أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - غارسيا ناصح - الحقيقة التي لم يتكلم بها احد














المزيد.....

الحقيقة التي لم يتكلم بها احد


غارسيا ناصح

الحوار المتمدن-العدد: 8622 - 2026 / 2 / 18 - 10:24
المحور: الادب والفن
    


قهر الفنانين من بعضهم… حين تتحول الصداقة إلى ساحة صامتة.
في الوسط الفني، تبدو الصداقة أكثر دفئًا من غيرها. يجتمع الفنانون على الشغف ذاته، يتشاركون الأحلام والخيبات، ويجلسون طويلًا يتحدثون عن الجمال، واللوحة، والقصيدة، والنغمة. بينهم لغة خفية لا يفهمها سواهم؛ نظرة تكفي، أو جملة عابرة تختصر فلسفة كاملة. لكن خلف هذا التقارب الروحي، تختبئ منطقة حساسة جدًا؛ منطقة قد تولّد قهرًا صامتًا بينهم، رغم أنهم أصدقاء.
الفنان بطبيعته كائن هشّ من الداخل، حتى وإن بدا قويًا من الخارج. هو يعيش على الاعتراف، على التصفيق، على كلمة “رائع” التي تلامس قلبه قبل أذنه. الإبداع بالنسبة له ليس وظيفة، بل امتداد لروحه. لذلك حين يرى صديقه يتقدم خطوة إلى الأمام — يُحتفى به، يُنشر عمله، يُدعى إلى منصات لم يُدعَ هو إليها — قد يشعر بشيء لا يريد الاعتراف به: غصّة صغيرة، مقارنة خفية، سؤال داخلي موجع: لماذا هو وليس أنا؟
هنا تبدأ الأزمة الصامتة.
ليست أزمة صداقة، بل أزمة نفس أمام مرآة المنافسة.
الفن مساحة جمال، لكنه أيضًا مساحة تنافس شرس، وإن كان مغلفًا بابتسامات. قد يجلس صديقان في مقهى، يتبادلان الضحكات، لكن أحدهما في داخله يحصي الفوارق: عدد المتابعين، عدد القصائد المنشورة، عدد اللوحات المباعة، عدد المرات التي ذُكر فيها اسمه في ندوة أو لقاء. هذه المقارنات لا تُقال بصوت عالٍ، لكنها تنمو في الداخل ببطء، مثل شرخ دقيق في زجاج شفاف.
وحين يأتي النقد من صديق، يصبح وقعه مختلفًا. فالكلمة التي تُقال بنية التطوير قد تُفهم كاستخفاف. والملاحظة العابرة قد تُفسر كغيرة. لأن الفنان لا يفصل بين عمله وذاته؛ فإذا جُرح العمل، شعر أن شخصه هو الذي جُرح. وإذا أُهمِل العمل، ظن أن قيمته هي التي أُهمِلت.
وقد يتسلل القهر بأشكال متعددة:
مديحٌ لأحدهما أمام الآخر.
نجاحٌ غير متوازن في توقيت حساس.
دعوةٌ لمعرض أو أمسية لم تشمل الجميع.
نقدٌ غير محسوب الكلمات.
أو حتى صمتٌ في لحظة كان ينتظر فيها دعمًا بسيطًا.
أحيانًا لا يكون هناك خطأ حقيقي، بل سوء فهم. لكن الحساسية المفرطة تجعل التفاصيل تكبر. يتحول التأخير في الرد إلى برود. ويتحول الانشغال إلى تجاهل. ويصبح الفرح بنجاح الآخر ممزوجًا بشيء من الحذر.
الأخطر أن هذا القهر غالبًا لا يُناقش. لا يجلس الطرفان ليقولا: “أنا تألمت.”
بل يختاران الصمت.
والصمت بين الفنانين قاتل؛ لأنه يملأ الفراغ بتأويلات لا تنتهي.
ومع الوقت، تتغير النبرة. تقل المجاملات الصادقة. يخف الحماس المتبادل. تصبح اللقاءات أقل دفئًا. ويبدأ كل طرف يبحث عن دوائر جديدة يشعر فيها بتقدير أكبر. لا لأن الصداقة انتهت، بل لأن شيئًا دقيقًا انكسر ولم يُصلح.
إن صداقة الفنانين تحتاج إلى وعي مضاعف. تحتاج إلى نضج يسمح بالاعتراف بأن الغيرة شعور إنساني لا يلغي المحبة. وأن النجاح لا يُسرق، بل يتسع للجميع. وأن النقد إن لم يُغلّف بالاحترام، يتحول إلى سكين رفيعة. وأن الدعم كلمة صغيرة، لكنها تُنقذ علاقة كاملة.
الفنان الحقيقي هو من يستطيع أن يفرح لنجاح صديقه كما يفرح لنجاحه، وأن يرى في تألق الآخر حافزًا لا تهديدًا. لأن الفن ليس سباقًا قصير المدى، بل رحلة طويلة. وكل فنان يسير بطريقته، في توقيته، بظروفه الخاصة.
قهر الفنانين من بعضهم ليس دائمًا دليل سوء نية، بل أحيانًا نتيجة أحلام كبيرة، وطموحات متشابهة، وقلوب حساسة تخاف أن تُنسى. والنجاة لا تكون بالابتعاد، بل بالمصارحة. فحين تُقال الحقيقة بلطف، ينكسر الجدار قبل أن يكبر.
وفي النهاية، تبقى الصداقة بين المبدعين اختبارًا حقيقيًا للنضج. إما أن تسمو بهم فوق المقارنات، أو تجرّهم إلى صراع صامت. أما الخيار، فهو في قدرتهم على أن يظلوا أوفياء للفن… وللإنسان في داخلهم قبل كل شيء.



#غارسيا_ناصح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- سيكولوجية الاستفزاز
- تحت سقف الحرية
- العُزلة خيار الوعي
- التناقض في التضامن الإسلامي
- ميلاك
- انا لست تاجر حب
- انا ابن الريشة
- نعم أنا كوردي،
- الاخلاق
- ها انا ابتعد حبا
- وطن لا يساوم عليه
- ساشرب
- لم اغدر بك يوما
- نحن
- أَغْلَى فِنْجَانِ قَهْوَةٍ
- فارْحَلْ كَمَا شِئْتَ.
- كَيفَ؟
- مُسَكِّنَاتِ الشَّوْقِ
- حينَ يرسُمُني المنفى
- تَهرُبينَ


المزيد.....




- 14 موقعا أثريا.. الاحتلال يصادر مناطق واسعة ببلدة سبسطية شما ...
- الشيخ عباس مقادمي.. صوت رمضان في الذاكرة السعودية
- غرّة رمضان.. قصة رحلة فتحت باب فردوس الأندلس لثمانية قرون
- -صوت هند رجب- يسقط الأقنعة في مهرجان برلين السينمائي
- 80 فنانا عالميا ينددون بصمت مهرجان برلين على ما يعدونه إبادة ...
- أكثر من 80 فنانا عالميا ينددون بصمت مهرجان برلين تجاه الإباد ...
- 80 فنانا عالميا ينددون بصمت مهرجان برلين على ما يعدونه إبادة ...
- الوداع الأخير للجسد: حوارية لو بروتون حول الكلمة والوجه في - ...
- -سمبوزيوم- جمعية التشكيليين الأول: خلية نحل تعيد صياغة المشه ...
- الفنانة زينة تُعلن نسبها للنبي محمد ونقابة الأشراف تعلق


المزيد.....

- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت
- مسرحية : النفساني / معتز نادر
- تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ / دلور ميقري
- ذاكرة لا تصافح أحداً. حكايات وذكريات الكاتب السيد حافظ الجزء ... / ياسر جابر الجمَّال
- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - غارسيا ناصح - الحقيقة التي لم يتكلم بها احد