|
|
رواية ترانيم العتمة والضوء للكاتب علي الكردي *
نصار يحيى
الحوار المتمدن-العدد: 8620 - 2026 / 2 / 16 - 18:13
المحور:
الادب والفن
من أوراق زين دياب (2011) صباح يوم، حينما كانت الكلمات تحبو على لسانه، أشارتْ له أمه، إلى صورةٍ معلقة على جدار غرفتهما -بالأبيض والأسود- لأبيه المعتقل السياسي؛ كان جنينًا عندما أخذوه إلى هناك. "عشتُ طفولتي المبكرة وحيدًا مع أمي، من دون أن أعي أنذاك، لماذا كانت تصر كلما أيقظتني من نومي..تلقيني تلك العبارة : قول للبابا صباح الخير.." في المدرسة ومع الكتب والكراريس، سيكون هناك صورة أخرى، لأبٍ من سلالة مختلفة، يسمونه "الاب القائد" هو سيادته الذي يعتقل أباه. متجهم، ما بيضحك للرغيف السخن، وعليكَ ان تحيّيه أينما توجهت، وإلا سوف تلحق بأبيكَ يا "صغيري". يخرجُ الاب المعتقل (سامي دياب) بعد ثمانية عشر عامًا. كان الملفت ذاك الفتور بين الابن (زين) وأباه: "دُهشتُ لبرودة مشاعري.." سوف يسأل نفسه كثيرًا (زين) لماذا هذه المشاعر الحيادية ..يحاول التفسير: " ربما بسبب إحساسي بخذلان لحظة اللقاء مع والدي، كنتُ أظنُ أكثر دفئًا وحميمية.." وفي مكان آخر من أوراقه، سنتعرف أكثر لما هو سبب هذا الفتور، ضمن عنوان (أنا وهو): "أول صدمة نفسية واجهتني مع والدي، لحظة خروجه من المعتقل..كان أشبه بالمنوم مغناطيسيًا، مفصول عن الواقع.."
/ ذكرني العنوان برواية (أنا وهو). للروائي الإيطالي الشهير ألبرتو مورافيا. ودلالاته بالعلاقة الجوانية (علاقة الأنا والآخر)، بين مايطفو على سطح الأنا، ومايمكثُ في أعماق اللاشعور./
زين المتكلم والذي يخاطبنا ومن ورائه الراوي (علي الكردي)، فإنه يدعونا لنصغي لتلك الحالة التي عاشها كثيرٌ من الأبناء مع والدهم المفرج عنه. تلك ثنائية الحضور والغياب، حينما نتخيل الغائب قادمًا من فردوس افتقدناه، نترقب اللحظات التي سيصل بها، ننتظر الوعد الحقيقي بأمل غاب عنا واستطال. ينطق الواقع بمفرداته العارية، خالية من الدف أو الاحتضان.
بعد ذاك المدخل من السياق وخارجه مؤقتًا، باتَ من الطبيعي أن ندخل إلى عالم الرواية.. همسات على ضوء الترانيم: لم تعد "دلالات هاملت" -متأخرة كما يقال- هي الرؤى المناسبة على أفق الانتظار.. كلما يزدادُ العتمُ ضجيجًأ .. يتلألأ هناك ضوء شمعة خافت.. ترانيم العتمة والضوء، تستمد "مبناها الروائي" من محكى واقعي، هي حالة "وثيقة" عن تجربة سياسية -الكاتب أحد عناصرها المؤسسين- ولدتْ مع منتصف سبعينات القرن الماضي، عُرفتْ بالحلقات الماركسية كأحد أهم "أولي الأمر" للحالة التنظيمية (رابطة / حزب العمل الشيوعي في سورية). بهذه المقاربة ربما من الاهمية بمكان القول، ببضعة كلمات عن تلك الظاهرة: كان هناك إحساس عام بالخذلان، نتيجة هزيمة حزيران عام 1967. حينما غدا الشعور بالخصاء، على عتبات الانهيار. كان لابد عند البعض من البحث عن طريق للخروج، عن وجود مخلّص يجعل للحياة في ألقها من معنى، معادلًا ما موضوعيا لاعادة التوازن، كي تحاول الأنا الجمعية الوقوف على رجليها، بمواجهة هذا المنتصر وتلك السلطات الحاكمة المستبدة . من الطبيعي بهذه الحالة التوجه نحو منقذ (مخلّص)، حاملٌ بصيص الأمل (البشارة). فكان هناك ينتظرٍ، يحقق حضور إثر آخر، على عكس برامج هذه السلطات المستغرقة في خصوصيتها المزيفة. إنها الماركسية وحاملها المنتصر لينين البلشفي. فقط علينا قراءتها قراءة صحيحة كما هي في الأصول، وليست في تلك الفروع التي تحملها (الشيوعية المحلية). ألقتْ مبادئها في مهب الريح، لتمضي في التقاط بعض الفتات من هنا أو هناك. -هنا رقصتْ وردة ماركس على هودج "الحلقات"- وعند غسقٍ ارتشف تلك النهارات المتعبة، تحلّق بعض الشباب والصبايا، يصيخون السمع الى تلك الأناشيد القادمة من ربيع بلدان أخرى، قيل عنها ربيع براغ، وصرخات الطلاب والعمال الفرنسيين يهتفون: " لنصنع عامًا جديدًا من العدم..نحن لاشيء فلنكن كل شيء.." وكان ايضا هناك في بعض الحواري السورية أفراد يرددون: "إنها مجرد بداية.." وبصدفٍ من التاريخ، تتراءى شظايا الوهج من هناك؛ كان ذلك من عام 1968. أي بعد عام من تلك الهزيمة (حزيران 1967). ومشتْ الخطوات الأولى مع منتصف السبعينات. كان زخمُ وحماس الشباب والصبايا منقطع النظير، هي حياة أخرى تغترب وتختلي بنفسها عن الحياة اليومية. غدت الحالة بما يشبه مجتمع "الاخوة" التي تعمل على تأسيس نمط من القرابة، الخاصة بعاداتها ومفرداتها ولباسها والمشوار المشترك والاغاني والاهازيج خاصة "السياسية"، على موائد من الصخب والوجد أحيانًا.. لم تكن الرحلة ترتطمْ بعد بالمطبات، ولم تكن "سدنة السلطان" حاملين سياطهم بعد.. لم تُستبطن بعد صخرة سيزيف؛ الكاتب يذكرها في سياق مقدمته وغلافه الأخير. كانت كما عالم المُثل الافلاطونية، حيث تعيش عالماً خاصًا بها، وفق حلم سردي لمدينة فاضلة قد تأتي. لكن حين تصطدم بالواقع، يغدو للكلام والمواقف معنًى آخر: لحظة تختبر "المثل" نفسها، تُستدعى حينها صخرة سيزيف (البير كامو)، بسرنمةٍ تجعله سعيدًا؛ هو حر برفضه للأوامر والنواهي (يجب ولا يجب، أو ينبغي ولكن..)
نعود للرواية، المبنى الروائي (في ترانيم العتمة والضوء) في البدء يغوينا العنوان كقراء، يرتدي ثياب العريّ لجسدٍ لغوي، يكشف عن أجزائه الحميمة. أحيانًا بصخب وضجيج السياسة، وأخرى بصليل عتمٍ يغورُ عميقًا، خلف ضبابٍ شديد الانطواء.
هاجس التجربة الواقعية التي عاشها الكاتب (علي الكردي) ضغطت عليه كي ينقلها لحالة من السردية، تعادل أو تغترب عن ذاك الواقع (التجربة) بصفتها انتماء سياسي لتنظيم يساري محظور، ارتقى وتطور من حلقات متناثرة، ببعض المدن الرئيسة السورية ورديفها الريفي، إلى شكل تنظيمي أطلق على نفسه (رابطة العمل الشيوعي) لاحقا سيصبح باسم حزب بدل الرابطة. وماتعرض من اعتقالات متتالية، منذ اللحظات الاولى كونه تجاوز خطوط السلطة المستبدة؛ حيث كانت الشعارات من الأيام الاولى ذات صيغة نوعية وجريئة. من رفع شعار إسقاط السلطة الدكتاتورية اللا وطنية، وغيرها من صياغات تحريضية مباشرة. لجأ علي الكردي إلى بنية سردية تحمل عنوانين أوراق، تعتمد سردية المتكلم على لسان صاحبها، حيث تجعل السارد وكأنه يقرأ معنا كمدعوين. حاول أن يكون على مسافة واحدة مع أوراقه؛ قد تتشابه اللغة أحيانًا بين الساردين أصحاب الأوراق. لكن أحيانا يتدخل بصفته المباشرة: "مهلًا ثمة مشكلة في سرد قصتنا، فالشخصيات كثيرة والتتابع الزمني في ملاحقة مصائرها صعبٌ جدًا.." ..ثم يتابع كي يجعل القارئ يبتعد عن الإسقاط المباشر -خاصة من خاضَ التجربة- لبعض شخصياته : "لاتبحثوا ..عن تطابق مع شخصية سامي أو سعاد.." هذا الحضور للسارد يعطي إشارة للقارئ، بأنه يجوز للراوي التدخل وكسر الحواجز التقليدية، كما هو مألوف بالمسرح بما يعرف بكسر الجدار الرابع (كسر حالة الإيهام). وفي الرواية أطلق عليه ميتا سرد (ما وراء السرد).
طلاب مدرسة العازرية الدمشقية (أحمد شيخ طالب. جورج بغدان. فواز كرو)، أهم شخصيات رواية قصر شمعايا (علي الكردي). ربما تسللوا إلى ترانيم العتمة والضوء. سيلتقون من جديد هنا في تأسيس إحدى الحلقات الماركسية: اكتشفنا بعض أثناء الدراسة أو خدمة العلم". أحمد شيخ طالب الفلسطيني المقيم في المخيم (قصر شمعايا) حيث يذهب بعملية فدائية، داخل الأرض المحتلة. ربما يتقاطع معه خليل زهدي أيضًا الفلسطيني؛ يذكر بأنه فلسطيني حين يزور صديقه حسان حنا في حماه. كذلك جورج بغدان / سامي دياب. فواز كرو/ رياض حبو. سامي دياب ضمن أوراقه (مذكراته) بعنوان الأصدقاء. الأصدقاء. يذهب مباشرة بهذه الذكريات: "كنا ثلاثة من الأصدقاء (سامي. رياض. خليل). تعود إلى أيام الثانوية في نهاية الستينات .." ثم يتابع بصيغة "جادة وجدية" عن تقييمه لصديقيه (خليل. رياض): "رياض مهووس بالتصوير الضوئي، شقَ طريقه بنجاح. على عكس خليل الذي كان ضائعًا، لا يعرف ماذا يريد. هناك فشل في اختياراته مما دفعه الى التقوقع والشعور الدائم بالنقص..أعتقد أن اندفاعه الشديد باتجاه العمل السياسي أعاد له الشعور بالتوازن.." كلام من "العيار الثقيل" بين ثلة من الأصدقاء المقربين جدا لبعضهم، وأنهم اختاروا معًا طريقًا فيه الكثير من المخاطرة والمغامرة، سيدفعون ثمنها غاليًا جدًا؛ سنوات سجن ما بين العشرة والثمانية عشر. وعندما تخرج لنا اوراق رياض حبو، سنعثر على لغة تقييمية تتشابه مع لغة سامي : "سامي كان انتقائيًا ومزاجيًا في علاقاته..على الرغم من جاذبيته الشخصية، سرعان ماتخبو مع اول تصادم..بسبب حساسيته المفرطة التي تتحول إلى عدوانية..". "أما خليل..شخصيته مركبة وشديدة التعقيد..كان ضائعًا..هائمًا على وجهه..كثير الشكوى.." اوراق رياض عنونت بتاريخ 1975. ونحن نقرأ هذه الكلمات، سنجد أنفسنا أمام رأي ربما "مسكوت عنه" بالسياق الطبيعي لعلاقتهم ببعض، تفتقد "للتبرير" الحميمي مابين الاصدقاء المفترض أن يكون. خاصةً أنها تعود لتاريخ مبكر جدًا أثناء تواجدهم وحضورهم بالحلقة الماركسية؛ هناك اشارة أن رياض تأخر بالانضمام لحين التأسيس وإعلان اسم الرابطة (آب 1976). مايهم هنا ان الأوراق (المذكرات)، أعطت فسحة لكل من هذه الشخصيات، في التعبير عن نفسها كما تختلي بجوانيتها. ومن ثم استطعنا أن نتعرف إلى الجوانب الداخلية للشخصيات المعنية، بطريقة فيها نزوع نحو الأعماق اللامرئية، لم يكن بالإمكان وضع الشخصيات في حوار مباشر، بحيث كل شخصية تدافع عن نفسها حضوريًا وليس غيابيًا، بين زوايا الحبر المرشوش على بياض الورق. لن تبقى الترانيم أسيرة الماضي -منتصف السبعينات وبداية الحكاية ومع امتداداتها من سجون وتخفي- ستسير نحو الانفجار الكبير في ربيع 2011 (الثورة السورية). لذلك يغدو من الطبيعي أننا سنرى جيل الأبناء، من يشارك ويعتب ويعاتب ويحتّج ويطالب الأباء -المعتقلين السابقين- أن يكونوا في المقدمة. هؤلاء الذين دفعوا سنوات عجاف من أعمارهم. يحضر بقوة زين دياب ابن المعتقل سامي: من أوراق خليل زهدي، بعنوان زين الضوء 2012.. يصفه خليل بأنه الطفل الذي أضحى رجلًا مع الربيع العربي (2011)..كانتْ هناك سهرة مع الشباب (مختلطة صبايا وشباب وفيها عينة منوعة من المكونات السورية بشتى صنوفها). يحتد الحوار الصاخب -هنا تنحو الترانيم صوب السياسة بمفرداتها المباشرة- زين يتوجه بالكلام إلى خليل: "أنا عمْ أحترم تجربتكم، الكثير من شباب التنسيقيات كانوا يعولون على أمثالكم، لكن من المؤسف أنكم خذلتمونا، أغلبكم تردد أو لاذَ بالصمت لماذا؟".. خليل يدافع عن موقفه (مواقفهم)، وكانت الثورة قد دخلت عامها الثاني (2012). حيث رفضه لحمل السلاح، وأيضا ذاك النزوع الفصائلي الذي يحمل صياغة دينية برايات سوداء. وسيكتمل الصخب الحواري مع نحنحات سامي دياب (أوراق). /هل اختيار العنوان للصدفة البحتة، أم استحضار النحنحات للكاتب السوري إبراهيم صموئيل، والمعتقل ايضا لنفس التنظيم، وعنوان مجموعته القصصية النحنحات (1990). وربما هناك ارتباط ما بينهما: ابراهيم صموئيل وسامي دياب./ سامي دياب سوف يدفع بالكلام مع الشباب (الأبناء) الى حالة من التوضيح لمواقفهم، اكثر نبرة حادة من صديقه خليل: "ردًا على سؤال من أحد معتقلي الثورة: أين أنتم و لماذا لا تشاركون بالثورة؟" سامي: "مع احترامي الشديد لمعاناتك، لكن هذا لا يعطيك حق المزايدة على الاخرين..أقل واحد فينا بقي عشر سنوات وبعضنا ثمانية عشر.." لطالما كانت مثل هذه الحوارات بين الاجيال، متداولة بشكل دائم على الموائد السورية. هل يعني ذلك أننا أمام محاكاة مباشرة للواقع باشد تفاصيله، أم حالة متخيلة من السرد الأدبي اقتضتها البنية الحكائية؟
ونمضي مع وجه جديد لنقد التجربة، هذه المرة على لسان أحمد الشامي وعنوان ظلال رمادية؛ رفاق الحلقة ظنوه من المدللين عند القيادة، وبات معهم في الصف الأول. سوف يعرّج على مسألة قديمة، جديدة: كيفية استقطاب الكتلة الاساسية في المجتمع (المكون السني) وأهل المدن بشكل عام: "لاحظتُ أن أغلبية الأعضاء ينتمون إلى الأقليات (علويين. مسيحيين. اسماعيليين).." يعقب السارد/ الراوي (هنا العليم): "كان ذلك أمر مسكوت عنه في أوساطنا". لنلقي نظرة سريعة على تتمة تلك الأوراق (أحمد الشامي): "كان اختيارهم لي في موقع قيادي كوني سني من مدينة حماه. كذلك آخر من دير الزور وثالث من درعا..في هذا المعنى مارس التنظيم منذ بداياته المحاصصة في توزيع المناصب..". يتداخل الزمن هنا بين زمن الكتابة -هي الحاضر- وزمن الحدث (الوثيقة) الماضي قرابة خمسين عامًأ. يُخشى هنا من إسقاط مرحلة "النضج" والرشد على مرحلة ماضية فيها الكثير من عنفوان الشباب، التي كانت تعني بالنسبة لهم لحظة حضور ووجود، خروج الأنا المتمردة على واقع يتكلس، لحظة البحث عن معنى الحرية، هكذا يمكننا المقاربة مع حالة سيزيف البير كامو، بما هي تمرد على الآمر الإكراهي والقهري نحو تحقق للأنا الشقية (بالتعبير الهيجلي الوعي الشقي). من يدرس ظاهرة اليسار الجديد ومنها تجربة الرابطة / الحزب. سيجد ان كلام احمد الشامي فيه الكثير من الصحة والدقة. لكنها قد تأتي بمرحلة تجاوزت صخب النهار، حينها ربما يسترخي الكلام ويغدو أكثر انسجامًا مع "حكمة العقل". بالاستئذان من الفيلسوف الالماني هيجل: "إن بومة منيرفا لا تحلق إلا في الغسق"..
هناك حضور لافت ومميز للمرأة، (رنا زينو. سهى حداد. رحاب خوري..بالاضافة الى سعاد باصيل الزوجة التي انتظرت ثمانية عاما ثم ماتت). هنّ شاركنَ التجربة من بداياتها ودخلنَ المعتقل كمثل الشباب، مثلّت هذه الظاهرة حالة جديدة وغيرة مألوفة، بالنسبة للاجهزة الأمنية، كانوا في حيرةٍ من أمرهم. حصل ذلك مع الاعتقالات الأولى عام 77 وأخلي سبيلهن، لكنه عدنْ للتنظيم، فتم اعتقالهن بعد عام بحملة أمنية كادت تقضي على التنظيم (أيار 78). وهذا لم يكن إلا بروفة أولى للاعتقال المديد ما بعد حملات المتتالية بالثمانينات ، ووصل عدد الصبايا (1987) الى الاربعين اقل أو أكثر. مع عدم التجاهل لعلاقات الحب : رنا وطارق. سامي و رنا، ثم سعاد التي ستصبح زوجته، كذلك رحاب وأحمد الشامي.. وتلك العلاقة الشهوانية (خليل وغالية) عندما لاحَ بالافق هواجسَ، جعلتْ من جسد خليل ينطوي على نفسه..
ترانيم العتمة والضوء لم تنسَ اختلاجات الاعتقال. ذكرتْ السجون بتعدد أشكالها ما بين المدينة والصحراء والجبل. خاصة الاستقبال و التشريفة في سجن تدمر، عندما تغدو الأنا مهشمة، تُطالب بالتعرف إلى "هويتها الجديدة". كذلك خليل زهدي/ السارد وهو الأقرب لشخص الكاتب علي الكردي، سوف ينتبه لحالة التخفي وما تعنيه التي تقترب من عتمات السجن، قلقها الدائم من الاعتقال. خليل زهدي سيكتب عن تخفيه المفاجئ: "كيف لي أن أقطع صلتي مع عالمي السابق..كيف يمكن أن تستمر حياتي تحت ضغط الخوف والهواجس الأمنية"..واعتقد انه انتبه للاهم هو الاعتياد على اسم جديد، يعمل على "دفن" الأصلي على الأقل مؤقتًا. ربما لن يجد حفرًة تتسع. تخرجُ الرواية عن أوراقها، يتدخل الراوي (علي الكردي) دون أن يعلن عن اسمه، تحت فصل أخير: من تداعيات المنفى/ ذاكرة بالأسود والأبيض ..عودٌ على بدء هنا المكان يرسمُ خطوطه الحافية على قدمين عاريتين، ترسو محطاتها قابَ حفيفَ ذاكرةٍ تشدو الحنين للطفولة، للمكان الاول لذاك الحضن الدافئ.. " هي شغف البدايات، شفافية بدء التكوين قبل أن ترتدي الوجوه الاقنعة.." الغائب السردي الحاضر، يقترب من نبرة ارشادية، يتوجه بها لأبنائه وللقارئ أيضًا: "أكتبُ الآن محاولًا لملمة شظايا روحي..لعلّ أبنائي يتعرفون إلى جذورهم هناك.." هذه الديمومة الزمنية بصعودها وهبوطها من الصبا والحلقات، والبحث عن الهوية الخاصة إن جازت التسمية، مرورًا بالربيع السوري واجيال جديدة، ثم هذا المنفى وليس عبثًا كفرع من العنوان: عودُعلى بدء.. لن أختلي هنا بصهيل الفيلسوف نيتشة وفكرته المتخيلة عن العود الأبدي، اغتراب الزمن المنطقي لجهة الزمن الذي تعيش وهو الاهم كزمن نفسي.. حانَ وقت الكلام الذي يصافح هسهسة النص، في نوسانه ويقظته ووسَنه قبيل جري الأوراق على ضفاف البوح: لايغيب عن علي الكردي، أنّ هناك غاية ما من وراء ظهر الحروف. هي سيرة ذاتية -جمعية له ولمن شارك التجربة، هي اندغام الأنا مع الفكرة التي غدتْ تنظيمًا. إشكالية هكذا نوع من الكتابة السردية، أنها تحاكي واقعًا سياسيًا بشتى تفاصيله الفجة. لذلك سنتفهم -كقراء- حالة الصياغة المباشرة لدرجة تشعر وكأنك في حوار سياسي مباشر. لكنها تحايلتْ على ذاك الضجيج ، بمحاولة تبنيها تنوع وتعدد الأصوات (الأوراق). تغلبتْ أيضًا على "المحكى السياسي" خاصة عندما ذهبتْ الشخصيات عميقًا في تقييمها لبعض -حتى لو غيابيًا- حيثُ جعلتْ من السارد خليل زهدي مثلًا يكتب على لسان سامي أو رياض، كلام يمس الأنا في كبوتها أو خصوصيتها، لدرجة جعل البعض من نفسه حاملًا مسطرة حادة، لا تهادن ولا تقبل بالاحتمال، بمفردات اليقين المستبطن لديه.. -قلما تجد كاتبًا ما يتقبل هكذا تقييم عنه- علينا أن نشير أن هناك من الشفافية العالية والصدقية مع الأنا، فيها اندهاش للقارئ. سنجد ذلك بأوراق خليل زهدي، عندما تكلم عن عدم قول الحقيقة في الاختبار الأول .. قبل الاندفاع نحو النهايات الخطرة؟ "كان القرار صعب..لاسيما إننا أمام مفترق طرق..الاستمرار يعني أن نغوص في تجربة لا نعرف أين تقودنا.. القطيعة مع الحلقة باتت أيضًا مسألة صعبة..أصبحت ملاذي وعكازي.. هكذا انتصرتْ الأنا المزيفة لكلينا (خليل. سامي).." قد يقول قائل هنا: ربما هي جلد للذات.. اعتقد ان علي الكردي استطاع بترانيم العتمة والضوء، أن يتناول تجربته والتنظيم ايضًا بجرأة عالية، تصلح أن تكون مراجعة نقدية للتجربة إنما بصياغة أدبية..
—---------------------------------------------------------------------------------------------------------------------- *صدرتْ الرواية عن دار ميسلون للثقافة والترجمة والنشر. منتصف أيلول / سبتمبر 2025.
#نصار_يحيى (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
سلطة الأب الضريح -الخالد-
-
المحكى الأسدي في التوريث / بين الابن البكر وأخيه المُهملْ
-
السردية الاسدية (طقوس العبادة)
-
تأسيس منظومة الأبد/ البصمة الاسدية الخاصة
-
المثقف الداعية والمثقف التحريضي
-
هل كان النظام الأسدي نظاماً طائفياً؟
-
-الشيخ والمريد -
-
المرياع
-
شرقي سلمية نصب/ مجموعة قصصية/ ريان علوش
-
رواية في المطار أخيراً / للكاتبة السورية لجينة نبهان
-
مسرحية الاغتصاب للكاتب السوري سعد الله ونوس
-
مسرحية الذباب / الندم/ جان بول سارتر
-
-ماذا وراء هذه الجدران-.. قراءة في رواية راتب شعبو
-
حوار منمنمات بين أطياف -شرّاقة- سعاد قطناني
-
كتاب توقاً إلى الحياة/ أوراق سجين. عباس عباس
-
رواية أحقاد رجل مرهوب الجانب / الكاتب منصور منصور
-
انقسام الروح/ وائل السواح
-
على أوتار الطوفان يعزف غسان الجباعي، أنشودة مدينة ثكلى، صدأت
...
-
دردشات مع روايتين: نيغاتيف، روزا ياسين حسن/ خمس دقائق وحسب،
...
-
قراءة على رواية الشرنقة/ حسيبة عبد الرحمن
المزيد.....
-
يحفظون القرآن على اللوح في 2026.. حكاية منارة النعاس في ليبي
...
-
الصحراء والسلطة والمرض.. دراما العزلة في فيلم -هوبال- السعود
...
-
رحيل الممثل الحائز على الأوسكار روبرت دوفال عن عمر يناهز 95
...
-
نجم فيلم -العراب-.. وفاة الممثل الأميركي روبرت دوفال
-
أزمة تعيين وزيرة الثقافة المصرية: تساؤلات حول معايير الاختيا
...
-
-واصل- في زمن الحرب.. هل صار الإبداع خط الدفاع الأخير للسودا
...
-
من قلب القرون الوسطى إلى وهج الأولمبياد.. كرنفال البندقية يك
...
-
حكاية عاشقين ومدينة.. أفلام فلليني وآلن في حب روما
-
في ذكرى أنجيلا كارتر: -شهرزاد- التي ضاعت في الطريق إلينا
-
قبل عرض -حمدية - هيئة الإعلام تناقش المحددات الفنية والمهنية
...
المزيد.....
-
جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات
/ حسين جداونه
-
نزيف أُسَري
/ عبد الباقي يوسف
-
مرايا المعاني
/ د. خالد زغريت
-
مسرحية : النفساني
/ معتز نادر
-
تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ
/ دلور ميقري
-
ذاكرة لا تصافح أحداً. حكايات وذكريات الكاتب السيد حافظ الجزء
...
/ ياسر جابر الجمَّال
-
دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس
/ السيد حافظ
-
مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ
/ السيد حافظ
-
زعموا أن
/ كمال التاغوتي
المزيد.....
|