أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - بسام ابوطوق - سورية تتحرر.. الوطن ثابت والحكم متحول














المزيد.....

سورية تتحرر.. الوطن ثابت والحكم متحول


بسام ابوطوق
كاتب

(Bassam Abutouk)


الحوار المتمدن-العدد: 8631 - 2026 / 2 / 27 - 09:36
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


لم يكن يوم الثامن من كانون الأول (ديسمبر) مجرد سقوط مفاجئ لسلطة استبدادية دامت عقوداً، بل كان الانفجار الكبير لبركان من النضالات السورية المتراكمة، والثمرة المستحقة لصمود الحركات السياسية والنقابات التي واجهت طغيان الأسد وعانت من أبشع أنواع الاضطهاد والسجن طويل الأمد. إن هذا التحرير هو صدى لإهدار كفاءات النخب المثقفة في الملاحقات البوليسية، وانتصار لروح “ربيع دمشق” وصرخة 2011 التي واجهت “نظام التفاهة والاستبداد”، لكنه يضعنا جميعاً اليوم أمام السؤال الجوهري: الفارق بين مفهوم السلطة وبناء الدولة؟
فالسلطة، كما مارسها النظام السابق، هي مجرد أدوات للتحكم والسيطرة وفرض الولاء الأمني لتأمين بقاء “الفرد” أو “العصبة”، بينما الدولة هي الكيان المؤسساتي الراسخ الذي يعمل وفق عقد اجتماعي يحمي المواطنة ويضمن استمرار الخدمات والحقوق بمعزل عن هوية الجالس على كرسي الحكم. واليوم، نجد أنفسنا أمام تحدي الانتقال من عقلية “إدارة السلطة” التي تتصارع على النفوذ، إلى مشقة “بناء الدولة” التي تجمع الشتات تحت سيادة القانون.
إن هذا المسار يتطلب وعياً بأن سوريا لم تكن يوماً “خلاءً” سياسياً، بل تمتلك إرثاً مؤسساتياً عريقاً يمتد من دستور 1920 و المؤتمر السوري الأول، وصولاً إلى عبقرية رجالاتها الأوائل؛ من نضالات عبد الرحمن الشهبندر الذي صاغ رؤية الدولة التحررية، إلى حكمة فارس الخوري الذي رسخ مفهوم القانون والمواطنة العابرة للطوائف، وصولاً إلى وطنية فخري البارودي الذي ربط النضال بالهوية والنهضة المجتمعية. وحتى في حقبة الانتداب الفرنسي، ورغم وجهه الاستعماري المرفوض، إلا أنه ترك جانباً تمثّل في بناء مؤسسات إدارية تماثل الإدارة الفرنسية الحديثة، وهي الهياكل التي شكلت مع التجربة البرلمانية الذهبية في الخمسينيات مختبراً للتعددية الفكرية والسياسية والبرامجية الفريدة، وذلك قبل أن يحل “ليل العسكر” وقفزهم للاستيلاء على السلطة، ليدخل الوطن في دوامة الانقلابات التي صادرت الدولة لحساب “سلطة البزة العسكرية”.
إلا أن بناء الدولة لا يكتمل دون مواجهة عثرات الحاضر بشجاعة؛ فالتأخر في ملف العدالة الانتقالية، والتوجه نحو “تسويات متسامحة” مع رموز سابقة دون مكاشفة، يخدش مفهوم الدولة العادلة. كما أن التهاون في التعامل مع التجاوزات والمجازر التي وقعت في الساحل والسويداء وحجب المعلومات عنها، يعيدنا لمربع “السلطة” التي تخفي الحقائق لحماية مصالحها، بينما تنهض “الدولة” بالشفافية والمحاسبة. وفي مقابل ذلك، يبرز خطر تحول “سلاح النقد” إلى “نقد بالسلاح”، مما يجر البلاد لمغامرات تضعف النشاط المدني والوحدة الوطنية التي هي صمام الأمان الوحيد.
ويترافق هذا مع معضلة الهوية؛ فالطوائف والمذاهب والإثنيات قائمة في التاريخ والجغرافيا السورية وفي بلاد الشام وعموم العراق، لكنها كانت دوماً تعبيراً عن تنوع وتعدد وميزة افتخر بها المجتمع السوري، حيث كان الجانب الديني والثقافي هو الغالب في هذا التعايش. إلا أننا نواجه اليوم “تسييساً” مقيتاً للطائفية والمذهبية، بدأ مع سلطة البعث وتزداد ضراوته اليوم عبر شحن العصب الطائفي من قبل بعض المشايخ وانحياز بعض المثقفين لهذا التخندق، بينما الحل يكمن في “ثقافة المواطنة” وفصل المذهب والدين عن النشاط السياسي الصرف.
إن بناء الدولة الواعدة يتطلب تحرير المؤسسات من إرث “الدولة المارقة” واقتصاد “الكبتاغون” والفساد، وهذا لن يتحقق إلا بوعي الفرق بين من يريد “حكم” السوريين ومن يريد “بناء” وطنهم. وفي هذا السياق، يتكامل دور السوريين في المغتربات مع إخوتهم في الداخل؛ فالشباب السوري الذي اكتسب خبرات عالمية يشكل اليوم عمقاً استراتيجياً للدولة وسفراء لهويتها الحضارية. إن التحدي المشترك هو ترسيخ الفارق الجوهري بين الدولة والوطن ككيان جامع ومقدس، وبين الحُكم والسلطة كأداة متغيرة تخضع للمساءلة؛ فالدفاع عن مؤسسات الوطن وتطويرها التزام وطني، أما نقد السلطة ومعارضة برامجها فهو حق لا ينفصل عن بناء الدولة بل يعزز أركانها.
ختاماً، يبقى الداخل السوري الصامد الذي صنع معجزة 8 كانون الأول هو البوصلة والقلب المحرك لكل جهد، وما ينجزه السوريون في الخارج هو الرافد والظهير. سوريا التي نحلم بها لا تُبنى بـ “بوالين السلبيات”، بل بجهد تشاركي ونقد بناء يطالب بالعدالة والمكاشفة. لقد أثبت التاريخ أن سوريا تمرض لكنها لا تموت، وأن فجر الدولة التي أسسها الأجداد سيبزغ مجدداً بحكمة العقلاء الذين يدركون أن السلطة زائلة، أما الدولة والوطن فهما الباقيان.



#بسام_ابوطوق (هاشتاغ)       Bassam__Abutouk#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- سيبقى فالنتين يقاوم الحيونة بالأنسنة
- سيف الإسلام القذافي: ضحية “شهوة السلطة” وفخ الغياب
- 8 ديسمبر 2024 سوريا تتحرر 18 يناير 2026 سوريا تتوحد
- ممداني.. اليوم خمر وغداً أمر
- عودة ترمب إلى الشرق الأوسط
- من غير المسموح لأردوغان التفريط بالفرصة التاريخية
- ايلون ماسك صانع الملوك.. الرجل الذي لاتتسع له الكواكب
- سورية..من تفاهة الشر إلى الدمار الشامل.. واقع البلد مفتوح عل ...
- لماذا خسرت هاريس وفاز ترامب ؟
- كلام في المناظرات الرئاسية للانتخابات الأمريكية
- مرشحة الصدفة تواجه مرشح الاصرار
- غزة الفلسطينية تقاوم الاحتلال وتبحث عن الحياة
- للمال والاستيطان في إسرائيل وزارة واحدة
- viva نيلسون مانديلا
- غاز غزة قطبة مخفية في هذا العدوان السافر
- لجنة خاصة في الكونغرس لمواجهة الصين
- حكومة إسرائيلية متطرفة لا تستحق الفيتو الأمريكي
- لا حل للمنازعات بين الشعوب إلابالاعتراف والاعتذار
- قنوات دبلوماسية مفتوحة لمعالجة أزمة المنطاد الصيني ولكن القن ...
- سبع خطوات لفهم طبيعة الزلزال المدمر في تركيا وسوريا


المزيد.....




- إلى أي مدى تصل حملة التطهير العسكري في الجيش الصيني؟
- مصمم -بشت- كريستيانو رونالدو السعودي يكشف لـCNN قصته.. كم يب ...
- مشرعون أمريكيون: البنتاغون أسقط طائرة مسيرة تابعة للجمارك وح ...
- فانس: -لا توجد فرصة- لدخول أمريكا في حرب تمتد سنوات بالشرق ا ...
- غارات على كابول وقندهار.. باكستان تعلن -الحرب المفتوحة- على ...
- تقارير استخبارتية تفند ادعاءات ترامب بشأن قدرات إيران البالي ...
- باكستان تعلنها -حربا مفتوحة- ضد حكومة طالبان
- هل بدأت الحرب بين أفغانستان وباكستان؟ ولماذا؟
- لوبوان : -في إيران التدخل الأمريكي أمر أساسي؟-
- -ستصل إلينا قريبا-.. تقارير استخبارية أمريكية تنفي مزاعم ترم ...


المزيد.....

- مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة / هشام نوار
- من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972 / جهاد حمدان
- المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا ... / رياض الشرايطي
- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله
- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - بسام ابوطوق - سورية تتحرر.. الوطن ثابت والحكم متحول