أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - ماجد فيادي - اجتهاد نقدي لفلم مملكة القصب















المزيد.....

اجتهاد نقدي لفلم مملكة القصب


ماجد فيادي

الحوار المتمدن-العدد: 8614 - 2026 / 2 / 10 - 07:42
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


عُرض يوم الاحد 8 شباط بمدينة كولون الالمانية الفلم العراقي "مملكة القصب" من اخراج فلاح هادي، قدم فيه حقبة زمنية من تاريخ العراق الحديث تحت حكم الدكتاتور صدام حسين، الفلم بدعم مالي وتقني من شركات من عدة دول. تناول الفلم حياة العراقيين خلال الحصار الاقتصادي الذي فرضته الأمم المتحدة بعد غزو الكويت، وهو يعرض اثار وتبعات نوعين من الحصار، الأول حصار يفرضه الدكتاتور وجلاوزته على الشعب العراقي، الحصار الثاني فرضه المجتمع الدولي على نظام صدام حسين، في حين وقعت اثاره على الشعب العراقي، حتى اصبح العراق خارج نطاق الزمان.
الفلم عبارة عن رحلة على ارض الواقع في بلد الف ليلة وليلة، تبدأ بتكليف المعلم طالبته لميعة عمل كعكة بمناسبة عيد ميلاد السيد الرئيس، قصة من الخيال الممزوجة بآلام الحقيقة. يعرض الفلم حياة العراقيين أيام الحصار الاقتصادي، لعائلة فقيرة من أهوار الناصرية اصل العراق ومهد الحضارة، مستعرضا شخصية امرأة عجوز حكيمة تتكئ على عكازها، تعاني كغيرها من العراقيين في البحث عن ماء الشرب، تفقد عملها الذي يعينها على تربية حفيدتها التي فقدت والديها بدون ان نعرف السبب، الطفلة لميعة بطلة الفلم طالبة ابتدائية مجتهدة ومتفوقة تدرس على ضوء الفانوس حتى الصباح، الديك هندي هو اللعبة الوحيدة التي تمتلكها وهو بلا فائدة كما تقول الجدة لأنه لا يبيض، زميلها وصديقها في المدرسة سعيد، يرافقها كظلها طوال الفلم، لكنه شخصية مختلفة عنها اخلاقيا بحكم نوع التربية التي يتلقاها من ابيه المعوق.
يقدم المخرج عظمة المرأة العراقية بحكمتها عندما تقوم بكل الاعمال في غياب الرجل، وهي عجوز تعمل بلا شكوى او ملل في مزرعة وتصنع المطال في البيت وتربي حفيدتها، وهي طفلة تدرس وتفكر بوسيلة لتجنب جدتها المزيد من الأعباء، وهي مغنية في مقهى رجالي ترفض القيام بأدوار مبتذلة، حتى عندما تنحرف وتبيع نفسها فهي مضطرة لكنها لم تفقد انسانيتها (شخصية المرأة الحامل).
في جانب اخر يقدم المخرج قسوة وسقوط المجتمع عندما يبدأ من المعلم الذي سرق تفاحة لميعة من حقيبتها، ثم طلب من تلاميذه ان يعملوا قرعة مثل كل عام لاختيار من يجلب الفاكهة والمشروبات والكيكة للاحتفال بعيد ميلاد السيد الرئيس صدام حسين ومن يرفض سيكتب به تقريرا الى الامن ليسحلوه كما فعل مع احد العوائل في العام الماضي. ثم تتوالى صور السقوط الأخلاقي تباعا، من العائلة التي قبلت تبني لميعة بدون ضوابط قانونية، مرورا بالشرطة وتعاملهم السيء مع الجدة عندما طلبت المساعدة في البحث عن لميعة، صاحب محل الغذائية الذي استغل الأطفال في نقل أكياس ثقيلة الى طابق علوي نظير خمسة بيضات، مصلح الساعات الذي ابخس ثمن ساعة والدها ودفع لها نقود مزورة، سرقة الديك من على باب الجامع الذي لم يعد حاميا للأخلاق، صاحب المحل الذي استغل حاجة المرأة الحامل التي لا تمتلك المال فدفعها لممارسة الجنس معه، والد سعيد الذي علمه على السرقة لكسب المال، القصاب الذي استغل طفولة لميعة وخدعها من اجل اشباع شذوذه الجنسي، كل هذا التصاعد الدرامي تمهيدا لوصول قمة الحدث عندما سرقت لميعة الطحين بعد ان صمدت طوال الفلم محافظة على اخلاقها ومبادئها، يأساً وخوفاً من فشل مهمتها في رحلة البحث عن مكونات كعكة الرئيس.
قدم المخرج في مشاهد عديدة تأثير حصار الدكتاتور على شعبه، فقد كانت صور الرئيس موجودة في خلفية كل مشهد تراقب الناس وتسلطهم بعضا على بعض، سقوط المعلم رمز العلم والفضيلة عندما اصبح مخبرا علنيا وسارقا مخادعا، ارتداء الأولاد منذ الطفولة ملابس الطلائع تحظيراً لزجهم في الحروب القادمة، الخوف من أجهزة الامن وفعل كل شيء لإرضائهم، اجبار الناس على الخروج في تظاهرات والاحتفال بعيد ميلاد الرئيس، الذهاب في معارك وحروب لا ناقة لهم بها ولا جمل، المعتقلين في مركز الشرطة بدون حقوق مدنية. في مشاهد أخرى اظهر تأثير الحصار الاقتصادي الذي فرضته الأمم المتحدة على الشعب العراقي، بشحة مياه الشرب، فقدان الدواء والخدمات في المستشفيات وتكدس المرضى، غياب المواد الغذائية من الأسواق، تراجع القيمة الشرائية للدينار، خراب المنظومة الاخلاقية. كل هذه المشاهد ليقول الى المجتمع الدولي ان فرض الحصار على أي شعب كعقوبة لمغامرات دكتاتور سينعكس بالنتيجة سلبا على حياة الناس، اما الدكتاتور وازلامه فهم يعيشون ويحتفلون في قصور فارهة، ما يجعلكم شركاء في خراب الاوطان.
رغم نجاح لميعة وسعيد والديك هندي في جمع مكونات الكعكة بعد رحلة طويلة كرحلات السندباد وياسمين وعلاء الدين وعلي بابا، لكنها وصلت الى جدتها بعد فوات الأوان، فقد رحلت وهي تبحث عن شربة ماء في المستشفى التي غاب عنها الدواء والخدمات، لترث لميعة عكاز الحكمة الذي رافق الجدة طوال الفلم، وتأخذها مع السائق الطيب الذي قدم نموذجا مختلفا عن النماذج السيئة. في مشهد نقل الجنازة وهي تجتاز مفرزة للنظام على ارض سومرية بجانبها خيمة للكاولية يمارس بها ازلام النظام العهر والسفاح، مع سرعة السيارة تطير عباءة الجدة من على التابوت كرمز لرحيلها الابدي، وفي مشهد جنائزي سومري بعدد كبير من المشاحيف وهي تشق مياه الاهوار بحثا عن ارضٍ لدفن جثمان الجدة، يقدم المخرج الجدة بطريقة مختلفة عن حياة الذل والقهر والعوز التي عاشتها، طريقة يلفها الاحترام والتقدير من أهالي الهور الاصلاء، في حين تقف لميعة على مقدمة القبر تحمل عكاز جدتها وديكها بإصرار على مواصلة الحياة.
نجحت لميعة في صناعة الكعكة، بعد رحلة طويلة في جمع مكوناتها، ثم قدمتها الى المعلم كدليل على حبها للقائد صدام حسين، تجنبا لوشايته، بدون ان يشفع لها موت جدتها. ينتهي الفلم بظهور السيد الرئيس صدام حسين في احد قصوره يحتفل بعيد ميلاده، على أغاني التمجيد لرئيس الجمهورية ورئيس الوزراء، القائد العام للقوات المسلحة، القائد الضرورة، بطل النصر والسلام، أبو الليثين، البطل القومي وحامي البوابة الشرقية، فارس الامة العربية، وهو يضحك فرحاً ويقطع الكعكة التي صنعت من عدة طوابق في مطابخ امريكية وبريطانية وسويسرية والمانية وفرنسية مزينة بأجمل الألوان ومن حوله حمايته.
يبعث الفلم برسالة الى الدول المتقدمة اقتصاديا وعسكريا، ان إبقاء أنظمة دكتاتورية تجثم على صدور شعوبها بأساليبكم الملتوية (جرى الإبقاء على صدام بقرار سياسي بعد ان انتهائه عسكريا في حرب عاصفة الصحراء) سيؤدي الى هجرة جماعية نحو بلدانكم، حينها ليس من حقكم الاعتراض على المهاجرين او رفع الحس القومي العنصري ضد الأجانب، فانتم شركاء في هذا الخراب.
حتى اذا لم يقصد المخرج برمزية الكعكة وحشوها بالكثير من القيمر كرمزية لثروات هذا البلد، علينا كعراقيين ان نؤكد ان الكعكة كانت في الماضي لصدام وعائلته واليوم يتقاسمها الأحزاب الحاكمة، وهو ما قالته السيدة حنان الفتلاوي في العام 2015 "تقاسمنا الكعكة وكل فريق فرح بحصته".
لأنني شاهدُ عيان مفعولٌ به خلال الفترة التي تناولها الفلم أقول، قد ينزعج العراقيون من حجم مشاهد التدني الأخلاقي التي عرضها الفلم مقابل مشاهد اقل لتمسك المجتمع بالقيم والأخلاق، مع هذا لا اجده سُبّة على الفلم، فحجم الضغط الذي ولده الحصارين الصدامي والاقتصادي كان اكبر واطول من ان يتحمله شعب ويبقى متمسكا بأخلاقه التي عرف بها، كما ان فلما من هذا النوع ليست مهمته اظهار صورة إيجابية للمجتمع.
استطاع المخرج بكادر ممثلين غير محترفين ان يقدم نماذجاً رائعة عن إمكانيات ومهارات الشعب العراقي، فهؤلاء الممثلون جميعهم يشاركون لأول مرة، بعضهم مواطنون من مناطق التصوير، قدموا أداءً ولا اجمل، علموا العالم ان ارض وادي الرافدين بجبالها وسهولها واهوارها تمتلك الكنوز البشرية، وما حصار العالم لهم الا منعا ان يأخذ العراق مكانته الحقيقية بين شعوب العالم.



#ماجد_فيادي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الحلقة الخامسة/ انقشع الضباب لكن العيون ما تزال لا ترى
- الحلقة الرابعة/ انقشع الضباب لكن العيون ما تزال لا ترى
- الحلقة الثالثة/ انقشع الضباب لكن العيون ما تزال لا ترى
- انقشع الضباب لكن العيون ما تزال لا ترى/ الحلقة الثانية
- انقشع الضباب لكن العيون ما تزال لا ترى/ الحلقة الاولى
- جعلوني مشردا لأجل التغيير الشامل
- انتقام العاجزين
- أمسية ثقافية في مدينة كولن الألمانية
- ابو التكتك
- شهداؤنا.. انتخابات.. الذكرى التسعين
- الى القوى المدنية، لنفكر بصوت مرتفع
- الاعتراف بالخطأ نصف الطريق للحل
- مراجعة لفشل وهزيمة الحزب الشيوعي العراقي
- حفلات الحروب
- الظمأ العراقي
- حارق القرآن عراقي وحارق السفارة السويدية عراقي
- الحلقة الرابعة/ ماذا بعد مرور عام على المؤتمر الوطني الحادي ...
- الحلقة الثالثة/ ماذا بعد مرور عام على المؤتمر الوطني الحادي ...
- الحلقة الثانية/ ماذا بعد مرور اكثر من عام على المؤتمر الوطني ...
- ماذا بعد مرور اكثر من عام على المؤتمر الوطني الحادي عشر للحز ...


المزيد.....




- قتيلان وناج في هجوم للجيش الأمريكي على قارب في المحيط الهادئ ...
- استوطن شبه الجزيرة العربية منذ 500 ألف عام.. قصة النمر العرب ...
- الجيش الأمريكي يشيد بنظيره اللبناني بعد اكتشافه نفقا ضخما لح ...
- -ميتا- و-يوتيوب- أمام القضاء بسبب -إدمان الأطفال-
- الولايات المتحدة تتخلى عن قيادتين في الناتو لصالح حلفاء أورو ...
- صراع البيتزا.. هل شوهت اللمسة الأمريكية أصالة المطبخ الإيطال ...
- عاصفة -التهجير الثالث- تطارد الفلسطينيين في سلوان بالقدس
- نائب أمريكي يتحدث عن إخفاء أسماء بوثائق إبستين
- بريطانيا تعلق على -توسيع إسرائيل لسيطرتها في الضفة الغربية- ...
- لدعم اتفاق السلام.. الاتحاد الأوروبي يدرس منح أوكرانيا بعض م ...


المزيد.....

- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله
- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - ماجد فيادي - اجتهاد نقدي لفلم مملكة القصب