|
|
عودة جدلية الطبيعة: النضال من أجل الحرية كضرورة (1)
حسين علوان حسين
أديب و أستاذ جامعي
(Hussain Alwan Hussain)
الحوار المتمدن-العدد: 8589 - 2026 / 1 / 16 - 14:02
المحور:
ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
ملاحظة تقديمية هذه المقالة هي ترجمتي من الإنجليزية [الملاحظات بين قوسين كبيرين لي] لـ “محاضرة دويتشر التذكارية” لعام 2020 ، التي يُلقيها سنوياً الحائز على جائزة: "إسحاق وتمارا دويتشر التذكارية"، والتي مُنحت في عام 2020 لجون بيلامي فوستر عن كتابه: "عودة الطبيعة: الاشتراكية والبيئة" (دار النشر: مَنثلي ريفيو، 2020). نُشرت هذه المحاضرة لأول مرة في مجلة "المادية التاريخية" (المجلد 30، العدد 2، 2022): 3-28. وقد نُقّحت للنشر في مجلة "مَنثلي ريفيو" بموافقة مجلة "المادية التاريخية" ودار النشر التابعة لها: بريل. أما جائزة إسحاق وتامارا دويتشر التذكارية فهي جائزة سنوية تُمنح تكريماً للمؤرخ إسحاق دويتشر وزوجته تامارا دويتشر للكتاب الجديد المنشور باللغة الإنجليزية والذي: "يمثل أفضل وأكثر الكتابات الجديدة ابتكاراً في أو حول التقاليد الماركسية"؛ وهي جائزة مستمرة منذ عام 1969. والكاتب الأمريكي الماركسي جون بيلامي فوستر (مواليد 19 آب 1953) هو أستاذ علم اجتماع في جامعة أوريغون، ومحرر مجلة " مَنثلي ريفيو". وقد نشر عدة كتب في الاقتصاد السياسي للرأسمالية والأزمة الاقتصادية، وعلم البيئة والأزمة البيئية، والنظرية الماركسية. ومن كتبه المنشورة: • الكوكب الهش (1999) • علم البيئة عند ماركس (2000) • علم البيئة ضد الرأسمالية (2002) • الثورة البيئية (2009) • نظرية الرأسمالية الاحتكارية (2014) • فوستر، ج. ب، و ب. كلارك، و ر. يورك (2010) الصدع البيئي • فوستر، ج. ب، و ر. و. مكشيني (2012) الأزمة التي لا تنتهي • فوستر، ج. ب و ب. بوركيت (2016) ماركس والأرض • ترامب في البيت الأبيض: مأساة ومهزلة (2017) • عودة الطبيعة: الاشتراكية والبيئة (2020) • الرأسمالية في عصر الأنثروبوسين: الخراب البيئي أم الثورة البيئية؟ (2022) نص المقال: عودة جدلية الطبيعة: النضال من أجل الحرية كضرورة بقلم: جون بيلامي فوستر مجلة "المراجعة الشهرية" (مَنثلي ريفيو: Monthly Review): المجلد. 74، العدد 07 (كانون الأول 2022) "من المبادئ الأساسية للماركسية أن تغيّر الظروف المادية يُؤدي إلى تغير أفكارنا عن العالم الذي نعيش فيه. نشهد اليوم تحولًا هائلًا في علاقة المجتمع البشري بالعالم الطبيعي الذي يُعد جزءًا منه، ويتجلى ذلك في ظهور ما يُعرف الآن بعصر الأنثروبوسين في التاريخ الجيولوجي، حيث أصبحت البشرية هي القوة الدافعة الرئيسية في تغيير نظام الأرض. إذ يُهدد "الصدع البشري المنشأ" في الدورات البيوجيوكيماوية للأرض، والناجم عن النظام الرأسمالي، بتدمير الأرض كموطن آمن للبشرية ولعدد لا يُحصى من الكائنات الحية التي تعيش عليها، وذلك في غضون عقود لا قرون (1). وهذا يستلزم بالضرورة تصورًا جدليًا لعلاقة البشرية بما أسماه كارل ماركس: "الأيض الكوني للطبيعة" (2). لا يقتصر الهدف اليوم على فهم العالم فحسب، بل على تغييره قبل فوات الأوان . بما أن الماركسية كانت - منذ نشأتها في منتصف القرن التاسع عشر - الأساس الرئيسي لنقد المجتمع الرأسمالي، فمن الطبيعي أن يُتوقع منها أن تقود الطريق في النقد البيئي للرأسمالية. ولكن في حين يُمكن القول إن الماديين التاريخيين والاشتراكيين عمومًا قد لعبوا الدور الرائد والتكويني في تطوير النقد البيئي - لا سيما في العلوم - فإن المساهمات الرئيسية للبيئية الاشتراكية، وخاصة في بريطانيا، ظهرت خارج الاتجاهات الرئيسية التي حددت الماركسية في القرن العشرين ككل. ففي بداية عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين، ظهرت فجوة عميقة داخل النظرية الماركسية، مما أعاق تطور الرؤية البيئية المتماسكة داخل اليسار. إنّ التشدد الذي اتسم به الفكر السوفيتي الرسمي - بحلول منتصف ثلاثينيات القرن العشرين في تناوله لمسألة جدلية الطبيعة والمادية الجدلية بشكل عام - كان له نظيرٌ في الرفض القاطع الذي أبداه الماركسيون الغربيون لجدلية الطبيعة والمفهوم المادي للطبيعة. وبالتالي، فإنّ الحديث عن "عودة جدلية الطبيعة: النضال من أجل الحرية كضرورة" يُشير إلى تجاوز التناقضات الرئيسية التي كانت تعيق تطور النقد الماركسي البيئي الموحد في عصرنا، إستنادًا إلى النظرية المادية التاريخية الكلاسيكية والطبيعية الجدلية التي نشأت في بريطانيا في فترة ما بين الحربين العالميتين. أولاً: الماركسية ما بعد لوكاتش ونقد جدلية الطبيعة لقد حدث تحول كبير في الفكر الماركسي قبل قرن من الزمان تقريبًا في أعقاب نشر كتاب جورج لوكاتش: " التاريخ والوعي الطبقي" عام 1923، مما أدى إلى ظهور ما يُعرف الآن بتقاليد "الفلسفية الماركسية الغربية"، والتي يمكن الإشارة إليها بشكل أدق باسم "ماركسية ما بعد لوكاتش" (3). استخدم لوكاتش الديالكتيك الهيغلي ليجادل بأن البروليتاريا هي الذات والموضوع المتطابقان للتاريخ، مما أعطى تماسكًا فلسفيًا جديدًا للماركسية، وفي الوقت نفسه فقد أعاد تعريف الفكر الجدلي من حيث الشمولية والوساطة. ومع ذلك، وفيما أصبح سمةً مميزةً للماركسية الغربية، فقد رفض لوكاتش - تماشياً مع التقاليد الكانطية الجديدة - مفهوم فريدريك إنجلز الخاص بجدلية الطبيعة، على أساسٍ مزعومٍ مفاده أن إنجلز قد اتبع "نهج هيجل الخاطئ" في اعتبار الجدلية عاملةً بشكلٍ كاملٍ في الطبيعة الخارجية (4). هنا، طبَّق لوكاتش مبدأ جيامباتيستا فيكو القائل بأننا نستطيع فهم التاريخ (المجال المتعدي) لأننا "صنعناه"، وبالتالي يمكن القول إن الانعكاسية الجدلية تنطبق في جميع هذه الحالات. وعلى العكس من ذلك، وبالمنطق نفسه، لا يمكننا فهم الطبيعة (المجال غير المتعدي) جدلياً، بالمعنى نفسه، لأنها خالية من الذات (5). في الوقت نفسه، تجدر الإشارة إلى أن لوكاتش لم يرفض بشكل قاطع جدلية الطبيعة في كتابه: "التاريخ والوعي الطبقي" ، بل تبنى، كما فعل إنجلز نفسه، فكرة وجود "جدلية موضوعية بحتة" للطبيعة، قابلة للإدراك من قِبل "المراقب المحايد"(6). ويمكن اعتبار هذه الجدلية أساسًا لجدلية الذات والموضوع التاريخية العليا في الممارسة الاجتماعية الإنسانية. وبهذا، فقد تصور لوكاتش، متأثرًا بإنجلز في هذا الصدد، تسلسلًا هرميًا للجدلية، يمتد من الجدلية الموضوعية البحتة، وصولًا إلى جدلية الذات والموضوع المتطابقين في التاريخ. علاوة على ذلك، في أعماله اللاحقة - بدءًا من مخطوطته "التبعية" التي كتبها في غضون سنوات قليلة من كتابه "التاريخ والوعي الطبقي"- فقد أصبح لوكاتش من أشد المدافعين عن جدلية الطبيعة والمجتمع المتجذرة في نظرية ماركس عن الأيض الاجتماعي (7). ["التبعية" هي نزعة في الماركسية تُعنى بتلبية الآراء الرجعية التي تُعمّق الانقسام بين الطبقة العاملة في القضايا وثيقة الصلة بالصراع الطبقي، كالإقتصادية والعنصرية، والحركة النسوية، وحقوق مجتمع الميم، بدلاً من قيادة الطبقة العاملة بأكملها، والارتقاء بها، وتوحيدها في نضال ثوري. وتعتبر النزعة "العفوية" أحد أشكال التبعية التي تُختزل دور الحزب الطليعي إلى مجرد مُسجّل للأحداث، وتمنعه من قيادة الثورة. كان لينين هو أول من استخدم هذا المصطلح لوصف "الاقتصاديين" الذين نادوا بأولوية النضال لتحقيق المكاسب الاقتصادية للطبقة العاملة على الثورة الاشتراكية. الإشارة هنا هي لمخطوطة لوكاتش غير المكتملة المعنونة "النزعة التبعية والجدل" التي تعود لعامي 1925-1926، والتي لم تُنشر إلا عام 1996 باللغة الهنغارية تحت عنوان "دفاع عن التاريخ والوعي الطبقي" (توفي لوكاتش عام 1971).] ومع ذلك، اتخذ الماركسيون ما بعد لوكاتش الرفض القاطع لجدلية الطبيعة كمبدأً أساسيٍ للماركسية الغربية، بل وحتى لفكر ماركس نفسه. وبهذا، فقد تم فصل إنجلز عن ماركس. وكما كتب جان بول سارتر: "في العالم التاريخي والاجتماعي... يوجد بالفعل عقل جدلي؛ بنقله إلى العالم "الطبيعي"، وإدراجه فيه قسرًا، جَرَّده إنجلز من عقلانيته: لم تعد هناك جدلية ينتجها الإنسان بإنتاج نفسه، والتي بدورها تنتج الإنسان؛ بل أصبح هناك قانون عرضي فقط، لا يمكن قول شيء عنه إلا أنه كذلك لا غير" (8). وقد ارتبط هذا النقد بالعداء تجاه المادية والواقعية العلمية، بمعنى رفض المفهوم المادي للطبيعة، والابتعاد عن إنجازات العلم (9). ولذلك، فقد غاب التحليل البيئي الجاد عن التراث الفلسفي الماركسي الغربي. وعلى الرغم من وجود النقد الشهير لـ"هيمنة الطبيعة" في أعمال منظّري مدرسة فرانكفورت، ماكس هوركهايمر وتيودور أدورنو، إلا أنه لم يتجاوز نقد علوم عصر التنوير، ليُسلّم في النهاية بتشاؤمٍ بضرورتها الحتمية (10). فيما لم يتجاوز تناول هربرت ماركوزه لـ"ثورة الطبيعة" في كتابه "الثورة المضادة والثورة " مفهوم هيمنة (وتلويث) "الصفات الجمالية الحسية" للطبيعة كوسيلةٍ لهيمنة البشرية، والحاجة إلى ثورة بيئية ردًا على ذلك (11). في الواقع، لا يمكن إجراء أي تحليلٍ ذي مغزى للعلاقة بين الطبيعة والمجتمع في ظل إنكار كلٍّ من المفهوم المادي للطبيعة وجدلية الطبيعة، لأن مثل هذا الإنكار يترك النظرية الماركسية بلا تحليلٍ جدلي نقدي واقعي يُمكن الاستناد إليه في النقد البيئي. في أحسن الأحوال، ضمن الخطاب الفلسفي الماركسي الغربي، فقد تم اختزال علاقة الإنسان بالطبيعة إلى التكنولوجيا، والتي كانت حينها عرضة للنقد باعتبارها صنمية وضعية للتقنية، منفصلة عن السؤال الأوسع للعالم الطبيعي والعلاقة الإنسانية الاجتماعية داخله. ما كان ينقص هذا النهج الأحادي البعد هو وجود أي تصور للطبيعة نفسها كقوة فاعلة. وكما كتب روي بهاسكار في نقده لهذه النزعات في الماركسية الغربية: "لقد اقتصر الماركسيون [أي: الفلاسفة الماركسيون الغربيون] في الغالب على دراسة جانب واحد فقط من العلاقة بين الطبيعة والمجتمع، ألا وهو التكنولوجيا، واصفين الطريقة التي يستغل بها البشر الطبيعة، متجاهلين فعليًا الطرق (التي يُفترض أنها تُدرس في علم البيئة وعلم الأحياء الاجتماعي وما إلى ذلك) التي من خلالها، إن صح التعبير، تعيد الطبيعة استغلال البشر" (12). وعلى خلاف ذلك، فقد تواصل وجود تيار قوي من الجدلية البيئية والمادية النقدية غير الآلية في العلوم الطبيعية في الجزر البريطانية، متطورًا من تقليد استند إلى كل من ماركس وتشارلز داروين، والذي أصبح فيما بعد وريثًا لعلم البيئة السوفيتي الثوري المبكر في عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين. كان هذا "الأساس الثاني" للفكر الماركسي داخل العلوم الطبيعية هو الذي صمد في الغرب، وخاصة في بريطانيا، والذي امتد إلى ماركس وإنجلز نفسيهما؛ وهو الذي لعب الدور التكويني في تطوير النقد البيئي، والذي شكل القصة الرئيسية التي رُويت في كتاب " عودة الطبيعة" (13). ثانيًا: من علم البيئة عند ماركس إلى عودة الطبيعة يتناول كتاب "عودة الطبيعة" بشكل أساسي مسألة الترابط العضوي القائم بين الاشتراكية وعلم البيئة، والذي برز في القرن الذي أعقب وفاة داروين وماركس عامي 1882 و1883 على التوالي؛ مع التركيز بشكل خاص على التطورات في بريطانيا والولايات المتحدة. ويتبع الكتاب خيطًا بدأته أنا في كتابي "علم بيئة ماركس" قبل عشرين عامًا. ويُعرف هذا العمل بشرحه لنظرية ماركس عن "الفجوة [أو: الصدع] الأيضية". لكن الهدف الحقيقي للكتاب كان شرح كيفية تطور المادية عند ماركس وذلك بالعودة إلى مواجهته في أطروحته للدكتوراه مع فلسفة إبيقور المادية القديمة. وقد جادل الكتاب بأن منظور ماركس البيئي قد تطور كمقابل لإدراكه للمفهوم المادي للطبيعة الذي يقوم عليه المفهوم المادي للتاريخ. تتألف النظرة المادية الشاملة، كتلك التي طورها ماركس، من ثلاثة جوانب: 1. المادية الأنطولوجية، التي تركز على الأساس المادي للواقع بمعزل عن الفكر والوجود البشريين، والتي انبثق منها الجنس البشري نفسه؛ 2. المادية المعرفية، التي تُفهم على أفضل وجه باعتبارها واقعية نقدية جدلية؛ 3. المادية العملية، التي تركز على الممارسة الإنسانية وأساسها في العمل. ولأن ماركس وإنجلز رفضا المادية الميكانيكية أو الميتافيزيقية، فقد كانت ماديتهما جدلية بالضرورة في جوانبها الثلاثة: الأنطولوجيا، والمعرفة، والممارسة (14). في فكر ماركس، ارتبطت المادية ارتباطًا وثيقًا بالفناء ("الموت الخالد") الذي ينطبق على كل الوجود، مُعرّفًا العالم المادي (15). في هذا المنظور المستمد من المادية اليونانية القديمة، لا شيء يأتي من لا شيء، ولا شيء إذا ما فُني يعود إلى لا شيء. كان العالم الاجتماعي البشري، في تصور ماركس، بمعنى المادية الأبيقورية، شكلًا أو مستوىً ناشئًا من التنظيم داخل الكون الطبيعي المادي. الطاقة (المادة والحركة)، والتغيير، والظروف الطارئة، وظهور التجمعات أو الأشكال التنظيمية الجديدة، كلها سمات تميز العالم الطبيعي المادي، الذي يمكن تفسيره من خلال ذاته، كعملية من عمليات التاريخ الطبيعي (16). كان تحليل ماركس منذ البداية متجذرًا في نظرية التطور التي كانت نظرية داروين في الانتقاء الطبيعي تتويجًا لها في القرن التاسع عشر. أضاف ماركس، في نقده للاقتصاد السياسي، إلى هذه النظرة المادية الشاملة، المفهوم البيئي الثلاثي الأبعاد: (أولاً) الأيض الكوني للطبيعة؛ (ثانياً) الأيض الاجتماعي (أو العلاقة الإنسانية بالطبيعة تحديدًا من خلال عملية العمل والإنتاج)؛ و(ثالثاً) الفجوة الأيضية (التي تمثل الدمار البيئي الناجم عن تعارض الأيض الاجتماعي مع الأيض الكوني للطبيعة) (17). وهكذا، لم تكن عملية العمل والإنتاج مفتاحًا لنمط الإنتاج في أي شكل تاريخي للمجتمع فحسب، بل ومثّلت أيضًا العلاقة الإنسانية بالطبيعة، وبالتالي العلاقات الاجتماعية البيئية. وشكّلت نظرية ماركس عن الفجوة الأيضية، التي طُوّرت أولًا في سياق الفجوة في دورة مغذيات التربة الناتجة عن شحن الغذاء والألياف إلى المراكز الحضرية الجديدة - حيث انتهى المطاف بالعناصر الغذائية الأساسية، مثل النيتروجين والفوسفور والبوتاسيوم، كملوثات بدلًا من عودتها إلى التربة - المحاولة الأكثر تقدمًا في عصره لفهم العلاقة بين الإنسان والبيئة. كان من المفترض أن تتجذر جميع الأفكار البيئية اللاحقة، وصولاً إلى نظرية النظام البيئي وتحليل نظام الأرض، في هذا النهج الأساسي نفسه، مع التركيز على عملية التمثيل الغذائي. مع ذلك، لم يتناول كتاب "بيئة ماركس" الدور التأسيسي الذي لعبه المفكرون الاشتراكيون بعد ماركس في ظهور علم البيئة بشكل كافٍ. علاوة على ذلك، بقيت قضية جدلية الطبيعة الشائكة، المرتبطة تحديدًا بإنجلز. وقد تناول كتاب "عودة الطبيعة" هذه القضايا. ورغم أن "بيئة ماركس" كان محاولة مباشرة لتجسيد وجهات نظر ماركس المادية والبيئية، إلا أن السردية التي رُويت في "عودة الطبيعة" كانت أكثر تعقيدًا، لا سيما أنها اضطرت إلى تجاوز بعض الانقسامات داخل الماركسية نفسها. • هنا يجب أن نفهم أن الرفض المتزامن لكل من المفهوم المادي للطبيعة وجدلية الطبيعة في الماركسية الغربية كان إرثًا من التقاليد الكانطية الجديدة، التي نشأت في الفلسفة الألمانية مع كتاب فريدريك لانغه "تاريخ المادية" عام ١٨٦٥. حاول لانغه استخدام مفهوم كانط عن "النومينون"، أو الشيء غير القابل للمعرفة في ذاته، كأساس لهدم المادية، وهي وجهة نظر طورها الكانطيون الجدد اللاحقون بطرق أكثر تعقيدًا. مع صعود الكانطية الجديدة، احتلت نظرية المعرفة مكانتها المهيمنة في الفلسفة، متجاوزة الأنطولوجيا، ومُزيحةً أيضًا المنطق الجدلي المرتبط بهيجل. نُظر إلى الأفكار المادية والعلوم الطبيعية على أنها وضعية بطبيعتها. وأُفسح المجال مجددًا للدين والفلسفة المثالية عبر "النومينون" الكانطي ، أو الأشياء في ذاتها (18). وكما لاحظ ماركس وإنجلز، فإنّ الآراء اللاأدرية والثنائية للعلماء البريطانيين مثل توماس هكسلي وجون تيندال كانت وثيقة الصلة بهذا الأمر (19). [ النومينون الكانطي، أو "الشيء في ذاته" (Ding an sich) هو مفهوم كانطي غامض للشيء كما هو موجود بشكل مستقل عن الحواس البشرية والفهم، وهو نقيض الظاهرة (المظهر) التي ندركها من خلال مرشحات عقولنا للمكان والزمان، مما يجعل الشيء الحقيقي غير قابل للمعرفة في نهاية المطاف. هذا المفهوم المثالي الموضوعي الذي ينقض نفسه بنفسه يتناقض مع الديالكتيك المادي الذي يقول بكون الجوهر يظهر وأن الظاهرة جوهرية؛ وأن العلوم يستطيع التعرف على ماهية كل الأشياء (كل ما هو عقلي واقعي، وكل ما هو واقعي عقلي). ولقد أنتقد هيجل التناقض الكائن في تصور كانط لوجود "شيء في ذاته" غير قابل للمعرفة والذي يفترض أنه يؤسس المظاهر لكونه مفهوماً ميتافيزيقياً فارغاً لا يتوافق مع العقل ولا يوجد أي سبب لافتراض وجوده أصلاً ما دام كائناً دائمًا خارج التجربة لتعارضه مع ادعاء العقل بالشمولية، حيث يجب أن تشمل المعرفة الواقع، لا أن تقتصر على المظاهر. (ما دام النومينون غير قابل للمعرفة، فكيف عرِفه كانط أصلاً؟ فتش عن الغرض: تبرير الدين)] في معارضته للثنائية الكانطية الجديدة التي طرحها لانغه، والتي رفضت كلاً من المادية والجدل الهيغلي، ردّ ماركس بجرأة قائلاً: "إن لانغه ساذجٌ لدرجة القول بأنني أتحرك بحرية نادرة في المادة التجريبية. ليس لديه أدنى فكرة أن هذه الحركة الحرة في المادة ليست سوى إعادة الصياغة لمنهج التعامل مع المادة، ألا وهو المنهج الجدلي" (20) . وبالمثل، كَتَبَ ماركس في كتاب رأس المال : "إن منهجي الجدلي، في أسسه، ليس مختلفًا عن المنهج الهيغلي فحسب، بل هو نقيضه تمامًا... فعندي... ليس المثال الأعلى سوى العالم المادي المنعكس في عقل الإنسان، والمترجم إلى أشكال الفكر (21). عندما أشار ماركس إلى انعكاس "العالم المادي في ذهن الإنسان"، لم يكن لديه مفهوم مبسط للانعكاس الذهني، بل كان لديه تصور جدلي للانعكاس (والانعكاسية) وتصور سياقي للمعرفة، حيث يلعب العقل والفاعلية الموضوعية والذاتية أدوارًا محورية ضمن واقع تاريخي دائم التغيّر. ولذلك، فقد كان موقف ماركس، على الرغم من كونه واقعيًا، شكلاً من أشكال "الواقعية النقدية الجدلية". وكما أوضح بهاسكار، فإن "منهج ماركس الجدلي، على الرغم من كونه طبيعيًا وتجريبيًا، ليس وضعيًا، بل واقعيًا ... إن جدليته المعرفية [واقعيته النقدية] تلزمه بالجدلية الوجودية المحددة [المادية] والجدلية العلائقية المشروطة [التاريخية] أيضًا" (22)." [الأقواس الكبيرة في الجملة الأخيرة تعود للأصل.] الملاحظات: 1. كلايف هاميلتون وجاك غرينيفالد، "هل تم التنبؤ بالأنثروبوسين؟"، مراجعة الأنثروبوسين ، 2، العدد 1 (2015): 59-72. 2. كارل ماركس وفريدريك إنجلز، الأعمال الكاملة ، المجلد 30، (نيويورك: الناشرون الدوليون، 1975-2004)، 54-66. 3. جورج لوكاتش، التاريخ والوعي الطبقي ، ترجمة رودني ليفينغستون، (لندن: دار ميرلين للنشر، 1971)؛ روي بهاسكار، استعادة الواقع (لندن: روتليج، 2011)، 131. 4. لوكاتش، التاريخ والوعي الطبقي ، 24؛ مارتن جاي، الماركسية والشمولية، بيركلي: مطبعة جامعة كاليفورنيا، 1984)، 115-118. 5. جيامباتيستا فيكو، العلم الجديد ، ترجمة توماس جودارد بيرجين وماكس هارولد فيش (إيثاكا، نيويورك: مطبعة جامعة كورنيل، 1976)، 493؛ جون بيلامي فوستر، عودة الطبيعة (نيويورك: مطبعة مَنثلي ريفيو، 2020)، 17. 6. لوكاتش، التاريخ والوعي الطبقي ، 207؛ ماركس وإنجلز، الأعمال الكاملة ، المجلد 25، 492. 7. جورج لوكاتش، في الدفاع عن التاريخ والوعي الطبقي: التبعية والجدلية ، ترجمة إستر ليزلي (لندن: فيرسو، 2000)، 102-107؛ جورج لوكاتش، أنطولوجيا الوجود الاجتماعي ، المجلد 3، ترجمة ديفيد فيرنباخ (لندن: مطبعة ميرلين، 1980). 8. جان بول سارتر، نقد العقل الجدلي ، المجلد 1، ترجمة آلان شيريدان سميث (لندن: فيرسو، 2004)، 32. 9. سيباستيانو تيمبانارو، حول المادية ، ترجمة لورنس غارنر (لندن: فيرسو، 1975)، كارل جاكوبي، "الماركسية الغربية" في قاموس الفكر الماركسي ، تحرير توم بوتومور (أكسفورد: بلاكويل، 1983)، 523-26؛ لوسيو كوليتي، الماركسية وهيغل ، ترجمة لورنس غارنر (لندن: فيرسو، 1973)، 191-92. 10. ماكس هوركهايمر وثيودور أدورنو، جدلية التنوير ، ترجمة جون كامينغ (نيويورك: كونتينوم، 1998)، 224، 254؛ ألفريد شميدت، مفهوم الطبيعة عند ماركس ، ترجمة بن فوكس (لندن: نيو ليفت، 1971)، 156؛ ماكس هوركهايمر، كسوف العقل ، نيويورك: كونتينوم، 2004، 123-27. 11. هربرت ماركوزه، (الثورة المضادة والتمرد (بوسطن: بيكون، 1972)، 59-78. 12. بهاسكار، استعادة الواقع ، 132. 13. فوستر، عودة الطبيعة ، 7. 14. بهاسكار، استعادة الواقع ، 115. 15. لوكريتيوس، في طبيعة الكون ، تحرير رونالد ميلفيل، دون فاولر وبيتا فاولر (أكسفورد: مطبعة جامعة أكسفورد، 1999)، 93 (III: 869). 16. أنتوني آرثر لونغ، "التطور مقابل التصميم الذكي في العصور الكلاسيكية القديمة"، مركز تاونسند للعلوم الإنسانية، 2006، متاح على berkeley.edu؛ أنتوني آرثر لونغ، من إبيقور إلى إبيكتيتوس (أكسفورد: مطبعة جامعة أكسفورد، 2006)؛ جون بيلامي فوستر، بريت كلارك، وريتشارد يورك، نقد التصميم الذكي (نيويورك: مطبعة مَنثلي ريفيو، 2008)، 155-77. 17. جون بيلامي فوستر، " ماركس والصدع في الأيض العالمي للطبيعة "، مجلة مَنثلي ريفيو 65، العدد 7 (ديسمبر 2013): 1-19. 18. للاطلاع على الكانطية الجديدة وتداعياتها على الفلسفة الجدلية والمادية، انظر: إيفالد فاسيليفيتش إيليينكوف، المنطق الجدلي ، ترجمة هـ. كامبل كريتون (دلهي: دار عكار للنشر، 2008)، ص 289-319؛ فريدريك سي. بيزر، ما بعد هيغل (برينستون، نيوجيرسي: مطبعة جامعة برينستون، 2014)؛ فوستر، عودة الطبيعة ، ص 264-269. يقول لوكاتش، الذي بدأ مسيرته ككانطي جديد: "وفقًا لنظرية كانط، فإن العالم المعطى لنا ليس إلا مظهرًا، وراءه شيء متعالٍ غير قابل للمعرفة في ذاته." (جورج لوكاتش، حوارات مع لوكاتش ، تحرير ثيو بينكوس [لندن: دار ميرلين للنشر، 1974]، ص 76). 19. ماركس وإنجلز، الأعمال الكاملة ، المجلد 45، 50، 462. 20. كارل ماركس، رسائل إلى كوجلمان (نيويورك: الناشرون الدوليون، 1934)، 112. كان ماركس يرد على الطبعة الثانية من كتاب فريدريش ألبرت لانغه حول مسألة العمال (1870. 21. كارل ماركس، رأس المال ، المجلد 1، ترجمة بن فوكس (لندن: بنجوين، 1976)، 102. 22. بهاسكار، استعادة الواقع ،120 . صرّح كاي هيرون، من منظور لاكانو-هيغلي، مؤخرًا بأن علم البيئة الماركسي، القائم على نظرية ماركس عن الصدع الأيضي، عاجز عن "تفسير الظهور العرضي لأنفسنا" كـ"ذوات من الطبيعة". إلا أن هذا هو جوهر نظرية الظهور العرضي التي طُوّرت في المادية التاريخية الكلاسيكية، والتي تتبناها الواقعية النقدية الجدلية المعاصرة (بما فيها علم البيئة الماركسي)، في التحليل النهائي. لذا، فإن تسمية هذا بـ"المادية التأملية" تُغفل جوهر المسألة: فالمسألة اليوم هي تشكيل ذات بيئية ثورية، مُتصوّرة من منظور "النموذج التحويلي للنشاط الاجتماعي"، الذي يُنظر إليه كتعبير معاصر عن المادية التاريخية. كاي هيرون، "الماديات الجدلية، الصدوع الأيضية، وأزمة المناخ"، العلم والمجتمع 85، العدد 4 (2021): 501-26؛ روي بهاسكار، الجدلية: نبض الحرية (لندن: فيرسو، 1993)، 2، 152-173. رابط المصدر: https://monthlyreview.org/articles/the-return-of-the-dialectics-of-nature/
يتبع، لطفاً.
#حسين_علوان_حسين (هاشتاغ)
Hussain_Alwan_Hussain#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
تزوير التاريخ بين ضباط الموساد ورجال الفاتِكان (3)
-
سفن السماء
-
تزوير التاريخ بين رجال الفاتِكان وضباط الموساد (2)
-
تزوير التاريخ بين قساوسة الفاتيكان وضباط الموساد (1)
-
اللغات محايدة الجنس النحوي والنظام الأبوي وأمومية اللغة العر
...
-
مشفى الحكيم سليم
-
وداعاً، رفيقي الشيوعي النبيل الكريم: أبا بسيم
-
اللغات محايدة الجنس النحوي والنظام الأبوي وأمومية اللغة العر
...
-
اللغات محايدة الجنس النحوي والنظام الأبوي وأمومية اللغة العر
...
-
اللغات محايدة الجنس النحوي والنظام الأبوي وأمومية اللغة العر
...
-
الشيخ والجبل
-
عبد الحسين سلمان عاتي والإبادة الجماعية لمصادر التاريخ (12)
-
عبد الحسين سلمان عاتي والإبادة الجماعية لمصادر التاريخ (11)
-
عبد الحسين سلمان عاتي والإبادة الجماعية لمصادر التاريخ (10)
-
عبد الحسين سلمان عاتي والإبادة الجماعية لمصادر التاريخ (9)
-
عبد الحسين سلمان عاتي والإبادة الجماعية لمصادر التاريخ (8)
-
عبد الحسين سلمان عاتي والإبادة الجماعية لمصادر التاريخ (7)
-
عبد الحسين سلمان عاتي والإبادة الجماعية لمصادر التاريخ (6)
-
عبد الحسين سلمان عاتي والإبادة الجماعية لمصادر التاريخ (5)
-
عبد الحسين سلمان عاتي والإبادة الجماعية لمصادر التاريخ (4)
المزيد.....
-
رجل دين إيراني متشدد يطالب بعقوبة الإعدام للمتظاهرين المعتقل
...
-
“سجناء الرأي” تدعو لمواصلة الضغوط من أجل مصر بلا سجناء رأي
-
سويسرا تستدعي السفير الإيراني للاحتجاج على العنف ضد المتظاهر
...
-
الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين: نندد بالعمل العدواني الإسر
...
-
أنقذوا محمد عادل
-
استياء عمالي في رونو طنجة: نقابة بلا دفاع، واستثمار بلا حد
-
A War without Headlines: Israel’s Shock-and-Awe Campaign in
...
-
Greenland? Really?
-
When Authoritarians Play Victim (From Minnesota to Tel Aviv)
...
-
الناصرية تحت القمع………. حوار مع الناشط هشام السومري
المزيد.....
-
الرأسمالية والاستبداد في فنزويلا مادورو
/ غابرييل هيتلاند
-
فنزويلا، استراتيجية الأمن القومي الأميركية، وأزمة الدولة الم
...
/ مايكل جون-هوبكنز
-
نظريّة و ممارسة التخطيط الماوي : دفاعا عن إشتراكيّة فعّالة و
...
/ شادي الشماوي
-
روزا لوكسمبورغ: حول الحرية والديمقراطية الطبقية
/ إلين آغرسكوف
-
بين قيم اليسار ومنهجية الرأسمالية، مقترحات لتجديد وتوحيد الي
...
/ رزكار عقراوي
-
الاشتراكية بين الأمس واليوم: مشروع حضاري لإعادة إنتاج الإنسا
...
/ رياض الشرايطي
-
التبادل مظهر إقتصادي يربط الإنتاج بالإستهلاك – الفصل التاسع
...
/ شادي الشماوي
-
الإقتصاد في النفقات مبدأ هام في الإقتصاد الإشتراكيّ – الفصل
...
/ شادي الشماوي
-
الاقتصاد الإشتراكي إقتصاد مخطّط – الفصل السادس من كتاب - الإ
...
/ شادي الشماوي
-
في تطوير الإقتصاد الوطنيّ يجب أن نعوّل على الفلاحة كأساس و ا
...
/ شادي الشماوي
المزيد.....
|