|
|
الصليحيون والجبهة القومية والحزب الاشتراكي وبناء الدولة 1-3
قادري أحمد حيدر
الحوار المتمدن-العدد: 8631 - 2026 / 2 / 27 - 07:09
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
قادري أحمد حيدر
الصليحيون والجبهة القومية والحزب الاشتراكي، وبناء الدولة، (بين التاريخ والافتراء والتشويه)
( ١ - ٣ ) الإهداء: إلى ملوك الدولة الصليحية، كم يشعروننا بعد قرون من حكمهم، بالهوان والخذلان والعجز الذي نعيشه اليوم، في صورة حكام وقادة أحزاب "معارضة"، ارتهنوا للأجنبي، وصاروا حراساً للرهانات الخاسرة، بعد أن فرطوا بكل شيء: السيادة والكرامة الشخصية والوطنية والاستقلال، وصون بناء الدولة.
مدخل فكري، ومقارنة تاريخية:
تمثل هذه القراءة مقاربة فكرية وسياسية، لا تقف عند حدود الماضي كأثر رجعي، بل تسعى لربط ما كان بما يدور في واقعنا المعاصر. نهدف هنا إلى استكشاف أوجه الشبه بين مشروع الملك علي بن محمد الصليحي في توحيد اليمن، ومشروع "الجبهة القومية لتحرير الجنوب اليمني المحتل" في توحيد جنوب البلاد بعد قرون من التمزق. ورغم الفارق الزمني الشاسع بين العصر الإسلامي ومنتصف القرن العشرين، إلا أن جوهر "التوحيد" يظل القاسم المشترك.
قد يبدو الربط بين التجربتين غريباً أو خارجاً عن المألوف، وربما يُنظر إليه كإسقاط أيديولوجي متعسف يفصل بينهما قرون؛ فالأولى قامت بين القرنين الخامس والسادس الهجري، والثانية انطلقت في ستينيات القرن العشرين وصولاً إلى صناعة منجز الاستقلال في 30 نوفمبر 1967م.
ومع ذلك، يجمعهما أنهما تطبيق سياسي واجتماعي يمني لغرض واحد، وإن اختلفت القوى الفاعلة والأيديولوجيات. كما ترتبطان كلياً بقضية "بناء الدولة"، وتتشابهان في طبيعة التحديات العسكرية والسياسية والأيديولوجية التي واجهتهما.
باختصار، هذه السلسلة في صورة الحلقات الثلاث، هي مزاوجة بين الماضي والحاضر، واستحضار للتاريخ عبر "فلاش باكات" نقدية وتحليلية.
إن من يقرأ الوقائع بعيداً عن الوعي التاريخي، أو يكتفي بدور المتفرج أمام ضخامة التحديات التي واجهت الصليحيين والجبهة القومية، لن يستوعب بعمق جوهر التجربتين. ولا نزعم هنا أن التاريخ يكرر نفسه – فهذا مستحيل إنسانياً إلا كمهزلة – بل نسعى لاكتشاف نقاط الالتقاء في الأهداف الكبرى: بناء الدولة وتنمية الإنسان.
هي محاولة للاحتفاء ببعض صور الماضي المشرق، وللإضاءة على بعض جوانب الحاضر.
* الصليحيون، والجبهة القومية، في التاريخ السياسي.
الإسماعيلية/ الفاطمية، والزيدية الهادوية، والإثناعشرية، وغيرهم من تيارات الإمامية -أي القائلة بأن الإمامة أصل من أصول الدين- جميعها تحتوي على بُعدٍ "ثيوقراطي" (1) في فهمهم للسياسة والسلطة (الإمامة)، في إعادة أصل نسبهم إلى الرسول الكريم محمد (ص) عن طريق السيدة فاطمة الزهراء -رضي الله عنها- والإمام علي بن أبي طالب -كرم الله وجهه- مع فارق أن الإسماعيلية في صورة الملوك الصليحيين تحديداً، هم من أقاموا دولة ونظام حكم في اليمن ارتكز على "سياسة وطنية" كان الاستقرار السياسي النسبي والتسامح الديني/ المذهبي عنوانها. دولة يمكننا القول أنها بمقاييس ذلك العصر، دولة مكتملة الأركان.
جاء الملك علي بن محمد الصليحي ليوحد يمناً منقسماً وممزقاً إلى إمارات وسلطنات "دويلات متناثرة" فضلاً عن "الحكم الأجنبي" في صورة الأحباش (بني نجاح) في تهامة زبيد، الذين كانوا يسمون بحكم "الأمراء العبيد"، في بعض الكتابات التاريخية، وهو ما كان يثير حمية وعصبية القبائل اليمنية العربية، رغم الغطاء الإسلامي لأمراء بني نجاح وتبعيتهم للخلافة العباسية باعتبارهم ولاة لهم، ظلت العصبية "الوطنية"، في بعدها القبلي والوطني اليمني العربي بالمفهوم الواسع، حاضرة.
تمكن الملك اليمني علي بن محمد الصليحي رغم مذهبه الإسماعيلي، (الأقلوي)، ورغم ارتباطه بالدولة الفاطمية (المستنصر بالله)، في مصر، من جمع وحشد الناس حوله من جبل "مسار" في حراز، إلى صنعاء ومختلف مناطق اليمن.. حيث تمكن من حشد الناس حول مشروعه السياسي لبناء الدولة اليمنية الواحدة والموحدة، وحول ذلك يكتب أحدهم التالي: "الصليحيون هم من أسسوا أول دولة وحدت اليمن في العصر الإسلامي، على قاعدة التسامح الديني واستمرت قرابة قرن كامل"(2).
والأهم أنهم أقاموا الدولة العادلة – في ذلك التاريخ- فوق المذاهب والطوائف والمناطق والقبائل. دولة وحدت الجميع على قاعدة حالة مقبولة من المواطنة والمصلحة المشتركة.
حكم الملك علي الصليحي وابنه المكرم، وزوجته السيدة الحرة أروى اليمن لقرابة قرن من الزمن، الملكة السيدة الحرة أروى لوحدها حكمت قرابة نصف قرن.
لقد أخرج الملك علي بن محمد الصليحي اليمن من التجزئة والانقسام والصراع المتخلف والفوضى إلى فضاء "دولة وطنية" جامعة، متسامحة مذهبياً/ دينياً، دولة وحدت الأرض اليمنية من صنعاء إلى صعدة إلى حضرموت وعدن، بل وامتد نفوذها إلى الحجاز ومكة وحتى عمان، وصولاً إلى الهند والسند التي كانت تدخل ضمن السلطة الروحية للملك الصليحي، ومن بعده ضمن السلطة الروحية لدولة الملكة الحرة السيدة أروى بنت أحمد الصليحي، وهدف التمدد إلى مكة والمدينة هنا، لاكتساب شرعية وقدسية دينية، ليس لحكم الملك الصليحي فحسب، بل ولدولة الملك الفاطمي المستنصر بالله في مصر بالخطبة له في الجمعة (3)، في مقابل سلطة الخلافة العباسية، ولم يُعرفَ في كل تاريخ الدولة الصليحية من الملك علي بن محمد الصليحي إلى ابنه أحمد المكرم إلى زوجته السيدة الملكة الحرة أروى، أنه تم توظيف المذهبية/ الطائفية "العنصرية" أو القبلية على صورة وهيئة الحكم، وجد معها اليمنيون أنفسهم أمام صيغة حكم يمنية مقبولة في دولة واحدة مستقلة لها هيبتها ونفوذها وكرامتها السياسية والوطنية في الداخل وأمام الخارج.
وهو ما أنجزته وجسدته الجبهة القومية لتحرير الجنوب اليمني المحتل في ستينيات القرن العشرين.
إلى جانب الطابع التسامحي الديني والاجتماعي والسياسي في المذهب الإسماعيلي في اليمن، قد يكون – وهذا تقديري - يعود للنشأة التكوينية الأولى التربوية والنفسية والفكرية والثقافية والمذهبية السنية لعلي بن محمد الصليحي، ابن العالم والقاضي السني الكبير في تعميق – أكثر - روح ذلك التسامح الديني في فكره وسلوكه.
حتى تآمرت عليها، أي على الدولة الصليحية، القبائل بعد أن بدأ أمرها يضعف أواخر حكم السيدة الحرة أروى، فتكالبت عليها مشايخ القبائل، وشبه الإقطاع ورموز الدويلات النازعة إلى الاستقلال بالحكم، لاستعادة نفوذها وملكها الذي كان، وهو شأن كل دول الدنيا في التاريخ السياسي العالمي.
من نشأة إلى تقدم وازدهار، حتى الأفول. وهي المقولة الخلدونية الاجتماعية التاريخية.
وفي ظل الدولة الصليحية تنعم اليمنيون بالاستقرار والأمن، وبالعدل الاجتماعي وبالتنمية الاقتصادية الاجتماعية الحقيقية التي عاشوا وتمتعوا بثمارها في ظل ملوك الدولة الصليحية الذين كانت رحلتهم في الحكم استقراراً سياسياً طويلاً نسبياً، ووحدة للبلاد بعد صراع وحروب، وفرض استقرار سياسي، وتقدم وازدهار، ليس قياساً بما كان، بل بما تم بعد ذلك باستثناء الدولة الرسولية التي يمكن مقارنتها أو مشابهتها بالدولة الصليحية من حيث الاستقرار السياسي الطويل والإنجاز المادي والعمراني والتعليمي والحضاري.
ومع قتل الملك الصليحي في المهجم من قبل بني نجاح ووصول ابنه المكرم للحكم ودخوله في دوامة حروب، كانت بداية محاولة تفكيك الدولة، حيث بدأت عملية تمردات على حكم المكرم بعد قتل والده واختطاف والدته السيدة أسماء بنت شهاب من قبل النجاحيين، والتمردات المختلفة التي تمكن من القضاء عليها، على أن تكلفة هذه الحروب كانت ترهق ميزانية الدولة الصليحية وتضعفها وتجعل مساحة زمن الاستقرار صعبة ومحدودة. واستمر هذا الأمر حتى وفاته، وتولي الملك السيدة الحرة الملكة أروى، ومحاولة البعض استضعافها باعتبارها امرأة، ولكنها تمكنت بحنكتها الإدارية والسياسية من إدارة أمور الحكم باللين والحزم والاعتماد على القادة الأكفاء (4) كما تشير إلى ذلك جميع المصادر التاريخية، إلى جانب مساندة ودعم الخليفة المستنصر بالله للسيدة الملكة الحرة أروى، وهو ما تشير إليه وتوثقه السجلات المستنصرية في سجلات عديدة، تدعم وتؤكد حكم الملكة أروى، وخلال فترة حكمها بل وحتى قبل توليها الحكم والملك، كانت مثالاً للحاكم القوي الشجاع التقي، العالم بالأصول والفروع الدينية، حتى تقلدت مرتبة/ درجة "الحجة" وهو أرفع منصب ديني دعوي تصل إليه امرأة أو رجل في التاريخ الإسلامي، وليس من فراغ أن الخليفة المستنصر بالله كان "يوجه بعض السجلات -رأساً- باسم السيدة الحرة أثناء حياة زوجها أحمد المكرم (انظر السجلين 20، 40، وغيرهما من السجلات)، وإننا نرى الدور الهام الذي لعبته المرأة في سياسة اليمن: فيعتبر الخليفة المستنصر السيدة الحرة مثالاً أعلى للمرأة لتقلدها قلائد التقوى، ولكفاءتها في إدارة شؤون البلاد، وليقظتها في أمور الدعوة الفاطمية، لذلك لا يعدها ضمن أرباب الحجاب (انظر سجلات 20، 40، 50)" (5).
ومع تقدمها بالعمر بدأت منازع التمرد والتفكك والضعف في بنية الدولة، وخاصة بعد توظيف البعد المذهبي وهو الذي لم يتوقف في محاربة وتشويه صورة الدولة الصليحية، على خلفية الكراهية للمذهب الإسماعيلي.
يكفي الملوك الصليحيين فخراً أنهم حكموا بلاداً كلها سنية، وبدون حاضنة مذهبية، واجتماعية، ضمن حالة توافقية من التسامح الديني نسبية، مع وجود بداية منافسة قوية من بني نجاح، ومن الزيدية الهادوية، في واقع حكم ملوك إسماعيلية ضمن الدعوة الفاطمية، ومع ذلك استمروا في الحكم في محيط مذهبي مغاير على مستوى القاعدة الاجتماعية لمذهب الحكم، فضلاً عن العداء الأيديولوجي/ المذهبي للإسماعيلية في تاريخ اليمن بل والعرب الفكري والثقافي والسياسي، وهو أمر معلوم ومعروف للجميع، بل وحتى اليوم، ما تزال مظاهر وجوانب من ذلك العداء قائمة للمذهب الإسماعيلي، من كتاب "الحمادي" (أسرار الباطنية)، إلى كتاب الإمام الغزالي (فضائح الباطنية...)، وغيرهما، إلى تلفيق صور خيالية مريضة حول أباطيل كفر الإسماعيلية الدينية والاجتماعية، وهي محاولات لم تتوقف لتشويه صورة المذهب الروحية والدينية.
وهي ذات حملة العداء والافتراء والتشويه الأيديولوجية والإعلامية التكفيرية ضد الجبهة القومية والحزب الاشتراكي من بعض القوى المحلية ومن المحيط الرجعي العربي والاستعماري، والتي ما تزال مستمرة حتى اليوم بأنهم شيوعيون وملحدون سحلوا رجال الدين في الشوارع (6)، افتراءات لا يصدقها العقل السليم، وكأن مشكلة الجبهة القومية والحزب الاشتراكي كانت مع السماء (الله/ الدين)، وليس صراعاً مع التخلف والرجعية والاستعمار على الأرض.
حكم الصليحي في واقع عداء وحروب تاريخية جمعت بني نجاح العدو اللدود، ومع الزيدية الهادوية، ومن النظام العباسي في مركز الخلافة في بغداد؛ كل ذلك يدل دلالة واضحة على أن العدل والإصلاح العمراني، والمساواة وحالة المواطنة التي أقاموا عليها حكمهم، كانت هي أساس قوتهم لمقاومة كل ذلك، وأساس استقرار حكم الملوك الصليحيين، وإلا ما كان استمر حكمهم لهذه الفترة الطويلة وبصورة متواصلة، في محيط سياسي ومذهبي مناقض لهم، إن لم أقل معادٍ لدعوتهم ودولتهم في اليمن.
وصلت الجبهة القومية بعد حركة كفاح تحررية شعبية وطنية مسلحة شملت جميع أراضي جنوب البلاد (مدينة وأريافاً) وفي وضع سياسي اقتصادي اجتماعي كانت تسيطر عليه وتحكمه أكثر من ثلاث وعشرين سلطنة وإمارة ومشيخة، إلى جانب مستعمرة عدن، في مطالبتها بالحكم الذاتي.
سلطنات وإمارات ومشيخات كانت مرتبطة عضوياً ومصلحياً بالعجلة السياسية والاقتصادية الاستعمارية البريطانية طيلة مائة وتسع وعشرين سنة -- بدرجات متفاوتة - في صورة معاهدات واستشارات ومواثيق سياسية ومالية ضمن شروط سياسية تخدم وحدة المصالح "الأنجلو-سلاطينية"، في البلاد والمنطقة والعالم.
كان حكام السلطنات والإمارات والمشيخات لا يتحركون ولا يمارسون سلطاتهم وأدوارهم كحكام إلا بتبعية كاملة للاستعمار وللمندوب السامي البريطاني. وكانوا يتقاضون مرتباتهم الشهرية وميزانياتهم المالية - أغلبهم - من خزانة المستعمر، فضلاً عن الاضطهاد المزدوج الذي يمارسونه ضد الفلاحين، وفي قمع انتفاضات وتمردات القبائل ضد المستعمر البريطاني وعملائه من السلاطين والأمراء والمشايخ.
سلاطين وأمراء ومشايخ تابعون للإدارة السياسية والأمنية والعسكرية للاستعمار ضمن معادلة "الأنجلو-سلاطيني" وضمن دويلات عائلية، حاولت توظيف القبيلة تاريخياً في خدمة مصالحها، كما كان الحال مع الإمامة الهادوية في شمال البلاد.
وحين كان يبرز سلطان وطني أو قومي ثوري مناهض للمشروع الاستعماري كان يتم سجنه أو نفيه ومطاردته كما حدث مع السلطان علي عبد الكريم، والسلطان أحمد الفضلي في خمسينيات القرن الماضي. لم يهتم الاستعمار بالبلاد إلا باعتبارها موقعاً جيو-سياسياً استراتيجياً.
كل الدويلات اليمنية في الشمال والجنوب، في العصر الإسلامي تحديداً وما بعد ذلك وحتى اليوم - باستثناء الدولتين الصليحية والرسولية - كانت وما تزال تعيد إنتاج تاريخ الصراع على السلطة، وليس من أجل بناء الدولة، وهو حالنا حتى اليوم.
لم يعرف اليمن السياسي في تاريخه الإسلامي صورة دولة "العقد الاجتماعي" حتى في الحدود الدنيا لهذا المفهوم.. بل تاريخ دويلات صراعات وحروب، تغلب وغلبة.
فتاريخ الإمامة في شمال اليمن كان تاريخ دويلات متصارعة متحاربة حتى داخل الأسرة الواحدة، وصلت حد الاستقواء بالأجنبي للانتصار على الأب والأخ. وتاريخ الدويلات والسلطنات والإمارات في جنوب البلاد المتبعثرة كان حكم عائلات وأسر منقسمة على نفسها ومتصارعة، استمر لقرون طويلة من الزمن، وهو ما ترك آثاره السلبية على الأنظمة الجمهورية اللاحقة في الشمال والجنوب، ولذلك تحول حلمنا بالوحدة السلمية الديمقراطية إلى وحدة تغلب وغلبة وضم وإلحاق في صورة ما نراه قائماً اليوم.
نقرأ ونتابع ما يتم رسمه والإعداد له من خرائط سياسية، وبصورة علنية وفاضحة، من محاولة سياسية وإجرائية وعملية لتهميش دور الأحزاب والنقابات ومنظمات المجتمع المدني الحقوقية والقانونية، حيث الهجمة الأيديولوجية والسياسية والإعلامية على الأحزاب والنقابات، بل وعلى الشخصيات الوطنية جارية على قدم وساق وبقوة منذ ما يسمى "عاصفة الحزم" و"العزم" وفي صورة ما يجري في صنعاء منذ سبتمبر 2014م، من تهميش للأحزاب والقوى الحديثة ومن تصعيد للقوى والجماعات المذهبية والطائفية والقبلية.
اليوم وباسم الحوار الجنوبي- الجنوبي الفاشل، تحولت فضائيات إعلام "البترودولار" إلى قنوات لاستضافة بقايا رموز القوى الماضوية/ التقليدية: السلاطينية والمشيخية، وشبه الإقطاعية، والقبلية، وجماعات الارتزاق السياسي من كل لون، في صورة حملة هجوم منظمة وممنهجة لاستبعاد المؤسسات والأشكال السياسية والمدنية الحديثة، وعلى رأسها الأحزاب، وفي تغييب للمرأة والشباب المستنير، إلا كديكور سياسي شكلي خارجي يحسن ويزين صورة النظام، كما هو في حكومة شائع الزنداني، بحجة أن الأحزاب فشلت وهي من أوصلتنا إلى هذا المآل، وكأننا أمام محاولة لإعادة إنتاج مرحلة ما قبل الجمهورية: السلاطين والإمامة، والاستعمار في صيغة ترامبية/ أمريكية استعمارية جديدة.
كانت البداية في تشكيل ما يسمى بـ"المجلس الرئاسي الانتقالي" الثماني، من مجموعة متناقضة متناحرة، رموز تقليدية مغرقة في التخلف والرجعية، "سلفية" و"جهادية" في منطق التفكير، وإلى جانبهم أسماء بملابس حديثة تشتغل في ذات الاتجاه، وهي ذات العملية واللعبة التي تتواصل اليوم منذ ما بعد 3 ديسمبر 2024م، كأننا أمام محاولة لإعادة إنتاج دورات عنف جديدة في صورة إدارة صراع، وليس حلاً للمشكلة اليمنية.
تغليب لفكرة وقضية الانقسام والتجزئة على الوحدة.
اشتغل الاستعمار البريطاني على فكرة وقضية التجزئة وتكريسها أعمق على حساب الوحدة الوطنية للجنوب، والوحدة اليمنية، ولذلك وظف واشتغل على فكرة وشعار "الجنوب العربي"، محاولاً أن يؤسس مشاريعه الفيدرالية على مفهوم الخارطة الجغرافية بهدف أولاً فصل الجغرافيا عن التاريخ، وثانياً لتكريس استمرار التجزئة السياسية الجغرافية الجنوبية ذاتها إلى محميات شرقية وغربية ومدينة عدن، أي فصل بين البنية الديمغرافية (السكان) في جنوب البلاد إلى كيانات عائلية وقبلية وعشائرية ومناطقية، وثالثاً استمرار فصل حاد بين الجغرافيا والديمغرافيا الجنوبية عن الجغرافيا والديمغرافيا الشمالية، وهو عملياً الذي مارسه الاستعمار البريطاني في جنوب البلاد، والإمامة الحميدية المتوكلية في شمال البلاد، ولذلك حرم أبناء المحميات في الجنوب وأبناء شمال البلاد من حقهم الوطني في التعليم في المدارس الحكومية، بعد أن تحولت الجنسيات الأجنبية: الهندية والباكستانية والفارسية والصومالية والإنجليزية والأوروبيون إلى سكان أصليين من حقهم الحصول على الجنسية والجواز، والتعليم في المدارس الحكومية!!.
هذا هو خلاصة المفهوم الأيديولوجي والسياسي لشعار "الجنوب العربي" الاستعماري. إن فكرة ومفهوم وشعار "الجنوب العربي" هو شعار ومنتج أيديولوجي سياسي استعماري بامتياز. والحديث حول ذلك يطول ويحتاج لقراءة تاريخية معمقة، شعار لا صلة له بالجغرافيا ولا بالتاريخ ولا بالديمغرافيا السكانية لأبناء اليمن من الجنوب والشمال. شعار رفع وبني وركب وأقيم على الضد من كل ذلك.
رفعت "رابطة أبناء الجنوب العربي" شعار "الجنوب العربي" أولاً في مواجهة "الجمعية العدنية" (عدن للعدنيين)، وثانياً: ضد "الجمعية الإسلامية" التي حاولت جعل "الهوية الإسلامية" بديلاً عن الهوية اليمنية "الوطنية" شأن العديد من الحركات السياسية الإسلامية في ذلك الحين: "الإخوانية" و"السلفية" والجهادية اليوم "القاعدة/ وداعش"، و"النصرة"، الذين لا وطن لهم سوى الامتداد الإسلامي في صورة وهم أيديولوجية "الخلافة الإسلامية" المنشودة!!. كما اصطدمت رؤية الرابطة -لاحقاً- مع فكرة الهوية اليمنية التي نادت بها الأحزاب الوطنية والقومية واليسارية، من خلال وضع "الرابطة" شعار "الوحدة العربية" في مواجهة وضد الوحدة اليمنية.
لم يعرف جنوب اليمن الدولة الوطنية المركزية لقرون طويلة، فتاريخ وجود واستمرار "الدولة الكثيرية" امتد حكمها لقرون طويلة: السلطنة الكثيرية الأولى نشأت في سنة: 1411-1717م، والسلطنة الكثيرية الثانية نشأت في 1845م (7)، والسلطنة القعيطية من 1839 إلى الاستقلال الوطني 1967م (8)، وأقل من ذلك بقية السلطنات والإمارات والمشيخات. وجاءت "الجبهة القومية لتحرير الجنوب اليمني المحتل" وتحت هذا الشعار وفي ظل ذلك الواقع المنقسم، ولأول مرة في تاريخ اليمن السياسي الجنوبي لإقامة دولة وطنية استقلالية على كامل تراب جنوب اليمن، بعد كفاح سياسي ووطني تحرري مسلح، ثم بعد ذلك مفاوضات شاقة وصعبة استمرت أقل من شهر، وكأنه الدهر كله، لم تتنازل فيه الجبهة القومية عن شبر من أرض جنوب اليمن. ولأول مرة رفع علم أول دولة وطنية استقلالية واحدة وموحدة لجنوب اليمن المحتل في 30 نوفمبر 1967م.
التاريخ الذي يحاول البعض اليوم ضمن عقلية ثأرية انتقامية لا وطنية ولا تاريخية أن يحولوه – مع الأسف- إلى تاريخ أزمة سياسية ووطنية، وتاريخ قهر للشعب، وتاريخ مظلومية للسلاطين والأمراء والمشايخ.
وكأن بعضهم يعلن تحسره على طرد الوجود الاستعماري، في إدانة ضمنية للثورة الوطنية التحررية الاستقلالية!!. الهوامش:
١ يشير د. أيمن فؤاد سيد في كتابه (الدولة الفاطمية في مصر، تفسير جديد)، إلى البعد الثيوقراطي في الدولة الفاطمية في مقدمة كتابه المذكور، ص13، الدار المصرية اللبنانية، ط (1)، 1992م. والإسماعيلية/ الفاطمية الإسلامية العربية هي حركة سياسية، اجتماعية، فلسفية، ودعوية، أقامت الخلافة الفاطمية في أفريقية/ المغرب لأكثر من (64 عاماً)، والخلافة الفاطمية في مصر لأكثر من مائتي عام، في صورة الخلافة الفاطمية، التي كانت تعتبر "الخلفاء العباسيين مغتصبين لحقهم الشرعي في حكم هذا العالم"، انظر المصدر نفسه، ص 14.
٢ أمين نعمان حامد حميد المؤيد: (الدولة الصليحية في اليمن (439-532هـ/1047-1137م)، دراسة في أحوالها الاقتصادية والاجتماعية، سلسلة الدراسات السليمانية، مؤسسة الهمداني الثقافية، سلسلة إصدارات الدار المحمدية الهمدانية للدراسات والأبحاث، ط(1)، 2022م، ص9.
٣ السجلات المستنصرية: سجلات وتوقيعات وكتب لمولانا المستنصر بالله، أمير المؤمنين صلوات الله عليه، إلى دعاة اليمن وغيرهم قدس الله أرواح جميع المؤمنين)، تقديم وتحقيق، د. عبد المنعم ماجد: ملتزم الطبع والنشر، دار الفكر العربي، 1954م، مطبعة الاعتماد بشارع حسن الأكبر بمصر، ص18-19.
٤ د. حسن سليمان محمود، (التاريخ السياسي، في العصر الإسلامي)، ساعد المجمع العلمي على طبعه، ط(1)، 1969م، ص196.
٥ السجلات المستنصرية: نفس المرجع، ص19.
٦ وهي النغمة الأيديولوجية والدعائية الإعلامية التي نسمعها حتى اليوم من بعض القنوات الفضائية العربية، وملحقاتها من الأدوات الإعلامية، وهم يتحدثون عن القضية الجنوبية، وتجربة الجبهة القومية، والحزب الاشتراكي، في الثورة وبناء الدولة، وهو تهافت التهافت السياسي الدعائي الإعلامي، تعبير عن عجز في أدوات ووسائل نقد تجربة الثورة والدولة والاستقلال الوطني في جنوب البلاد.
٧ الدولة الكثيرية: انظر عن الدولة الكثيرية الأولى، كتاب محمد بن هاشم: (تاريخ الدولة الكثيرية)، للدراسات والنشر، تريم ط2002م، ص38-41، الدولة الكثيرية الثانية، كتاب سعيد عوض باوزير: دار الهمداني / عدن، ط(2)، 1983م، ص182.
٨ الدولة القعيطية: انظر د. محمد عبد الكريم عكاشة: (قيام الدولة القعيطية والتغلغل الاستعماري في حضرموت، 1839-1918م)، ط 1958م، دار ابن رشد للنشر والتوزيع، وانظر كذلك، سعيد عوض باوزير: نفس المرجع السابق، ص206.
#قادري_أحمد_حيدر (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الإمام الشافعي شاعرا. 3-3
-
الإمام الشافعي شاعرا 23
-
الإمام الشافعي شاعرا 1-3
-
الكتلة التاريخية في جدل الوطني والقومي والأممي 3-3
-
الكتلة التاريخية في جدل الوطني والقومي والأممي 2-3
-
الكتلة التاريخية في جدل الوطني والقومي والأممي 1-3
-
أحمد عبده ناشر العريقي المثقف والتاجر المنسي في الكتابة التا
...
-
أحمد عبده ناشر العريقي المثقف والثائر المنسي في الكتابة التا
...
-
أحمد عبده ناشر العريقي الرأسمالي الوطني
-
الحوثيون وقضية الراتب
-
ثورة 14 أكتوبر والاستقلال الوطني
-
تحية للمقالح في مهرجانه الشعري السنوي
-
قرار ترامب للوصاية على غزة
-
ثورة 14 أكتوبر الخلفية، المسار ، المستقبل 5-5
-
ثورة 14 أكتوبر الخلفية،المسار، الاستقلال 4-5
-
ثورة14 أكتوبر الخلفية المسار الاستقلال 3-5
-
• ثورة 14 أكتوبر.. الخلفية المسار الاستقلال. 2-5
-
ثورة 14 أكتوبر...الخلفية،المسار،الاستقلال 1-5
-
ثورة 26 سبتمبر والسعودية 2-2
-
ثورة 26 سبتمبر..والسعودية1-2
المزيد.....
-
عباءة سعودية تُحوّل تراث المملكة إلى لوحة فنية خلال رمضان
-
البيت الأبيض: السيدة الأولى ميلانيا ترامب ستقود جلسة لمجلس ا
...
-
مقارنة قوة باكستان العسكرية مع أفغانستان بعد تصريح إسلام أبا
...
-
إبستين حاول شراء قصر -بين النخيل- الفاره في المغرب قبل أيام
...
-
روسيا تتهم أوكرانيا باستهداف مدينة بيلغورود الحدودية والتسبب
...
-
مباشر: اشتباكات دامية بين باكستان وأفغانستان وسط دعوات دولية
...
-
أفضل أدوات تنظيم الوقت للموظفين -عن بعد- خلال ساعات الصيام
-
الكيتو يخفف الصرع.. سر الوقود البديل للدماغ
-
ميلانيا ترمب ترأس مجلس الأمن.. هل تصلح الزوجة ما عطله الرئيس
...
-
-حمالة صدر-.. كريستين ستيوارت تخطف الأضواء في كاليفورنيا
المزيد.....
-
مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة
/ هشام نوار
-
من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972
/ جهاد حمدان
-
المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا
...
/ رياض الشرايطي
-
حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف
...
/ رياض الشرايطي
-
الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى
...
/ علي طبله
-
صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة
/ محمد حسين النجفي
-
الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح
...
/ علي طبله
-
الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد
...
/ علي طبله
-
الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل
...
/ علي طبله
-
قراءة في تاريخ الاسلام المبكر
/ محمد جعفر ال عيسى
المزيد.....
|