسد بوصفه كتابةً: تفكيك البنية والدلالة والجندر في “رعشة ا ...
- ألا تدري .. أنا سميحة قصة عبد النور إدريس
- جماليات الخوف واللايقين في قصيدة: أخاف من عينيك للشاعرعبد ال ...
- الصمت الرقمي: تجليات القوة في زمن الإفراط التواصلي
- الكتابة النسائية : تراجيديا اللغة واختلاف الهوية.
- الإشهار والتسويق الافتراضي: نحو تفكيك الخطاب والسلطة في الفض ...
- مابعد الحقيقة في العصر الرقمي
- تحليل فلسفي-نفسي لأخلاقيات خوارزميات TikTok
- الخوارزميات وتشكيل الوعي المعاصر ،تكتوك أنموذجا
- الأدبية الرقمية للغة العربية والتلقي الإلكتروني
- أنثى التيك توك: شهرزاد الرقمية في مصفوفة افتراضية مُشَكِّلة ...
- بَلقيسُ الثّانيةُ… مَنْ يَشْتَري خريطة العرب؟ شعر عبد النور ...
- التكتوكر كومي وعلم نفس-النانو: قراءة نفسية في مصفوفة تكتوك
- التكتوكر و التكنو- فلسفة: قراءة فلسفية في مصفوفة تيك توك
- رواية التكتوكر والتكنو- فلسفة: من وعي المصفوفة إلى الخلود ال ...
- قصة: إنسان -النانو S-Nous والوعي
- السفرُ لكِ وحدكِ ،شعر عبد النور إدريس
- سندريلا التي عبرت المرايا – ال Striptease التكتوكي


المزيد.....




- قوافي الصمود: صالونات غزة الثقافية تنبعث من تحت الركام لمواج ...
- لماذا عاد شعراء غزة للكتابة عن الحرب والجوع؟ السر في الخيام ...
- تشديد الإجراءات الأمنية في حفل توزيع جوائز الأوسكار بعد مزاع ...
- 24 رمضان: 3 أساطير عربية رحلت وسلاح نفط غيّر العالم
- -شهود عيان من غزة- على مسرح لندني: حكايات الألم التي عبرت ال ...
- سرير من رماد
- اسمي حسن... أعاد الدراما العراقية إلى نصابه
- تلاوة القرآن في ماليزيا.. نهضة تعليمية تواجه إشكالية التقليد ...
- لندن تحتفي بيوم المرأة العالمي: أصوات من إيران وموزمبيق والد ...
- ثلاثة أفلام فلسطينية في القائمة المختصرة للأوسكار: هل انكسر ...


المزيد.....

- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبد النور إدريس - العصافير تختبئ لتموت