أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - فؤاد أحمد عايش - الوقت: الثروة التي لا يمكن استعادتها














المزيد.....

الوقت: الثروة التي لا يمكن استعادتها


فؤاد أحمد عايش
كاتب وروائي _ ناشط أكاديمي في الشؤون الثقافية والقانونية الدولية.

(Fouad Ahmed Ayesh)


الحوار المتمدن-العدد: 8644 - 2026 / 3 / 12 - 00:11
المحور: قضايا ثقافية
    


في حياة الإنسان موارد كثيرة يمكن أن تضيع ثم تُعوَّض لاحقًا. يمكن للإنسان أن يخسر مالًا ثم يعوضه بعمل جديد، ويمكنه أن يخسر وظيفة ثم يجد وظيفة أخرى، وقد يخسر فرصة ثم تعوضها فرص أخرى في المستقبل. لكن هناك موردًا واحدًا في حياة الإنسان لا يمكن تعويضه مهما حدث، وهو الوقت.

الوقت هو الثروة الحقيقية التي يمتلكها الإنسان منذ لحظة ولادته وحتى نهاية حياته. ومع ذلك، فإن المفارقة العجيبة في حياة البشر هي أن كثيرًا منهم يتعامل مع هذه الثروة الثمينة وكأنها شيء عادي يمكن إهداره بلا حساب.

كل يوم في حياة الإنسان يتكون من أربعٍ وعشرين ساعة فقط، لا تزيد ولا تنقص. هذه القاعدة تنطبق على الجميع دون استثناء: على الفقير والغني، وعلى العالم والجاهل، وعلى الإنسان العادي والإنسان العظيم. ومع ذلك، فإن الفرق بين الناس لا يكمن في عدد الساعات التي يملكونها، بل في الطريقة التي يستخدمون بها هذه الساعات.

هناك أشخاص يعيشون سنوات طويلة دون أن يحققوا شيئًا يذكر، بينما ينجح آخرون في تحقيق إنجازات كبيرة خلال فترة زمنية قصيرة نسبيًا. والسبب في ذلك لا يعود دائمًا إلى الذكاء أو الحظ، بل في كثير من الأحيان يعود إلى طريقة إدارة الوقت.

إدارة الوقت ليست مجرد تنظيم جدول يومي أو تحديد مواعيد للعمل والراحة، بل هي في جوهرها فلسفة حياة. إنها تعني أن يدرك الإنسان أن كل ساعة تمر من حياته هي جزء من عمره الذي لن يعود مرة أخرى. ولذلك يصبح السؤال الحقيقي ليس: "كم من الوقت لدي؟" بل: "كيف أستخدم الوقت الذي أملكه؟"

في العصر الحديث، أصبحت إدارة الوقت أكثر صعوبة من أي وقت مضى. فالعالم اليوم مليء بالمشتتات التي تستهلك وقت الإنسان دون أن يشعر. وسائل التواصل الاجتماعي، والأخبار المتدفقة باستمرار، والتطبيقات الرقمية التي تجذب الانتباه لساعات طويلة — كلها عوامل تجعل الإنسان يقضي جزءًا كبيرًا من يومه في أنشطة لا تضيف قيمة حقيقية إلى حياته.

وهنا تظهر أهمية الوعي. فالإنسان الذي يدرك قيمة الوقت يبدأ تدريجيًا في إعادة ترتيب أولوياته. يبدأ في طرح أسئلة بسيطة لكنها عميقة: ما الأمور التي تستحق أن أخصص لها وقتي؟ وما الأشياء التي تستهلك وقتي دون فائدة حقيقية؟

من خلال هذه الأسئلة يبدأ الإنسان في بناء علاقة جديدة مع الزمن. فبدلاً من أن يكون الوقت شيئًا يمر بشكل عشوائي، يصبح موردًا يحتاج إلى إدارة واعية.

أحد أهم المبادئ في إدارة الوقت هو تحديد الأولويات. فليس كل ما يطلب انتباهنا يستحق نفس القدر من الوقت والجهد. هناك أعمال صغيرة قد تبدو عاجلة لكنها ليست مهمة، وهناك أعمال أخرى قد تبدو غير مستعجلة لكنها في الحقيقة أكثر تأثيرًا على مستقبل الإنسان.

الأشخاص الذين يحققون إنجازات كبيرة في حياتهم غالبًا ما يمتلكون قدرة واضحة على التمييز بين المهم وغير المهم. فهم يخصصون الجزء الأكبر من وقتهم للأعمال التي تقودهم نحو أهدافهم الطويلة المدى، بدلاً من أن ينشغلوا فقط بالأمور اليومية الصغيرة.

كما أن إدارة الوقت تتطلب قدرة على الانضباط الذاتي. فالكثير من الناس يعرفون ما ينبغي عليهم فعله، لكنهم يجدون صعوبة في الالتزام به. السبب في ذلك يعود إلى طبيعة النفس البشرية التي تميل غالبًا إلى اختيار الطريق الأسهل والأكثر راحة.

لكن الإنجاز الحقيقي يتطلب أحيانًا أن يفعل الإنسان ما هو ضروري حتى لو لم يكن ممتعًا في تلك اللحظة. فالطالب الذي يخصص وقتًا يوميًا للدراسة قد يشعر بالتعب أو الملل أحيانًا، لكن هذا الاستثمار في الوقت يتحول مع مرور السنوات إلى معرفة وخبرة تفتح أمامه أبوابًا كثيرة.

الوقت أيضًا مرتبط ارتباطًا وثيقًا بفكرة الحياة ذات المعنى. فحين ينظر الإنسان إلى سنوات عمره بعد فترة طويلة، فإنه لا يتذكر التفاصيل الصغيرة التي ملأت أيامه، بل يتذكر الأشياء التي كانت ذات قيمة حقيقية: الأعمال التي أنجزها، العلاقات التي بناها، والتجارب التي غيّرت نظرته إلى العالم.

لذلك فإن إدارة الوقت ليست مجرد وسيلة لزيادة الإنتاجية، بل هي وسيلة لبناء حياة أكثر معنى وعمقًا. فكل قرار يتخذه الإنسان حول كيفية استخدام وقته هو في الحقيقة قرار حول شكل حياته نفسها.

كما أن احترام الوقت ينعكس أيضًا على احترام وقت الآخرين. فالمجتمعات التي تقدر الوقت غالبًا ما تكون أكثر تنظيمًا وأكثر قدرة على تحقيق التقدم. عندما يلتزم الناس بالمواعيد، ويؤدون أعمالهم في الوقت المحدد، تصبح الحياة العامة أكثر كفاءة وانسجامًا.

وفي النهاية، يمكن القول إن الوقت هو المورد الوحيد الذي يتناقص باستمرار دون أن نشعر بذلك بشكل مباشر. كل يوم يمر يأخذ معه جزءًا من عمر الإنسان، سواء استُخدم هذا اليوم في عمل مفيد أو في نشاط بلا قيمة.

ولهذا فإن الحكمة الحقيقية لا تكمن في محاولة إيقاف الزمن — فهذا أمر مستحيل — بل في تعلم كيفية العيش داخل الزمن بطريقة واعية. أن يستخدم الإنسان وقته في بناء نفسه، وتطوير قدراته، وتحقيق أهدافه، وترك أثر إيجابي في العالم من حوله.

فالوقت الذي يُستثمر في المعرفة، والعمل، والتجربة، لا يضيع أبدًا. إنه يتحول مع مرور السنوات إلى خبرة، وإلى شخصية ناضجة، وإلى حياة مليئة بالمعنى.



#فؤاد_أحمد_عايش (هاشتاغ)       Fouad_Ahmed_Ayesh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الجسر الثقافي العالمي
- روسيا بعيون عربية
- رؤية مستقبلية للدبلوماسية العربية
- الإنسانية المشتركة ليست شعارًا أخلاقيًا، بل ضرورة حضارية في ...
- رواية أطلانتس 2026
- الثقافة والحضارة العربية: بين الجذور العميقة والآفاق العالمي ...
- القانون كثقافة وحضارة: كيف تعلّمت فهم روسيا من قاعات الدراسة ...
- روسيا: حين تتحوّل الجغرافيا إلى روح
- القانون كثقافة: كيف تعلّمت فهم روسيا من قاعات الدراسة لا من ...
- الدبلوماسية الروسية من أجل السلام
- أنطون تشيخوف: سيد المسرح الروسي والروح الإنسانية
- ليف تولستوي: عبقري الرواية الروسية وصوت الإنسانية
- قلعة بطرس وبولس _ سانت بطرسبرغ
- فيودور دوستويفسكي: حين يتحوّل الأدب إلى محكمة للروح الإنساني ...
- تجربتي في دراسة القانون الروسي
- بحيرة بايكال: حين تتجلّى روح روسيا في الماء
- صناعة السلام الثقافي كأداة لحفظ الذاكرة التاريخية
- مبادرة مُمكّن للغة العربية
- الدبلوماسية الثقافية العربية في القرن الحادي والعشرين
- ألكسندر سيرغييفيتش بوشكين


المزيد.....




- وزير أمريكي: قواتنا البحرية غير قادرة على مرافقة السفن عبر م ...
- بيروت تتعرض لقصف إسرائيلي عنيف.. شاهد ما رصدته مراسلة CNN
- مجتبى خامنئي يوجه رسالته الأولى كمرشد أعلى لإيران دون الظهور ...
- إسرائيل تعلن استهداف موقعًا نوويًا في طهران.. وهجمات صاروخية ...
- الجيش الإسرائيلي: استهداف موقع تطوير سلاح نووي في إيران
- بعد ارتفاع أسعار الوقود.. مواطن في بريطانيا يستبدل سيارته بح ...
- الانتخابات البلدية الفرنسية: مرسيليا تختبر مستقبل التعايش مع ...
- ما هي أنظمة اعتراض المُسيّرات الإيرانية التي تملكها أوكرانيا ...
- البحرين: حريق ضخم في خزانات وقود إثر تعرضها لهجوم إيراني
- قصة توقف الحياة بمستشفى غاندي في طهران


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - فؤاد أحمد عايش - الوقت: الثروة التي لا يمكن استعادتها