أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ريتا عودة - الشّاعرة الايرانيّة فروغ فرخزاد















المزيد.....


الشّاعرة الايرانيّة فروغ فرخزاد


ريتا عودة

الحوار المتمدن-العدد: 8637 - 2026 / 3 / 5 - 17:09
المحور: الادب والفن
    


فروغ فرخزاد Forough Farrokhzad || شاعرة ايرانيّة تعدّ رائدة الحداثة الإيرانيّة ورمزًا للتّحرر الشِّعري والنِّسوي في الشّرق.

_1_
____ السَّجينة

​أنتَ من أريد، ومع ذلك أعرفُ لماذا
لن أستطيع أبدًا ضمّكَ إلى صدري كما أشتهي،
لأنكَ أنتَ السّماءُ الصافيةُ المشرقة
وأنا طائرٌ حبيسُ قفص.
​من خلفِ قضبانِ الحديدِ الخامِ الباردة
أحدقُ في وجهكَ بلهفة،
أحلمُ حلم يقظة بيدٍ سحريةٍ
تصلُ وتُحررُ هذا الطائر
ليُحلِّقَ في مداك.
​أحلمُ حلم يقظة بالهروبِ من هذا القفصِ الصَّامتِ
في لحظةٍ يغفلُ فيها سجاني،
أضحكُ في عينيه، ثم أمضي
لأحيا حياةً إلى جانبكَ.
​أحلمُ حلم يقظة بكلِّ هذا، لكنني أعلمُ
أنني لا أملكُ القوةَ للرَّحيلِ؛
حتى لو أَطلقَ السَّجانُ سراحي،
فلا نَفَسَ في صدري يكفي للتَّحليق.
​من خلفِ القضبانِ، طفلٌ
يبتسمُ في كلِّ صباحٍ يخنقهُ الضَّوءُ،
وتمنحني شفتاهُ قُبلاتٍ واسعةَ العينينِ
حين أشدو بألحاني المرتجفة.
​لو أنَّني يومًا كسرْتُ القيدَ وهربتُ،
فماذا سأقولُ لهذا الطِّفلِ الباكي؟
يا سماءُ، اتركيني، دعيني وشأني،
فأنا طائرٌ مُكَبَّلٌ في قفص.
​أنا أضيءُ هذا الطللَ المظلمَ
بلهيبِ قلبي المحترق.
ولو اخترتُ أن ينطفئَ وهجي،
لأحلتُ هذا المسكنَ رمادًا وخرابًا.

Captive

It’s you I want, yet I know why
I could never hold you to my heart’s content,
for you’re the bright and cloudless sky
and I am a bird captive in a cage.

Behind raw iron icy bars
I cravingly stare at your face,
daydream a magic hand arrives
and frees this bird to wing your way.

I daydream-escape this silent cage
in a moment when my jailer slackens,
laugh into his eyes, then engage
myself in a life by your side.

I daydream all this, but I know
I do not have the strength to leave
even if my jailer lets me go,
I do not have enough breath for flight.

From behind the bars a child
smiles every light-choked morning,
and his lips give kisses wide-eyed
when I trill out thrilling songs.

Should I one day break out and flee,
what could I say to this crying child?
Dear sky, leave me, let me be,
for I’m a bird cooped in a cage.

I brighten this darkened ruin
with the flames of my burning heart.
I’d bring this dwelling ashen ruin
should I choose to flicker off.

فروغ فرخزاد Forough Farrokhzad || 1955
■■■

هذه القصيدة الشّهيرة هي للشاعرة الإيرانية الرائدة فروغ فرخزاد (Forough Farrokhzad).
​تعتبر فروغ واحدة من أهم الأصوات الشّعرية في الأدب الفارسي الحديث، والقصيدة التي تحمل عنوان "الأسيرة" (بالفارسية: اسیر - Asir)، هي القصيدة التي سمّت بها ديوانها الأول الصادر عام 1955.

​عن القصيدة وصاحبتها:
​الصّوت المتمرّد: كتبت فروغ هذه القصيدة في وقت مبكِّر من حياتها، وكانت تعبّر عن صراعها كامرأة تعيش في مجتمع تقليدي، ممزّقة بين رغبتها في التَّحرر الفكري والعاطفي وبين قيود الأمومة والزّواج.

​الطّفل في القصيدة:
الطّفل الذي ذكرته في الأبيات هو ابنها الوحيد "كاميار"، الذي حُرمت من رؤيته بعد طلاقها بسبب القوانين والأعراف آنذاك، مما أضفى على هذه القصيدة تحديدًا مسحة جنائزيّة من الحزن والذّنب.

​النّهاية المأساويّة:
رحلت فروغ في سنّ صغيرة (32 عامًا) إثر حادث سير عام 1967، لكنّها تركت أثرًا لا يُمحى، وأصبحت رمزًا للتّحرر الشِّعري والنّسوي في الشّرق.

■■■

___العطيّة (الهدیّة)

​أنا أتحدّثُ عن غياباتِ الليل
أنا أتحدثُ عن غياباتِ العتمة
وعن غياباتِ الليلِ أتحدّثُ.
​يا رفيقي، إذا أتيتَ إلى بيتي
فاحملْ لي معكَ مِصباحًا
ونافذةً أطلُّ منها
على زحامِ الزّقاقِ السّعيد.

:
:

​هنا فروغ تطلب "نافذة"؛ ليس لتهرب منها بالضّرورة، بل لتمتلك "حقّ الرُّؤية".

​الاقتصاد في الألم:
القصيدة قصيرة جدًّا لكنّها محمّلة بحزن كوني. هي تدرك أنّها في "غيابات الليل"، وكلّ ما تطلبه هو وسيلة للاتصال بالعالم (المصباح والنّافذة).
فروغ هنا تنتصر على عتمتها بطلب النُّور.

■■■

​قصيدة أخرى: "فلنؤمن ببداية الفصل البارد"

​هذه القصيدة كُتبت في مرحلة نضجها الأخير، وتقول فيها:

​"ربّما كان الحقيقةُ هي ذانك الكفّان الشابان..
ذانك الكفّان اللذان دُفنا تحت الثّلج المتساقط باستمرار..
وفي السّنة القادمة، عندما يزهر الرّبيعُ في الحديقة..
سوف يزهران.."

■■■

لنقترب أكثر من "وِلادَةٌ أُخْرَى" (تولدی دیگر)؛ الدّيوان الذي يُعتبر ذروة نضج فروغ، حيث تحوّلت فيه من "الأسيرة" خلف القضبان إلى الرّوح التي تعبر المسافات.

𔁯_ عن "قانون المسافة" والرّوح:
​تقول فروغ في مقطع من قصيدة "ولادة أخرى":

​"حَيَاتي لَيْسَتْ سِوَى عُبُورٍ طَوِيلٍ
في بَرْدِ الشَّوَارِعِ الصَّامِتَةِ..
حَيَاتِي هِيَ هَذِهِ النَّبْضَةُ الهَادِئَةُ، المُنْتَظِمَةُ،
الَّتِي تَقُولُ: إِنَّنِي مَا زِلْتُ هُنَا."

​ هي كانت تنتقي من يعبر إلى عالمها السّري.

𔁰- عن "البذرة" وإعادة صياغة الوجود:
​في قصيدة "فلنؤمن ببدء الفصل البارد"، هنالك نبوءة:

​"أَنَا قَادِمَةٌ مِنْ جِوَارِ الشَّمْسِ،
أَنَا قَادِمَةٌ مِنْ مَكَانِ انْصِهَارِ المَعَادِنِ..
انْظُرُوا إِلَى يَدَيَّ؛
لَقَدْ زَرَعْتُهُمَا في الحَدِيقَةِ،
أَعْرِفُ أَنَّهُمَا سَتَخْضَرَّانِ.. سَتَخْضَرَّانِ..
وَسَتَضَعُ العَصَافِيرُ في تَجَاوِيفِ أَصَابِعِي المُتَوَرِّدَةِ بَيْضَهَا."

الحياة لا تنتهي بالموت أو الانطفاء، بل بالتحوّل إلى أريج وعطاء جديد.

𔁱_عن "وهج العبور":
​تقول فروغ في مقطع خاطف:

​"لِمَاذَا أَخَافُ؟
لَقَدْ وَصَلْتُ إِلَى عَتَبَةِ الحُرِّيَّةِ،
وَرَأَيْتُ أَنَّ الرِّيحَ لا تَهُبُّ إِلَّا لِكَيْ تَرْفَعَ جَنَاحِي."

​ هو الشّغف الذي جعل فروغ تقول: "تذكّروا التّحليق، فالطائر فانٍ".

■■■

بينما كانت فروغ في بداياتها "سجينة"، تحوّلت في دواوينها الأخيرة إلى "رائية"؛ لم تعد القضبان تعنيها لأنّها اكتشفت أنّ الحريّة تبدأ من الدّاخل، من "ملكوت الدّهشة" الخاص بها.

​ قصيدتان من أجمل ما كتبتْ:

𔁯. قصيدة:
"في ممرات الليل" (در غروب)

​"أنا لستُ سوى امرأةٍ وحيدة
في عتبةِ فصلٍ بارد،
في بدايةِ إدراكِ الوجودِ الملوَّثِ للأرض،
ويأسِ السّماءِ الهادئِ الحزين،
وعجزِ هاتينِ اليدينِ الإسمنتيتين."

​التّحليل :
​عجز الجسد وقوّة الرّوح:
هنا تصف فروغ "عجز اليدين الإسمنتيتين". هي تدرك ثقل الطّين، لكنّها في ذات الوقت تقف على "عتبة الفصل البارد" بإدراك كامل، حيث الوعي بالواقع هو أولى خطوات تجاوزه.

​التّشاؤم المضيء:
هي لا تستسلم لليأس، بل تصفه بأنّه "هادئ"، وكأنّها استعادت اتزانها من خلال قبول هذا الحزن وتحويله إلى مادة شعريّة.

𔁰. قصيدة:
"الطّائر ليس إلا طائرًا" (پرنده فقط یک پرنده بود)

​"الطّائرُ قال: (آه، أيُّ ريحٍ، أيُّ أريجٍ!)
الطّائرُ مَاتَ،
لكنَّهُ كانَ يحلُمُ بالتّحليق،
كأنَّهُ كانَ يقرأُ كتابَ الشَّمسِ بصوتٍ عالٍ.
تذكَّروا التّحليق.. فالطّائرُ فَانٍ."

​التّحليل:
​جوهر الوهج:
فروغ تقول إنّ موت الطّائر لا يهمّ، المهم هو "الأريج" و"الحلم بالتّحليق" و"كتاب الشمس".
​الخلود في الأثر: عبارة "تذكّروا التّحليق، فالطائر فانٍ"
الأجساد والقيود والقفص كلّها فانية، لكنّ "الوهج" الذي تتركه الفراشة خلفها هو الحقيقة الوحيدة الباقية.

𔁱. قصيدة:
"أنا التي جُرحت" (من گلي را چيدم)

​"أنا التي جرحتُ إصبعي بالخار،
ولم أهتم..
لأنني كنتُ أبحثُ عن الوردةِ التي تشبهُ قلبي."

​التّحليل:
​اتّزان الروح:
هي تقبل الجرح (الألم) ثمنًا للوصول إلى الوردة (الحبّ/الحقيقة). هي لا تخبرنا أنّها فقدت اتّزانها بسبب الشّوكة، بل تخبرنا أنّها "استعادت اتّزانها" بالعثور على ما يشبه قلبها.

■■■

قصيدة: "نافذة" (پنجره)

​"يَكْفِينِي مَكَانِي مِنْ هَذِهِ النَّافِذَةِ
نَافِذَةٌ وَاحِدَةٌ، تَمْنَحُنِي الاتِّصَالَ بِلَحْظَةِ الصَّمْتِ، وَالعِطْرِ، وَالنَّور.
هُنَاكَ، في الغِيَابِ المَسْكُونِ بِالأَشْجَارِ،
مَنْ يَحْمِلُ لِي رِسَالَةً مِنَ البُذُورِ الَّتِي تَنْتَظِرُ المَطَرَ."

​التّحليل:
فروغ لا تطلب العالم كلّه، هي تكتفي بـ "نافذة" تمنحها "الاتصال بلحظة الصّمت".

​انتظار البذرة:
حيث تدرك فروغ أنّ البذور تحت الأرض ليست ميّتة، بل هي في حالة "يقظة" تنتظر المطر لتعيد صياغة وجودها.

■■■

​ قصيدة:
"الدُّمية الكوكيّة" (عروسک کوکی)

​"يُمْكِنُ تَمْدِيدُ الجِسْمِ فَوْقَ فِرَاشٍ، لِسَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ..
بِيَدَيْنِ تَنْبِعُ مِنْهُمَا رَائِحَةُ الصَّدَأ..
يُمْكِنُ فِي كُلِّ لَحْظَةٍ، الصُّرَاخُ بِصَوْتٍ زَائِفٍ:
(آه، إِنَّنِي سَعِيدَةٌ جِدًّا!)
يُمْكِنُ كَمِثْلِ دُمِيَّةٍ كُوكِيَّةٍ، رُؤْيَةُ العَالَمِ بِعَيْنَيْنِ مِنْ زُجَاجٍ..
والنَّومُ فِي صُنْدُوقٍ مَبْطُونٍ بِالمِخْمَل."

​التّحليل :
​ضدّ الزّيف:
فروغ هنا ترفض أن تكون دمية، ترفض "ساديّة القوانين" التي تحوّل الإنسان إلى آلة.
​ فروغ هنا تصف أولئك الذين يعيشون بعيون من زجاج، وهم الفراشات التي تستهلك الطّاقة ولا تمنح النّور، لذا هي ترفض أن تكون منهنّ.

■■■

​قصيدة: "فِي الطَّرِيقِ" (در راه)

​"لَقَدْ قَطَعْتُ كُلَّ المَسَافَاتِ..
لَمْ أَعُدْ أَخَافُ الظِّلَّ، بَلْ أُصَادِقُهُ.
قَلْبِي لَيْسَ جُرْحًا، بَلْ هُوَ يَنْبُوعٌ؛
فَلا تَسْأَلُونِي عَنِ الوَجَعِ.. اسْأَلُونِي عَنِ الارتِوَاء."

​التّحليل:
​اتّزان الرّوح: هنا تصل فروغ لمرحلة "اتزان الروح" فالجرح لم يعد جرحًا، بل أصبح "ينبوعًا"؛ وهذا هو قمّة تحوّل الألم إلى أريج وعطر.


​تأمّل في التّجربة:
​فروغ كانت تقول: "الكلمة هي التي تنجيني". هي تؤمن بأنّ الكتابة هي "فعل تحرّر" وليست مجرّد رصف حروف.

■■■

قصيدة: "الجنّة المفقودة" (بهشت گم‌شده)

​"في تِلْكَ الغُرْفَةِ الَّتِي تَقِيسُ الوَحْدَةَ،
قَلْبِي يَبْحَثُ عَنْ شَيْءٍ آخَرَ غَيْرِ الظِّلِّ.
نَظَرْتُ إِلَى الزَّهْرَةِ في المِزْهَرِيَّةِ؛
كَانَتْ تَمُوتُ بِمَظْهَرٍ أَنِيقٍ..
نَظَرْتُ إِلَى السَّاعَةِ عَلَى الجِدَارِ؛
كَانَتْ تَنْحَرُ الوَقْتَ بِبُرُودَةٍ ثَلْجِيَّة."

​التّحليل الفني:
​تشخيص الجمادات: تمنح فروغ الأشياء المحيطة بها (المزهريّة، السّاعة) سمات بشريّة قاسية. الزّهرة لا تذبل فقط، بل "تموت بأناقة"، وهي صورة تعبّر عن الانكسار الدّاخلي الذي يُغلّفه المظهر الخارجي المتماسك.

​الزّمن كأداة حادة:
السّاعة هنا ليست أداة لقياس الوقت، بل هي أداة "نحر"؛ ممّا يعكس شعور الشّاعرة بعبثيّة الانتظار في مساحة ضيّقة تقاس فيها الوَحدة لا الأمتار.
■■■

​قصيدة: "لنؤمن ببداية الفصل البارد" (إيمان بياوريم به آغاز فصل سرد)

​"أَنَا عُرْيَانَةٌ، عُرْيَانَةٌ، عُرْيَانَة..
مِثْلَ الصَّمْتِ بَيْنَ كَلِمَاتِ الحُبِّ..
وَكُلُّ جِرَاحِي نَبَعَتْ مِنَ الحُبِّ.
أَنَا جِئْتُ لِأُنْقِذَ هَذِهِ الأَرْضَ الَّتِي تَتَفَكَّكُ؛
لَيْسَ بِالمُعْجِزَاتِ.. بَلْ بِصَوْتِي."

​التّحليل الفني:
​التّجريد والشّفافية:
استخدام لفظ "عريانة" هنا لا يحمل دلالة ماديّة، بل هو "عري الرّوح" وتجرّدها من الأقنعة الاجتماعيّة. هي تشبه نفسها بالصّمت الذي يفصل بين الكلمات، وهو صمت ضروري لفهم المعنى.

​الخلاص عبر الفن:
تؤمن فروغ في هذه المرحلة أنّ الكلمة (الصّوت) هي الأداة الوحيدة لمواجهة التّفكك الوجودي. الجرح هنا ليس ضعفًا، بل هو المصدر الذي تنبع منه الرُّؤية.

■■■

𔁱. قصيدة: "الريحُ ستأخذنا" (باد ما را خواهد برد)

​"في لَيْلَتِي الصَّغِيرَةِ هَذِهِ،
لِلرِّيحِ مَوْعِدٌ مَعَ أَوْرَاقِ الأَشْجَارِ.
في لَيْلَتِي الصَّغِيرَةِ هَذِهِ،
هُنَاكَ هَواجِسُ الدَّمَار.
انْصِتِي.. هَلْ تَسْمَعِينَ هُبُوبَ الظَّلَام؟"

​التّحليل الفني:
​بلاغة الحواس:
تستخدم فروغ تعبيرًا فريدًا وهو "هبوب الظّلام"، محوِّلةً الظّلام من حالة بصريّة ساكنة إلى حركة مسموعة ومحسوسة كالرّيح. هذا يعكس ذروة القلق الوجودي حيث تصبح العتمة قوّة هجوميّة.

​المكان الضّيق مقابل القوّة الكونيّة:
وصْف الليل بـ "الصّغير" يُوحي بالحصار الشّخصي، بينما "الرّيح" و"الدّمار" يمثّلان القُوى الخارجيّة الكبرى التي لا تملك الشّاعرة أمامها سوى "الإنصات".

■■■

​قصيدة: "وحدها الكلمة تبقى" (تنها صداست كه مي‌ماند)

​"لِمَاذَا أَتَوَقَّف؟
العَنَاصِرُ تَتَحَلَّلُ، الشَّمْسُ تَصِيرُ قِطْعَةَ ثَلْجٍ..
لِمَاذَا أَتَوَقَّف؟
الطَّرِيقُ يَمُرُّ عَبْرَ نَبْضِي،
وَالجُرُوحُ هِيَ مَعَابِرُ النُّور.
الصَّوْتُ.. الصَّوْتُ وَحْدَهُ هُوَ مَا يَبْقَى."

​التّحليل الفني:
​التحوّل الكونيّ

ترسم الشّاعرة مشهدًا لنهاية العالم (الشّمس كقطعة ثلج)، لكنها ترفض التّوقف الشعريّ.

​قدسيّة الألم:
جملة "الجروح هي معابر النّور" تلخّص فلسفة فروغ المتأخّرة؛ حيث لم يعد الألم عائقًا، بل أصبح القناة التي يعبر من خلالها الاستنارة والفهم. تخلص القصيدة إلى أنّ كلّ الماديات تفنى، ويبقى "الصّوت" (الأثر الإبداعي) كجوهر خالد.

■■■

____ فِي الحُبّ

​اللَّيْلَةَ، مِنْ سَمَاءِ عَيْنَيْكَ
تُمْطِرُ النُّجُومُ عَلَى قَصِيدَتِي،
تَشْتَعِلُ أَصَابِعِي، وَتُحْرِقُ
صَمْتَ هَذِهِ الصَّفَحَاتِ البَيْضَاء.
​قَصِيدَتِي المَحْمُومَةُ، الهَائِمَةُ
المَخْجُولَةُ مِنْ رَغَبَاتِهَا،
تَقْذِفُ نَفْسَهَا مَرَّةً أُخْرَى في النَّار،
في شَوْقِ اللَّهَبِ الَّذِي لا يَهْدَأ.
​نَعَمْ، هَكَذَا يَبْدَأُ الحُبُّ،
وَرَغْمَ أَنَّ نِهَايَةَ الطَّرِيقِ غَائِبَةٌ عَنِ البَصَر،
فَأَنَا لا أُفَكِّرُ في النِّهَايَة.
إِنَّنِي أَعْشَقُ "فِعْلَ الحُبِّ" ذَاتَه.
​لِمَاذَا نَهْرُبُ مِنَ الظَّلام؟
فَاللَّيْلُ يَفِيضُ بِقَطَرَاتِ الأَلْمَاس.
وَبَعْدَ قَلِيلٍ، سَتَبْقَى رَائِحَةُ اليَاسَمِينِ المُسْكِرَةِ
عَالِقَةً في جَسَدِ اللَّيْلِ المُنْهَك.
​دَعْنِي أَضِيعُ فِيكَ
حَتَّى لا يَعْثُرَ أَحَدٌ عَلَى أَثَرِي.
دَعْ زَفِيرَكَ النَّدِيَّ، بِرُوحِهِ المَحْمُومَةِ
يَهِمُّ فَوْقَ جَسَدِ أَغَانِيَّ.
​مُلْتَفَّةً بِحَرِيرِ النَّوْمِ
دَعْنِي أُنْبِتُ أَجْنِحَةً مِنْ نُور،
لأُحَلِّقَ عَبْرَ بَابِهِ المَفْتُوحِ
خَارِجَ أَسْوَارِ العَالَمِ وَجُدْرَانِه.
​أَتَعْرِفُ مَاذَا أُرِيدُ مِنَ الحَيَاة؟
أَنْ أَكُونَ مَعَكَ، مَعَكَ، بِكُلِّ مَا فِيكَ،
وَلَوْ تَكَرَّرَتِ الحَيَاةُ أَلْفَ مَرَّة،
سَأَخْتَارُكَ، أَنْتَ، وَأَنْتَ ثَانِيًا.
​في دَاخِلِي بَحْرٌ مَخْفِيٌّ:
كَيْفَ لِي أَنْ أُوَارِيَه؟
وَكَيْفَ لِي أَنْ أَصِفَ
الإِعْصَارَ الَّذِي يَعْصِفُ في أَعْمَاقِي؟
​إِنَّنِي مُمْتَلِئَةٌ بِكَ لِدَرَجَةِ
أَنَّنِي أُرِيدُ الرَّكْضَ عَبْرَ المُرُوج،
وَأَنْ أَصْدِمَ رَأْسِي بِصُخُورِ الجِبَال،
وَأَنْ أَهَبَ نَفْسِي لِأَمْوَاجِ المُحِيط.
​إِنَّنِي مُمْتَلِئَةٌ بِكَ لِدَرَجَةِ
أَنَّنِي أُرِيدُ أَنْ أَتَفَتَّتَ في دَاخِلِي كَذَرَّةِ غُبَار،
لأَضَعَ رَأْسِي بِرِفْقٍ عِنْدَ قَدَمَيْكَ،
وَأَتَمَسَّكَ بِشِدَّةٍ بِظِلِّكَ الَّذِي لا وَزْنَ لَه.
​نَعَمْ، هَكَذَا يَبْدَأُ الحُبُّ،
وَرَغْمَ أَنَّ نِهَايَةَ الطَّرِيقِ غَائِبَةٌ عَنِ البَصَر،
فَأَنَا لا أُفَكِّرُ في النِّهَايَة
لأَنَّنِي أَعْشَقُ "فِعْلَ الحُبِّ" كَثِيرًا.

On Loving

Tonight from your eyes’ sky
stars rain on my poem,
my fingers spark, set ablaze
the muteness of these blank pages.

My fevered, raving poem
shamed by its desires,
hurls itself once again into fire,
the flames’ relentless craving.

Yes, so love begins,
and though the road’s end is out of sight,
I do not think of the end.
It’s the lovingthat I love.

Why shun darkness?
The night abounds with diamond drops.
Later, jasmine’s intoxicating scent
lingers on the spent body of night.

Let me lose myself in you
till no one can find my trace.
Let your dewy sigh’s fevered soul
waft over the body of my songs.

Wrapped in ---sleep---’s silk
let me grow wings of light,
fly through its open door
beyond the world’s fences and walls.

Do you know what I want of life?
That I can be with you, you, all of you,
and if life repeated a thousand times,
still you, you, and again, you.

Concealed in me is a sea:
how could I hide it?
How could I describe
the typhoon inside?

I’m so filled with you
I want to run through meadows,
bash my head against mountain rocks,
give myself to ocean waves.

I’m so filled with you
I want to crumble into myself like a speck of dust,
to gently lay my head at your feet,
cling fast to your weightless shadow.

Yes, so love begins,
and though the road’s end is out of sight,
I do not think of the end
for it’s the lovingI so love.
From Asir(Captive)

إضاءة:
​هذه القصيدة هي نقيض "الأسيرة" التي قرأناها في البداية؛ فبينما كانت هناك تعاني من قضبان الحديد، نجدها هنا تحلّق بـ "أجنحة من نور" خارج أسوار العالَم. لقد وجدت حرّيتها في "الضّياع" داخل الآخر، وهو نوع من "الوهج" الذي لا يحرِق بل ينير الصّفحات البيضاء.

■■■

جانباً من مراسلات فروغ فرخزاد، وتحديدًا تلك الرّسائل التي كتبتها إلى الكاتب والمخرج "إبراهيم غلستان"، والتي تُعدّ من أصدق الوثائق الأدبيّة التي كشفتْ عن مخاضها الإبداعي وكواليس قصائدها الأخيرة.
​هذه الرّسائل لم تكن مجرّد كلمات عاطفيّة، بل كانت "معملًا " تشرّح فيه فلسفتها تجاه العالم والشّعر.

𔁯. عن الصّدق الشّعريّ (من رسالة كتبت عام 1964):

​"أشعرُ أنني أضعتُ عمرًا في محاولةِ أن أكونَ شيئًا ما، بينما كان يجب أن أكونَ لا شيء؛ لأسمحَ لكلِّ شيءٍ أن يعبرَ من خلالي. الشّعرُ ليس مهنة، إنّه انفجارُ الكيانِ حين يضيقُ بالصّمت. حين أكتب، لا أفكرُ في القافية، بل أفكرُ في ذلك الجرحِ الذي انفتحَ فجأةً وأريدُ أن أرى لونه."

​التّحليل:
تُظهر فروغ هنا تحوّلها من "الشّاعر الصّانع" إلى "الشّاعر الوسيط". هي ترى أن دورها ليس كتابة الشّعر، بل السّماح للحياة بأن تعبر من خلال جراحها. الصّدق عندها يتجاوز الشّكل الفني ليصبح كشفًا كاملاً للكيان.

𔁰. عن الوجود والارتباط بالأرض (من رسالة كُتبتْ عام 1966):

​"لقد صرتُ أحبُّ الأشياءَ التي كانت ترعبني. صرتُ أحبُّ غبارَ الشّوارع، والمباني القديمة التي توشكُ على السّقوط. الإنسانُ لا ينضجُ إلّا حين يدركُ أنَّ فناءَه هو جزءٌ من جمالِه. أنا لا أريدُ أن أكونَ خالدة، أريدُ أن أكونَ حقيقيّةً كشجرةٍ تجفُّ في الخريف لتمنحَ الأرضَ أوراقها."

​التّحليل:
هذا النّص يكشف خلفيّة قصيدتها "لنؤمن ببداية الفصل البارد". فروغ وصلت إلى مرحلة من التّصالح مع "الفناء". هي لا تبحث عن الخلود الوهمي، بل عن "الحقيقة" التي تكمن في قبول دورات الحياة الطّبيعيّة (النّمو والجفاف).

𔁱. عن العزلة والنّافذة (من رسالة إلى أخيها فريدون):

​"يقولون عنّي إنّني وحيدة.. لكنّهم لا يعرفون أنَّ غرفتي مليئةٌ بالأصواتِ التي لا يسمعونها. نافذتي الصّغيرة تطلُّ على الكونِ بأكملهِ لأنّني لا أنظرُ إليها بعينيّ، بل بانتظاري. القصيدةُ التي لا تجعلُ القارئَ يشعرُ بالبردِ في عظامِه ليست قصيدة، إنّها مجرّدُ ثرثرة."

​التّحليل:
توضح فروغ هنا مفهوم "النّافذة" الذي تكرّر في شعرها. العزلة بالنسبة لها ليست سجنًا، بل هي أداة لزيادة حدّة الحواس. هي تربط بين جودة الشِّعر والقدرة على نقل "الإحساس الفيزيائي" (البرد) للقارئ.

■■■

​تأمُّل في شخصيّة فروغ:
​كانت فروغ في رسائلها تعاني من قسوة المجتمع والنّقاد الذين حاصروها في بداياتها، لكنّ ردّها كان دائمًا بمزيد من "الانكشاف". لم تحاول الاختباء خلف المجازات الغامضة، بل جعلت حياتها الخاصّة مشاعًا شعريًّا، وهذا ما جعلها رائدة الحداثة الإيرانيّة.

■■■



#ريتا_عودة (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- رَسُولَةُ المَنْكُوبِين
- عُصْفُورَةُ الشَّمْسِ
- لِلْحَرْبِ وَجْه الفناء
- مقارنة بين “ريتا والبندقيّة” لدرويش و”جدلية الهوية” لريتا عو ...
- جَدَلِيَّةُ الهُوِيَّة
- بَوْصَلَةُ اليَقَظَة
- سَرْدِيَّةُ اليَقَظَةِ: ابْنَةُ حَيْفَا
- وقفة تحليليّة في شعريّة ريتا عودة
- حَوَّاءُ: وَثِيقَةُ الوَفَاءِ لِلنَّارِ
- لَوْ أَنَّنِي...
- مُقَابلَ القضيَّةِ أُقرفِصُ
- قَهْقَهَ الْجَبَلُ
- -القصيدة فعلُ مقاومة-
- مَنْ قَالَ: -إِنَّ الْحُبَّ مُزْمِنٌ-
- رَفِيقُ القَصِيدَة
- قراءة في رواية: - إلى أن يُزهر الصّبّار-
- كَكُلِّ أُم..ومضتان
- قَدْ تُفَجِّرُ الشَّجَرَ
- ديوان: - أكون لك سنونوة- قراءة نقديّة
- قصَّة قصيرَة || الحِذَاءُ اللَّعِينُ


المزيد.....




- ضغوط في هوليوود لمنع فيلم -صوت هند رجب- من الوصول إلى منصة ا ...
- رواية -عقرون 94-.. حكايات المهمشين في حضرموت وجنوبي اليمن
- رحلة في عالم -إحسان عبد القدوس-: أديب في بلاط الصحافة أم صحف ...
- هجمات الاعداء الإرهابية تنتهك مبدأ -حظر استهداف المراكز العل ...
- تفاصيل صغيرة تصنع هوية رمضان في لبنان
- محيي الدين سعدية.. صدى المآذن القديمة ونبض البيوت بصيدا وجنو ...
- 16 رمضان.. يوم التخطيط العبقري في بدر وانكسار أحلام نابليون ...
- ظلام وأزمة وقود.. 5 أفلام سينمائية تخيلت العالم بلا طاقة
- من هي ريتا في شعر محمود درويش؟
- معرض في لندن يستعرض خمسة عقود من تجربة ضياء العزاوي الفنية


المزيد.....

- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت
- مسرحية : النفساني / معتز نادر
- تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ / دلور ميقري


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ريتا عودة - الشّاعرة الايرانيّة فروغ فرخزاد