أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - للاإيمان الشباني - الانسان بطبعه يحب أن ينتصر لنفسه














المزيد.....

الانسان بطبعه يحب أن ينتصر لنفسه


للاإيمان الشباني

الحوار المتمدن-العدد: 8626 - 2026 / 2 / 22 - 09:58
المحور: قضايا ثقافية
    


هناك آيات تمرّ على السمع مراتٍ كثيرة، لكن في لحظة صفاء مخصوصة تتبدّل علاقتنا بها، كأنها نزلت لتوّها على قلوبنا، تخاطبنا وحدنا، وتكشف لنا معنى لم نكن نلتفت إليه من قبل. من تلك الآيات قوله تعالى: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا ۝ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾. آية قصيرة في مبناها، واسعة في معناها، تفتح أمام الإنسان أفقًا جديدًا لفهم الصبر ومقامه في بناء النفس وترقية السلوك.
تأتي هذه الآية في سياق الحديث عن دفع السيئة بالحسنة، وعن تحويل العداوة إلى مودة، وعن قدرة الإنسان على أن يرتفع فوق دوافع الغضب وردود الفعل السريعة، حين تُساء إليك النفس تميل إلى المقابلة بالمثل، وحين تُجرح الكرامة يتقدّم الصوت الداخلي المطالب بالانتصار الفوري، تتدخل الآية لتضع معيارًا مختلفًا للقوة، معيارًا لا يقيس الأمور بحجم الرد، وإنما بعمق السيطرة على النفس. ليس كل أحد يستطيع أن يدفع السيئة بالحسنة، وليس كل من عرف الفضيلة استطاع أن يثبت عليها ساعة الامتحان.
قول الله تعالى ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ يشير إلى أن هذا المقام عطية تُلقى في قلوب تدرّبت على الاحتمال، وتهذّبت بالصبر، وتربّت على كبح جماح الانفعال. الصبر هنا ليس سكوتًا عن ظلم ولا استسلامًا للضعف، وإنما هو وعيٌ عميق بأن ردّ الفعل السريع قد يريح النفس لحظة، ثم يورثها ندمًا طويلًا. هو قدرة على تأجيل الغضب، وعلى إفساح المجال للعقل أن يتقدّم، وعلى منح القلب فرصة ليرى الصورة كاملة قبل أن يحكم.
ثم تأتي الجملة التالية لتزيد المعنى إشراقًا: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾. كأن الصبر علامة على نصيب وافر من الخير، وعلى توفيق خاص يمنحه الله لمن أعدّ نفسه لذلك. الحظ العظيم ليس مالًا ولا جاهًا ولا شهرة، وإنما هو سكينة في القلب، ورجاحة في العقل، وقدرة على تحويل المواقف المؤلمة إلى درجات في سلم الارتقاء الروحي.
في حياتنا اليومية تتكرر المواقف التي تختبر صدق علاقتنا بهذه الآية. في البيت حين يشتد الخلاف، في العمل حين يساء الفهم، في الطريق حين نستفز بكلمة أو إشارة، في وسائل التواصل حين تتكاثر الأصوات المتعارضة. كل لحظة من هذه اللحظات فرصة لأن نسأل أنفسنا: هل سنكون من الذين يلقّون هذه الخصلة، أم سننقاد لاندفاع عابر؟ الصبر ممارسة دقيقة تتجدد في كل موقف.
الإنسان بطبعه يحب أن ينتصر لنفسه، ويحب أن يُسمع صوته، ويخشى أن يُظن به الضعف إذا اختار الرفق. الآية تعيد تعريف القوة، فتجعلها في القدرة على التحكم في النفس، وفي احتمال الأذى دون أن يتحول القلب إلى ساحة كراهية. من يصبر لا يخسر، وإنما يؤجل المكافأة إلى مستوى أعمق، حيث صفاء الضمير ورضا الله. ومن يعفو لا يُهزم، وإنما ينتصر على نفسه قبل أن ينتصر على غيره، هو ثمرة تربية طويلة، يبدأ بمجاهدة صغيرة، بكلمة كُظمت، بغضب أُطفئ، بخطأ غُفر، بظن حُمل على أحسن الوجوه. مع كل مرة يختار الإنسان فيها الطريق الأصعب، طريق الإحسان بدل المقابلة، يقترب خطوة من أن يكون ذا حظ عظيم. ومع كل مرة يراجع نفسه بعد انفعال، ويتعلم من خطئه، يبني في داخله أساسًا متينًا لهذا الخلق الرفيع.
حين نتأمل الآية بعمق ندرك أنها لا تخاطب حالة استثنائية، وإنما ترسم منهج حياة. تدعونا إلى أن نرتقي بعلاقاتنا، وأن نطهّر قلوبنا من سرعة الحكم، وأن نمنح الآخرين فرصة كما نحب أن نُمنح. تجعلنا نرى في كل أذى احتمالًا للنمو، وفي كل استفزاز فرصة للتزكية. وتفتح أمامنا أفقًا من الأمل، إذ تربط بين الصبر والحظ العظيم، بين المجاهدة والتوفيق، بين الثبات والرفعة.
هكذا تتحول الآية من كلمات تُتلى إلى نورٍ يُهتدى به في تفاصيل الحياة. تبقى تتردد في القلب كلما اشتد الموقف، تذكّر بأن الطريق الأعلى مفتوح، وأن الوصول إليه ممكن لمن صبر. ومن ذاق طعم هذا المقام عرف أن أعظم الانتصارات تقع في صمت النفس حين تختار الصبر على غيره.



#للاإيمان_الشباني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بالصيام يتجلى النور في القلب (روحانيات)
- فضل الصيام وتوابه(روحانيات)
- الاستعداد لرمضان (روحانيات)
- كيف تكمل صيامك
- توطئة لكتاب سعاد بيكة
- الفرق بين المقدمة التمهيد المدخل فالتوطئة
- حين تسكنني الكلمة
- الحب في الفلسفة والدين
- التربية الجنسية
- اليوم العالمي للغة العربية
- أثر اللغات في بناء النص العربي
- تخريب البيوت باسم الذكاء (من كتاب رسائل غير مشفرة-)
- ما للا ولا في حياتنا
- المشهد الشعري في كتاب (رواد من شروق)
- من كتاب رسائل غير مشفرة (كلمة تبني وأخرى تهدم )
- كركميش أسطورة تغمرني
- عبر المدى
- العفوية ليست سداجة
- كلام الله منهج حياة من كتاب (رسائل غير مشفرة)
- مناهل تابث من كتاب (أفئدة من ذهب)


المزيد.....




- ترامب سيرسل سفينة طبية إلى غرينلاند ويوضح السبب
- كهوف الجليد على شاطئ مايرز.. ظاهرة شتوية نادرة تخطف الأنفاس ...
- مباشرة: قصف صاروخي روسي يستهدف كييف قبل يومين من الذكرى الرا ...
- عشرات القتلى جراء غارات باكستانية داخل أفغانستان وإسلام آباد ...
- من غزة للغارديان: نتقاسم ما لدينا برمضان ونشعل شمعة للأمل
- ويتكوف: إقناع الإيرانيين صعب وترمب متعجب من عدم استسلامهم
- الجدل مستمر.. لماذا يحير ملف -الكائنات الفضائية- الأميركيين؟ ...
- -أزمة- تحت الأرض في واشنطن.. وترامب يتدخل لاحتوائها
- ويتكوف يحذر.. إيران على بعد أسبوع من -الخط الأحمر-
- التمر بالحليب عند الإفطار.. -كنز صحي- في رمضان


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - للاإيمان الشباني - الانسان بطبعه يحب أن ينتصر لنفسه