أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعيد نوح - مقال الناقد أحمد عبد الحواد عن-الصنف: حكاية الملاك والصبية-















المزيد.....

مقال الناقد أحمد عبد الحواد عن-الصنف: حكاية الملاك والصبية-


سعيد نوح

الحوار المتمدن-العدد: 8647 - 2026 / 3 / 15 - 00:14
المحور: الادب والفن
    


حين تتكلم الأخلاق بلسان المقدّس
ماذا يقول الخطاب عند سعيد نوح

أحمد عبد الجواد

"الصنف" أول ما يفاجؤك في المجموعة هو عنوانها الذي يصيبك بصدمة لغوية تشي بأن هناك حديث ماتع عن كلمة لها عدة دلالات، "الصنف" في المدلول اللغوي المعجمي تحيلك إلى "النوع" في مفهومه العام، لكن أي نوع يتحدث عنه سعيد نوح في مجموعته القصصية، هذا ليس سؤال المجموعة، هذا سؤال ينبع من خبرة القارئ اللغوية عندما يجد اسم المجموعة أمامه، لكن الإجابة لن تكون في المعجم، الإجابة تجدها في القاموس الشعبي الذي يطلق كلمة الصنف ب(ال) العهدية على النوع الجيد من المخدرات الذي عهده في مخيلته وفي حياته الأكثر صخبًا.
الصنف إحالة إلى غياب العقل والهروب من الحياة والبعد عن المشاكل عن طريق المخدرات، الصنف هو المخدرات التي تذهب بالعقل لأنه لم يعد يستطيع التحمل، وهذه أول إشارة في المجموعة.
أما الإشارة الثانية والتي تعتبر مدخلًا مهمًا فيها فهي طريقة الدخول إلى مجموعة "الصنف" فلن تستطيع أن تدخل لها كما تدخل إلى كتاب قصصي تقليدي، لأنها تظهر منذ عتبتها الأولى بوصفها نصًا لا يكتفي بتمثيل العالم، بل يعيد مساءلة اللغة التي يُمثَّل بها هذا العالم.
فالقارئ لا يدخل إلى قصص تُروى عن أفعال مكتملة، وإنما إلى منظومة قول تتشكّل داخلها الأفعال، وتُمنح عبرها شرعيتها الأخلاقية، من هنا لا يكون السؤال المركزي: ماذا يحدث في هذه القصص؟ وإنما: كيف تُبنى الأخلاق لغويًا داخل هذا العالم السردي؟ وبأي مفردات يُدار التمييز بين المقبول والمرفوض، بين الإنساني والمدنّس، بين المقدّس والعادي؟
والإشارة الثالثة هي السرد، ينطلق السرد في "الصنف" من موضع غير مألوف، موضع ما بعد الموت، هذا الاختيار لا يؤدي وظيفة غرائبية فحسب، بل يضطلع بدور خطابي محدّد؛ إذ يسمح للراوي بأن ينظر إلى اللغة الأخلاقية من خارج زمن الفعل، ومن خارج شروط التبرير الاجتماعي.
الموت هنا لا يُستثمر بوصفه نهاية وجودية، وإنما بوصفه موقع مراقبة، ومن هذا الموقع تبدو المفردات التي كانت فاعلة في الحياة ـ الدعاء، الزيارة، الشفقة ـ خفيفة الوزن، محدودة الأثر، محمّلة بوظيفة طقسية أكثر من كونها ممارسة أخلاقية يقول الراوي:
"لن أعيش دنياي الأخرى وسط أغراب.. لن أضيّع دنياي الأخرى وحيدًا"
في هذا القول تتكثف رؤية الكتاب: الغربة لا تنشأ من غياب الناس، بل من انفصال اللغة الأخلاقية عن معناها العلاقي، العالم الذي يُخشى العيش فيه بعد الموت هو امتداد للعالم الذي عاشه الراوي قبل الموت، عالم كثيف الكلام، ضامر الفعل.
أما الإشارة الرابعة فهي منظومة الأخلاق، تُبنى الأخلاق في هذه المجموعة بوصفها خطابًا متداولًا؛ فالمفردات الدينية حاضرة بكثافة، غير أن حضورها لا ينتج يقينًا ولا يعيد ترتيب القيم، الدعاء لا يغيّر مسار الألم، والزيارة لا تخفف وطأة الفقد، والشفقة لا تؤسس علاقة متكافئة، تتحول هذه المفردات إلى علامات اجتماعية تؤدي وظيفة التبرئة الرمزية للمتكلم. من هنا لا تُقرأ الأخلاق في "الصنف" بوصفها منظومة غائبة، بل بوصفها منظومة مستهلكة. الاستهلاك في المجموعة له محك لغوي بالأساس؛ إذ يُعاد تدوير المفردات نفسها في مواقف مختلفة من دون أن تترك أثرًا فعليًا في بنية العلاقات.
في هذا السياق يحتل المقدّس موقعًا إشكاليًا؛ فالملائكة، والشمس، والمعجزة، والاعتراف، لا تظهر بوصفها مصادر يقين أو خلاص، وإنما بوصفها عناصر تدخل في شبكة الخطاب نفسها. المقدّس لا يُقصى من النص، ولا يُقدَّم باعتباره نقيضًا للمدنّس، وإنما يُعاد إدخاله داخل البنية السردية بوصفه لغة قابلة للتوظيف وتتجلى هذه الاستراتيجية بوضوح في مشهد الاعتراف المتكرر:
"نعم، أنا القاتل"
الجملة في حد ذاتها بسيطة التركيب، غير أن دلالتها الخطابية معقّدة؛ فالفاعل لا يستقر على فعله، والذنب لا يُحسم، والمسؤولية لا تُردّ إلى ذات واحدة.. الاعتراف هنا لا يؤدي وظيفة التطهير، وإنما ينتج حالة من تسييل الذنب، عندما تقرأ المجموعة ستجد أن الذنب يتحول إلى وضع لغوي مشترك، ويتراجع الفعل الفردي لصالح توزيع رمزي للمسؤولية، وبهذا المعنى يُعاد تشكيل لغة الاعتراف بحيث تفقد قدرتها على إنتاج أثر أخلاقي مباشر.
أمام هذا التسييل اللغوي يبرز الجسد بوصفه الحامل الأكثر كثافة للأثر؛ فالجسد في "الصنف" لا يُقدَّم بوصفه رمزًا ولا استعارة، وإنما بوصفه مستودعًا لتراكم الخطاب الاجتماعي، ستجد الجسد المحروق، الجسد المبتور، الجسد المريض، كلها أجساد تحمل نتائج الكلام الذي قيل عنها، لا نتائج أفعالها فقط يقول الراوي:
"أكلتُ ما لا يقل عن خمسمائة وجه.. عُدتُ للحياة ببطنٍ مملوءٍ بالوجوه"
والمتأمل لهذه الصورة سيجد أنها لا تعمل على مستوى البلاغة التصويرية الصادمة فحسب، بل تؤدي وظيفة تحليلية، إن الوجوه التي تُؤكل ليست وجوه موتى، وإنما وجوه أحياء بنظراتهم وأحكامهم وطقوس تعاطفهم، الجسد يصبح المكان الذي تُختزن فيه آثار اللغة، فقط حين تعجز اللغة عن تحمّل مسؤولية آثارها، وبهذا لا يعود الجسد ضحية صامتة، الجسد يصبح وثيقة اتهام ضد نظام قولي يواصل إنتاج نفسه من دون مساءلة.
الإشارة الخامسة هي المكان، تقدّم قصة الرجل المبتور القدم نموذجًا دالًا على هذه الرؤية؛ فالشخصية لا تُصاغ ضمن خطاب الشفقة، ولا تُستثمر عاطفيًا، والحياة اليومية تُعرض بتفاصيلها الدقيقة: ترتيب المكان، إطعام القطط، تنظيم الوقت، ذلك الصمت الذي يحيط بهذه الممارسة لا يدل على العجز، لكن يدل على انسحاب واعٍ من اقتصاد الخطاب يقول السارد:
"القبو هو فانوس من الإسمنت"
المكان في المجموعة كما الجسد يتحول إلى فضاء أخلاقي مكتفٍ بذاته، لا خطاب يعلّق على حدث، ولا لغة تبرّر ما يحدث، بهذا يقترح النص شكلًا آخر للأخلاق، أخلاق الممارسة اليومية غير المُعلنة، لذا نجد أن نوح لا يدين الفقر أو الإعاقة، وإنما يوجّه نظر القارئ إلى اللغة التي تحوّل الألم إلى مادة تداول رمزي.
والإشارة السادسة هي المقدس والمدنس؛ فهذا التفكيك السابق يتعمق حين يندمج المقدّس والمدنّس داخل الجملة السردية الواحدة. السيجارة، الجسد، الشهوة، العنف، تتجاور مع مفردات قريبة من الطقس أو الاعتراف. هذا التداخل لا يُقصد به كسر المحرّم، وإنما كشف آلية ثقافية شائعة: تطبيع القسوة عبر لغة الطهارة، ففي قصة "سيجارة مشتعلة وذراع مقتول لجمل" لا يُمنح القارئ موقعًا مريحًا للإدانة؛ لأن اللغة نفسها فقدت قدرتها على الفصل بين الفعل وتوصيفه. الفعل يُروى داخل منظمة منحلة أخلاقيًا، ويُترك في الوقت ذاته من دون تعليق أخلاقي صريح، ما يدفع القارئ إلى إدراك أن غياب الإدانة ليس نقصًا سرديًا، بل نتيجة طبيعية لانهيار وظيفة اللغة الأخلاقية.
يتكثف هذا المعنى في الجملة القصيرة:
"عندما تريد أن تكون أعمى، فأنت أعمى بالفعل"
العمى هنا ليس حالة حسية، وإنما خطاب الحكمة التي تتجلى في حكمة الأجداد الشعبية، والتي تساءل من أراد العمى –بمعنى فقدان البصيرة- العمى الذي يدعم اختيار التوقف عن الرؤية، والاكتفاء بلغة جاهزة، والانسحاب من مساءلة الذات، وحين يشتبك القارئ مع هذا المفهوم يتحول بنفسه إلى طرف في المعادلة؛ إذ يُدعى إلى مراجعة موقعه داخل شبكة النظر والحكم والتعاطف.
ومن مجمل الإشارات السابقة يمكن استخلاص مجموعة من النتائج:
1- الأخلاق تُقدَّم بوصفها نظام قول، لا منظومة قيم مجردة.
2- المقدّس يُعاد إدخاله في الخطاب باعتباره لغة متداولة، لا مرجعية سيادية.
3- الجسد يحمل أثر اللغة حين تتبرأ اللغة من نتائجها.
4- الصمت قد يشكّل ممارسة أخلاقية بديلة عن الخطاب المستهلك.
5- القارئ مدعو إلى إدراك موقعه داخل اقتصاد الشفقة والحكم.
بهذه النتائج تتحول المجموعة إلى فضاء اختبار للغة القارئ نفسه، فالنص لا يقدّم خلاصًا ولا يقترح بديلًا جاهزًا، وإنما يهيّئ القارئ لقراءة أكثر وعيًا، قراءة تشكّك في المفردات التي تبدو مألوفة، وفي الطقوس التي تمنح شعورًا زائفًا بالبراءة.
هذا هو الجسر الذي تصنعه القراءة الخطابية: جسر لا ينقل المتلقي إلى يقين جديد، بل إلى وعي أشدّ تعقيدًا، ويدفعه إلى مواجهة سؤال مؤجَّل: ما الذي تقوله اللغة حين تتكلم عن الأخلاق، ومن يدفع ثمن هذا الكلام؟
أحمد عبد الجواد



#سعيد_نوح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- رواية- روعة الحب- مقال الناقد الجزائري إبراهيم المليكي
- السيرة قبل الأخيرة للبيوت
- لا شيئ يأتي من الذاكرة، فلا ذاكرة هناك..قراءة في لمح البصر ل ...
- أسئلة كثيرة وما من إجابات في رواية -حكايات صغيرة للشيطان- د. ...
- حكايات صغيرة للشيطان
- خيوط الزمن التي صاغت عالم بيتر بروك الجمالي
- قراءة في -الكاتب والمهرج والملاك الذي هناك -.. الروائي المصر ...
- فصل من رواية الكاتب والمهرج والملاك الذي هناك ..سعيد نوح
- شهادة روائية لسعيد نوح ..روائي مصري
- إشكالية الدين والسياسة في تونس
- غياب العقل النقدي والتمسك بالنقل والمتن على حساب النص من أهم ...
- خدني المظاهرة يا حبيبي معاك / شهادة أدبية
- سعيد نوح رئيس لمصر .. كتب عليك يا ابن نوح أنك مخلوع مخلوع
- علاقة اللغة والمجاز ورؤية الإنسان للكون في كتاب المجاز واللغ ...
- الفصل الأول من رواية ملاك الفرصة الأخيرة
- الفصل الثاني من رواية ثلاثية الشماس
- قصة قصيرة:الشيخ قاسم
- قصة :عريف أول
- قصة :في انتظار اللقاء الثاني
- قصة: ثلاثية الشماس


المزيد.....




- مايلز كاتون يتحدث لشبكة CNN عن كواليس دوره في فيلم -Sinners- ...
- صناع أفلام إيرانيون يتوجهون إلى حفل الأوسكار بينما تعصف الحر ...
- ???????مرفأ البحرين واحتمالات المضيق
- سطوع سريع وأدب لا يدوم: إشكالية النجومية الوهمية في زمن الكت ...
- حكم بحبس الممثل المصري محمود حجازي بتهمة -الاعتداء على زوجته ...
- الجزائر بين ذاكرة الانفتاح وتحديات الراهن: دعوة لاستعادة دور ...
- مارلين مونرو تعود إلى لندن عبر جناح خاص في معرض الكتاب الدول ...
- رؤية جديدة لبناء الصحفي الاقتصادي في زمن البيانات
- بسبب جنسيته الفلسطينية.. بطل فيلم -صوت هند رجب- يُمنع من حضو ...
- رمضان في سريلانكا.. تقاليد دافئة لأقلية تعيش روح الجماعة


المزيد.....

- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعيد نوح - مقال الناقد أحمد عبد الحواد عن-الصنف: حكاية الملاك والصبية-