حسين علوان حسين
أديب و أستاذ جامعي
(Hussain Alwan Hussain)
الحوار المتمدن-العدد: 8632 - 2026 / 2 / 28 - 10:13
المحور:
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
يمكن تلخيص سبب الفشل الذريع لمشروع تشومسكي اللغوي الشخصي بأنه كان قصدياً منذ بدايه أشتغاله عليه عام 1955: تخليق نظام توجيه حاسوبي للمقذوفات الحربية للبنتاغون يمكِّنها من ضرب أهدافها بدقة مؤثرة. هذه القصدية حتمت على تشومسكي إخراج علم لغة تلفيقي بتحويله فرضياته الشخصية القبلية (apriori) الأساسية التي تخدم أهداف مشروعه هذا منذ البداية إلى قوانين باتة موهومة و- مثل المعتقدات الدينية - واجبة الإعتناق، بدلاً من اختبار مدى صحتها علمياً بالإستناد على النتائج الملموسة والقابلة للتحقق والتكرار من طرف غيره من الباحثين اللغويين لقاعدة بيانات عالمية عريضة تغطي كل عوائل اللغات العالمية. لقد كان تشومسكي منذ البداية في مهمة حربية (military mission) تتطلب الإنجاز باي ثمن كان، حتى ولو بتجاوز أبسط قواعد الإثبات في البحث العلمي الرصين؛ وحتى ولو بلوي أعناق أبسط المفاهيم اللغوية المعروفة، وبالتجريد الخانق المختزل للحقائق، وبلزوم ما لا يلزم.
من المعلوم أن البشر الأسوياء قادرون على اكتساب عشرات المهارات العملية والعلمية العامة والتخصصية طوال عمرهم. لذا، فإن الإدعاء التشومسكي الفارغ بكون البشر لديهم جهاز خاص حصرياً لاكتساب اللغة (Language Acquision Device) دون غيرها من كل بقية تلك المهارات المكتسبة ليس فقط لا قيمة علمية له لاستحالة إمكانية إثبات وجوده عملياً، وإنما لانتفاء ضرورة افتراض وجوده أصلاً لكونه لا يفسر أي شيء غير الحقيقة البسيطة التي يعرفها الجميع: الإنسان حيوان ناطق. كما أن الإنسان يكتسب مختلف مهارات ومعارف العمل المنتج واللغة والفنون بمختلف أصنافها والآداب والالعاب والرياضيات وقيادة المركبات... الخ. ومن غير المفيد علمياً افتراض وجود "جهاز إكتساب خاص" لا يمكن إثبات وجوده يخص كل واحدة من عشرات تلك المهارات لعدم وجود العلة الكافية (sufficient reason) المبررة لتقديم مثل هذا الإفتراض أصلاً. هذا الإدعاء الفارغ ناجم من محاولة تشومسكي اقناع أسياده في البنتاغون بكون عقل الأنسان منقسم إلى أجزاء منفصلة (modular, compartmentalized) مثل الحاسوب الذي يحتوي وحدات متخصصة منفصلة كوحدة المعالجة المركزية ووحدة التخزين والذواكر. عقل الإنسان هو أعقد ببلايين المرات من هذا التبسيط الميكانيكي الساذج. ولقد وثَّق الأطباء حالات لمرضى خضعوا لاستئصال نصف الكرة المخية، ففقدوا منطقتي فيرنيكه وبروكا، ومع ذلك فقد استطاعوا استعادة قدراتهم اللغوية كاملة. متى يحق لتشومسكي علمياً الإدعاء بوجود جهاز متخصص لإكتساب اللغة لدى الإنسان؟ الجواب: فقط عندما يستطيع تشومسكي أن يحدد موقعه مادياً بالضبط بحيث يؤدي رفعه من الدماغ إلى الفقدان التام والدائم للقدرة على الكلام. الفرضية هنا هي فسلجية هنا، وليست نظرية مجردة.
كما أن من المعلوم أن كل البشر الأسوياء قادرون على اكتساب مختلف المهارات اللغوية من محيطهم منذ الطفولة وحتى آخر يوم من حياتهم. والدليل على هذا أنه لا يوجد هناك انسان عاقل يستطيع أن يدَّعي بكونه قد أوتي العلم بتمام وكمال عناصر لغته الأم، أو أي لغة أخرى. اللغة حقيقة اجتماعية وليست فردية، ومعلومات كل ناطق بها هي دائما تراكمية وجزئية ومقتصرة على مديات احتكاكه الشخصي بها، ولكنها تؤدي أغراض التواصل الفاعل المرجوّة منها بهذا الشكل أو ذاك. لذا، فإن حصر تشومسكي تحكماً اكتساب الإنسان للغة بفترة الطفولة (لغاية سن العاشرة) غير صحيح واقعياً، رغم الأهمية البالغة لفترة الطفولة الحرجة تلك في تعلم اللغة الأم. فعندما ينتقل الأنسان البالغ من محيط لغوي س إلى ص فإنه قادر عموماً على اكتساب لغة المحيط الجديد رغم تجاوزه فترة الطفولة الحرجة تلك، مثلما يفعل كل من هاجر من موطنه الأم. أما تلفيق نظرية "العجز في المدخلات اللغوية" (input deficit) لتفسير الابداع اللغوي للطفل فهي توضح مدى عقم المنطق الميكانيكي في البحث العلمي عموما،ً وفي البحث اللغوي بالخصوص. هذه الميكانيكية التشومسكية المثيرة للشفقة واللاغية للوظيفة الأبداعية الرهيبة للعقل تقول: عقل الإنسان هو بالضبط مثل الحاسوب الذي يستحيل عليه إخراج مخرجات سوى تلك التي سبق وأن تم تلقيمها به! والصحيح أن عقل الإنسان هو الجهاز المبدع الوحيد في العالم القادر على إخراج عدد لا نهائي من الأشياء والصور والنظريات والقصص والعبارات والنصوص والاشكال وغيرها الكثير من الافكار المعقولة وغير المعقولة التي لا توجد في أي مكان سوى في عقل الإنسان؛ وجهاز تشومسكي لاكتساب اللغة هو أحد تلك المخرجات الخرافية المختلقة السخيفة، مثلها مثل اختلاق فكرة تلبّس الشيطان روح الإنسان. وحدها مخيلة الإنسان هي القادرة على تخليق كل الأشياء المعقولة وغير المعقولة من لا شيء. من هنا تأتي عبقرية مقولة ماركس: العقل موجود، ولكن ليس دائماً بشكل معقول.
ولكن لماذا كل هذه الإصرار من طرف تشومسكي على تجريد اللغة من أي صلة بالمجتمع أو السياسة أو التاريخ أو الثقافة ؟ الجواب، لبتر بحثه اللغوي المفيد للبنتاغون عن نشاطه السياسي المعاكس له، فيربح بهذا البتر أجر "الحسنيين": الإنتفاع من رضى البنتاغون، والاشتهار من إعجاب اليسار العالمي!
يوضح مايكل توماسيلو (أستاذ علم النفس وعلم الأعصاب في جامعة ديوك والمدير الفخري لمعهد ماكس بلانك للأنثروبولوجيا التطورية في لايبزيغ، ألمانيا) و بول إيبوتسن (المحاضر في مجال تطوير اللغة في الجامعة المفتوحة، ومقرها في إنجلترا) ما يأتي:
"الأدلة تدحض نظرية تشومسكي في تعلم اللغة
يتم الآن قلب الكثير من ثورة نعوم تشومسكي في علم اللغويات رأساً على عقب، بما في ذلك تفسيره لطريقة تعلمنا للغات.
لقد هيمنت فكرة امتلاكنا أدمغةً مُبرمجةً مسبقًا بنموذج ذهني لتعلم القواعد - والتي تبناها نعوم تشومسكي من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا - على علم اللغويات لما يقرب من نصف قرن. إلا أنه في الآونة الأخيرة، تخلى علماء الإدراك وعلماء اللغة عن نظرية تشومسكي "للقواعد العالمية" بأعداد كبيرة، وذلك بفضل أبحاث جديدة تناولت العديد من اللغات المختلفة، وكيفية تعلم الأطفال الصغار فهم لغات مجتمعاتهم والتحدث بها. وقد أثبتت هذه الأبحاث عدم صحة ادعاءات تشومسكي، إذ تشير إلى وجهة نظر مختلفة جذريًا، مفادها أن تعلم الطفل للغته الأم لا يعتمد على نموذج نحوي فطري. بل تُظهر الأبحاث الجديدة أن الأطفال الصغار يستخدمون أنماطًا مختلفة من التفكير قد لا تكون خاصة باللغة على الإطلاق، مثل القدرة على تصنيف العالم إلى فئات (أشخاص أو أشياء، على سبيل المثال) وفهم العلاقات بين الأشياء. هذه القدرات، إلى جانب قدرة الإنسان الفريدة على فهم ما يقصده الآخرون، هي التي تُتيح ظهور اللغة. تشير النتائج الجديدة إلى أنه إذا أراد الباحثون حقًا فهم كيفية تعلم الأطفال وغيرهم للغات، فعليهم البحث خارج نظرية تشومسكي للحصول على التوجيه."
كما يعلّقان بالقول:
" لكن الأدلة قد تجاوزت نظرية تشومسكي، التي كانت تتلاشى تدريجياً على مر السنين. إنها تتلاشى ببطء شديد لأن ميل العلماء الأكبر سناً إلى التمسك بالأساليب القديمة - مثلما لاحظ الفيزيائي ماكس بلانك ذات مرة – يفضي إلى أن: "يتقدم العلم جنازةً تلو الأخرى"".
https://www.scientificamerican.com/article/evidence-rebuts-chomsky-s-theory-of-language-learning/
نأتي الآن إلى الطابع التلفيقي للمفهوم التشومسكي للنحو العالمي (Universal Grammar).
معلوم أن لكل البشر لغاتهم الموظفة اجتماعياً لخدمة مختلف الأغراض المشتركة، وبالتالي فإن هناك ما يبرر منطقياً اقتراح فرضية وجود خصائص انبنائية عامة مشتركة في نحو لغات البشر التي تستخدم كلها تركيبات تعاقب الأصوات للتعبير عن المعاني. كيف نتبيَّن مدى صحة هذه الفرضية علمياً - التي تعود جذورها على الأقل لروجر بيكون من القرن الثالث عشر الميلادي - في ضوء وجود أكثر من 6000 لغة مختلفة في عالم اليوم؟ الجواب الذي يقول به ويطبقه كل عالم لغة يحترم أصول البحث العلمي هو وجوب القيام بجمع عينات تمثيلية كافية من قواعد البيانات الممثلة للخطاب في كل واحدة من تلك اللغات، ومن ثم تحليلها نحوياً للتثبت مما هو مشترك نحوياً بينها واستخلاص النتائج عن وجود أو عدم وجود "النحو العالمي" المشترك بينها وماهيات قواعده المشتركة، إن وُجدت. هذا ما يفعله كل عالم اللغة يحترم ألفباء قواعد مستلزمات الإثبات العلمي للفرضيات، ومنهم زيلغ هاريس أستاذ تشومسكي في جامعة بنسلفانيا والمشرف على أطروحته للدكتوراه.
ولكن، لا؛ ليس نعوم تشومسكي، الذي يضع نفسه بكل عنجهية فوق أسس قواعد الإثبات التجريبي للبحث العلمي رغم أن طبيعة اللغة ترفض التعميمات النظرية بلا أدلة تجريبية. كيف يشتغل البحث التشومسكي، إذن؟ إنه يقرر، بالتأمل الذاتي (introspection) الخالص، وجود "النحو العالمي" كقانون عام شامل مفروغ منه. ثم، ومن على كرسيه الجامعي، يسطر - بالإستناد على نحو الإنجليزية خصوصاً ونحو عدد ضئيل جداً من اللغات الغربية التي يكون عنصر "الفعل" (verb) فيها هو الركن المهيمن على الجملة - الخصائص والأوجه المشتركة للنحو العالمي في لغات العالم أجمع!
هذا الفرض التحكمي للقواعد النحوية العالمية من فوق وبلا تحليل لقاعدة بيانات لغوية طبيعية تمثيلية شاملة كان فيه المقتل لكل مشروع تشومسكي اللغوي. ومما زاد في الطين بله أعتماده المنطق الرياضي الجامد لكارناب في وصف ما يتوهم أنه قواعد نحوية عالمية مشتركة، في ضوء كون الأبنية اللغوية ليست قاطعة التحديد البتة، بل هي ناقصته (ill defined)، وبالتالي في مستعصية بطبيعتها على التمثيل الرياضي الشكلي (formal) والصارم؛ وستكون كل مخرجات مثل هذا التمثيل موهومة علمياً (pseudo-sceintific) واختزالية ناقصة. أبنية لغات البشر – وإن تضمنت أوجهاً رقمية أكيدة – ليست رياضية، البتة، أولاً. وهي، ثانياً، متعددة الانظمة (النظام الصوتي والصرفي والنحوي والدلالي والتداولي والأسلوبي) المتواشجة والمتفاعلة دلاليا فيما بينها كوجود اجتماعي ديالكتي متغير المعاني مع تغير المقام والسياق الاجتماعي والتي تستعصي على التمثيل الرياضي الجامع المانع!
لنأخذ – للتبسيط – هذه الجملة العربية:
1. "المرأة حامل."
هذه الجملة الإسمية تتألف من إسم مبتدأ (المرأة)، وخبره الإسم الوصفي "حامل"؛ ونستطيع تطبيق قاعدة اعادة الصياغة (sentence rewrite rule) الرياضي عليها:
S → NP NP
فهل القاعدة أعلاه للجملة الإسمية العربية تعتبر ضمن قواعد النحو العالمي التشومسكية لنموذجة المعياري (TGG Standard Theory) للنحو التحويلي التوليدي؟
الجواب: لا، قطعاً!
لماذا؟
لأن هذا النحو – الذي سطَّره تشومسكي وشركاه بالاستناد على قواعد اللغة الإنجليزية وغيرها من اللغات الغربية التي لا توجد في نحوها الجملة الإسمية – يعتبر ركن الفعل موجوداً في قواعد النحو العالمي في كل جملة؛ ومثله - وجوباً، طبعاً – وجود ركن الفاعل لذلك الفعل!
ولكن الجملة العربية الصحيحة إعرابياً أعلاه لا يوجد فيها لا فعل ولا فاعل - وهما الركنان الأساسيان في النحو العالمي التشومسكي بموجب نموذجه المعياري ذاك! ماذا يقول لنا تشومسكي بصددها؟
إنه يفتري كي يمرر نحوه الفاسد علينا بالإدعاء بأن فعل الكينونة (يكون) موجود في الجملة أعلاه، ولكنه محذوف لكون اللغة العربية هي من اللغات التي تحذف فعل الكينونة من الجملة؛ وأن هذا الفعل الموهوم إنما هو موجود في "بنيتها العميقة" (كذا!)، بغية فرض وجود الفعل والفاعل "العالمي" الموهوم عليها! وبالتالي فإن قاعدة إعادة كتابة النحو العالمي التشومسكية للجملة أعلاه وفق نموذجه المعياري هي:
S → NP VP NP
2. المرأة تكون حاملاً !
مبتدأ [+ فعل + [فاعل + مفعول به](خبر)]
ولكن الجملة الأخيرة (2) هي جملة أخرى مختلفة إعرابياً ودلالياً تماماً عن الجملة في (1) التي نحن بصدد تحليلها نحوياً: "المرأة حامل". ومن الواجب على قواعد النحو العالمي أن تحلل بدقة ناجزة كل الجمل التي تُقال في العربية (وفي أي وكل لغة أخرى) كما هي بالضبط، وليس بفرض وجود فعل وفاعل عليها من خارجها مما يستوجب قلب الخبر المرفوع في الجملة الإسمية تلك إلى مفعول به منصوب كما هو حاصل في (2)!
كيف يجوز إضافة فعل وفاعل، مع قلب الإسم الخبر المرفوع في الجملة العربية الإسمية إلى مفعول به منصوب في النحو التشومسكي المعياري إياه؟ أي علم "عالمي" لغوي نزيه هذا؟
ولكن، لما كانت اللغة هي استخدام (use)، ففي أي سياق لغوي-اجتماعي يمكن أن يقول الناطق بالعربية الجملة (2) ؟
الجواب: فقط، وحصراً، في سياق شَرْطي؛ مثلاً:
3. المرأة تكون حاملاً إذا انتفخ بطنها.
ولكننا بدأنا بجملة إسمية بسيطة تتألف من مبتدأ وخبر، فإنتهينا - بتطبيق قواعد النحو العالمي المعيارية لتشومسكي - إلى جملة شرطية معقدة ذات فعل للشرط وجواب له، فمن أين لنا كل هذا الخرط؟ أي درس لغوي هذا؟
هذه هي نتائج التعميم اللغوي من الخاص إلى العام من على كرسي الأستاذية لتشومسكي، بلا قاعدة بيانات تحليلة شاملة تكشف النقاب عن كيفية تأثير الإستخدام الإجتماعي لكل لغة على شكل بنى منطقها النحوي.
تأملوا بون كفاءة الوصف النحوي بين التعميم التشومسكي الكوني لجملة ركني الفاعل والفعل أعلاه، وبين تعميم الخليل وتلميذه سيبويه للمسند (ِA) والمسند إليه (B) ركنين أساسيين أعليين (supercategories) لكل جملة عربية، حيث يشتمل ركن "المسند" التحقق إما بالإسم (NP) أوالفعل (VP) أو شبه الجملة الظرفية المؤلفة من حرف الجر وإسمه (PP)، وحيث يتحقق المسند إليه إما بالإسم أو شبه الجملة الظرفية.
S → A + B
A: {NP, VP, PP}
B: {NP, PP}
وكفى الله علماء اللغة شر الإقتتال!
هل يمكن لمفهوم المسند والمسند إليه الخليلي أن يحقق النواة الجملية (kernel sentence) للنحو العالمي ؟
الجواب: هذه الفرضية تتطلب التطبيق على كل لغات العالم لاستكشاف مدى عموميتها البنيوية الكونية، لا التعميم الكاسح من على كرسي الأستاذية مثلما فعل تشومسكي. وقد تنطبق على مجموعة من اللغات ولا تنطبق على غيرها؛ وعلى البحث اللغوي المستقبلي استكشاف مصداقية ومديات صحة هذه الفرضية في ضوء توفر البيانات اللغوية الرقمية لغالبية لغات العالم الحية على الشبكة العنكبية اليوم. ومثل ذلك إختبار فرضية مدى عالمية بحور الخليل الشعرية التي تستخدم اليوم في الاقل على توزين الشعر العربي والفارسي والتركي والأوردي.. وقد جرَّبته شخصياً على تقطيع الشعر الإنجليزي، فوجدته لا يشتغل عليه لإهمال الأوزان الشعرية في الإنجليزية للقيم الصوتية للأصوات الصحيحة كلها، واكتفائها باحتساب التضاد بين القيم المنبورة وغير المنبورة لأصوات العلة في التوزين.
وبسبب الفشل التطبيقي المتواتر لكل واحد من نماذجة التحليلية الخمسة المتعاقبة النافية لبعضها البعض: (TGG, PP, Government & Binding X bar Theory Minimalist Program (Merge))، نجد أن تشومسكي يتعامل مع نماذجه النحوية على طريقة: "بكيف الباطول" ! ففي نموذجه النحوي المسمى "المبادئ والمعايير" ( Principles & Parameters (PP)) العائد لثمانينات وتسعينات القرن الماضي، نراه يلغي العديد من قواعده النحوية الأساسية السابقة المميزة لنموذجه التحليلي المعياري للخمسينات والستينات الخاصة بكل لغة (مثل البنية العميقة والسطحية والتحويلات)، ليختزل القواعد النحوية العالمية إلى مجموعة من "المبادئ"، بالإضافة إلى عدد محدود من "المعايير" التجريبية المؤقتة. ثم يعود مرة خامسة لإلغاء مبادئه ومعاييره تلك في البرنامج التبسيطي (Minimalist Program) (من منتصف التسعينات فصاعدًا) عبر اختزاله العمليات النحوية الأساسية إلى عدد قليل من العمليات الأولية (الدمج، النقل كآثار جانبية). والدمج (merge) عنده هو عملية ثنائية أساسية تجمع بين عنصرين نحويين لتكوين كائن هرمي جديد (مثل دمج حرف الجر بإسم المكان المجرور لتكوين عبارة ظرفية)؛ ويؤدي تطبيقه المتكرر إلى تكوين بنى غير محدودة. وهذا المفهوم النحوي ليس بجديد، بل هو تحصيل حاصل (لكون المبتدأ يحتاج وجوباً إلى خبره، والفعل لفاعله، والصفة لموصوفها، والمضاف للمضاف إليه، إلخ)، وهو لا يُغني ولا يُسمن من جوع لدارسي نحو أي لغة ...
ولكن هل توجد دراسة علمية تجريبية رصينة لإستكشاف أوجه النحو العالمي بالإستناد على تحليل عينة لغوية واسعة من عدة لغات مختلفة؟
نعم، بالتأكيد. انها مجموعة "الثوابت اللغوية" (Linguistic Universals) (1966 1978) لعالم اللغة الأمريكي جوزيف غرينبيرغ (1915-2001) (Joseph Greenberg) من جامعة ستانفورد، المستندة بشكل أساسي إلى تحليله لقاعدة بيانات من ثلاثين لغة، بضمنها لغات أفريقية وأمريكية جنوبية وآسيوية (التركية، الهندية، اليابانية، البورمية)، علاوة على اللغات الأوربية. وقد وجد أن اللغات إلتي حلل بياناتها تنقسم إلى ثلاثة أنواع فقط وفقَ طريقة ترتيب جملها لمكوناتها الأساسية من الفاعل (ٍS) والفعل (V) والمفعول به (O): فاعل-فعل-مفعول به (ٍSVO)؛ فاعل-مفعول به-فعل (SOV)؛ وفعل-فاعل-مفعول به (VSO). وفي "الثوابت اللغوية للتصنيف" نجد هذه التعميمات الستة:
1. "في الجمل الخبرية التي تحتوي على فاعل ومفعول به اسميين، يكون الترتيب السائد دائمًا تقريبًا هو الترتيب الذي يسبق فيه الفاعل المفعول به."
2. "في اللغات التي تحتوي على حروف جر، تأتي حالة الإضافة دائمًا تقريبًا بعد الاسم الحاكم (المضاف)، بينما في اللغات التي تحتوي على حروف لاحقة، فإنها تسبقه دائمًا تقريبًا."
3. "اللغات التي يغلب عليها ترتيب الفعل قبل المفعول به تكون دائماً لغات جرّية ."
4. "بتردد يفوق الصدفة بكثير، فإن اللغات ذات الترتيب العادي SOV هي لغات تلصق الواحق بنهاية الكلمات ."
5. "إذا كانت اللغة تحتوي على الترتيب SOV المهيمن، وكان المضاف إليه يتبع الاسم الحاكم، فإن الصفة تتبع الاسم بالمثل."
6. "جميع اللغات التي يسود فيها ترتيب الفعل والمفعول به (VSO) يكون لديها كذلك جملة ترتيب الفاعل والمفعول به (SVO) كبديل أو كترتيب أساسي بديل وحيد."
ويتميز هذا النموذج التحليلي ليس فقط ببساطته الوصفية وقوته التفسيرة والتجريبة، بل وكذلك بإمكانية البناء التراكمي عليه بتطويره وتضبيطة باستمرار وفق البيانات المحللة للغات إضافية.. وصولاً إلى تغطية كل لغات العالم. وبإمكان المهتمين من القارئات والقراء الكرام الإطلاع على بقية الثوابت اللغوية الخمسة والأربعين لهذا النموذج الرائد على أي من الرابطين:
https://babel.ucsc.edu/~hank/114/greenberg.pdf
https://en.wikipedia.org/wiki/Greenberg%27s_linguistic_universals
يتبع، لطفاً.
#حسين_علوان_حسين (هاشتاغ)
Hussain_Alwan_Hussain#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟