|
|
الدليل الرقمي
لهوى رابح
محام / أستاذ جامعي
(Dr.lahoua Rabah)
الحوار المتمدن-العدد: 8610 - 2026 / 2 / 6 - 19:58
المحور:
قضايا ثقافية
دكتور لهوى رابح محام معتمد لدى المحكمة العليا و مجلس الدولة شارع أول نوفمبر مقابل مكتبة بن دالي،العلمة WhatsApp/ Viber 0555.86.27.55 [email protected] الشرعية الإجرائية للأدلة المعلوماتية المستمدة من التفتيش
بالنظر إلى أن الفلسفة العامة التي يقوم عليها قانون الإجراءات الجنائية هي الموازنة بين أهدافه الثلاثة ، "الكفاءة" و "الشرعية" و "الحقيقة" ، فإن دراسة الشرعية الإجرائية للأدلة الحاسوبية من البحث - في ضوء من هذه الفلسفة - لها هدف واحد فقط: السعي وراء الضوابط للتحكم في التوازن بين هذه الثلاثية من خلال وضع قيود جديدة يتفاعل من خلالها البحث عن أدلة الطب الشرعي مع البيئة الرقمية وفقًا للقانون الدستوري وتقرير البطلان عن انتهاك الالتزام بالشرعية. وذلك لا يمنع من أن تكون هذه الأدلة صريحة في ظهورها على إدانة المتهم ما دامت تشوبها مخالفة للقوانين. حتى لو كان من الصعب إثبات ذلك ، يجب أن يظل مبدأ الشرعية قيدًا على حرية الإثبات. وبخلاف ذلك ، فإن الضمانات الدستورية ليست سوى كلمات رسمية والأمن القضائي هو وهم خاطئ لحماية الحريات الفردية ، طالما أن الضوابط الإجرائية ليست سوى عزاء تافه لضحايا القانون.
التعريف بالموضوع: اتّسعت في العصر الحديث دائرة استّخدام تكنولوجيا الإعلام و الإتصال نتيجة ما حقّقته للإنسانيّة من اختصار للمسافات و الجهد و الوقت و المال، حيث باتت المعلومات مرتبطة بمختلف مجالات النّشاط الإنساني و صــــارت عمليات تجميعهــــــا و تخزينــــــــــــها و معالجتهــــــــــا و إسترجاعها بمثابة مقياس لرقي الأمم و تحضرها، إلاّ أنّه على الجانب المقابل فقد استغلّ المجرمون هذه التّقنية بكلّ ضراوة بجعلها هدفا لغاياتهم الجرمية أو وسيلة لتحقيقها بعيدا عن أعين السلطات العامّة، على نحو بات من الصّعب في الوقت الرّاهن تصور جريمة ليس لها بعد رقمي. و من الطّبيعي أن يكون لحالة الصراع بين المجتمع و الجريمة في بعدها التّقني إنعكاسات على طرق الإثبات، من منطلق التّوافق الواجب تحقيقه دوما بين طبيعة الدّلــــــــــــــــيل و طبيعة الجريمة الّتي يتولّد منها، ما أفضى إلى بزوغ وسيلة جديدة من وسائل الإثبات الجنائي إنضمت بجدارة إلى المفاهيم التّقليدية للدليل يطلق عليها "الأدّلة المعلوماتيّة"، من هنا اتّجه البحث القانوني إلى الإعتراف بالحجيّة القانونيّة لملفّات الحاسوب و مستخرجاته ذات المحتوى المعلوماتي، ليست بصورتها الموضوعة ضمن حاوية مادّيّة و لكن بطبيعتها الرّقمية المحضّة استنادا إلى مبدأ راسخ في النّظام القانوني مبناه حرّية الإثبات الجنائي. و إذا كان القضاء المقارن قد أسهم بدوره في تكوين معالم الأدّلة المعلوماتيّة بمجرّد قبولها لتكوين عقيدته في بناء حكم الإدانة أو البراءة، فإنّ هذا النّوع المستجد من الأدّلة الجنائية قد خلّف وجها من أوجه التّعارض بين حق المجتمع في مواجهه الجريمة و حق الفرد في التّمتع بحقوقه و حرياته الشّخصية، بحسبان أنّ جلّ إجراءات استرداد الأدّلة المعلوماتيّة ممثّلة في المراقبة الإلكترونيّة و التّسرب الرّقمي و تفتيش نظم المعلومات قد تقيِّد بعض الحقوق الأساسيّة للأفراد، و في مقدّمتها الحقّ في الخصوصيّة المعلوماتيّة، باعتبار أنّ الحرمة الّتي يتمتّع بها النّظام المعلوماتي حاليا تجاوزت حرمة المساكن و غرف النّوم. فإذا دققّنا النّظر في أخطر هذه الإجراءات الحديثة من حيث تعلّقه بالحريّات الشّخصية و من حيث ما يسفر عنه من أدلة تكشف وجه الحقيقة، لوجدنا أنّ أخطرها مساسا بالشّرعيــــّة و أكثرها فاعليّة و أهمّية هو الولوج إلى الأنضمة المعلوماتية تفتيشا عن البيانات المخزّنــــــــة، و من ثمّ كانت "الشّرعيّة الإجرائيّة للأدّلة المعلوماتيّة المستمدّة من التّفتيش" موضوعا لبحثنا.
الإشكالية الرئيسة: إنّ هذه الرؤية الحديثة للنّواحي الفلسفية الّتي تثيرها علاقة التّفتيش بتكنولوجـــيا الإعلام و الإتصال في إطار استرجاع البيانات المخزّنة كقيمة إثباتية تجلي حقيقة الواقعة الإجرامية بأشخاصها، تقودنا إلى الإعتقاد الجازم بأنّ المبادئ العتيدة الّتي تقوم عليها نظريّة التّفتيش عن الأدّلة المادّيّة الّتي إعترف بها- منذ أمد بعيد- فقه القانون و قضائه ليست سوى عزاء تافه لضحايا هذا الإجراء في البيئة الرّقميّة، فهي في الحقيقة لا تعدو أن تكون مجرّد وهم لحماية الحريّات الفردّيّة الّتي تعصف بها العملية الإثباتية القائمة على الأدّلة المعلوماتيّة المستمدّة من التّفتيش، و يصبح حينئذ من العبث طرح سؤال – جرى الفقه إلى اليوم على تكراره- مبناه مدى إمكانية تطويع القواعد التّقليدية للتّفتيش عن الأدّلة المعلوماتيّة. إستلهاما من هذه الرؤية الّتي أبدينا ملامحها في متسهل هذا البحث، و الّتي لا تعكس ذاتية الأحكام الإجرائيّة للأدّلة المعلوماتيّة المستمدّة من التّفتيش، بقدر ما تترّجم تلك العلاقة الجدليّة غير المستقرّة القائمة بين مبدأين أساسيين يحكمان نظريّة الإثبات الجنائي، "مبدأ حريّة الإثبات" و "مبدأ شرعيّة الإثبات"، و الّتي تندرج في إطار حقين متناقضين، حق المجتمع في مواجهة الظّاهرة الإجرامية في بعدها التّقني، و حق الفرد في التمتّع بحقوقه الرّقمية، و إن كُنّا نسلم مبدئيا بضرّورة التّقليل من جمود مبدأ الشرعيّة الإجرائية و جعله أكثر مرونة في ظل المتطلّبات الّتي تفرضها فعالية التّفتيش على هذا النّوع من الأدّلة، فإنّ المنطق يفرض في المقابل بيان نطاق التّضييق الواجب لهذا المبدأ، تحقيقا للتوازن بين هذه الحقوق المتعارضة، و من هنا تبرز الإشكالية واضحة تبحث عن الحل: إلى أي مدى تشكل ضوابط الشرعية الإجرائية قيدا على مبدأ حرية القاضي الجنائي في قبول الأدلة المعلوماتية المستمدة من التفتيش في بناء حكم الإدانة او تعزيز قرينة البراءة؟
تساؤلات البـحث: - مدى إمكانية تجاوب الأحكام الإجرائيّة للتفتيش عن الأدّلة المادّيّة مع البيئة الرّقمية دون تجاوز الضّوابط الّتي يفرضها مبدأ الشّرعيّة الإجرائيّة؟ - ما المقصود بـ "مستهدف التّفتيش المعلوماتي"؟ - كيفية تحدّيد أجهزة التّخزين الرّقمية الّتي يحوزها المتّهم كمستهـــــــــــــــــــــــــــــدف للتفتيش المادي و تخصيص تلك الّتي تحتوي على الدّليل دون غيرها؟ - ما هي حدود سلطة التحقيق في مرحلة التّفتيش المادي و مرحلة التفتــــــــــــــــــيش المعلوماتي و مرحلة ما بعد التفتيش؟ - ما هي شروط قوبل هذا النوع من الادلة و ما مدى حرية القاضي في تقدير حجيتها؟ منهج البـحث: لقد إعترفنا منذ البداية بأنّ الأحكام الإجرائيّة للأدّلة المعلوماتيّة المستمدّة من التّفتيش تبدو في كثير من المسائل منقطعة الصلة بأحكام التّفتيش عن الأدّلة المادّيّة، و مع ذلك فهي تلقي الضوء على بعض أصل هذه الضّمانات و الضوابط، فضلا عن قيمتها في البحث المنهجيّ ذاته، خاصة و أنّ "التّفتيش المادي" يعتبر مقدمة ضرورية للتفتيش عن الأدّلة المعلوماتيّة لا غنى عنها في معظم الأحوال. من هذا المنطلق حرصنا من خلال تأصيل موضوع دراستنا على معاجلة مختلف جوانبه بالتحّليل المصغر في كل جزئياته و أصوله العامّة بالمقارنة مع مختلف الأنظمة القانونية، و لأنّ التّفاعل القانوني مع الأدّلة المعلوماتيّة المستمدّة من التّفتيش يقف عند حدّ معيّن لم يتجاوزه، فقد كان التّركيز على الإجتهاد القضائي المقارن، و الّذي لا يزال في إعتقاد متسمر أنّه في موضع قصور عن إرساء نظريّة متكاملة لموضوع البحث رغم الأشواط الطويلة الّتي قطعها، لذا كان المفترض الطبيعي للدراسة تعتمد المنهج التحليلي و الوصفي. اسباب اختيار الموضوع: لا ريب أن موضوع البحث يعتبر من المواضيع الهامة الحديثة اذ اصبح يكتسي أهمية متزايدة في ضوء التطورات التقنية والسعي المحموم من قبل المجرمين لتوظيف التقنية بدلالاتها الواسعة في تحقيق جرائمهم و التخفي من وجه العدالة، مما جعل مواجهة هذا النوع من الجرائم يستدعي الاستناد الى نوع جديد من الأدلة ممثلا في نبضات غير مرئية يقتضي استردادها مســــــــــــــــاسا ببعض الحـــــــــقوق و الحريات الفردية. انطلاقا من طبيعة هذا الدليل، يطرح موضوع البحث اشكاليات لا تزال محل استفهام إلى غاية اليوم حول مفهوم محل التفتيش و محله و نطاق امتداده داخل الوطن و خارجه و اثر ذلك على حقوق المتهم و غيره، و حق الفرد في حدف البيانات الي لا علاقة لها بالواقعة كل ذلك في ظل عدم تعرض المشرع إلى هذه المسائل بالتنظيم، في وقت خطى فيه القضاء المقارن خطوات طويلة سعيا لايجاد ضمانات تقيم توازنا بين حق المجتمع في محاربة الجريمة و حق الفرد في التمتع بحقوقه و البحث عن المعايير التي من شانها ان تقيم توفيقا بين هاتين المصلحتين المتعارضين هو الذي دفعنا إلى اختبار موضع البحث. أهميّة البـحث: إذا كنّا قد تعرّضنا في هذه المقدّمة إلى جزء يسير من الإشكاليات الهامّة الّتي يطرحها موضوع البحث، فإنّنا لسنا بعد ذلك في حاجة إلى تأكيد أهميّة هذا الموضوع، إذ يبدو واضحا ما لهذه الدراسة من أهمية ترجع في حقيقتها لتلك الأهمية التي تحضى بها قاعدة الشرعية الإجرائية للدليل الجنائي باعتبارها وسيلة فعّالة لحماية حقوق الإنسان و حرّياته، لا سيما في الوقت الراهن الذي يشهد تزايدا في الجرائم الّتي تعد البيئة الرقمية مسرحا لها، بحكم استغلال المجرمين للمعلوماتية بدلالاتها الواسعة في تحقيق مآربهم الجُرميّة بعيدا أعين العدالة، ممّا وفر للقائمين على محاربة هذا النّوع من الجرائم ذريعة للمساس بحرّيات الأفراد و حقوقهـــــــــــم، و من هذا المنطلق فإنّ أهمية البحث تتجلى من خلال ثلاثة نواحي: فمن ناحية أولى، يقع موضوع البحث في أكثر منـــــــاطق الإجراءات الجزائية دقّـــــــــــــــــــــــــــــة و حساسيـــّة تثير معها إشكالية الموازنة بين الثلاثية "الفعالية" و "الشرعية" في الوصول إلى "الحقيقة"، إذ لا فارق بين أن تنهتك حريّات الأفراد و حرمة حياتهم الخاصّة بمعرفة أشخاص يعملون تحت ستار القانون أو بمعرفة مجرمين يرتكبون آثامهم بمنأى عن سطوة القانون، خصوصا في الوّقت الرّاهن الّذي بات فيه النظام المعلوماتي أقرب إلى المسكن من حيث نطاق و كمية المعلومات الخاصّة الّتي يخزنها، فاستقر في ضمير الجماعة تمتعه بقدر من الخصوصية يتجاوز المفهوم الراسخ لخصوصية غرف النّوم، فالتّعامل مع الخصوصية الرّقمية وفق منطق الخصوصية المكانية أو الجسدية هو بمثابة افتئات على الحريّات الشّخصيّــــــــــــــة، و مثل هذا الأمر ترتب عليه أزمة في الشّرعيّة الإجرائيّة لعدم وجود ضمانات رقميّة تراعي هذه الرّؤية الجديدة للحقوق الفردّية، و لا ريب أنّ التّعرض لهذه الجدليّة يفرز العديد من الإجتهادات القيِّمة. و من ناحية ثانية، تجرّنا أزمة الشّرعيّة الإجرائيّة في التّفتيش عن الأدّلة المعلوماتيّة إلى إحياء الدور الخلاّق للقاضي الجنائي، وقد اضطررنا سعيا لذلك إلى عقد الأهميّة للقضاء المقارن الّذي و إن كان منقطع الصلة بنظامنا القضائي، إلاّ أنّه ينفرد في إطار تجاوبه مع المعلوماتيّة بأحكام متميّزة بعد أن خاض معركة كفاح تجاوزت العقدين من الزّمن لأجل تطوير القواعد القانونية لكي تتفاعل مع الرّقميّة وفق نظرة فلسفية مضمونها الالتزام بالشّرعية الإجرائيّة بمفهومها الواسع حال التّفتيش عن الأدّلة و إلاّ فقدت هذه الأخيرة أهميّة وجودها قانونا، و استقرت في المنطق الافتراضي كواقعة رقميّة مجرّدة من أيّ قيمة إثباتية، و من شأن رصد بعض هذه السّوابق القضائية زيادة المعرفة و فتح الجديد من الأفاق على نظام لا شك في أهميّته، خاصّة و أنّ الإجراءات الجزائية المعلوماتية بشكل عام تتجه نحو تجاوز الحدود الإقليمية بمفهوما المادّي لتقترب أكثر من العولمة. و من ناحية ثالثة، يرتبط موضوع الشّرعية الإجرائيّة للأدّلة المعلوماتيّة المستمدّة من التّفتيش بمواضيع وثيقة الصلة به لا تقل عنه أهميّة، أهمها نظريّة الإثبات العلمي سواء في بعدها القانوني أو طابعها العلمي، أين نلمس مؤشرات خطيرة في تراجع دور القاضي حال إعمال سلطانه في تقيّيم مدى موثوقية هذه الأدّلة و تقدير قيمتها الإثباتية و الإكتفاء بالإنصياع لتوجيهات الخبير التقني، خاصة في ما يتعلق بمسألة أصالة و سلامة الدليل المعلوماتي من التعديل، و نعتقد أنّ دراسة جادّة لهذا الموضوع سوف ترصد في ثناياها معايير موضوعية بعيدة عن الطّابع العلمي يُهْتَدَى بها لإعادة إرساء "مبدأ القاضي خبير الخبراء"، و سوف يلاحظ القارئ أنّ هذه المسألة الهامة شكلت هاجسا للقضاء و الفقه المقارن على مدى عقدين من الزّمن لأنّه يتوقّف عليها مصائر المتّهمين، و من ثم تزاداد أهمّية البحث لتصبح ضرّورة ملحة، سيما و أنّ بوادر هذا الموضوع بدأت تظهر في المحاكم العربية. أهداف البحث: ليست الغاية من الدراسة إضافة مؤلف إلى المؤلفات الكثيرة التي تناولت موضوع الأدلة الجنائية المعلوماتية بشكل عام، و إنّما الإحساس العميق بأن أي من هذه الدراسات لم تصل إلى حد تأصيل نظرية عامة تمكنت من وضع أسس عملية لحل التساؤلات الشائكة الّتي تثيرها الاجراءات الجزائية في البيئة الرقمية، فالدراسات العربية على كثرتها لا تزال تتنظر إلى التفتيش المعلواتي و اثاره بشكل لا ينعتق من المفهوم و التكييف و الضمانات التقليدية رغم أنّ الفارق بليغ بينهما على نحو ما سيستيقن منه القارىء و إن كانت الدراسات الأجنبية قد تطرقت إلى موضوع البحث، فإّن هذه الأبحاث على ندرتها متناثرة و مبعثرة بطريقة يصعب الرّجوع إليها، و من هنا كانت الحاجة ماسّة إلى الالمام بهذه الاتجاهات الفقهية المقارنة، و البحث عن نقاط الخلاف بينهما و بين التشريع الجزائري و العربي عموما و تنظير هذه الشتات، و هذا ما استهدفته من البحث، بمحاولة تحديد الأثار القانونية لمبدأ الشرعية على التفتيش المعلوماتي كإجراء ينطوي على مساس بالحقوق الرقمية و على الأدلة المستمدة منه، و كذا بيان الجزاء المترتب على الاخلال بهذا المبدأ. الدراسات السابقة: في حدود البحث الذي أجريناه فقد اطلعنا على العديد من الدراسات ذات العلاقة المباشرة بموضوع دراستنا الراهنة، و من بين أهممها بحث بعنوان الإثبات الجنائي للجرائم المعلوماتية، و هو عبارة عن أطروحة دكتوراه من اعداد الباحث بن فردية محمد، كلية الحقوق و العلوم السّياسية، جامعة الجزائر1، 2015، و ايضا بحث بعنوان الدّليل الإلكتروني و دوره في الإثبات الجنائي دراسة مقارنة، و هو عبارة عن أطروحة دكتوراه، كلية الحقوق و العلوم السّياسية، جامعة تيزي وزو، 2019 ، اذ استفدنا مما جاء في كلا البحثين من استفاضة في موضوع ماهية هذا النوع من الأدلة و أثر هذه الذاتية على اجراءات استخلاصه، و كذا بيان مدى حرية للقاضي الجنائي في الاقتناع بهذا النوع المستحدث من الادلة. و يعتبر البحث الذي اعده الباحث محمود عبد الغاني فريد جاد المولى بعنوان دور الدّليل الإلكتروني و دوره في المجال الجنائي، و هو عبارة عن رسالة دكتوراه، كلية الحقوق جامعة بنها، مصر، 2016، من بين اهــــــــــم الدارسات التي استفدنا منها كثيرا لانها لاتنعتق من موضوع دراستنـــــا و زايدة على ثراء هذه الدراسة لأنها تناولت موضوع حجية الأدلة المعلوماتية في التشريعات المقارنة من بينها الشتريع المصري و الفرنسي و الامريكي، و مازاد من اهميتها ايضا لجوء الباحث الى الاستشهاد بعدد معتبر من الاحكام القضائية في كل اشكالية من الاشكاليات الهامة التي يثيرها الموضوع. صعوبات البحث: لعل ابزر عائق واجه الباحث هو صعوبة الالمام بالمصطلحات التقنية المتنوعة التي لا عهد للقانون الجنائي بها، و الاحاطة بهذه المصطلحات يعتبر امر بالغ الأهمية حتى يدرك الباحث بعدها القانوني، انطلاقا من أول اشكالية يثيرها الموضوع حول المقصود بالتفتيش المعلوماتي و متى يقع بالظبط إلى غاية آخر اشكالية يطرحها و المتعلقة بشروط قبول هذا الدليل. و تكمن الصعوباب ايضا في قلة المراجع العربية التي تناولت هذا الموضوع، اما المراجع الاجنبية فهي تتميز بصعوبة ترجمــــــــتها لعـــــــــــــدم وجود توحيد المصطحـــــات عند ترجمتها للغــــة العربية و ايضا ارتباط المسائل القانونية بالتقنية في عومهما- عند معالجتها- مما يجعل الاستناد الى المراجع الاجنية امرا بالغ الصعوبة، فضلا على قلة الاعتماد على هذا النوع من الادلة الجزائية من الناحية العملية في الدول العربية و من بينها الجزائر مما افضى إلى قلة القرارات القضائية المتعلقة بالموضوع. خطة البـحث: إنطلاقا مما سلف بيانه، فقد شرعنا في دراسة موضوعنا وفقا لخطة لتحقيق الفائدة الّتي استهدفناها، و تقوم هذه الخطة على محاولة وضع تلك الجزئيّات المنبثقة من التساؤلات الفرعية في نسق علمي متكامل، و هكذا تكون خطتنا لمعالجة الموضوع على النحو التالي: الفصل التمهيدي: ماهية الأدلة المعلوماتيّة المستمدّة من التّفتيش. البـــــــاب الأول: الأحكام الإجرائيّة للأدّلة المعلوماتيّة المستمدّة من التّفتيش. الفصل الأول: تاصيل التفتيش عن الأدلة المعلوماتيّة المستمدّة من التّفتيش المبحث الأول: مدلول فكرة التفتيش عن الأدلة المعلوماتيّة. المبحث الثاني: مقدمات التفتيش عن الأدلة المعلوماتية. الفصل الثاني: ضوابط التفتيش عن الأدلة المعلوماتيّة. المبحث الأول: الضوابط الموضوعية لللتفتيش عن الأدلة المعلوماتيّة. المبحث الثاني: الضوابط الشكلية لللتفتيش عن الأدلة المعلوماتيّة. البـــــاب الثاني: حجيــة الأدّلة المعلوماتيّة المستمدّة من التّفتيش. الفصل الأول: القيمة الاثباتية للأدّلة المعلوماتيّة المستمدّة من تفتيش مشروع. المبحث الأول:حرية القاضي الجنائي في قبول الدليل المعلوماتي المستمد من التفتيش المشروع. المبحث الثاني: حرية القاضي الجنائي في تقدير الدليل المعلوماتي المستمد من التفتيش المشروع. الفصل الثاني: القيمة القنونية للأدّلة المعلوماتيّة المستمدّة من تفتيش مشروع. المبحث الأول: جزاء التفتيش غير المشروع عن الأدلة المعلوماتية. المبحث الثاني: الجزاءات التي توقع على مرتكب التفتيش غير المشروع عن الأدلة المعلوماتية. على أن تكون خاتمة البحث موجز نتعرض فيه لأهم النّتائج و التّوصيات المقترحة الّتي تم التّوصل إليها من خلال الدراسة.
المبحث الأوّل مدلول الأدّلة المعلوماتيّة المستمدة من التّفتيش ما المقصود بالدّليل المعلوماتي المستمد من التّفتيش؟ الحقيقة أنّ هذا السّؤال يحدّد بدقّة طبيعة الدّراسة و غايتها، فإن كانت تسمية هذا الدّليل تبدو كاشفة للوهلة الأولى عن مدلوله، إلاّ أنّ ذلك يعتبر بمثابة تبسيط مخل لإشكالية لا تزال محل جدال خصيب، تعدّ الإجابة عنها مقدّمة ضرورية لدراسة مشروعية هذا الدّليل، كما أنّ الهيئات المتنوعة التي يوجد عليها هذا الدليل من حيث تكوينه تدفعنا للبحث عن تصنيف له بين الأدلّة الجنائية التّقليدية حتّى يمكن الإستناد إليه في بناء الإدانة او البراءة، لذا كان من المقتضى الطّبيعي أن يعالج مستهل هذه الدّراسة مفهوم الدّليل المعلوماتي (مطلب أول) و تقسيماته (مطلب ثاني). المطلب الأوّل: مفهوم الدّليل المعلوماتي المستمدّ من التّفتيش إنّ البحث في نطاق مفهوم الدّليل المعلوماتي الجنائي المستمد من التّفتيش يجعل الباحث – و بحق- عرضة لخضم عدد هائل من الآراء في تعريفها لهذا الدّليل، حتّى إنّه من الصّعوبة بمكان رصد موقف تشريعي أو فقهي يعرّفه تعريفا جامعا مانعا(فرع أول)، أو يُقدّم و لو جزئيا منطقا قانونيا يمكن من خلاله تحديد المصطّلح الدّقيق للدّلالة عليه (فرع ثاني). الفرع الأوّل : تعريف الدّليل المعلوماتي المستمد من التّفتيش يفرض البعد التّقني للدّليل المعلوماتي المستمد من التّفتيش أن يتّسم مفهومه بالمرونة و الوضوح بُغية وضع تعريف دقيق له، خشية حصره في نطاق ضيّق لا يتواءم مع التّطور المتسارع الذّي تشهده تقنية المعلومات، و إن أغفلت الإتفاقيات الدّولية رصد تعريف له (أولا)، و تردّدت معظم التّشريعات في بيان مدلوله (ثانيا)، إلاّ أنّ ذلك لم يمنع الفقه من المساهمة في رسم ملامح واضحة لمدلوله (ثالثا). أوّلا: تعريف الاتفاقيات للدّليل المعلوماتي المستمد من التّفتيش إنّ المتأمّل للإتفاقيات الدّولية، يلحظ في مستهلها إدراج مادة لتعريف المصطلحات و المفردات المستخدمة في متن الإتفاقية، توضّح فيها المعاني المقصودة بتلك المصطلحات، و الغرض من ذلك هو تحري الدّقة في استخدام المصطّلح و إخراج ما لا يقصده الأطراف، و هو المسلك الّذي سلكته الإتفاقيات الدّولية الّتي تُعنى بمحاربة الإجرام المعلوماتي، بأن تعرّضت إلى بيان مفهوم عديد من المصطلحات الهامة المرتبطة بالإثبات الجنائي المعلوماتي، إلاّ أنّها أغفلت إيراد تعريف للدّليل المعلوماتي( ). و أهمّية تحديد مدلول الدّليل المعلوماتي في الإتفاقيات الدّولية يفرضها البعد الدّولي لهذا الدّليل، لذا استشعر المشرّع الأوروبي الحاجة إليه عند محاولة إبرام إتفاق دولي يحدّد من خلاله آليات جمع الأدلّة المعلوماتية و تبادلها بين دول الإتحاد الأوروبي، أين أثيرت إشكالية تحديد المفهوم الدّقيق لمصطّلح "الدّليل المعلوماتي"، و ذلك مفترض طبيعي نتيجة إنعكاس مفهومه على إجراءات الوصول إليه و استرداده، و ما يترّتب على ذلك من مساس خطير بالحقوق و الحرّيات الفرديّة، خاصة تلك الإجراءات الّتي تجرى في سرّية عن بعد و عابرة للحدود الدّولية بالمفهوم التّقليدي. نتيجة لذلك إستدرك المشرع الأوروبي هذا القصور ضمن مشروع الإتفاقية الأوروبية لتبادل المعلومات و الأدلّة الرّقمية المسماة "Evidence" ( )، بمقتضاها عُرِف الدّليل المعلوماتي بأنّه يمثّل "أيّ معلومات (تشمل مخرجات الأجهزة التّناظرية أو البيانات في شكل رقمي) ذات قيمة إثباتية محتملة تتمّ معالجتها أو توليدها أو تخزينها أو نقلها بواسطة أيّ جهاز إلكتروني"( ). و الملاحظ على هذا التّعريف أنّه ورد دقيق الصّياغة من النّاحية اللّغوية و القانونية، إذ بقدر ما كان التّعريف موّسعا شاملا لجميع أنواع المعلومات، أيّا كان نّوعها، و وضعها، خشية توصّل التّقنية إلى معلومات حديثة تجعل التّعريف لا يتجاوب مع التّطورات الحاصلة في مجال تقنية المعلومات و الاتصالات، فقد كان قاصرا على معلومات محدّدة و هو ما يتجلّى من عبارة "ذات قيمة إثباتية محتملة" (Of Potential Probative Value). و كلمة "محتملة" في نظرنا تترتّب عليها مسائل قانونية هامة، فمن جهة أولى تفضي إلى تفادي تضييق دائرة الأدلّة المعلوماتية بحصرها في تلك الّتي تتمتّع بالقوة الإثباتية دون غيرها أو تلك الّتي يرجح أن تكون كذلك، في وقت تحول دون التّعميم المجرّد للمعلومات، إذ ليست كلّ المعلومات الّتي قد توجد بحوزة المتّهم – بالمفهوم التّقليدي للحيازة- مما له إرتباط بالواقعة الجرمية أو يفيد في إظهار الحقيقة، خاصة بالنظر إلى ظاهرة التخزين الرقمي التي تشهد تتطورا يفوق قدرة العقل البشري على الإستيعاب، و هو ما يحسب للمشرّع الأوروبي في هذا الصّدد( ). ثانيا: التّعريف التّشريعي للدّليل المعلوماتي المستمد من التّفتيش تجنّب التّشريع الجزائري شأنه شأن معظم التّشريعات المقارنة الخوض في تعريف الدّليل الجنائي المعلوماتي( )، و السّبب في اعتقادنا يرجع إلى كون التّطور المتسارع الّذي تشهده تقنية المعلومات في الوقت الرّاهن قد يتجاوز أيّ تعريف يمكن صياغته، لذا ترك أمره للإجتهادات الفقهية. على نقيض ذلك، تطرّق المشرّع العربي إلى تعريف هذا النّوع المستحدث من الأدلّة و يأتي التّشريع السّوري في مقدّمة هاته التّشريعات، و ذلك بموجب المرسوم التّشريعي رقم 17 لعام 2012 المتضمّن قانون تنظيم التّواصل على الشّبكة و مكافحة الجرائم المعلوماتية و بالتّحديد بمقتضى المادة الأولى منه و الّتي جاء فيها "الدّليل الرّقمي: البيانات الرّقمية المخزّنة في الأجهزة الحاسوبية أو المنظومات المعلوماتية أو المنقولة بواسطتها و الّتي يمكن استخدامها في إثبات أو نفي جريمة معلوماتية"( ). يُعاب على هذا التّعريف أنّه اتخذ من منطق تكوين الدّليل المتمثّل في "البيانات" أساسا لتعريفه، فتجاهل "المعلومات" الّتي تشكّل عناصر الدّليل المعلوماتي و الّتي بدونها يفقد هذا الدّليل معناه و قيمته( )، فالبيانات تعبّر عن الأرقام و الكلمات و الرّموز أو الحقائق أو الإحصائيات الخام التّي لا علاقة بين بعضها البعض، و لم تخضع بعد للتّفسير أو للتّجهيز للإستخدام أي هي تخلو من المعنى الظّاهري في أغلب الأحيان، أمّا "المعلومات" فهي المعنى الّذي يستخلص من هذه البيانات "فالمعلومات نتيجة تحليل للبيانات"( ). لذا كان الأحرى بالمشرّع السّوري ربط التّعريف بفكرة المعلومات لأنّها تمثّل الوسيلة الفعليّة الّتي يستعين بها القاضي للوصول إلى حقيقة الواقعة الإجرامية، و تظهر عدم دقّة صياغة التّعريف من النّاحية القانونية من جهة أخرى في قصر نطاق العمل بالدّليل المعلوماتي على الجريمة المعلوماتية فقط، في حين فإنّ دور الدّليل المعلوماتي في إثبات الجريمة التّقليدية لا يقلّ عن دوره في إثبات الجرائم المعلوماتية، لأنّه "من الصّعب في الواقت الرّاهن تصور جريمة ليس لها بعد رقمي"( ). و تطرّق حديثا التّشريع المصري إلى تعريف الدّليل المعلوماتي بموجب المادة الأولى من القانون 175 رقم لسنة 2018 بشأن مكافحة جرائم تقنية المعلومات معتبرا إيّاه يشمل "أيّ معلومات إلكترونية لها قوّة أو قيمة ثبوتية مخزّنة أو منقولة أو مستخرجة أو مأخوذة من أجهزة الحاسب أو الشّبكات المعلوماتية و ما في حكمها، و يمكن تجميعها و تحليلها باستخدام أجهزة أو برامج أو تطبيقات تكنولوجية خاصة"( ). الحقيقة أنّ هذا التّعريف يفتقر إلى الدّقة في الصّياغة إذ ورد التّعريف عاما و ليس قاصرا على الدّليل المعلوماتي في مجال الإثبات الجنائي، كما يعاب عليه إشتراط "قوة إثباتية" للمعلومات لخلع صفة الدّليل عليها، و لا خلاف على عدم صحة ذلك، إذ أنّ مسألة حجية الدّليل أو قوته الاقناعية هي أمر يخضع لتقدير القاضي و ليس لتصور المشرّع. أمّا المشرّع اللّبناني فقد رصد تعريفا للدّليل المعلوماتي تحت مسمى"الآثـــار المعلوماتية" و ذلك بمقتضى المادة 121 من القانون رقم 81 لسنة 2018 المتعلّق بالمعاملات الإلكترونية و البيانات ذات الطّابع الشّخصي كما يلي: "الآثار المعلوماتية، و التّي هي من قبيل الأدلّة الرّقمية أو المعلوماتية، هي البيانات التّي يرتكبها الأشخاص بصورة إرادية أو لا إرادية على الأنظمة و قواعد البيانات و الخدمات المعلوماتية و الشّبكات المعلوماتية، تتضمّن الأدلّة المعلوماتية التّجهيزات المعلوماتية و البرامج و البيانات و التّطبيقات و الآثار المعلوماتية و ما يماثلها"( ). و يؤخذ على هذا التّشريع عدم إعتماد مصطّلح واحد للدّلالة على الدّليل المعلوماتي، و وضع مصطلحين مترادفين و هما "الآثار" و "الأدلّة"، و كان الأحرى تبني لفظ "الأدلّة" بإعتباره المصطّلح المعتمد في قانون الإجراءات الجزائية، كما أنّ المشرّع اللّبناني وضع مصطّلح الرّقمية بشكل مقابل لمصطّلح المعلوماتية و بذلك يكون قد جانب الصّواب، لأنّ المعلومات (Informations) تستوعب الأرقام (Numbers)( ). كما يعاب عليه أيضا الخلط بين التّجهيزات المادية و الدّليل المعلوماتي عند التّطرق لمضمون هذا الدّليل، فالأدلّة المعلوماتية مثل أيّ واقعة تحدث من خلال النّظام الثنّائي الرّقمي و هي تستقل بوجودها عن الحاسوب مشكلا في قطعه الصّلبة حتّى مع الإعتّراف المسبق باستّحالة فصله عن وسيط التّخزين الّذي يحتويه( ). ثالثا: التّعريف الفقهي للدّليل المعلوماتي المستمد من التّفتيش لم يتّفق الفقه الجنائي إلى غاية اليوم حول تعريف موحّد للدّليل الجنائي المعلوماتي، و علّة ذلك هو التّطور المتسارع الّذي يطرأ باستمرار على طبيعة تكوين هذا النّوع من الأدلّة و البيئة الّتي يحيا فيها، سيما و أنّ العالم الإفتراضي لا يزال في بداياته و لم يصل بعد إلى منتهاه، و لن يكون من اليسر إحتوائه، مما قد يجعل كلّ تعريف تتمّ صياغته لا يتجاوب مع التّطور المتلاحق للتّقنية، و عموما يمكن تصوّر موقفين بشأن مواقف الفقه في هذا الصّدد، إمّا تعريف الدّليل بناء على طبيعة تكوينه (أ)، و إمّا ربط التّعريف بفكرة المعلومة (ب). أ)- ربط تعريف الدّليل المعلوماتي بحسب اداة تكوينه. حيث يذهب الإتجاه الأوّل إلى أنّ منطق تكوين الدّليل الرّقمي هو الأساس الّذي يجب أن تُبنى عليه معادلة تعريفه، بحيث يُعترف فقط بالبيانات الّتي تعدّ من طبيعة مغناطيسية و إلكترونية، و بناء عليه فالدّليل المعلوماتي هو" الدّليل الّذي يجد له أساسا في العالم الإفتراضي و يقود إلى الجريمة"، فهو ذلك الجزء المؤسّس على الإستعانة بتقنية المعالجة التّقنية للمعلومات و الّذي يؤدي إلى إقتناع قاضي الموضوع بثبوت إرتكاب شخص ما للجريمة، فكلّما كان هناك مزج في موضوع الدّليل (الفكرة أو المعلومة كبيانات Data) بالمعالجة الآلية للمعلومات فإنّه يعدّ هنا دليلا رقميا( ). و هذا التوجه يجد له أنصارا في الفقه المقارن، إذ على هدى من تلك الفكرة يعرّف الفقيه Eoghan Casey الدّليل المعلوماتي بأنّه "جميع الأشياء الّتي تثبت وقوع إرتكاب الجريمة، أو توجد علاقة بين الجريمة و مقترفها أو تُوجد علاقة بين الجريمة و المتضرّر منها و تتضمّن تلك البيانات خليطا من الأرقام الّتي تمثّل مختلف أنواع المعلومات بما في ذلك النّصوص، الرّموز، الصّور و الأصوات"( )، أو هو ذلك الدليل الذي يمثّل "أيّة بيانات مخزّنة أو منقولة باستخدام جهاز الحاسوب و الّتي تؤكّد أو تنفي كيفية وقوع الجريمة أو تتناول عنصرا من عناصرها الأساسية"( ). و قد آثر هذا الفقيه استعمال لفظ "البيانات" Dataبدلا من "المعلومات" Informations، لأنّ "البيانات" في نظره أكثر تجريدا من "المعلومات" بما يسمح بقدر أكبر من التّعميم( )، إلاّ أنّنا نرى خلاف ذلك، فمصطلح "المعلومات" أدقّ و قد اشار التشريع الأردني إلى أنّ "المعلومات هي البيانات الّتي تمّت معالجتها و أصبح لها دلالة"( )، بحيث لا يعقل أن تقدّم البيانات في طابعها الخام كثنائي رقمي قوامه الواحد و الصفر (1-0) كدليل جنائي لبناء هيئلة الإدانة أو البراءة على أساسه، بل في شكل معلومات لها فائدة في إظهار الحقيقة. كما عرّفته المنظمة الدّولية لأدلّة الحاسوب (IOCE) بأنّه يمثّل "المعلومات المخزّنة أو المتنقّلة في شكل ثنائي، و يمكن أن يُعتمَد عليها في المحكمة"( )، و هو يقترب من التّعريف الّذي جاء به الفريق الأمريكي العلمي المعني بالأدلّة الرّقمية ((SWGD الّذي يرى بأنّ الأدلّة المعلوماتية هي "المعلومات المخزّنة أو المتنقّلة في شكل ثنائي، ذات قيمة إثباتية"( )، فالدّليل المعلوماتي إذن وفق هذا المنظور هو "بيانات يمكن إعدادها و تراسلها و تخزينها رقميا بحيث تمكّن الحاسوب من تأدية مهمة ما"( ). و قد تعرّضت هذه التّعريفات إلى النّقد على أساس تركيزها على القيمة الإثباتية للدّليل و إهمالها للعديد من أنواع البيانات الّتي أفرزتها الثّورة المعلوماتية( ). واقع الأمر أنّ الفقه الأمريكي يميل إلى ترجيح تعريف الفقيه Brian Carrier الّذي توسّع في تعريف الدّليل المعلوماتي متّخذا من الخلفية العلمية للتّحقيق الجنائي الرّقمي أساسا تبنى عليه عملية التّعريف فيرى بأنّه" بيانات رقمية تدعم أو تدحض فرضية ما حول الأحداث الرّقمية أو حالة البيانات الرّقمية"، تأسيسا على أنّ التّحقيق الجنائي الرّقمي يقوم على صياغة و اختبار الفرضيات للإجابة على الأسئلة المثارة حول الأحداث الرّقمية السّابقة أو حالة البيانات الرّقمية، و لا يمكن للمحقّقين بصفة عامة مراقبة البيانات الرّقمية مباشرة( ). و بدلاً من ذلك، يمكنهم فقط مراقبة البيانات المعروضة على جهاز العرض أو جهاز الإخراج، أي أنّ مشاهدة البيانات تتم بطريقة غير مباشرة، بحيث يجب صياغة فرضية مفادها أنّ البيانات الفعلية تعادل البيانات الملاحظة، ثم يتمّ البحث عن بيانات تدعم هذه الفرضية أو تدحضها، و بذلك يكون موضوع الدّليل المعلوماتي غير قاصر على البيانات المقدّمة في مرحلة المحاكمة فقط، بل هناك بيانات ذات قيمة في التّحقيق تستغل من النّاحية العلمية أثناء عملية التّحليل الحاسوبي الشّرعي و لو لم تقدّم الى القضاء( ). و إن كان هذا التّعريف أكثر توسّعا عن غيره من التّعريفات السّابقة، إلاّ أنّه لا يركّز على تعريف الدّليل المعلوماتي بمفهومه القانوني، بقدر تركيزه على تحديد هذا المفهوم بمنطق علم التّحليل الحاسوبي الشّرعي، كما أنّه يفتقر إلى قصر نطاق هذا المفهوم على موضوع الإثبات في المسائل الجنائية، إذ "الواقعة الرّقمية" أو كما يسمّيها "وضعية أو حالة البيانات الرّقمية"« digital event »´-or-the « state of digital data » ليست بالضّرورة مرتبطة بالواقعة الجرمية أو تشكّل ظرفا من ظروفها، فليس "الدليل الإلكتروني في جوهره مجرّد واقعة يتمّ حفظها في ذاكرة الحاسوب"( )، فذلك بمثابة توسّع مبالغ فيه. و في هذا الصّدد يرى الفقيه Stephen Mason أنّ التّعريف الجامع للدليل المعلوماتي يجب أن تنطوي تحته كافة البيانات بمختلف صورها سواء التّناظرية أو الرّقمية، مخزّنة كانت أو منقولة، و أيّا كان الجهاز الّذي يخزّنها أو ينقلها، على أن تكون تلك البيانات ذات صلة بالواقعة الّتي يتنازع حولها الأطراف( ).
أمّا في الفقه العربي فتعدّدت التّعريفات بين الإيجاز( ) و التّفصيل( )، و التّضييق( ) و التّوسع( )، حيث تم تعريفه بأنّه "الدّليل المأخوذ من أجهزة الكمبيوتر، و يكون في شكل نبضات مغناطيسية أو كهربائية يمكن تجميعها و تحليلها، باستخدام برامج و تطبيقات و تكنولوجيات خاصة، و هو مكوّن رقمي لتقديم معلومات في أشكال متنوّعة، مثل النّصوص المكتوبة أو الصّور أو الأصوات و الأشكال و الرّسوم، و ذلك من أجل اعتماده أمام أجهزة إنفاذ القانون و تطبيقه"( ). حقيقة الأمر أنّ هذا التّوجه في تعريف الدّليل المعلوماتي و إن حاول إستيعاب جانب مهمّ من جوانب هذا النّوع المستحدث من الأدلّة من حيث طبيعته و كيفيّة استخلاصه من البيئة الرّقمية، إلاّ أنّه يخلط بين مفهوم الدّليل المعلوماتي و المصدر الذّي يستمدّ منه، فالقول بأنّ الدّليل المعلوماتي لا تثبت له هذه الصّفة إلاّ إذا تمّ استخلاصه من مصدره يؤدّي إلى إستبعاد العديد من الأدلّة المعلوماتية من دائرة الإثبات ما لم يتم نقلها خارج الوسط الرّقمي الّذي نشأت فيه، و مثل هذا القول غير صحيح على الإطلاق، لأنّ التّطوّر المتسارع للتّقنية تجاوز مسألة المخرجات الحاسوبية في شكلها المطبوع كدليل للإثبات الجنائي( )، و أصبح التّعامل في الوقت الرّاهن يتمّ عن طريق النّسخ الرّقمي للبيانات المجرّمة الّتي تشكّل موضوعا للدّليل الجنائي، فهذا التّعريف ليس دقيقا بما فيه الكفاية من النّاحية التّقنية و ينطوي على تضييق كبير لدائرة الأدلّة المعلوماتية. ب)- ربط تعريف الدليل المعلوماتي بفكرة المعلومة على ضوء هذه الإنتقادات ذهب إتجاه آخر إلى تعريف الدّليل المعلوماتي بما يتعدى منطق تكوينه و طريقة استخلاصه، إلى ربط التّعريف بفكرة المعلومة، فعُرِّف بكونه "معلومات يقبلها المنطق و العقل و يعتمدها العلم، يتمّ الحصول عليها بإجراءات قانونية و علمية بترجمة البيانات الحسابية المخزّنة في أجهزة الحاسب الآلي و ملحقاتها و شبكات الاتصال، و يمكن استخدامها في أيّ مرحلة من مراحل التّحقيق أو المحاكمة لإثبات حقيقة فعل أو شيء أو شخص له علاقة بالجريمة أو جان أو مجني عليه"( ). و يؤخذ على هذا التّعريف قصر مفهوم الدّليل الجنائي المعلوماتي على الدّليل المشروع المستمدّ وفق إجراءات قانونية، و مثل هذا الأمر يقودنا إلى القول بأنّ الدّليل الجنائي المحصّل بطرق غير مشروعة لا يدخل في دائرة الأدلّة الجنائية، و الحقيقة خلاف ذلك. و في سياق مقارب عُرّف هذا الدليل بكونه يمثل "المعلومات التّي تمّ الحصول عليها من الحيّز الإفتراضي (نظام تخزين– نظام تراسل)، و تكون في شكل مجالات أو نبضات مغناطيسية أو كهربائية يتمّ معالجتها بتقنيات خاصة لتنتج عنها هيئات معيّنة يتمّ ربطها بين الجريمة و الجاني و المجني عليه بطريقة لا تتعارض مع القانون"( ). واقع الأمر، أنّ الأدلّة المعلوماتية تشمل أيَّ بيانات مولّدة أو مخزّنة في شكل رقمي كلّما استُخدم الحاسوب، و هي تشمل المعلومات الّتي يُدخلها أيُّ فرد يدويًّا في جهاز إلكتروني أو المعلومات المولَّدة في معاملة حاسوبية أو إستجابة لطلب، حيث يولِّد جهاز إلكتروني معلومات كما لو كان إنساناً آليًّا أو معلومات منتَجة و مخزَّنة حيثما يعالج جهاز ما معلومات ضمن مصفوفته. و من ثمَّ، فإنَّ الأدلّة الإلكترونية هي "أيُّ معلومات مدرَجة أو مولَّدة أو محفوظة في قواعد بيانات أو نظم تشغيلية أو برامج تطبيقات أو نماذج مولَّدة حاسوبيًّا تستنبط بالاستقراء نتائج و رسائل بريد إلكتروني وصوتي بل و حتّى تعليمات محتفَظاً بها في صورة خامدة ضمن مصرف ذاكرة حاسوبية"( ). فالأدلّة المعلوماتية هي "كلّ المواد الإثباتية الّتي توجد بشكل إلكتروني أو رقمي، و الّتي تكون مخزّنة أو عابرة، و قد تتخذ شكل ملفات حاسوبية أو مواد منقولة أو سجلات أو بيانات فوقية أو بيانات شبكية"( ). في تقدرينا فإنّ مرجع قصور هذه التّعريـــفات هو الخلط بين البيـــــــــــــانات و المعلومــــــات، و الخطأ في تعريف الدّليل الجنائي بشكل عام لربط تعريفه بقيمته الإثباتية و مشروعية تحصليه، لأنّ جوهر الدّليل (عناصره سواء الإيجابية أو السلبية) تختلف عن القيمة الإثباتية الّتي يستخلصها القضاء في ضوء تقديره، و التّسليم بخلاف ذلك يؤدّي بنا إلى إنكار صفة الدّليل عن المعلومات الّتي تمّ استبعادها لشك في الموثوقية أو لعيب في المشروعية، و ذلك منحى خاطئ و مظلّل( ). لذا نرى أنّ التّعريف الجامع المانع لهذا الدّليل يستوجب أن يُبيِّن جوهره و يوضِّح هدفه و يستجلي خصائصه( )، فلمّا كانت المعلومات هي قِوام هذا الدّليل، فإنّه في هذا المنحى يجد متّسعا له بخصوص عناصره( البيانات)، الّتي يحتويها وعاؤه (الحاسوب)( )، في الوقت الّذي ينبغي قصر هذا المعطى على البيانات المرتبطة بالواقعة الإجرامية و هو ما يطلق عليها بالمعلومات، لذا نرى أنّ الدّليل المعلوماتي يشمل "أيّة معلومات إلكترونية تكشف حقيقة الواقعة الإجرامية بأشخاصها". الفرع الثّاني: تحديد المصطّلح الدّقيق للدّلالة على الدّليل المعلوماتي المستمد من التّفتيش بعد أن فرغنا من تحديد المفهوم الدّقيق للدّليل المعلوماتي، وجب البحث عن "دال" لهذا المفهوم أو تسمية دقيقة له، خاصة و أنّ النّماذج المعروضة لتعريفات الدّليل المعلوماتي سواء التّشريعية أو الفقهية تكشف عن تعدّد المصطلحات المستخدمة للدّلالة عليه، فهذا الدليل يوسم بـ "الدّليل الرّقمي"، و "الدّليل الإلكتروني"، و "الدّليل المعلوماتي" ( )، أو الدليل السيبارنتيكي " La Preuve Cybernétique"( ). و يثور التّساؤل في ضوء ذلك عمّا إذا كان هناك فارق بين هذه المصطلحات أم هي مترادفة المعنى؟ و أيّ المصطلحات أدّق في الدّلالة عليه؟ كلّ ذلك نجيب عنه في ضوء الفقه المقارن (أولا)، و الفقه العربي(ثانيا).
أولا: موقف الفقه المقارن في إجابته على هذا التّساؤل يرى الفقه المقارن أنّ هناك فارق بليغ بين "الدّليل الرّقمي" و "الدّليل الإلكتروني"، فالدّليل الرّقمي هو الدّليل الّذي ينشأ في الأصل "موّلد رقميا" بواسطة الحاسوب أو أيّ جهاز آخر مماثل، أمّا الدّليل الإلكتروني فله مدلول أوسع من ذلك، لأنّه لا يشمل الأدلّة الرّقمية فقط، بل يمتد ليشمل أيضا الأدلّة المادية أو الأدلّة التّقليدية (غير الإلكترونية) الّتي تخضع للرّقمنة فيما بعد، كسلاح القتل أو بقدم دم الضّحية و الّتي يمكن رقمنتها عن طريق إلتقاط صورة لها، فالدّليل الإلكتروني يشمل "الأدلّة الموّلدة رقميا" “Born Digital” و كذلك "الأدلّة غير الموّلدة رقميا"“Not Born Digital” و تمّت رقمنتها لاحقا( ). ثانيا: موقف الفقه العربي هناك جانب من الفقه العربي يميّز بين الدّليل الإلكتروني و الدّليل الرّقمي على سند من القول بأنّ الدّليل الإلكتروني يمثّل "جميع الأجهزة الّتي يمكن أن تخزّن أو تعالج أو ترسل أو تستقبل معلومات رقمية"، أمّا الدّليل الرّقمي فيشمل "جميع المعلومات المخزّنة في الأجهزة الإلكترونية و يشمل ذلك جميع أنواع الوثائق و الصّور و الملفات الصّوتية و المرئية و البرامج الّتي يتمّ العثور عليها في الحاسب الآلي أو وسائط التّخزين أو أيّ أجهزة إلكترونية أخرى و الّتي تم ضبطها في مسرح الجريمة"، بحيث يلزم لوجود دليل رقمي وجود دليل إلكتروني، على اعتبار و أنّ الدّليل الإلكتروني يعدّ بمثابة حاوية للدّليل الرّقمي، و الفرق بينهما أنّ حيازة الدّليل الإلكتروني قد تكوّن جريمة بحدّ ذاتها أو دليلا على إرتكاب الجريمة، كأجهزة التّشفير فهي دليل على التّخفي أثناء ولوج شبكة المعلوماتية، كما أنّ الدّليل الرّقمي يكون داخل الدّليل الإلكتروني مثل وجود معلومات محظورة داخل جهاز الحاسب الآلي كالصّور الدّاعرة للأطفال القصر أو البرامج المنسوخة، ففي العديد من القضايا تتظافر الأدلّة الرّقمية مع الأدلّة الإلكترونية لإثبات التّهمة أو نفيها( ). بدون تردّد فإنّنا نرى أنّ أساس التّمييز في الفقه العربي بين الدليل الإلكتروني و الدليل الرقمي يتجاهل الفارق بين القطع الصّلبة و المعلومات، "فالقطع الصّلبة مجرّد حاوية لتخزين الدّليل المعلوماتي و ليست دليلا بحد ذاتها" (The hardware is merely a storage container for evidence, not evidence itself)( ). فالدّليل المستهدف بالتّفتيش و التّحقيق هو الملف الإلكتروني الّذي يشكّل موضوعا للدّليل الجنائي، و إن كان هذا الدّليل لا ينفصل بحكم طبيعته الرقمية عن وسيلة تخزينه، فإنّ ذلك لا يعجل وسيط التّخزين الرقمي دليلا معلوماتيا و لا يخرجه من دائرة الأدلّة التّقليدية (المادية)، و مثال ذلك البصمة الموجودة على لوحة المفاتيح تبقى ضمن طائفة الأدلّة التّقليدية مهما كانت درجة إرتباطها بالدّليل المعلوماتي( ). و حجّتنا في ذلك أنّ نسخ المعلومات على جهاز مادي آخر لا يقلّل من حجّيتها، بل و يمكن في الكثير من الأحوال استرداد الأدلّة المعلوماتية من خلال إجراءات "التفتيش عن بعد" في الحالة الّتي تكون فيها هذه البيانات مخزّنة في الحوسبة السّحابية، و الاستغناء تماما عن الجهاز المادي المستعمل في الجريمة، و مثال ذلك الأدلّة المستمدّة من تطبيقات التّواصل الإجتماعي، بحيث يكون الجهاز المادي في هذه الفروض مجرّد نافذة للوصول إليها و لا يستتبع فقدانه إستحالة إسترجاع الدّليل المعلوماتي. من هذا المنطلق نجد أنّ المشرّع الأِوروبي درج على استعمال لفظ "الدّليل الإلكتروني" في التّوصية رقم 95 في البند رقم 13 الّتي تمّ إعدادها من قبل لجنة وزراء أوروبا في الحادي عشر من شهر سبتمبر1995 المتعلّقة بضرورة تعديل الإجراءات الجنائية بما يتواءم مع التّكنولوجيا الحاسوبية( )، و كذلك تمّ استعماله ضمن المادة 14 من الإتفاقية الأوروبية لمكافحة الجرائم المعلوماتية. كما حافظ على ذات المصطّلح ضمن مقترح البرلمان الأوروبي رقم 0108/2018 المتعلّق بأوامر تسليم و حفظ الأدلّة الجنائية الإلكترونية بين دول الإتحاد الأوروبي( )، و نفس المصطّلح تبنّاه المرشد الفيدرالي الأمريكي لتفتيش و ضبط الحواسيب وصولا للدّليل الإلكتروني في التحّقيقات الجنائية ( ). و على العكس من ذلك، هناك إتجاه آخر يؤيّد خلع صفة الرّقمية على الدّليل المعلوماتي بحجة أنّ التّفوق اليوم للرّقمية( )، و هي ذات الحجة الّتي تستند إليها كل من المنظّمة الدّولية للمعايير (ISO) و اللّجنة الكهروتقنية الدّولية (IEC) في تفضيلهما لهذا المصطّلح الّذي يشير وفق تصورهما إلى البيانات الموجودة بالفعل في شكل رقمي باستثناء البيانات الأخرى الّتي تمّ تحويلها فيما بعد إلى بيانات رقمية( )، و ينفرد التّشريع السّوري و المصري من بين التّشريعات العربية بتبنيهما لهذا المصطّلح صراحة ضمن القوانين المتعلّقة بمكافحة الجرائم المعلوماتية( ). بالنّسبة إلى القضاء فإنّ حداثة اللّجوء إلى هذا الدّليل جعلته يتردّد في استعمال مصطلح معيّن، على الرّغم من قبوله إياه و الإعتداد به لتكوين الإدانة و البراءة، و نجد أنّ القضاء في المملكة العربية السّعودية يميل نحو إستعمال لفظ الدّليل الرّقمي و هو ما تجسّد بقرار حديث صادر عن الهيئة العامة للمحكمة العليا بالسّعودية بتاريخ 12 جانفي 2018 تحت رقم 34 جاء فيه "إنّ الدّليل الرّقمي حجة معتبرة في الإثبات متى سلم من العوارض و يختلف قوة و ضعفًا حسب الواقعة و ملابساتها و ما يحتف بها من قرائن"( )، و في حدود البحث الذي أجريانه فإنّه لا يوجد لهذا المصطّلح أو غيره موقعا له في قضاء المحكمة العليا الجزائرية( ). مع أنّ لكلّ تسمية من هذه، يمكن أن يجد لها مستخدمها ما يسوّغ إطلاقها، إلاّ أنّ كليها محل نظر في تقدرينا، فكلّ من الرّأي الأوّل و الثّاني يستمدّ مقوّماته من منطق الرّقمية، مهملا ما يجب أن يكون عليه مدلول المصطّلح من جمع بين البعدين التّقني و القانوني، باستخدام مصطلح ترقى دقته و وضوحه لما هو مطلوب في القانون الجنائي الإجرائي، فسواء كان الدّليل رقميا "موّلد رقميا"، أو إلكترونيا"غير موّلدة رقميا" و تمّت رقمنته لاحقا، ففي الأخير يصبح كليها من طبيعة رقمية، تلك الطّبيعة الّتي تعبّر عن حالة البيانات في وضعها الخام كتعداد غير محدّد لأرقام ثنائية لا يفهما سوى الحاسوب، و يتمّ إستردادها كمخرجات في شكل نصوص و صور ثابتة و متحرّكة و صوت و أرقام و حروف و رموز و إشارات بعد معالجتها، لتصبح في شكل معلومات تنبّئ عن حقائق معيّنة لها دلالة مفيدة في كشف الحقيقة، و تلك هي الغاية المرجوة من الدّليل الجنائي( ). و بطبيعة الحال فإنّه لا يمكن تقديم البيانات في وضعيتها الرّقمية كدليل جنائي، بل تُقدّم في شكل معلومات تحمل تسجيلا مجرّدا للواقعة الرّقمية أو الإلكترونية و تفسيرا لها، أي تصبح المعلومات –إن جاز القول- بمثابة "حقائق عن الواقعة الرقمية أو الواقعة المادية"، و في هذه المرحلة تتخذ المعلومات صورة "مرئية" على جهاز العرض منبّئة عن حقيقة الواقعة الجرمية من زوايتين إحداهما مادية تتصل بمادية الواقعة أو معلوماتية ترتبط بحالة البيانات الرّقمية، و الأخرى شخصية تتعلّق بشخص الجاني، فالمعلومات أعمّ و أدقّ في دلالها، لذا نرى الإصرار على دِقّة مصطلح "الدّليل المعلوماتي" دون غيره من الألفاظ المستعملة في تسميته( ). و قد اعتمد المشرّع اللّبناني هذا اللّفظ ضمن القانون رقم 81 لسنة 2018 و المتعلّق بالمعاملات الإلكترونية و البيانات ذات الطّابع الشّخصي، دون غيره من التّشريعات العربية على أنّه أشار أيضا إلى مصطلح الدّليل الرّقمي( ). المطلب الثّاني: خصائص الدّليل المعلوماتي المستمد من التّفتيش يتميّز الدّليل الجنائي المعلوماتي بعدّة خصائص تميّزه عن غيره من الأدلّة التّقليدية، تقوم على مدى ارتباطه بالبيئة الّتي يحيا فيها، و هي البيئة الإفتراضية بحيث يقتضي إسترداده اللّجوء إلى وسائل علمية (فرع أول)، كما أنّ هذا التّكوين الرّقمي الثّنائي ذو طبيعة تقنية (فرع ثاني) و هو بذات الوقت كثير التنوع و سريع التّطور (فرع ثالث).
الفرع الأول : الدّليل المعلوماتي دليل علمي الدّليل المعلوماتي عبارة عن آثار رقمية يتركها الجاني في مسرح الجريمة تعكس ظروف ارتكاب الفعل الجرمي و تفسّر أساليب اقترافه، و هذه البصمات (digital -print-) ذات مبنى علمي خالص بحكم منشئها في هذه البيئة، ذلك ما يجعل الدّليل المعلوماتي يتعذّر على غير المتخصّص إسترجاعه أو الإطلاع عليه( )، إذ يستلزم تحصيله إستعمال أساليب علمية بالغة التّعقيد، تتسارع في تطوّرها بدرجة تطوّر طرق إرتكاب الجريمة فهو دليل يحتاج إلى قدر من التّجاوب مع البيئة التّقنية، وهذا يعني أنّه كدليل يحتاج إلى بيئته التّقنية الّتي يتكوّن فيها لكونه من طبيعة تقنية المعلومات( ). فهو مستمدّ مما يصنعه أهل علم الحاسوب من أراء و استنتاجات علمية على ضوء ما يتمّ الوصول إليه من برامج و أجهزة تقنية، إذ يعدّ من طائفة ما يعرف بالأدلّة المستمدّة من الآلة( ). و من هنا نخلص- من باب المنطلق و اللّزوم- أنّ هذه الخاصية تجعل الدّليل المعلوماتي يخضع للقاعدة العامة الّتي يخضع لها الدّليل العلمي و هي لزوم تجاوب الدّليل العلمي مع الحقيقة كاملة وفقا للتّوجهات الفقهية الحديثة الّتي ترفض ما استقر تقليديا في الأذهان من كون "القانون مسعاه العدالة أمّا العلم فمسعاه الحقيقة" (Law seeks justice,Science seeks truth)، فلكلّ من القانون و العلم هدف واحد، و هو الوصول إلى الحقيقة و إن اختلفت شروط اعتماد الدّليل العلمي من حيث ضرورة موثوقيته و مشروعية تحصيله من النّاحية القانونية و دقّة تقنيات و تحاليل إستخلاصه من النّاحية العلمية، يبقى التّرابط واضحا بين تقصي الحقائق القانونية و العلمية( ). و إذا كان الدّليل العلمي له منطقه الّذي يجب ألاّ يخرج عليه من حيث يجب عدم تعارضه مع القواعد العلمية السّليمة، فإنّ الدّليل المعلوماتي له ذات الطّبيعة، إذ يجب ألاّ يخرج الدّليل المعلوماتي عما توصّل إليه العلم الرّقمي و إلاّ فقد معناه. و عدم الخروج عن متطلبات العلم الرّقمي لا يعني أنّ هناك قواعد جامدة يرتبط بها هذا الدّليل من حيث طبيعته العلمية، و إنّما يجب الأخذ في الإعتبار أنّ العلم الرّقمي هو علم متطوّر جدا، بل إنّه يجد ذاته في قدرته الكبيرة على التّطور الذّاتي المستمر، سيما من حيث كونه لا يستجيب للقاعدة التّقليدية، حيث أنّه يمكن أن يكون هناك خبراء في العالم الرّقمي لم يتم أيّ منهم منهج دراساته التّقليدي المتبع في التّدريس، و لا يملك الشّهادات و الدّرجات العلمية أيضا و مع ذلك برعوا في العلم الرّقمي و أصبح كل منهم خبيرا فيه( ). الفرع الثاني : الدّليل المعلوماتي من طبيعة تقنية متطوّرة تسمّى هذه الطّبيعة بالطّبيعة الثّنائية للدّليل المعلوماتي، و مفاد ذلك أنّ هذا الدّليل يتكوّن من تعداد غير محدود لأرقام ثنائية في هيئة الواحد و الصّفر (1-0) و الّتي تتميّز بعدم التّشابه فيما بينها رغم وحدة الرّقم الثّنائي الّذي تتشكّل منه، فمثلا البيانات المخزّنة في الحاسوب سواء كانت في شكل نصوص أم حروف أم صور ليس لها الوجود المادي الّذي عرف في شكل ورقي، و إنّما هي مجموعة من الأرقام ترجع إلى أصل واحد( ). هذا الّذي يجعل الدّليل المعلوماتي ذو طبيعة تقنية و فنية و كيفية معنوية غير ملموسة، لا يدرك بالحواس الطّبيعية و يتطلّب إدراكه الإستعانة بأجهزة و معدّات و أدوات الحاسبة الآلية و استخدام نظم برامجية حاسوبية، و هو على الهيئة المار بيانها عبارة عن مجالات مغناطيسية كهربائية، و من ثمّ فإنّ ترجمة الدّليل المعلوماتي و إخراجه في شكل مادي ملموس لا يعني أنّ هذا التّجميع هو الدّليل، فهي العملية لا تعدو أن تكون مجرّد نقل لتلك المجالات من طبيعتها الرّقمية إلى الهيئة الّتي يمكن الإستدلال بها على معلومة معيّنة( ). فالدّليل المعلوماتي إذن ليس مثل الدّليل التّقليدي، إذ لا تنتج التّقنية سكينا يتمّ به إكتشاف القاتل أو إعترافا مكتوبا أو مالا في جريمة الرّشوة أو بصمة إصبع... إلخ. و إنّما ما تنتجه التّقنية هو نبضات رقمية تتشكّل قيمتها في إمكانية تعاملها مع القطع الصّلبة الّتي تشكّل الحاسوب على أيّة شاكلة يكون عليها، و من ثمّ فإنّ إطلاق الصّفة الرّقمية إنّما تعني إنّه ينبغي أن يكون هناك توافق بين الدّليل المرصود و بين البيئة الّتي يعيش فيها. و مثل هذا الأمر يجعلنا نقرّر أنّه لا وجود للدّليل المعلوماتي خارج بيئته التّقنية، و إنّما يجب لكي يكون هناك دليل وجب أن يكون مستوحى أو مستنبطا أو حتّى مستجلب من بيئته الّتي يعيش فيها و هي البيئة الرّقمية ( )، فهناك توافق بين هذا النّوع من الأدلّة و بيئة تقنية المعلومات إذ لا وجود لهذا الدّليل خارج بيئة التّقنية( ).
الفرع الثالث: الدّليل المعلوماتي مفهوم يحتوي التّنوع و التّطور توصّلنا فيما سبق إلى أنّ مصطّلح الدّليل المعلوماتي يشمل كافة أشكال و أنواع البيانات الرّقمية الممكن تداولها رقميا، بحيث يكون بينها و بين الجريمة رابطة من نوع ما، و تتصل بالضّحية على النّحو الّذي يحقّق هذه الرّابطة بينها و بين الجاني، بما يقيم علاقة أساسية بين البيانات الرّقمية و بين الدّليل المعلوماتي، لكون هذا الأخير إنّما هو القالب الّذي يحتوي في داخله مجموعة البيانات الرّقمية، فإنّ ذلك يعدّ تعبيرا عن إتّساع قاعدة الدّليل المعلوماتي، بحيث يمكنه أن يشمل أنواعا متعدّدة من البيانات الرّقمية تصلح منفردة أو مجتمعة لكي تكون دليلا للإدانة أو للبراءة. إذ يشمل هذا التّنوع من البيانات الرّقمية مظاهر عدّة، كأن يكون هذا المحتوى معلومات متنوّعة تتضمّن نصوصا و صورا و سمعيات و مرئيات( ). و على الرّغم من كون أساس تكوين الدّليل المعلوماتي واحد و هو لغة الحاسوب أو الرّقمية، إلاّ أنّه قد يتخذ أشكالا مختلفة و متنوّعة فقد يكون واضحا و مقروءا و مفهوما للبشر كما لو كانت وثيقة مكتوبة و معدّة بنظام المعالجة الآلية، بيد أنّه قد يتخذ أشكالا أخرى مبهمة و غامضة كالأدلّة المتمثّلة في إشارات رقمية يتمّ الحصول عليها من خلال المراقبة عبر الشّبكات أو من خلال القائمين على تقديم خدمات الإتصال الإلكتروني عن بعد، و هذه الصّورة هي الّتي تعبّر عن التّطور المستمر للأدلّة المعلوماتية بسبب تطوّر علم المعالجة الآلية للبيانات( ). فقابلية الدّليل المعلوماتي للتّطور تبقى متواصلة نظرا لإرتباطه الوطيد بالطّبيعة المتغيّرة و المتجدّدة الّتي تتمتّع بها تكنولوجيات الإعلام و الإتصال( )، و المتأمّل لهذه الخاصية يستخلص إنعكاساتها فيما تطرحه من تحديات للوصول إلى الدّليل، إذ ينعقد الإجماع لدى خبراء التّحليل الحاسوبي على ضرورة مواكبة التّطور الحاصل في مجال تقنية المعلومات لمواجهة الإجرام المعلوماتي على شبكة الأنترنت من خلال التّوصل إلى تقنيات فعّالة للحفاظ على الأدلّة على مدى فترات طويلة من الزّمن، و تحقّق أيضا فعّالية في تحليل البيانات و تطوير نظريات التّحليل الحاسوبي الشّرعي في المستقبل( ). لذلك يجب العمل على سد الفجوة بين ما هو متاح و بين ما هو ضروري، بغية معالجة هذا التّنوع و التّطور المتواصل للبيانات الرّقمية، ففي الوقت الرّاهن فإنّ أدوات المعالجة المختلفة لتفسير البيانات لا تزال محدودة، حيث أنّه ليس بإمكانها تفسير جميع أنواع البيانات و هي الحقيقة الّتي أكّدها الفريق العامل المعني بتنسيق و تخزين الأدلّة الرّقمية المشتركة( ). المطلب الثّالث: ذاتية الدّليل المعلوماتي المستمد من التّفتيش تكشف خصائص الدّليل جانبا من ذاتيته، تلك الذّاتية بوجهيها السّلبي و الإيجابي، مرتبطة جدليا بمفهوم التّوازن بين حرّية الإثبات و شرعيته فكلّما زادت صعوبة التّوصل إلى الدّليل وجب التّساهل في البحث عنه و تلك المقاربة تثير في معرض دراستنا تسؤالا حول الجوانب السّلبية للدّليل المعلوماتي (فرع أول)، و جوانبه الإيجابية (فرع ثاني). الفرع الأوّل: الجوانب السّلبية للدّليل المعلوماتي المستمد من التّفتيش يتميّز الدّليل المعلوماتي بحكم طابع تكوينه و بيئته في بعض مظاهره بطابع خاص كثيرا ما يضفي عليه طابعا سلبيا تجعل أمر اكتشافه و الوصول إليه و استرجاعه آية في التّعقيد، فهو دليل هش و غير مستقّر (أولا)، يصعب استرداده (ثانيا)، و نسبته إلى مقترف الجريمة (ثالثا). أوّلا: الطّابع غير المستقر للدّليل المعلوماتي المستمد من التّفتيش الأدلّة المعلوماتية هشّة بطبيعتها، فهي قابلة للتّحريف أو الإتلاف أو التّدمير من خلال سوء المناولة أو الفحص بطريقة غير سليمة، و لهذا السّبب ينبغي إتخاذ إحتياطات خاصة من أجل توثيق هذا النّوع من الأدلّة الإثباتية و جمعه و الحفاظ عليه و فحصه، و قد يؤدي عدم القيام بذلك إلى جعل هذه الأدلّة غير صالحة للإستعمال أو يُفضي إلى استنتاجات غير دقيقة( ). بحيث تختلف الأدلّة المعلوماتية عن جميع الأدلّة الأخرى في أنّه يمكن أن تتغيّر من لحظة إلى أخرى داخل الحاسوب أو النّظام المعلوماتي أو أثناء الإرسال، و يمكن بسهولة تغيير الأدلّة المعلوماتية بدون أي أثر واضح يسهل إكتشافه، بل يمكن أن يقع التّغيير بحسن نية أثناء القيام بجمعها من قبل السّلطة الإجرائيّة المختصّة، و هو ما يثير إشكالية التّيقن من موثوقيتها، بما يجعل عامل الوقت في الوصول إليها أمر حاسم في هذه المسألة( ). و لأنّ الأدلّة المعلوماتي أدلة ظرفية، يجب هنا إحداث مقارنة بين الدّليل المعلوماتي و بين الحمض النّووي (DNA)، و ذلك لاتحاد كليهما في هذه الخصيصة، حيث يمكن إحداث تعديل في تكوينهما معا، و هذا ما يجعل الدّليل المعلوماتي يتميّز بطبيعة إحتمالية إلى حد ما، و يجعل محاولة إعادة بناء وقائع القضية أمرا صعبا للغاية. و هو ذات الأمر الّذي يسري على الشّهادة إذا مضت عليها مدّة طويلة من الزّمن فإنّ مسألة الإستعانة بها تخضع لتحقيق متواصل بحيث يجب التّعرف على مدى قدرة الشّاهد على التّذكر و العوامل المؤثّرة في الذّاكرة بل و قد تكون الشّهادة خاطئة أو مظلّلة. و في هذا الصّدد، فإنّ الإستنتاجات المستخلصة من الأدلّة المعلوماتية تخضع للتّدقيق بالطّريقة ذاتها الّتي يتمّ بها إختبار السّكين الموجود في مكان القتل لمعرفة الحمض النّووي و بصمات الأصابع للتّعرف على المشتبه فيه أي أنّها أدلّة تعزّز أدلّة أخرى( ). و يترتّب على هذه الإشكالية مسائل هامّة في القانون، أبرزها على الإطلاق مسألة موثوقية الأدلّة المعلوماتية الّتي يتوقّف عليها مصير المتّهم، فنظرا لما يمكن أن تخضع له طرق الحصول عليها من التّعرض للتّزييف و التّحريف و الأخطاء المتعدّدة فقد توجّس منها كلّ من القضاء و الفقه خيفة من عدم تعبيرها عن الحقيقة( ). ثانيا: صعوبة الوصول إلى الدّليل المعلوماتي ترجع الصّعوبة في الوصول إلى الدّليل المعلوماتي إلى طبيعة الوسط الّذي يعيش فيه و الّذي هو عبارة عن عالم غير محدود من البيانات تختلط فيه البيانات المجرّمة مع البيانات البريئة الّتي تعدّ موضوعا للدّليل الجنائي، و تلك السّعة التّخزينية الّتي تتزايد بشكل مذهل كل يوم، استغلّها الجناة بكلّ ضراوة لجعل الأدلّة مخفيّة أو مضغوطة أو مفخّخة أو تحمل عناوين مظلّلة أو مشفرّة أو مدفونة ضمن مساحة التّخزين الفارغة “slack space”، بطرق تجعل من المستحيل إكتشافها بسهولة( )، أمّا إذا كانت هذه الأدلّة مخزّنة ضمن الحوسبة السّحابية فإنّ الأمر بلا ريب يزداد تعقيدا و يستنفذ وقتا طويلا يستغلّه الجاني للعبث بالأدلّة بالقدر الّذي إستطاع إليه سبيلا. و حقيقة هذا التّعقيد الفنّي تفرض تحدّيا آخر يكمن في التّكاليف الباهظة الّتي تتطلّبها عملية التّفتيش عن الدّليل المعلوماتي و استرداده، فقد وصلت المصاريف القضائية الخاصة بالخبراء في إحدى القضايا المدنية للقيام بمراجعة البيئة الّتي يرجّح أن يتواجد فيها الدّليل المعلوماتي و المتمثّلة في فحص و مراجعة ثلاثين مليون صفحة رقمية مخزّنة ضمن حاسوب المدعى عليه إلى خمسين ألف دولار و عادة ما تتعلّق هذه النّفقات ببدل إنجاز برامج تكفل القيام بهذه التّحاليل الحاسوبية( )، و بطبيعة الحال فإنّ هذه التّكلفة تتضاعف في مجال التّحليل الحاسوبي الشّرعي بحكم التّعقيد الّذي يفرضه الجناة، في الوقت الّذي قد لا تقدّم فيه هذه المحاولات شيئا مفيدا في الإثبات على الإطلاق. كما أنّ الأدلّة المعلوماتية تمتاز بسرعة حركتها عبر شبكات الإتصال و تتّسم أيضا بسعة إمتدادها عبر الفضاء بدون حدود و لا قيود، و في هذا الصّدد يطرح البعد الدّولي لجمع هذا النّوع من الأدلّة تحدّيات فريدة أمام التّعاون الدّولي، فنظراً للطّابع غير المستقّر الّذي تتميّز به يقتضي التّعاون الدّولي استجابةً سريعة و قدرةً على طلب إجراءات تحقيق خاصة، بما في ذلك حفظ البيانات و توفيرها. و تشمل التّحديات الشّائعة لدى طلب تلك البيانات من ولاية قضائية أخرى حالات التّأخير في الإستجابة للطّلبات، و عدم الإلتزام و المرونة من جانب السّلطة الّتي تُطلب منها الأدلّة المعلوماتية، و الشّكل الّذي تُقدَّم به هذه الأدلّة إلى الدّولة الطّالبة و ما إذا كان يمكن أن تُستخدم في الإجراءات الجنائية، و في كثير من الأحيان قد تتجاوز هذه المدد الزّمنية مدة احتفاظ مقدّم الخدمات للبيانات، أو قد يتمكّن مرتكبو الجريمة خلالها من إتلاف الأدلّة المعلوماتية الرّئيسية تلفاً نهائيًّا. و مردّ هذه الصّعوبة لا يقف عند حد طبيعة تكوين الدّليل بحدّ ذاتها، بل تعتبر الأساليب الأمنية و تدابير الحماية الفنّية الّتي يفرضها الجناة عمدا على عناصر هذا الدّليل من بين أهمّ العراقيل الّتي تحول دون استرداده أو حتّى الوصول إليه، إذ غالبا ما يضرب هؤلاء سياجا أمنيا على أفعالهم غير المشروعة و ذلك باستخدام كلمات المرور السّرّية و ترميز البيانات المخزّنة إلكترونيا بشكل يستحيل على سلطات التّحقيق تعقّب آثار الجريمة و استخلاص الدّليل المعلوماتي حولها دون الحصول على هذه الرّموز و التّشفير( )، و عادة ما يكون هذا التّشفير مرتبطا بفيروسات حاسوبية تعمل تلقائيا على حذف المحتوى الرّقمي بمجرّد محاولة الولوج إلى النّظام المعلوماتي أو عند الخطأ في رمز التّشفير( ). ثالثا: صعوبة نسبة الدّليل المعلوماتي إلى متّهم معيّن و ذلك راجع إلى الطّبيعة الدّيناميكية للبيانات الرّقمية خاصة تلك الموزّعة عبر الشّبكات بحيث يستعصي جمع الأدلّة المعلوماتية و التّوصل إلى نسبة الجريمة إلى مقترفها، سيما إذا تمّ إرتكاب الجريمة عبر الإتصال بشبكة الأنترنت و ذلك لأنّ المستخدم غير مجبر على الكشف عن هويته الحقيقية، إذ يتمّ الإستعارة بأسماء وهمية، و قد أتاحت التّقنية إنتحال شخصيات وهميّة بكفاءة عالية، و يرجع السّبب في ذلك إلى أنّ كثيرا من نظم المعلومات لا تسمح بالتّتبع العكسي لسير المعلومات أو البيانات. كما أنّه لو أتيح ذلك فإنّ هذا يحتاج إلى مراجعة و فحص كم هائل من البيانات و المعلومات، فما تتيحه النّظم المعلوماتية مجرّد بيانات غير مرئية لا تفصح عن شخصية معيّنة عادة، مسجّلة إلكترونيا بكثافة بالغة و بصورة مرّمزة لا يترك التّعديل أو التّلاعب فيها أيّ أثّر، مما يقطع كلّ صلة بين المجرم و جريمته( ). و إذا كانت الإستعانة بالمعلومات و العناوين و المصادر الّتي يحتويها (IP) يساعد حقيقة على الكشف عن مصدر الجهاز المستخدم في ارتكاب جريمة ما و موقعه و بالتّالي الكشف عن المجرم الّذي يفترض أن يكون صاحب هذا الجهاز، إلاّ أنّ النّتيجة ليست دائما صحيحة و موثوقة، لأنّ ما يتمّ التّوصل إليه من خلال التّقنية السّابقة هو عنوان رقمي للحاسوب المستخدم فحسب، و هذا لا يكفي وحده لإسناد الفعل الجرمي إلى صاحب الحاسب المذكور، إذ من المحتمل جدا أن لا يكون هذا الأخير هو مرتكب الجريمة( ). و هو ما يثير إشكالية أصالة الدّليل خاصة بالنّسبة للأدلّة المستجلبة من الشّبكة بحكم الطّابع الدّينامكي للبيانات بمجرد إلتقاط حركة مرور تبقي النّسخ فقط، ولا تتوفّر البيانات الأصلية للمقارنة، يمكن توثيق كمّية البيانات المفقودة أثناء عملية التّجميع، و لكن لا يمكن إسترداد الأدلّة المفقودة، و يزداد الأمر تعقيدا فيما لو كان الدّليل المعلوماتي مستجلب من قاعدة مجهولة أو خوادم غامضة. و من الطّبيعي أن تفرز إشكالية أصالة الدّليل المعلوماتي المستمد من التّفتيش مسألة ذات أهمية بالغة في إطار نظرية الإثبات الجنائي، و هي مسألة الدّفع بإنكار التّأليف (صدور الفعل عن المتّهم) خاصة تلك الأدلّة المعلوماتية المستخلصة من مواقع التّواصل الإجتماعي في ظل سهولة العبث بالملفات التّعريفية لأيّ شخص، ذلك أنّ قاعدة مواقع التّواصل الإجتماعي غير آمنة، فهي بوضع يمكن معه إختراق الموقع من قبل أيّ شخـــص آخر، و بناء عليه يمكن إستخدام الموقع و إرسال رسائل من خلاله لتبدو كأنّها صادرة عن صاحب الموقع الحقيقي، و هي الحقيقة التي كرسها القضاء المقارن في كثير من أحكامه( ). الفرع الثّاني: مزايا الدّليل المعلوماتي الواقع أنّ تقنية المعلومات مثلما أضفت مظاهر سلبية على الدّليل المعلوماتي فإنّها بذات الوقت أيضا أصبغت عليه طابعا إيجابيا يستبعد إستحالة الوصول إلى هذا النّوع من الأدلّة، فإن كان سريع التّغير فهو سريع النّسخ (أولا)، و إن كان سهل المحو من واجهة الجهاز فهو صعب التّدمير من ذاكرته (ثانيا)، و إن تعذّرت نسبته إلى مقترف الجريمة بشكل مباشر فإنّ الأدلّة المعلوماتية الهامشية قد تهوّن من هذه الصّعوبة لوجوده في وسط ذي سعة تخزينية هائلة يؤدي ربطها إلى التّوصل للفاعل (ثالثا). أولا :الدّليل المعلوماتي دليل قابل للنّسخ من بين أهمّ مزايا الدّليل المعلوماتي أنّه قابل للنّسخ بحيث يمكن الحصول على نسخة منه مطابقة للأصل( )، و من أمثلة ذلك أنّه يمكن بسهولة نسخ موسوعة كاملة في فترة زمنية وجيزة لا تتعدّى دقيقة واحدة، كما أنّ الدّليل المعلوماتي قد يترك عدّة نسخ من نفسه في أماكن عديدة مما قد يسهّل عمل السّلطات الإجرائيّة المؤهّلة، فإذا ما قام شخص بإرسال بريد إلكتروني إلى شخص آخر و كان هذا الإرسال ذا محتوى مجرّم، فإنّه بالإمكان الحصول على عدّة نسخ منه و التّي تتواجد ضمن أماكن مختلقة كذاكرة جهاز المتّهم، أو من خلال الذّاكرة الحاسوبية الموجودة لدى مزوّد الخدمة( )، أو عن طريق مساحة تخزين الموقع الّذي تمّ إرسال الرّسالة عبره، و من مساحة تخزين الموقع المرسل إليه، و كذلك يمكن إسترجاعه عن طريق الولولج إلى ذاكرة حاسوب مقدّم الخدمة للمرسل إليه( ). و مثل هذا الأمر لاحظه المشرّع العربي و المقارن أين قام بإدخال تعديلات بمقتضاها يسمح بضبط الأدلّة المعلوماتية من خلال نسخ البيانات المخزّنة في نظم المعالجة الآلية للبيانات بقصد عرضها لاحقا على الجهات القضائية( ). و هذه الخاصية تعتبر من أهمّ وسائل الحفاظ على الدّليل المعلوماتي ضد الفقد أو التّلف و التّغيير و التّحريف( )، و في نظرها لا توجد أيّ وسيلة أخرى بديلة عنها للحفاظ على الدّليل على حالته الأصلية، خاصة لمواجهة الضّخامة الهائلة لكمّيات البيانات المتعيّن فحصها للوصول إلى الدّليل المستهدف ما يستغرق فترة طويلة تعطي للجاني فرصة لتغيير الآثار الرّقمية أو العبث بمصرح الجريمة و البديل العملي هو إجراء "الضّبط الرقمي العرضي الشّامل". ثانيا: الدّليل المعلوماتي يصعب التّخلص منه الدّليل المعلوماتي يمكن إسترجاعه بعد محوه، و إصلاحه بعد تلفه، و إظهاره بعد إخفائه( )، و جمع أجزائه بعد تشتيتها( )، و هذه أهمّ خصائص الدّليل المعلوماتي على الإطلاق، و يقصد بذلك قدرة الدّليل المعلوماتي على الإحتفاظ بالمعلومات الموجودة خلال فترة زمنيّة طويلة بحيث يمكن الرّجوع إليه في أيّ وقت، حيث أنّ الوسائط الإلكترونية تضمن الثّبات و الإستمرار لما تتضمّنه من معلومات( ). فالحاسوب يحتفظ بالملفات و البيانات حتّى بعد أن يعتقد المستخدّم أنّه قام بحذفها، فعندما يتّم حذف الملف فإنّ محتوى الملف يمكن إسترداده، ذلك أنّ المساحة الّتي كان يشغلها الملف تظلّ متاحة كما كانت قبل الحذف، إذا لم يقم نظام التّشغيل بإعادة إستخدام هاته المساحة لملف آخر سيظلّ الملف المحدّد للحذف متاحًا لاستعادته، و بهذا يمكن إسترداد كميّة كبيرة من البيانات من المساحة الفارغة على القرص الصّلب، فالحذف يعني إخفاؤه من مجال الرّؤية الخاصة بالمستخدم فقط مع إمكانية إسترداده مجدّدا بطرق فنّية( ). و لهذا السّبب ففي الغالبية العظمى من الحالات، يمكن إسترداد البيانات الّتي تمّ حذفها، و هذا يتوقّف على حجم القرص مقارنّة بحجم بما تمت كتابته مجدّدا على هذا القرص خلال الفتّرة الزّمنية الممتدّة بين تاريخ حذف الملف و تاريخ إجراء التّحليل الحاسوبي الشّرعي( ). بخلاف ذلك، فإنّ الأدلّة التّقليدية الّتي يعرفها القانون تجد قوتها أمام القضاء في مسألة التّسريع بالحصول عليها، فبصمات الأصابع مثلا يمكن أن تكون محل شك إذا طالت المدة بين ساعة ارتكاب الجريمة و بين الحصول عليها، و كذلك الشّهادة إذا مضى عليها مدة طويلة من الزّمن و كذلك يمكن التّخلص من الأوراق و الأشرطة المسجّلة إذا حملت في ذاتها إقرارات بارتكاب شخص أو أشخاص لجرائم بتمزيقها و حرقها، و كلّ ذلك بالطّبع يجعل عملية التّخلص من هذه الأدلّة المادية أمرا سهلا، حيث إنّها جمعها لن يكون من السّهولة - بل و من الإستحالة بمكان- إسترجاعها أو إسترداد الدّليل المستمد منها حيث أنّه تمّ تدميرها كلية( ). و إذا كان هذا أمر الأدلّة التّقليدية، فإنّ الحال غير ذلك بالنّسبة للأدلّة المعلوماتية، حيث يمكن إستردادها، فموضوع التّخلص من الدّليل المعلوماتي باستخدام خاصية الحذف (delete) أو عن طريق تهيئة القرص الصّلب (hard disk) أو استخدام الأمر (format) لا يعدّ من العوائق الّتي تحول دون إسترجاع الملفات المذكورة، إذ تتوافر برمجيات من ذات الطّبيعة الرّقمية يمكن بمقتضاها استرداد كافة الملفات الّتي تمّ إلغاؤها أو إزالتها من الحاسوب( ). الواقع أنّ هذه الخاصية محل خلاف بين الخبراء و لا تحضى بالإجماع، على أنّ الرّأي الرّاجح يعتبر هذا النّوع من الأدلّة بالغة الهشاشة و يمكن حذفها في زمن متناه القصر و بنقرة زر( )، و يصدق هذا بوجه خاص على المعلومات المخزّنة في ذاكرة النّظام RAM و الّتي تحذف آليا عند قفل النّظام( ) أو عند وجود نظام التّشفير فإن لم يتم التمكن من حذفها فإن امكانية التلاعب بها عن طريق التعديل تبقى قائمة و مرجحة، و معنى ما تقدّم أنّ النّشاط الّذي يقوم به الجاني للتّخلص من الدّليل المعلوماتي بمحوه يعتبر بحد ذاته دليلا، حيث أنّ هذا الفعل يتمّ تسجيله في الحاسوب و يمكن اعتباره دليل إدانة آخر في حدّ ذاته( ). و في اعتقادنا فإنّ هذه الجريمة متّى ثبت إرتكابها فإنّها تعتبر قرينة يستخلص منها ما يعزّز مصداقية الدّليل المعلوماتي المستهدف بالإسترداد، و هو ما يجعل المشرّع الجنائي الجزائري مطالب في هذه النّاحية بتقوية عناصر النّصوص القانونية الّتي تجرّم التخلص من الأدلة بتشديد العقوبة خاصة و أن جريمة التخلص من الأدلة المعلوماتية قد لا تتم من المتّهم باقتراف الجريمة الأصلية بل بمساعدة أشخاص منعزلين تماماعن مكان تحقق النّتيجة الجرمية( ). ثالثا: الدّليل المعلوماتي يحتوي على معلومات أكثر تفصيلا عن الوقائع أشرنا فيما سبق إلى أنّ منطق عمل الحواسيب و الشّبكات يؤخذ مفهومه على أساس علاقات تخزين البيانات فيه و القدرة على إستردادها، فالبيئة الرّقمية تعدّ مجالا حيويا ضخما يمكنه تخزين مليارات من البيانات، فالقدرات التّخزينية في البيئة الرّقمية تستوعب كمًّا هائلا من البيانات بما من شأنه أن يوفّر لسلطات التّحقيق عددا كبيرا من الأدلّة عن الجريمة محل التّحقيق، و في معظم الأحيان فإنّ هذه المعلومات ينشؤها النّظام الحاسوبي بدون علم مقترف الجريمة( )، كما هو الحال بالنّسبة للبيانات الوصفية و الّتي تعدّ معلومات قيّمة في الإثبات الجنائي المعلوماتي( )، و قد لاحظت محكمة العدل الأوروبية في معرض فصلها في مدى مشروعية الإحتفاظ بالبيانات الوصفية إلى أن تجميع هذا النّوع من البيانات يعطي نظرة عن سلوك الفرد و علاقاته الإجتماعية و أفضلياته الخاصة و هويته تتجاوز حتّى تلك الّتي ينقلها الوصول إلى المحتوى المعلوماتي( ). فالدّليل المعلوماتي يرصد المعلومات عن الجريمة و يحلّلها بذات الوقت و بسهولة أكبر، مما يساعد على تسهيل هذه المهمّة ضرورة قيام السّلطات بالتّركيز على الأحداث المهمّة أو الوقائع الجوهرية، فتحديد الوقائع الأساسية يعدّ من أهمّ التّحديات الّتي تواجه سلطات إنفاذ القانون في مجال جمع الأدلّة الجنائية المعلوماتية نظرا لما يواجهونه من كم هائل من بيانات مختلطة في مسرح الجريمة( )، فعلى سبيل المثال لا تعطي الصّورة الملتقطة بواسطة كاميرا رقمية معلومات حول مضمون الصّورة فحسب (السّماء و ما فيها من سحب و الأرض و ما عليها من أشجار و الأشخاص و صفاتهم) و لكنّها تعطي أيضا معلومات تفصيلية أخرى حول هذه الصّورة تتمثّل في نوع الجهاز الّذي إستخدم في إلتقاط الصّورة و تاريخ و ساعة الإلتقاط و إحداثيات الموقع الّذي إلتقطت فيه الصّورة( )، فما تكشف عنه بيانات المستند الرّقمي (المعادل الرّقمي للظّرف) من معلومات قد يتجاوز أحيانا ما يكشف عنه محتوى المستندات الورقية. لعلّنا نصل من خلال إستعراض شتّى مظاهر الذّاتية الّتي تميّز الدّليل المعلوماتي إلى حقيقة مؤداها أنّ هذه الطّبيعة ستكون لها إنعكاساتها الواضحة على مركزه بين مختلف الأدلّة الجنائية سواء التّقليدية أو الحديثة ممثلة في الأدلّة العلمية، و هو ما نفصّله بالبيان في المبحث الثّاني. المبحث الثّاني تقسيمات الأدّلة المعلوماتيّة المستمدّ من التّفتيش و تصنيفها ليس للدّليل المعلوماتي هيئة واحدة، و إنّما له خصيصة الإلتصاق بمفهوم تكنولوجيا المعلومات من حيث تكوينه، و مثل هذا الأمر له تأثير على دور كلّ نوع من هذه الأنواع في الإثبات و مدى تعارضها مع الحرّيات الفردية، و اعتراف القانون بهذه الهيئات المتنوّعة الّتي يكون عليها الدّليل المعلوماتي يفيد بالضّرورة وجوب البحث عن تصنيف له بين الأدلّة الجنائية التّقليدية حتّى يمكن الإستناد إليه في بناء الإدانة او البراءة، لذا نستعرض في هذا المبحث تقسيمات هذا الدّليل (مطلب أول) و تصنيفه (مطلب ثاني). المطلب الأوّل: تقسيمات الأدّلة المعلوماتيّة المستمدّ من التّفتيش جرت محاولات عديدة لتقسيم الأدلّة المعلوماتية، فقد ميّزت الإتفاقية الأوروبية لمكافحة الجرائم المعلوماتية بين مختلف فئات الأدلّة المعلوماتية على أساس درجة تعارضها مع الحق في الخصوصية (فرع أول)، بينما تبنّى الفقه معيارا آخر يتمثّل في القيمة الإثباتية المنبعثة من مختلف صور هذا الدّليل (فرع ثاني)، أمّا القضاء الأمريكي فقد إتخذ من محتوى الدّليل أساسا للتّقسيم (فرع ثالث). الفرع الأوّل: تقسيم الأدلّة المعلوماتية على أساس درجة تعارضها مع الحق في الخصوصية إنّ المتأمّل لنصوص الإتفاقية الأوروبية لمكافحة الجريمة المعلوماتية يجدها تخلو من تقسيم صريح لأنواع الأدلّة المعلوماتية، و لكنّها عدّدت مصادر هذا الدّليل إنطلاقا من درجة تعارضها مع الحقّ في الخصوصية و هي الأدلّة المعلوماتية المستمدّة من البيانات المتعلّقة بالمرور(أولا)، و الأدلّة المعلوماتية المستمدّة من بيانات المحتوى (ثانيا)، و الأدلّة المعلوماتية المستمدّة من بيانات المشتركين (ثالثا) ، و نطرح ذلك على التّفصيل الآتي:
أوّلا: الأدلّة المعلوماتية المستمدّة من البيانات المتعلّقة بالمرور وفقا للمادة الأولى من الإتفاقية الأوروبية لمكافحة الجرائم المعلوماتية، يقصد بالبيانات المتعلّقة بالمرور (Données Relatives Au Trafic) مجمل البيانات الّتي تتعامل مع الإتصال، و الّتي تمرّ من خلال نظام معلوماتي، أو يتمّ إعدادها بواسطة هذا الأخير و الّذي يعدّ عنصرا في سلسلة الإتصال، بالإشارة إلى مصدر الإتصال، مكان الوصول، خط السّير، السّاعة و التّاريخ، الحجم، مدّة الإتصال، أو نوع الخدمة المؤدّاة ( ). و تشير المذكّرة التّفسيرية للإتفاقية الأوروبية لمكافحة الجرائم المعلوماتية إلى أنّ بيانات المرور المعرّفة في الفقرة الأولى من المادة الأولى من الإتفاقية تشكّل طائفة من البيانات المعلوماتية الخاضعة لنظام قانوني معيّن، و أنّ هذه البيانات ينتجها نظام معلوماتى في سلسلة من الاتصالات، من أجل توجيه الإتصال من منبعه أو أصله إلى مكان وصوله، و على ذلك فهي من ملحقات الإتصال بحد ذاته( ). كما تبيّن المذكّرة التّوضيحية أهمّية بيانات المرور في حالة وقوع جريمة بقولها أنّه في حالة التّنقيب بخصوص جريمة إرتكبت في نظام معلوماتي فإنّ بيانات المرور تكون ضرورية من أجل تحديد مصدر الاتصال، و ذلك نقطة بداية تسمح بتجميع أدلّة أخرى أو جزء من دليل الجريمة، و هي تتّصف بكونها سريعة الزّوال و لذلك يكون من الضّروري العمل على حفظها فورا و بالتّالي يكون من الضّروري الكشف السّريع عنها لمعرفة خط سير الإتصال و تجميع الأدلّة قبل أن تمحى أو من أجل تحديد هوية المشتبه فيه( ). ثانيا: الأدلّة المعلوماتية المستمدّة من البيانات المتعلّقة بالمحتوى و إذ لم تعرّف الإتفاقية بيانات المحتوى(Données Relatives Au Contenu) إلاّ أنّها تشير إلى محتوى الإتصال، أي مضمون الإتصال، أو الرّسالة أو المعلومات الّتي ينقلها الإتصال باستثناء بيانات الحركة( )، و قد إستدرك المشرّع الأوروبي هذا القصور بموجب مقترح بخصوص توجيه صادر عن البرلمان الأوروبي و مجلس الإتحاد الأوروبي بشأن "أوامر إنتاج و حفظ الأدلّة المعلوماتية في المسائل الجنائية" بمقتضى الفقرة العاشرة من المادة الثّانية منه، حيث نصّ بأنّ بيانات المحتوى تمثّل "جميع البيانات المخزّنة في شكل رقمي مثل النّص و الصّوت و الفيديو و الصّور و الصّوت بخلاف بيانات المشترك، و بيانات الولوج أو البيانات المستمدّة من المعاملات"( ). في سياق مقارب عرّفها المشرّع البحريني بأنّها "بيانات وسيلة تقنية المعلومات، خلافاً لبيانات خط السّير، يتمّ إرسالها كجزء من إتصال"( )، فهي تمثّل "أيّ بيانات سواء كانت في شكل رقمي أو بصري أو أيّ شكل آخر، بما في ذلك البيانات الوصفية، تنقل المضمون أو المعلومات أو المعنى أو الغرض من الاتصال، سواء كانت هاته البيانات في شكل فردي أو في شكل مجمّع، سواء في شكل معالج أو غير معالج. و تتضمّن بيانات المحتوى أيّ بيانات تنقل مضمون الرّسالة أو فحوى الإتصال بالإضافة إلى البيانات الّتي تتمّ معالجتها أو تخزينها أو إرسالها بواسطة برامج الكمبيوتر"( )، فهي ببساطة تشمل محتوى النّظام المعلوماتي مخزّنا أو منقولا أيّا كان شكل ذلك المحتوى نصّا مكتوبا أو صوتا أو صورة أو صوتا و صورة. ثالثا: الأدلّة المعلوماتية المستمدّة من البيانات المتعلّقة بالمشتركين ورد تعريف هذا النّوع من الأدلّة المعلوماتية Données Relatives Aux Abonnés ضمن المادة 18 فقرة 3 من الإتفاقية الأوروبية لمكافحة الجرائم المعلوماتية الّتي تنصّ على أنّه يقصد بالبيانات المتعلّقة بالمشترك "كل معلومات تحتوي على شكل بيانات معلوماتية أو أيّ شكل آخر في حوزة مقدّم الخدمة و ترتبط بالمشتركين و خدماتهم غير بيانات المرور أو المحتوى و الّتي من خلالها يمكن تحديد: (أ)_ نوع خدمة الإتصال المستخدمة و الأوضاع الفنية المنصوص عليها بالنّسبة لفترة الخدمة.(ب)_ الهوية، العنوان البريـــــدي أو الجـــــــغرافي، و رقم هاتف المشترك، و رقم الولوج، و البيانات المتعلّقة بدفــــع الفاتورة، و المبلــــــــــغ المدفوع، و المتوفّرة على أساس عقد أو إتفاق تقديم خدمة.(جـ)_أية معلومات أخرى تتعلّق بموقع تجهيزات الإتصال، المتوافرة على أساس عقد أو إتفاق تقديم الخدمة". أوضحت المذكّرة التّفسيرية إلى أنّه في إطار التّحقيق الجنائي فإنّ البيانات المتعلّقة بالمشتركين تكون ضرورة في حالتين: أولا، ثمّة حاجة إلى المعلومات عن المشتركين لتحديد نوع الخدمات أو التّدابير التّقنية ذات الصّلة الّتي إستخدمها أو يستخدمها المشترك، مثل نوع الخدمة الهاتفية المستخدمة كان يكـــــــــون هاتف محمول مـــــــــــثلا، و نــــــــــــوع الخدمات الأخرى المرتبطـــــة و المستخدمة مثل إعادة توجيه المكالمات، و البريد الصّوتي أو عنوان البريد الإلكتروني. ثانيا، عندما يكون العنوان التّقني معروفا، تكون هنالك حاجة إلى المعلومات عن المشترك من أجل المساعدة في تحديد هوية الشّخص المستهدف. و يمكن أن تكون معلومات أخرى عن المشترك، مثل ذلك المعلومات التّجارية المتعلّقة بسجلات الفواتير و دفع الإشتراك، يمكن أيضا أن يتكون مفيدة في التّحقيقات الجنائية، خاصة عندما تنطوي الجريمة قيد التّحقيق على إحتيال أو جرائم إقتصادية أخرى( ). و الّذي يبدو من خلال الإتفاقية الأوروبية لمكافحة الجريمة المعلوماتية أنّها لم تعتمد معيارا واضحا بجلاء في تقسيمها لهذه الأدلّة، بل ركزت على دور كلّ دليل من هذه الأدلّة في الإثبات الجنائي، إلاّ أنّ المتأمّل للمذكّرة التّفسيرية يجدها تشير بكل وضوح إلى مدى خطورة كلّ نوع من هذه الأنواع على الحرّيات الفردية أثناء إتخاذ إجراءات تجميعها، و لئن كانت جميع هذه البيانات تنطوي على المساس بمصالح خاصة، إلاّ أنّه بالنّسبة لمعظم الدّول فإنّ بيانات المحتوى تعدّ أشدّ خطورة و مساسا بالحق في الخصوصية. و من هذا المنظور يمكن فرض قيود على عملية جمع بيانات المحتوى أشدّ من تلك الخاصة ببيانات المرور، و للمساعدة على إدراك هذا الفارق فإنّ الإتفاقية تشير بشكل معياري في عناوين الماديتين 20، 21 إلى تجميع البيانات المتعلّقة بالمرور تحت مسمّى التّجميع في الوقت الفعلي Collecte en temps réel و تجميع البيانات المتعلّقة بالمحتوى تحت مسمّى الإعتراض في الوقت الفعلي Interception en temps réel( ). و الرّأي عندنا أنّ هذا التّقسيم لا يخلو من النّقد، فإن كان هذا التّقسيم يجد له ما يبرّره في إطار العلاقة الجدلية غير المستقرّة الّتي تربط بين مبدأ حرّية الإثبات و مبدأ شرعية الإثبات ، على اعتبار أنّ البيانات المتعلّقة بالمرور و بيانات المشتركين قد لا تستدعي قدرا من الحماية يعادل ما هو مقرّر من حماية لبيانات المحتوى، لأنّها لا تكشف سوى القليل من المعلومات الشّخصية للأفراد، فإنّ تطوّر التّقنية مع مرور الوقت و القدرة على ربط هذه البيانات و تحليلها يتجاوز المعيار الّذي على أساسه بُني هذا التّمييز، إذ قد تكشف بيانات المرور عند جمعها أخصّ شؤون الحياة الخاصة للأفراد على نحو يتجاوز بكثير ما يكشفه محتوى الإرسال ذاته.
الفرع الثّاني: تقسيمات الأدلّة المعلوماتية على أساس قيمتها الإثباتية هذا المعيار في تقسيم الأدلّة المعلوماتية مرجعه الإجتهاد الفقي، الّذي يرى أنّ الآثار المعلوماتية الّتي يحدثها مقترف الجريمة قد تتمّ بصورة لا إرادية أو بصورة إرادية و من هذا المنطلق تمّ تقسيم الأدلّة المعلوماتية إلى نوعين أدلّة أعدّت خصيصا لتكون وسيلة إثبات (أولا) و الأخرى لم تعد لتكون وسيلة لإثبات (ثانيا). أولا: أدلّة معلوماتية أعدّت لتكون وسيلة إثبات و هذا النّوع من الأدلّة يمكن حصره فيما يأتي: أ)- البيانات و السّجلات الّتي يتمّ إنشاؤها من قبل جهاز الحاسوب بشكل تلقائي بحيث لا يكون لإرادة الإنسان و فعله أيّة مساهمة في إنشائها بطريقة مباشرة مثل ملفات الدّخول الّتي يتمّ فيها تسجيل جميع المتغيّرات الّتي تحدث في قاعدة البيانات و سجلات الهاتف و فواتير السّحب الآلي( ). ب)- البيانات الّتي يتمّ إدخالها بواسطة الإنسان بصورة مكتوبة و لم يتم حفظها داخل الجهاز الرّقمي( )، و من أمثلتها رسائل البريد الإلكتروني و مواقع التّواصل الإجتماعي و غيرها. ج)- البيانات الّتي يتمّ حفظ جزء منها بالإدخال و يتمّ إنشاء الجزء الآخر منها بواسطة الجهاز الرّقمي، و من أمثلتها العمليات الّتي تتمّ على برامج إكسل حيث يتمّ إدخال كافة البيانات و الأرقام المطلوبة داخل هذا البرنامج لكي يقوم بمعالجتها بأدواته لإجراء العمليات الحسابية. ثانيا: أدلّة معلوماتية لم تُعد لتكون وسيلة إثبات و هذا النّوع من الأدلّة المعلوماتية ينشأ دون إرادة الشّخص، أي أنّها أثر يتركه الجاني دون أن يكون راغبا ًفي وجوده، و يسمّى هذا النّوع من الأدلّة بالبصمة الرّقمية، و هي ما يمكن تسميته أيضاً بالآثار المعلوماتية الرّقمية، و هي تتجسّد في الآثار الّتي يتركها مستخدم الشّبكة المعلوماتية بسبب تسجيل الرّسائل المرسلة منه أو الّتي يستقبلها و كافة الاتصالات الّتي تمّت من خلال الآلة أو شبكة المعلومات العالمية. الواقع أنّ هذا النّوع من الأدلّة لم يُعد أساسا للحفظ من قبل من صدر عنه، غير أنّ الوسائل الفنية الخاصة تمكّن من ضبط هذه الأدلّة و لو بعد فترة زمنية من نشوئها، فالإتصالات الّتي تجرى عبر الأنترنت و المراسلات الصّادرة عن الشّخص أو الّتي يتلقاها، كلّها يمكن ضبطها بواسطة تقنية خاصة بذلك( ). و المثال الشئع على هذا النوع من الأدلة ملفّات تعريف الإرتباط و البيانات الوصفية و عنوان بروتوكول الأنترنت IP address، و مثل هذا الأمر و إن كان لا يقود تحديدا إلى الشّخص مرتكب الجريمة إستنادا الى الدّليل المعلوماتي فقط إلاّ أنّه يمكن أن يساعد حتما في التّوصل إليه عبر إقامة الدّليل التّقليدي فيما بعد، و يصلح كقرينة لاعتبار صاحب الجهاز مرتكب الجريمة إلى أن يثبت العكس( ). و هناك بعض الخصائص المميّزة لهذين النّوعين من الأدلّة المعلوماتية تشكّل حجر الزّاوية في التّفريق بينهما، فالنّوع الأوّل من الأدلّة و المولّدة بواسطة الحاسوب غير مُعدّة للطّباعة و تتميّز بطابعها غير المستقر بحيث تتطلّب هشاشة هذه الأدلّة أدوات خاصة لفحصها بشكل سليم للوصول إلى معلومات دقيقة لأنّها بيانات تفتقر للمشاركة البشرية. و لابد من إجراء التّدقيق لضمان عدم تأثير العنصر البشري على البيانات أثناء عملية جمع الأدلّة و فحصها( ). و هي تتصف بالتّعقيد الفني الكبير إذا يتعذّر على غير المتخصّص إدراك فحواها، و على نقيض هذا النّوع من الأدلّة، فالأدلّة المعلوماتية الّتي يساهم الفرد في نشأتها قابلة للطّباعة كالصّور الرّقمية و ملفات، Word، Excel، إلخ، بحيث يمكن طباعتها على أشكالها الموجودة بها على شاشة العرض، بالإضافة إلى ذلك فهي أقلّ تعقيدا و يمكن للقضاء و الهيئات التّشريعية فهمها و التّمييز بينها بدون مشقّة( ). نحن نرى من جانبنا، أنّ محاولة تقسيم الأدلّة المعلوماتية على أساس قيمتها في الإثبات الجنائي مجرّدة من أنّ قيمة عمليّة أو تطبيقية، ذلك أنّ رد الدّليل المعلوماتي إلى تقسيم معيّن غير مفيد و لا يمكن إطلاقا أن يترتّب على هذا التّقسيم قوة اقناعية محدّدة سلفا، إذ أنّ كافة الأدلّة المعلوماتية تتساوى في قيمتها و أهميتها ما دامت تخضع في نهاية الأمر إلى تقدير القاضي، و لعلّ ذلك مرجعه في الحقيقة إلى تميّز الإثبات الجنائي في جملته بخاصتي عدم الحصرية و الإقناعية و هما الخاصيتان اللّتان تصبغان نظام حرّية الإثبات الجنائي( ). الفرع الثّالث: تقسيمات الأدلّة المعلوماتية على أساس المحتوى هذا المعيار في تقسيم الأدلّة المعلوماتية تمّ إعتماده من قبل وزارة العدل الأمريكية في دليلها الصّادر سنة 2002 ثمّ تبناه القضاء الأمريكي، و إستنادا إلى هذا المعيار تقسّم الأدلّة المعلوماتية إلى ثلاث مجموعات و هي "الأدلّة المعلوماتية المستمدّة من سجلات الحاسوب المتوالدة"(أولا)، و "الأدلّة المعلوماتية المستمدّة من سجلات الحاسوب المخزّنة" (ثانيا)، والأدلّة المستمدّة من السّجلات المتوالدة و المخزّنة بذات الوقت (ثالثا). أولا: الأدلّة المعلوماتية المستمدّة من سجلات الحاسوب المتوالدة يطلق على هذا النّوع من الأدلّة بمخرجات حركة البرامجThe Output Of Computer Programs و هي الأدلّة الّتي يقوم بتكوينها الحاسوب Computer Generated Evidence و الّتي تتخذ الطّبيعة الرّياضية الجبرية (لغة الحاسوب)، ففي إطار مخرجات البرامج فإنّ الّذي يسيطر عليها تحديدا ليس مستخدم الحاسوب أو مرتكب الجريمة بقدر ما يكون المسيطر هنا هو الحاسوب ذاته حين إستقباله للبرمجيات الّتي تعمل على تشغيله و تفاعله، و في هذا الصّدد فإنّ كل ما تقوم به التّقنية في إطار تكوين الدّليل المعلوماتي أنّها تجعل إمكانية قيامه ليست بالمستحيلة، و يبقى الأمر بعد ذلك متعلّقا بمدى إمكانية قبول الدّليل في القانون أو أمام القضاء حسب الأحوال، فمثلا تعدّ من قبيل مخرجات حركة البرامج كمحتوى إلكتروني التّعليمات الّتي تظهر أثناء فتح البريد الإلكتروني (تعليمات فتح صندوق البريد مثلا الّتي تأتي في صيغة مراسلة يقوم بإعدادها الخادم المخصّص للبريد الإلكتروني و ليس الفرد)( ). ثانيا: الأدلّة المعلوماتية المستمدّة من سجلات الحاسوب المخزّنة و يقصد بها التّخزين الإلكتروني Computer Stored-Records و هو تعبير يحمل على مفهوم تدخل الفرد في تكوين الملف الملفات الّتي يتمّ تخزينها بالضّرورة في الحاسوب لكونه يشكّل بيئتها، ذلك أنّ تخزين البيانات في الحاسوب يأخذ أحد الشكلين إمّا بيانات يتمّ استخدامها و في هذه الحالة تظهر القوّة الإستردادية للبيانات في شكل معلومات محدّدة، و إمّا بيانات يتمّ تخزينها دون أن تستخدم و في هذه الحالة لا نكون بصدد مساحة مادية في القرص الصّلب و إنّما فقط مجموعة من الأرقام، و المعيار المميّز لهذه الأدلّة عن مخرجات حركة البرامج هو التّدخل الإنساني في تكوينها بشكل مباشر إذ يجب أن تتضمّن حضورا للإنسان كما لو كان هناك أقوالا ضمن ملف محتوى البريد الإلكتروني الّذي يكتبه الفرد بقصد الإرسال. فالفرق بين سجلات الحاسوب المتوالدة و سجلات الحاسوب المخزّنة يتوقّف على ما إذا كانت الآلة أو الفرد هو الّذي أنشأ محتويات السّجلات (مصدر السّجلات)( ). ثالثا: الأدلّة المعلوماتية المستمدّة من سجلات الحاسوب المتوالدة و المخزّنة إنّ التّقسيم الثّنائي السّالف الذّكر ليس مطلقا، و إنّما مقيّد بعدم وجود تزاوج بين منطق عمل مخرجات حركة البرامج و بين التّخزين الرّقمي، فإذا حدث و وجد هذا التّزاوج فإنّ الأمر لا يعدو سوى مزجا ظاهريا من حيث تكوين الدّليل المعلوماتي، فمثلا من يعطي أمرا للبريد الإلكتروني باستمرار بث رسالة معيّنة تتضمّن تشهيرا بواقعة ما تنطوي على مساس باعتبار أحد الأفراد، فإنّه في هذه الحالة نكون بصدد بث تخزين قائم مسبقا بطريق نظام مخرجات حركة البرامج إلاّ أنّه يجب ألاّ ننسى أنّ مضمون الرّسالة قد كتبها الفرد، و هذا النّوع الثّالث من سجلات الحاسوب تعدّ سجلات حاسوب متوالدة و أيضا تعدّ سجلات حاسوب مخزّنة، فهي تجمع بين التّدخل الإنساني و معالجة الحاسوب( ). و بطبيعة الحال فإنّ هذا التّقسيم بات عتيقا و تجاوزته التّقنية بشكل كبير جدا، فهناك أنواع كثيرة من البيانات كالتّطبيقات المعلوماتية و بروتوكولات الإتصالات الّتي تعتبر من أهمّ البيانات الّتي لا يمكن الإستغلاء عنها في أيّ تحقيق جنائي يستهدف التّوصل إلى استرداد دليل معلوماتي و لا يستغرقها هذا التّقسيم، و ليست هناك أيّ فائدة ترجى من هذا التّقسيم من حيث القيمة الإثباتية، زيادة على أنّه تجاهل معيارا مهم تقوم عليه نظرية الإثبات الجنائي و هو مبدأ الشّرعية ممثلا في مدى تعارض الأدلّة مع الحرّيات الفردية، و إن كنا نؤيّد المعيار الّذي اعتمدته الإتفاقية الأوروبية في تقسيم الأدلّة المعلوماتية من حيث المبدأ إلاّ أنّنا لا نؤيّدها في التّقسيم لأنّه أصلا معارض للمعيار الّذي تبنّته( ). و لعلّ مثار الصّعوبة في رصد معيار ثابت لتقسيم الأدلّة المعلوماتية يكمن في عدم إستقرار التّقنية على أنواع معيّنة من البيانات، و في هذا ما يجعل مناطق الخلاف قائمة بين هذا الدّليل و بين الدّليل في صورته التّقليدية، تلك الحقيقة الّتي تدفعنا إلى التّساؤل حول موقع هذا الدّليل من بين الأدلّة المعروفة في فكر الإثبات التّقليدي؟
المطلب الثّاني: تصنيف الأدّلة المعلوماتيّة المستمدّ من التّفتيش إنّ اختلاف الأدلّة من حيث نوعها أدى لدفع كثير من الفقهاء لوضع تصنيفات متدرّجة، و لقد تتعدّدت هذه الدّرجات بحسب المعيار المعمتد في التّصنيف( )، و ما يهمنا في هذا الصّدد هو تحديد تصنيف الدّليل من حيث علاقته بالواقعة المراد إثباتها (فرع أول)، و من حيث مصدره (فرع ثاني). الفرع الأول: تصنيف الدّليل المعلوماتي من حيث علاقته بالواقعة الإجرامية يقسّم الفقه الأدلّة الجنائية من حيث علاقتها بالواقعة الإجرامية المراد إثباتها إلى أدلّة مباشرة و أدلّة غير مباشرة، و تعدّ الأدلّة مباشرة إذا ما انصبّت مباشرة على الواقعة محل الإثبات، فهي توصل الحقيقة الّتي تدّل عليها إلى القاضي متى تأكّد من مشروعيتها و صدقها دون حاجة إلى فاصل ذهني في التّأمل و الإستنتاج( )، و مثال ذلك المعاينة و التّفتيش. و هذا بخلاف الأدلّة غير المباشرة فهي لا تدلّ بذاتها على هذه الواقعة و إنّما تحتاج إلى عملية ذهنية يؤديها العقل بواسطة المنطلق، و مثالها القرائن و الدّلائل باعتبار أنّ الدّليل هنا يستفاد من وجود واقعة أخرى ليست هي المراد إثباتها و إنّما تفيد في استخلاص نتيجة معيّنة تتعلّق بالواقعة موضوع الإثبات، و قد إختلف الفقه بصدد تصنيفه للدّليل المعلوماتي من حيث علاقته بالواقعة الإجرامية إلى إتجاهين: الإتجاه الأول: الدّليل المعلوماتي دليل غير مباشر يميل غالبية الفقه المقارن إلى إعتبار الأدلّة المعلوماتية أدلّة غير مباشرة بطبيعتها بحيث تكون دائما في حاجة إلى أدلّة أخرى تعضّدها و تعزّز موثوقيتها بحيث لا يمكن الإعتماد عليها بمعزل عن أدلّة أخرى تدعّمها( )، و يرى هذا الإتجاه الفقهي وجود تلازم وثيق بين علاقة الدّليل بالواقعة الجرمية و بين موثوقية هذا الدّليل، و يتجلّى ذلك بشكل واضح في حالة الأدلّة المعلوماتية المستمدّة بشكل أساسي من رسائل البريد الإلكتروني أو الرّسائل المحادثة الفورية، إذ لا يمكن الإعتماد عليها بسبب عدم كشفها عن الهوية الحقيقية للمرسل بالرّغم من إمكاينة تتبّع مسار الرّسالة و تحديد مكان الإرسال (الجهاز)( ). إلاّ أنّه نادراً ما يتمّ نسبة الجريمة إلى شخص معيّن على وجه الجزم و اليقين ما لم يكن هناك اعتراف صريح بذلك، فهناك دائمًا إحتمال بشأن المرسل الفعلي، إذ يمكن لأيّ شخص لديه كلمة المرور الصّحيحة الوصول إلى حساب البريد الإلكتروني لشخص آخر و إرسال رسالة متظاهرا بكونه صاحب الحساب( )، ففي بعض الحالات قد يتشارك الأفراد ليس فقط في استخدام الحاسوب بل حتّى في استخدام الكلمات السّرية أو التّشفير للولوج إلى الأنظمة المعلوماتية المشتركة( ). و هناك من الفقه من يعتبر الدّليل المباشر في المثال السّابق هو الجهاز المادي الّذي تمّ من خلاله إرسال المحتوى المجرّم أو الحساب الإلكتروني الّذي تمّ من خلاله الإرسال، بينما تعتبر نسبة الفعل إلى صاحب الحساب دليلا غير مباشر يحتاج إلى إثبات إضافي، و الحقيقة أنّ هذا الرّأي غير صحيح و ينطوي على فهم خاطئ لمدلول الدّليل الجنائي المباشر و غير المباشر هذا من جهة( )، و من جهة أخرى فليس معنى الدّليل المباشر هو الدّليل الكامل الّذي يحقّق اليقين القضائي و الدّليل غير المباشر هو الدّليل النّاقص الّذي يحتاج إلى دليل يكمّله( ). الإتجاه الثاني: الدّليل المعلوماتي دليل مباشر و غير مباشر يرى جانب آخر من الفقه أنّ الدّليل المعلوماتي يمكن تصنيفه كدليل مباشر في أحوال معيّنة و دليل غير مباشر في أحوال أخرى، بحسب طبيعة الدّليل المعلوماتي و الحقائق المراد إثباتها. على سبيل المثال، يكون الدّليل المعلوماتي دليلا مباشرا حال وجوده في هيئة صورة رقمية تثبت حيازة محتوى مجرّم، و هو "دليل غير مباشر" عندما يستخدم لإعادة بناء تسلسل الأحداث في مسرح الجريمة، مثل ملفات الإرتباط و تواريخ النّفاذ إلى المواقع و غيرها( ). على أنّ هناك إتجاه آخر يعتمد في تصنيفه الأدلّة المعلوماتية على نوع الجريمة المراد إثباتها فيكون دليلا مباشرا حين ينصبّ على واقعة تمثّل جريمة من الجرائم المستحدثة المرتكبة بواسطة النّظم المعلوماتية أو عبر الأنترنت و يكون دليلا غير مباشر إذا ما تعلّق بواقعة تمثّل جريمة تقليدية( )، إلاّ أنّنا نخالف هذا الرّأي فتقسيم الدّليل المعلوماتي إلى دليل مباشر و غير مباشر لا يتمّ على أساس طبيعة الواقعة الجرمية المراد إثباتها بل بمدى إتصاله بها. في حين سلك إتجاه فقهي مسلكا مغايرا، فيرى أنّه لا يمكن رصد معيار عام بحسبه يصنّف الدّليل المعلوماتي إلى دليل مباشر أو غير مباشر، بل بحسب الوقائع الجرمية و ظروفها، فعلى سبيل المثال يعدّ تسجيل الدّخول إلى جهاز الحاسوب دليلا مباشرا على إستخدام حساب معيّن للنّفاذ إلى نظام معلوماتي ما في وقت محدّد، و لكنه بذات الوقت دليل غير مباشر على أنّ صاحب الحساب هو الشّخص الفعلي الّذي قام باستعمال الحساب، فقد يكون إستخدامه تمّ من طرف غيره، بما يقيم الحاجة إلى أدلّة أخرى لإثبات أنّ مالك الحساب هو من قام بتسجيل الدّخول الفعلي إلى النّظام، و قد يكون من الكافي إثبات أنّه لا يمكن لغيره الوصول إلى جهاز الحاسوب لاشتراط رمز الدّخول مثلا فيتخلف تصنيف الدليل( ). و يتجه الرّأي لدينا إلى أنّ الدّليل المعلوماتي يمكن أن يكون بمثابة دليل مباشر عن طريق "إثبات حقيقة" فيكسب القاضي العلم مباشرة بالواقعة الواجب إثباتها و بذات الوقت يمكن أن يكون في أحوال أخرى دليلا غير مباشر يؤدي "إستنتاج حقيقة" معيّنة، و الأساس الّذي يجب أن يٌعتمد في هذا التّصنيف هو التّمييز بين طبيعة الأدلّة المعلوماتية و فحواها، فالأدلّة المعلوماتية المستمدّة من بيانات المحتوى تشكّل دليلا جنائيا في غالب الأحيان يكون دليلا مباشرا يقدّم عناصر موضوعية تسقط تحت التّصور المباشر للقاضي و مثال ذلك في حالة ما إذا كان محتوى الإرسال المجرّم تمّ عبر موقع معيّن من مواقع التّواصل الإجتماعي و كانت طبيعة الإرسال عبارة عن ملف مرئي و صوتي خاص بالمتّهم يقوم من خلاله بتهديد الضّحية أو إبتدراها بألفاظ بذيئة فالدّليل في هذه الحالة منصب مباشرة على الواقعة الجرمية. في حين تعتبر بيانات المرور أدلّة غير مباشرة و من طائفة تلك البيانات، البيانات الوصفية الّتي تعتبر المثال الأكثر شيوعا على الأدلّة المعلوماتية غير مباشرة، فتحديد موقع المتّهم في وقت معيّن يثبت وجوده بمسرح الجريمة، لا يعتبر دليلا منصبّا على الواقعة الإجرامية بل دليل يفيد في استخلاص نتيجة معيّنة تتعلّق بالواقعة المراد إثباتها بما يتطلّب البحث عن سبب وجوده و علاقته بهذا المكان لحظة إرتكاب الجريمة و علاقته بالضّحية. و نودّ أن نوضّح هنا أنّ الصّفة المباشرة أو غير المباشرة للدّليل الجنائي بشكل عام سواء بالنّسبة للأدلّة التّقليدية أو الأدلّة المعلوماتية ترتبط في حقيقتها بما يمكن للقاضي أن يستخلصه للإقتناع بثبوت الجريمة في حدّ ذاتها و أنّ المتّهم هو المرتكب لها، أي وقوع الجريمة بشكل عام و نسبتها إلى المتّهم بشكل خاص و ذلك بغض النّظر عن النّشاط الّذي قام به القاضي في الوصول إلى القيمة الإثباتية للدّليل المعلوماتي المستمد من التّفتيش( ). الفرع الثاني: تصنيف الدّليل المعلوماتي من حيث مصدره تنقسم الأدلّة الجنائية من حيث مصدرها إلى ثلاثة أقسام: مادية و قولية و قانونية( )، و الأدلّة المادية هي الأدلّة الّتي تنبعث منها عناصر مادية ناطقة بنفسها( )، فقد يترك الجناة في مكان الحادث بعض الأدوات الّتي إستخدمت في ارتكاب الجريمة أو بصمات الأصابع أو الأقدام أو غير ذلك من المظاهر الماديّة الّتي تفيد القاضي في الإثبات، و يتمّ التّوصل إلى الأدلّة الماديّة عن طريق المعاينة أو الضّبط أو التّفتيش أو الخبرة ( )، فالدّليل المادي هو الدّليل الّذي له بعد مادي يدلّ على وجوده الحسّي فيستخلص من الأثر الّذي يخلّفه الفعل الجرمي و ينشئ رابطة بينه و بين مقترفه( ). أمّا الأدلّة القولية فهي الّتي تنتج من أقوال صادرة عن الغير، يتشكّل منها إقتناع القاضي بحقيقة واقعة ما و يتوقف هذا الإقتناع على مدى صدق هذا الغير فيما ينقله إلى القاضي، و تنحصر هذه الأدلّة في المجال الجنائي في الشّهادة و الإعتراف ( ). و تعرّف الأدلّة القانونية بأنّها الأدلّة الّتي حدّدها المشرّع و عيّن قوة كلّ منها بحيث لا يمكن الإثبات بغيرها كما لا يمكن للقاضي أن يعطي أيّ دليل منها قوة أكثر مما أعطاه المشرّع( ). فأين تقع الأدلّة المعلوماتية من بين هذه الأنواع؟ واقع الأمر أنّ الجواب حول هذا التّساؤل لم يكن محل إجماع بين الفقهاء و يمكن إجمال هذا الإختلاف في ثلاثة إتجاهات نذكرها تفصيلا فيما يلي: الاتجاه الأول: الدّليل المعلوماتي دليل مادي يرى أنصار هذا الإتجاه أنّ الأدلّة المعلوماتية ما هي إلاّ مرحلة متقدّمة من الأدلّة المادية الّتي يمكن إدراكها بالحواس الطّبيعية للإنسان من خلال الإستعانة بجميع ما يبتكره العلم من أجهزة مخبرية و وسائل التّقنية العالية و منها الحاسوب محور الأدلّة المعلوماتية، فالأدلّة الجنائية المعلوماتية في منظور أنصار هذا الإتجاه لا تختلف عن آثار الأسلحة و البصمات أو البصمة الوراثية ADN فهي إمّا أن تكون مخرجات ورقية يتمّ إنتاجها عن طريق الطّابعات أو الرّاسم و إمّا أن تكون إلكترونية كالأشرطة و الأقراص الممغنطة و أسطوانات الفيديو و غيرها من الأشكال الإلكترونية غير التّقليدية( ). و إمّا أن تتمثّل في عرض مخرجات المعالجة بواسطة الحاسوب على الشّاشة الخاصة به أو وحدة العرض المرئي( ) و هذه الحالة الّتي تتواجد عليها الأدلّة المعلوماتية يمكن تلمّسها باعتبار أنّ لها مظهرا خارجيا سواء كانت عبارة عن أدلّة ورقية أو إلكترونية في شكل دعامات بأنواعها المختلفة( ). و من هنا فإنّ الطّبيعة الّتي عليها الدّليل المعلوماتي تجعل من البيئة الّتي يحيا فيها أمرا لازما فبدون تلك البيئة لا يُمكن التّعويل عليه في الإثبات فلا يمكن الحكم إستنادا إلى تقرير يؤكّد وجود قرص متحفّظ عليه يحتوي على ملفات محل الجريمة فلابد من فتح القرص أمام القضاء و الإطلاع عليه و من ثمّ تقدير هذا الدّليل و تحديد قيمته( )، فليس لزاما لمس الدّليل باليد لإضفاء الطّابع المادي عليه بل يكفي إدراكه بالنّظر أو السّمع عن طريق شاشة الجهاز، كملفات الكتابة (Word) و المقاطع المرئية (Vedeo) لاعتبار الدّليل المعلوماتي من الأدلّة المادية( ). و هناك من ينظر إلى مادية الدّليل المعلوماتي من منظور علمي بحت، فالدّليل المعلوماتي رغم كونه مجموعة من النّبضات الكهربوائية و المغناطيسية إلاّ أنّه له كيانا ماديا و يمكن تحريزه و حساب حجمه و مقدار المساحة الّتي يشغلها و ذلك بوحدة البايت byte و كل ما في الأمر أنّ الكيان المادي لهذا الدّليل لا يمكن إدراكه بالعين المجردة و إنّما يمكن إدراكه بالوسائل و الأساليب الإلكترونية( )، على أنّ ذلك لا ينفي حقيقة التّواجد المادي الفعلي للبيانات على وسائط التّخزين المادية كحقيقة تكنولوجية و ليس تصوّرا أو إفتراضا( ). و على هذا التّوجه يردّ المعارضون، بأنّ هناك حالات من الأدلّة لا تعدّ دليلا ماديا مثل الأدلّة المستمدّة من الوسائل الّتي تمس سلامة الجسم كجهاز كشف الكذب و التّنويم المغناطيسي و التّحليل التّخديري و أمصال الحقيقية و جهاز رسم المخ الكهربائي و كذلك الوسائل السّمعية البصرية الّتي يترتّب على إستخدامها تعدٍ على الحياة الخاصة للإنسان مثل كاميرات المراقبة و أجهزة التّصنت، و إستبعاد هذه الأدلّة من دائرة الأدلّة المادية يقوم على أساس أنّها لا تعتبر أثرا ماديا ملموسا تصلح للمعالجة الفيزيائية لتحديد أبعادها و هو ما ينطبق تماما على الدّليل المعلوماتي فهو عبارة عن نبضات غير ملموسة و لا تدرك بالحواس العادية بل يتطلّب ذلك الإستعانة ببرامج خاصة( ). واقع الأمر أنّ ما يسوقه المؤيّدون لهذا الإتجاه يخالف أصلا مدلول الدّليل المادي، فالصّفة المادية الّتي تلحق هذا الدّليل توجب وجود الأثر الفيزيائي المحسوس الّذي يشكّل عناصره و أبعاده، الأمر الّذي يستبعد كل دليل يفتقر إلى هذه الصّفة من طائفة الأدلّة المادية، لذا نحن ننفي هذه الصّفة عن الدّليل المعلوماتي، بسبب طبيعة تكوينه بحدّ ذاتها و الّتي إنعكست عليه بحكم طبيعة البيئة الّتي يتواجد بها، إذ هي مجرّد تعداد غير محدود للرّقمين (1-0). و هي بهذه الصّورة لا تفتقر فقط للبعد المادي المحسوس، بل قد تصل إلى درجة التّخيلية في شكلها و حجمها، أيّا كانت كمّية هذه الثّنائية الرّقمية المحدّدة لحجم الملف داخل ذاكرة وسيط التّخزين، بحيث يمكن نقلها في أيّ مكان على كوكب الأرض أو يمكن تقسيمها على أماكن عديدة في مناطق مختلقة أو حتى بلدان مختلفة في زمن منتاه القصر، بل يمكن أن يتواجد هذا الدّليل بنسخ يعجز العقل البشري عن إحصائها بنفس الوقت و ضمن مختلف أصقاع الأرض، و بطبيعة الحال فإنّ الحيّز الإفتراضي Cyberspatial الّذي تتواجد فيه تنعدم فيه الحدود المادية فيستحيل تحديد موقع الدّليل عن طريق رسم الإحداثيات المادية الخاصة به، فالقول بأنّ الآثار المعلوماتية معادلة للآثار المادية ضرب من ضروب الخيال. الاتجاه الثاني: الدّليل المعلوماتي دليل معنوي يرى أنصار هذا الإتجاه أنّ الأدلّة المعلوماتية هي أدلّة معنوية غير ملموسة باعتبار أنّ الدّليل المعلوماتي عبارة عن مجالات مغناطيسية أو كهربائية، الأمر الّذي يترتّب عليه أنّ إخراج الدّليل المعلوماتي في شكل مادي ملموس لا يدل على أنّ المخرجات هي الدّليل و إنّما هي عملية نقل تلك المجالات من طبيعتها التّقنية و الرّقمية إلى هيئة يمكن الإستدلال بها على معلومة معيّنة، ففهم و إدراك مضمون الدّليل المعلوماتي يعتمد على إستخدام أجهزة تقنية خاصة لتحليل محتوى الدّليل و أنّ ما لا يمكن تحليله و فهم محتواه لا يعتبر ضمن الأدلّة المعلوماتية لعدم إمكانية الإستدلال به على معلومة معيّنة مما يلغي قيمته في إثبات الجريمة و معرفة مرتكبيها( ). و في تقديرنا فإنّ الأدلّة المعلوماتية في مجموعها مجرّدة لا تستمدّ من أمور حسيّة و إنّما يتوصّل إليها من أمور معنوية غير مادية و تحتاج إلى إيضاح و جلاء، و مع ذلك فإنّ مناطق الإختلاف قائمة بين هذا الدّليل و بين الأدلّة المعنوية في صورتها التّقليدية كالشّهادة و الإعتراف، فإذا تأمّلنا موضوع الدّليل المعلوماتي فإنّه بدون شك لن يكون له تلك الطّبيعة الّتي عليها الأدلّة المعنوية في العالم المادي و ضمّه إلى هذه الطّائفة من الأدلّة أمر يجافي المنطق. الاتجاه الثالث: الدّليل المعلوماتي يقع خارج التّصنيف التّقليدي هذا الإتجاه و إن إتفق مناصروه على أنّ الدّليل المعلوماتي بما عليه من كينونة يستحق تصنيفا خارج التّصنيف التّقليدي، غير أنّهم إختفلوا حول الأساس المعتمد في ذلك، فجانب وجيه من الفقه يميل إلى ترجيح تصنيف خاص للأدلّة المعلوماتية إنطلاقا من طبيعة تكوينها و خصائصها الّتي تميّزها عن غيرها من الأدلّة الجنائية الأخرى، و بهذه الخاصية فهي تشكّل إضافة جديدة لأنواع الأدلّة الجنائية( ). و هناك رأي آخر يرى أنّ الدّليل المعلوماتي هو "ملك الأدلّة" و أنّ الأساس الّذي يجب أن يعتمد في عملية التّصنيف هو "القوّة الثّبوتية للدّليل" ففي ظل إنعدام أمارات توحي بأنّ المشرّع ساير التّطور الحاصل في بعض عناصر الأدلّة الّتي ترقى إلى رتبة "الدّليل الكامل" خاصة بالنّظر إلى قوة إقناعها الكبيرة، وجب إعادة النّظر في التّصنيف التّقليدي لأنّه عند تمعّن الأحكام القانونية لا يضع المشرّع أيّ تصنيف قائم على أساس القوّة الإثباتية للأدلّة، ذلك أنّ التّمييز بين القيم الدّاخلية و الخارجية لعنصر إثبات ما يستند أساسا إلى التّصنيف الخماسي التّقليدي للأدلّة (الإعتراف، الشّهادة، الدّليل الكتابي، القرينة و الخبرة )، غير أنّ التّطورات التّكنولوجية أظهرت عدم ملاءمة هذا التّصنيف و لا يبدو من الوجيه أن نجمع داخل نفس الفئة الأدلّة الإلكترونية ضمن الخبرات و القرائن( ). و بالرّغم من أنّ تصنيف الأدلّة على أساس قوّتها الثّبوتية له ما يبرّره على الأقل من النّاحية النّظرية في تقديرنا، إلاّ أنّ هناك قدرا من التّحفظ نودّ إيضاحه، فالدّعوة إلى دمج مفهوم قوة الإثبات كعنصر تقييمي في ترتيب و تدرّج الأدلّة بموجبه يعتبر الدّليل المعلوماتي "سيد الأدلّة" فيه الكثير من المبالغة( )، بل و ينطوي على تجاهل واضح للأخطار الجسيمة المتأصّلة في فكرة تقنين التّحديد المسبق للقيمة الإثباتية للدّليل الجنائي، فمثل هذا القول في حقيقته يقود إلى "تقنين اليقين القضائي" و الّذي يعتبر مسألة واقع لا يملكها المشرّع بل ترجع إلى تقدير القاضي تبعا لظروف الواقعة و ملابساتها، و يجب أن تظلّ كذلك و على وجه التّحديد عندما يتعلّق الأمر بالأدلّة المعلوماتية الّتي تمتاز بسرعة تغييرها و تعديلها و التّلاعب بها، ما يجعلها محلا لكثير من الشّك في قيمتها الاقناعية. فـ "اليقين القانوني" و "اليقين القضائي" و "اليقين العلمي" قد يتطابق ما يتولّد عنها من حقائق و قد تختلف، فالمشرّع بما يقنّنه من حكم عام لا يكون في وضع مباشر مع وقائع جزائية لا تتمتّع بالثّبات و الإستقرار، و الخبير بما يتوصّل إليه من نتائج فهو لا ينشد سوى ما تمليه عليه الحقيقة العلمية بشكل جامد بعيدا عن الإعتبارات المحيطة بالواقعة، أمّا القاضي فمسعاه الحقيقة الموضوعية المعبّرة عن العدالة الّتي يختلف وضعها باختلاف الجريمة و ملابساتها. و بدورنا نرى أنّ القول بالطّبيعة الذّاتية الخاصة للدّليل الجنائي المعلوماتي هو الأولى بالتّرجيح، فالدّليل المعلوماتي دليل فني ذو طبيعة تقنية متميّزة، مضمونه نبضات و ذبذبات إلكترونية غير ملموسة لا تدركها الحواس الطّبيعية للإنسان و لا يقوى على فهمها إلاّ الخبير الفني المتخصّص، فلا هي مادية تترك أثرا في الجسم (المادة)، و لا هي مكتوبة و لو كانت في هيئة محرّر إلكتروني، و لا هي معنوية و لو وردت ضمن ملف حاسوبي صوتي، بل تعداد رقمي يسبح في حيّز إفتراضي و زمان إفتراضي يخضع إسترجاعها و فهمها للتّقنية على وجه التّحديد و هو ما يؤهلها بحق للإستقلال بذاتيها لتشكّل إضافة جديدة إلى نظرية الإثبات الجنائي. و إذا كان الأمر ما سلف، فما هي إذن الأحكام الإجرائيّة الخاصة التّي تقيد عملية التّفتيش عن هذا المكوّن الرقمي و استرداده، كدليل جنائي يلصح لبناء حكم الإدانة أو البراءة؟ هذا ما سنعالجه في الباب الأول من البحث.
الباب الأول الأحكــــام الإجرائيــــــــــــة للأدلـــــــة المعلوماتية المستمدة من التفتيش
إذا كان فكر الإثبات التّقليدي قد استقر على أنّ كلّ إطلاع على مستوع السّرّ بحثا عن الحقيقة يشكل تفتيشا، أفلا يتحقّق هذا الإجراء عند قيام سلطة التّفتيش بضبط وسائط التّخزين الرّقمية و لو لم يتمّ استعراض محتواها، أليس في عملية الضبط تقيّيد لخصوصية الفرد على بياناته و لو لم تتضمن هذه الأجهزة مواد محرجة أو غير قانونية؟ إنّ مثل هذا التّساؤل في الحقيقة يضع المشكلة في إطار افتراض التفتيش المسبق عن وساط التّخزين الرّقميّة قبل تفتيشها؟ فما هو المعيار الفاصل بين "الضّبط" و "التّفتيش" في البيئة الرّقميّة طالما أنّ كِلا الإجراءين ينطويان على مساس بالحريّة الشّخصيّة؟ ما هو أساس مشروعيّة الضّبط الشّامل الذّي يطال كافّة البيانات؟ هل محل التّفتيش وفقا لهذا المنظور هو النّظام المعلوماتي ككل أم جزء منه فقط؟ كيف السبيل إلى قصر الاطلاع على مستهدف التّفتيش دون تجاوز نطاق الإذن القضائي في ظل ظاهرة اختلاط البيانات و تشابكها؟ ما مصير الأدّلة المعلوماتيّة المكتشفة بشكل عرضي؟ يبدو من الواضح أنّ التّجاوب مع هذه الأسئلة يبرز أحكاما إجرائيّة خاصّة لتفتيش البيانات المخزّنة، و بما أنّ مشروعية الدّليل الجنائي ليس سوى إنعكاس لمشروعيّة الإجراء الّذي أستمِدّ منه، فإنّ ذلك يدفعنا إلى ضرّورة التّعرض لفكرة التّفتيش عن الأدلّة المعلوماتيّة (فصل أول)، و رصد ضوابط هذا العمل الإجرائي( فصل ثاني).
الفصـل الأول فـكرة التفتيـش عن الأدّلة المعلوماتيّة تثير ذاتيّة الأدّلة المعلوماتيّة كمكوّن رقمي ثنائي غير محسوس تساؤلا يتضمّن البحث عن تفسير لعبارة "التّفتيش عن الدّليل المعلوماتي"، و مثل هذا التّساؤل ينطلق بالضّرورة من الإعتراف المسبق بكون وجود الدّليل المعلوماتي مرهون بوجود حاوية له، ممثّلة في أجهزة التّخزين الماديّة الّتي تشكل وسية الرّبط بين البيئة المادّيّة و البيئة الرّقميّة، فالتّفتيش عنها من مستلزمات تفتيشها، و هذه الحقائق تقودنا إلى ضرورة تحديد مدلول التّفتيش عن الأدّلة المعلوماتيّة (مبحث أول)، و تحديد مقدّمات هذا العمل الإجرائي(مبحث ثاني).
المبحث الأوّل مدلول فكرة التفتيش عن الأدلة المعلوماتية طالما أنّ المستهدف من البحث هو تحديد مدى مشروعيّة التّفتيش عن الأدّلة المعلوماتيّة، فإنّ إلتزام القائمين على تحصيلها بالمشروعيّة الإجرائيّة حال قيامهم بتفتيش بيانات المتّهم يبدأ عند الشّروع في التّفتيش، و لتحديد العمل الإجرائي الّذي يعدّ منطلقا للتّفتيش المعلوماتي، فإنّه ينبغي أن نستهل هذاالمبحث بمناقشة مفهوم هذا الإجراء (مطلب أول)، ثم نردفه بعد بتناول مسألة التّمييز بينه و بين الضّبط في البيئة الرّقمية (مطلب ثاني). المطلب الأوّل: مفهوم التّفتيش عن الأدّلة المعلوماتيّة الحكمُ على الشّيء فرعٌ عن تصوره، من هذا المنطلق فإنّ التّوصل لتحديد مدى شرعية هذا الإجراء الجزائي الخطير يستوجب مسبقا تعريفه (فرع أول)، و استجلاء خصائصه (فرع ثاني) و بيان طبيعته (فرع ثالث). الفرع الأوّل: تعريف التّفتيش عن الأدّلة المعلوماتيّة من البديهي أن يسبق إجراء التّفتيش عن الأدّلة المعلوماتيّة، تفتيش تقليدي بمفهوم مادي يستهدف البحث عن الحاوية المادية للدّليل المعلوماتي، و من ثم فإنّه لا مناص من التّطرق إلى تعريف التّفتيش المادي (أولا)، ثم نستتبعه بتعريف تفتيش نظم المعلومات، اتساقا مع خطوات تنفيذ التّفتيش المعلوماتي في الواقع (ثانيا). أولا: تعريف التّفتيش المادي من المسلّم به في اطار الفقه التّقليدي أنّ التّفتيش مرتبط بموضوع مادي "مادية الجريمة"، و محل مادي "مكان التّفتيش"، و ذلك بحثا عن دليل "ذا بعد مادي" محسوس، لذا فضّلنا إلحاق الطّبيعة المادية على هذا الإجراء القانوني تمييزا له عن التّفتيش المعلوماتي الّذي يفتقد لهذه الصّفة من حيث مستهدفه و محله بل و حتى أسلوب تنفيذه. عموما لم تتضمّن التّشريعات تعريفا للتّفتيش المادي، و لكن الفقه أورد تعريفات متعدّدة له، و إن اختلفت صياغاتها فقد تطابقت مضامينها، فيعرّف جانب من الفقه التّفتيش بأنّه "إجراءات من إجراءات التّحقيق تقوم به سلطة حدّدها القانون، يستهدف البّحث عن الأدلة الماديّة لجناية أو جنحة تحقّق وقوعها، في محل خاص يتمتّع بالحرمة، بغض النّظر عن إرادة صاحبه"( ). و هنّاك من يرى أنّ التفتيش هو إجراء تقوم به السّلطة القضائية للإطّلاع على محلّ يتمتّع بحرمة خاصّة للبّحث عن الأدلّة اللاّزمة للتّحقيق الجنائي"( )، فهو بحث عن الحقيقة في مستّودع السّر، إذ هو بهذا المعنى إجراء من إجراءات التّحقيق الإبتدائي، فلا يكون إستدلالا بحسب الأصل لما يتضمّنه من اعتّداء على حرمة شخص المتّهم أو حرمة مسكنه بحسب الأحوال( ). في حين تطرّق الفقه المقارن إلى تعريف هذا الإجراء بتعاريف لا تختلف كثيرا عمّا جاء به الفقه العربي، بسبب تأثر الفقاء العرب بالفقه اللاّتيني، و أيضا لكون التّشريعات العربية مستوحاة من هذا النّظام، فيعرّف الفقه الفرنسي التّفتيش بأنّه " البحث في مكان مغلق عن أدلّة مفيدة في إظهار الحقيقة"( )، و عرّفه البّعض الآخر بشيء من التّوسع بكونه " بحث بوليسي أو قضائي عن عناصر الدّليل عن جريمة ما، و يمكن وفقا لقواعد قانونيّة خاصّة أن يُنفَذ في المسكن الخاص بأيّ شخص أو في أيّ مكان آخر حيث يمكن أن توجد أشياء يكون إكتّشافها مفيدا في إظهار الحقيقة "( ). و قد ساهم القضاء بدروه في تحديد مدلول التّفتيش التّقليدي، فعرّفته محكمة النّقض المصرية في أحد أحكامها بقولها "التّفتيش كما هو معروف في القانون هو ذلك الإجراء الّذي رخّص الشّارع فيه التّعرض لحرمة الشّخص بسبب جريمة وقعت أو ترجّح وقوعها، و ذلك تغليبا للمصلحة العامة على مصالح الأفراد الخاصّة، و احتمال الوصول إلى دليل مادّي يكشف الحقيقة"( ). و في سياق مقارب عرّفت محكمة النّقض الفرنسية التفتيش بأنّه "إجراء يراد به البحث في مكان مغلق عن أدلة ارتكاب الجريمة و نسبتها إلى مرتكبها"( )، أمّا المحكمة العليا الفديرالية الأمريكية فقد تعرّضت لمدلول هذا الإجراء في قضية Smith v. Maryland ، معتبرة إيّاه "إجراء ينتهك التّوقع المعقول أو المشروع للحق في الخصوصية"( ). عموما يُعرّف التّفتيش بأنّه السّعي للحصول على الأدلّة لدى المتّهم ذاته أو مسكنه أو حيثما تكون تحركاته، شريطة إتباع إجراءات شكلية يتطلبها القانون، و تكمن الفكرة الأساسية للتّفتيش في إباحة انتّهاك الحق في الخصوصية طالما أنّ هناك مبرّر في القانون لهذا الانتهاك، و من ثم يعدّ التّفتيش أحد مظاهر تقييد الحريات الإنسانيّة الّتي ساهمت التّشريعات الكبرى الأساسية في دعم المحافظة عليها( ). بدورنا نرى أنّ التّفتيش التّقليدي إجراء من إجراءات التّحقيق يستهدف البحث عن أدلة مادية لجريمة تحقّق وقوعها و ذلك في محل يتمتّع بالحرمة، فهو يمثّل إطلاع استثنائي على محل له حرمة خاصّة ابتغاء كشف حقيقة الواقعة الإجرامية. ثانيا: تعريف التّفتيش المعلوماتي إنّ التّطور المتسارع لتقنية المعلومات جعل المشرّع العربي و المقارن يتفادى الخوض في إيراد تعريف محدّد لهذا الإجراء المستحدث( )، خشية صيرورة التّعريف الّذي يصاغ قديما لا يتواءم مع التّطور التّقني( )، و يميل الفقه عموما إلى اعتبار التّفتيش المعلوماتي "ليس سوى تفتيش تقليدي ينصب على الأجهزة المعلوماتية"( )، لذا يعرّفه جانب من الفقه الغربي بكونه "إطلاع على البيانات المخزّنة في النظام المعلوماتي"( )، فهو "إجراء ينصّب على المعلومات و يسمح بجمع الأدلة المخزّنة أو المسجّلة في شكل إلكرتوني"( )، أي أنّ كل ولوج إلى نظام معلوماتي من قبل السّلطة هو بمثابة تفتيش معلوماتي باستثناء بعض الحالات المنصوص عليها قانونا( ). و إن اختلفت التّشريعات في المصطلح المستعمل، فإنّ كلمة " تفتيش" تترجم فكرة ممارسة الدّولة لسلطة قسرية، و هي نضيرة لمصطلح التّفتيش التّقليدي الّذي يعني البحث، القراءة، التّمحيص، و فحص البيانات المعلوماتية، و إن كان مصطلح "الولوج" أو "النّفاذ" هو الأدق لأنّه أكثر إرتباطا بالمصطلحات المعلوماتيّة( )، لذا فإنّ غالبية الفقه العربي يرجّح إنطباق المفهوم التّقليدي على هذا الإجراء الجنائي، فعرّفه البعض بكونه " تنقيب في وعاء السّر بقصد ضبط ما يفيد من الأسرار في كشف الحقيقة، فجوهر التّفتيش هو كشف نقاب السّرية عما تحتويه نظم الحاسوب من خفايا و أسرار و نوايا إجرامية، و بالتّالي إزاحة ستار الكتمان عنها في معرفة الحقيقة، و هذا المعنى لا يتقيّد بالمكان المادي لوعاء السّر سواء كان مسكنا أو شخصا أو جهاز حاسوب أو نظاما أو برنامجا، أو أية أجهزة ملحقة بالحاسوب"( ). و عرّفه البعض الآخر بأنّه "البحث عن أدلّة الجريمة في أجهزة الحاسوب الّتي استخدمت في ارتكاب الجريمة أو من خلال شبكات الاتصال مثل شبكة الأنترنت، و يتمّ تنفيذ هذا التّفتيش بقيام السّلطات بالدّخول إلى النّظام الحاسوبي الّذي ارتكبت فيه أو من خلاله الجريمة و ذلك لبحث و فحص البيانات الموجودة به"( ). و بهذا المعنى فنحن نرى أنّ التّفتيش المعلوماتي هو إطلاع استثنائي لسلطة التّحقيق على معلومات مخزّنة تتمتّع بالحرمة بهدف ضبط أدلّة الجريمة و كل ما يفيد في كشف الحقيقة،على أنّه ينبغي الإشارة إلى مسألة جوهرية، فالقول بأن لكلا الإجرائين – التّفتيش التّقليدي و التّفتيش المعلوماتي- نفس المفهوم و الجوهر فإنّ ذلك لا يفيد اعتبارهما بمثابة نفس الإجراء، إذ يبقى التّفتيش المعلوماتي إجراء مستقل بذاته عن باقي الإجراءات التّقليدية بما يتميّز به من خصائص، لا مناص من تفصيل البحث بشأنها. الفرع الثّاني: خصائص التّفتيش المعلوماتي يتميّز التّفتيش المعلوماتي بخصائص قد تتوفر في التفتيش المادي، إلاّ أنّها تأخذ بعض سمات الذّاتية حال ارتباطها بالتّفتيش المعلوماتي و هي طابع الجبر و الإكراه (أولا)، و المساس بحرمة المعلومات (ثانيا). أوّلا: الجبر و الإكراه يقتضي تفتيش المتّهم الحد من حريته الشّخصية بالقدر اللاّزم لتنفذيه و ذلك بحسب أنّ القهر لا غنى عنه لتنفيذ هذا الاجراء( )، و يشترك التّفتيش المعلوماتي في ذلك مع كافة إجراءات التّحقيق، فهو تعرض قانوني لحرية المتّهم الشّخصية بغير إرادته و رغما عنه، فالقانون يوازن بين حق المجتمع في العقاب دفاعا عن مصالحه الّتي تنتهك بارتكاب الجرائم، و بين مدى تمتّع الفرد بحريته أمام هذا الحق، فيبيح إجراء التّفتيش جبرا على صاحب الشّأن متى توافرت و وروعيت ضمانات معيّنة، و لذلك فإن التّفتيش بمعناه القانوني يُتّخذ دون اعتداد بإذن عن من يقع عليه و دون أهمية لرضائه، كل ما هنالك أنّ صاحب الشّأن مع عدم رضائه باتخاذ الإجراء ضده قد لا يقاومه و لا يبدي إعتراضا إحتراما منه لسلطان القانون و قد يرفض إجراء التّفتيش، فيتخذ اعتراضه مظهرا إيجابيا، و عندئذ يُخوِّل القانون للقائم بالتّفتيش اتخاذ خطوات معيّنة تجعل معنى الجبر و الإكراه واقعا و ظاهرا بيقين"( ). و صور مقاومة و رفض هذا الإجراء تتخذ مظهرين أحدهما تقليدي و الآخر حديث، فأمّا المظهر التّقليدي فيتجسد في المقاومة الفعلية و الجسدية للقائم بالتّفتيش و منعه من الوصول إلى الحاوية المادية للدّليل المعلوماتي المستهدف بالتّفتيش، و الممثلة في مختلف وسائط التّخزين الرّقمية على اختلاف أنواعها و أشكالها، و الّتي قد تتواجد بمسكن المتّهم أو شخصه أو سيارته، كالإقدام على تحطيم الجهاز المادّي أو تعريضه للحريق و التّلف و غيرها من صور التّدمير و الإتلاف الّذي يراد به محو المعلومات الّتي تتضمّنها دعامة التّخزين الإلكترونيّة. و هذه الحالة يجرى عليها ما جرى عليه الفكر القضائي التّقليدي، و الّذي استقر على أنّه للقائم بالتّفتيش إتخاذ كافة الإجراءات الضّرورية لتحقيق غايته، إذ أنّه متى كان التّفتيش مأذون به قانونا، فاتخاذ ما يلزم من طرق لإجرائه متروك لرأي القائم به، فله أن يدخل المنزل المراد تفتيشه من سطح منزل مجاور و لو كان باستطاعته دخوله من بابه متى قدّر أنّ ذلك يمكّنه من ضبط عناصر الدّليل( ). و إن كانت الحالة الأولى لا تثير أيّ إشكال يذكر و استقرت حدودها في العمل القضائي، فإنّ الوضع الحديث في استعمال الجبر لتنفيذ إجراء تفتيش أجهزة التّخزين الرّقمية يطرح تساؤلات عديدة، إذ قد ينصاع المتّهم فعلا لسلطان القانون و لا يبدي أيّ رفض لفكرة تفتيش أنضمته المعلوماتية، فيُمَكِن القائم بالتّفتيش من جميع ما بحوزته من وسائط رقمية طوعا و اختيارا، إلاّ أنّ القائم بالتّفتيش قد يفاجئ باستحالة النّفاذ إلى النّظام المعلوماتي لوجود تشفير معقد يحول دون ذلك، و عادة ما يكون هذا الإنصياع للتّفتيش له غايات أخرى، أهمها الزّج بالقائم بالتّفتيش إلى محاولة استعمال أيّ مفتاح لأجل فك التّشفير، و أي خطأ- و هو واقع لا محالة- يفضي إلى الحذف الكلي للمعلومات بشكل تلقائي لوجود برامج خاصة بذلك، فتضيع فرصة إثبات الجريمة. و بطبيعة الحال فإنّ التّعامل بالإكراه وفق المنطق التقليدي لا يتجاوز حدود الأعضاء المادية في الجسم، أما تجاوز هذا الحد من الإكراه ليصل مداه إلى الجوانب الروحية و النفسية للمتّهم، فإنّ ذلك يتعارض مع حق المتّهم في الصمت، و قد يؤدي التعامل وفق هذا المنطق إلى البطلان و تجريد الإجراء من أي أثر قانوني له بإهدار الدليل المستمد منه ( ). و إن كان الفقه التّقليدي يرى أنّ الإكراه عنصرا أوليا في التّفتيش، و أنّ الإجراء الّذي لا تتوفّر له تلك الخاصية لا يمكن اعتباره تفتيشا( )، و لا تسري عليه أحكام التّفتيش الإستثنائية ( )، فإنّ مثل هذا القول يقودنا إلى طرح تساؤل بخصوص مدى قيام عنصر الجبر في حالة "التّفتيش عن بعد" للبيانات المخزّنة ضمن الحوسبة السّحابية، طالما أنّ تنفيذ التّفتيش يتمّ بدون علم صاحب النّظام المعلوماتي أصلا؟ الحقيقة أنّ إنعدام استعمال السّلطة الجبرية المباشرة في التّفتيش ليست وحدها مما يقيم عنصر الإكراه، بل في اعتقادنا إنّ أخطر صور الإكراه الّذي يمكن أن تلجأ إليها سلطة التّحقيق هو التّفتيش المعلوماتي بدون علم المتّهم و هو التفتيش عن بعد و في سرية تامة( ). إجمال ما تقدّم أنّ عنصر الإكراه هو نوع من الإفتئات على حق الشّخص في صون سره و منع الغير من الإطّلاع عليه، فالأصل أنّه لا يجوز أن يترتّب على حق الدّولة في العقاب مساس بالحق في السّر من أجل استرداد الدّليل المعلوماتي، لما في ذلك من انتهاك لأقدس الحقوق الفردية، غير أنّ مقتضيات فعّالية مكافة الجريمة في ثوبها الرّقمي توجب اللّجوء إلى هذا الإجراء مع تقييده بمجموعة الضّمانات تحول دون تجاوز الغاية منه إلتزاما بالشّرعية. ثانيا: المساس بحق الخصوصية المعلوماتية يُقال في الفقه إنّ تفتيش الشّخص يعدّ قيدا على حصانته أو" حرمته الذّاتية"، و تفتيش المسكن يعد قيدا أو إستثناء يرد على "حرمة المسكن" أو "حرمة المراسلات"، بمعنى أنّ التّفتيش هو مساس بقاعدة "الحرمة" l inviolabilité للشّخص ذاته أو مسكنه أو رسائله( ). فهل يتمتّع الفرد بهذا الامتياز على معلوماته؟ و إن كان الأمر كذلك فما المقصود بـ "حرمة المعلومات"؟ ما هو الحق الّذي تقوم على حمايته؟ جرى الفقه قديما على الإكتفاء بالقول بأنّ التّفتيش يقيّد حرمة المسكن، و هو قول أجوف لا معنّى له، فالحرمة في نظر القانون هي الحماية و الإحتّرام( )، و قد أضفى المشرّع حمياته على هذا المحل باعتباره مكنونا لسر الفرد، و لذلك فإنّ المشرّع لم يستهدف رعاية الشّخص كجسم معيّن و لا المسكن كبناء خاص، و إنما السّر الّذي يحمله فقط ( )، فإن كانت الحصانة المقرّرة قانونا تتعلق بالحرّية الفرديّة في عمومها، فلا مناص من القول إذن بأنّ "حق السّر" لا يرتكز محله في المسكن أو الشّخص فحسب، بل هو يرتبط بالأصل الّذي يبنى عليه أي "الحرّية الفردية بمعناها الواسع". و هذا المبدأ هو الّذي يحول دون إرساء قاعدة عامة تضبط التّوقع المعقول للخصوصية، و يجعل بذات الوقت توقعات الخصوصية بعيدة عن تحديد ثابت، بل تتغيّر التّوقعات مع تقدم التّكنولوجيا و الأعراف و الممارسات الاجتماعية السّائدة أو الّتي تطرأ على الهيئة الإجتماعية، و من ثمّ فهي تشمل حرمة المعلومات لأنّها مستودّع لسّر الفرد في الوقت الرّاهن، و الّذي بات يعرف بالحق في الخصوصية المعلوماتية( ). و في هذا الصّدد ذكرت الدّائرة الأمريكية الاسئنافية الثّانية أنّ "التّقدم التّكنولوجي و اعتماد الأفراد على أجهزة الحواسيب في حياتهم، أمر جعل القرص الصّلب (الحاسوب) أقرب إلى مقر الإقامة من حيث نطاق و كمية المعلومات الخاصّة الّتي قد تحتّوي عليها مثل هذه الأجهزة "( )، و قد لاحظ هذا القضاء أيضا( الدائرة الأمريكية السادسة) أنّه "بالنسبة لمعظم الأفراد، فإنّ أجهزة الحاسوب الخاصّة بهم هي أكثر الأماكن خصوصية بالنّسبة إليهم، بل هي أكثر خصوصيّة من غرف نومهم" ( ). و على العموم فإنّه "غالبًا ما يكون الحاسوب الشّخصي مستودعا للمعلومات الخاصّة الّتي لا ينوي مالك الحاسوب مشاركتها مع الآخرين، ففي نظر أغلب الأفراد فإنّ أجهزة الحاسوب الشّخصية هي المساحات الأكثر خصوصية"( ). لذا نحن لا نؤيّد توجه بعض الفقه الّذي يطالب إطلاق لفظ "المنزل الرّقمي"domicile numérique على "النّظام المعلوماتي" بمنطق الدعوة إلى المساواة بينهما في الحماية الإجرائيّة( )، لأنّ حرمة هذا الأخير تفوق بكثير حرمة المسكن التّقليدي، ذلك أنّ ما يكشفه التّفتيش التّقليدي من أسرار يبقى منحصرا في إطار ضيق نسبيا لا يخرج عن حدود الإطار المكاني و الزّماني لتنفيذ التّفتيش، أي ضمن نطاق محدّد كالمسكن أو الجسم، و ضمن المدّة المحددة لتنفيذ التفتيش فقط و الّذي يتحدد في ضوئه نطاق التّفتيش من حيث كم المعلومات. أمّا التّفتيش المعلوماتي فهو لا يتقيّد في ما يكشفه من أسرار بحدود الزّمان و المكان لحظة تنفيذ هذا العمل الإجرائي، بل يزيح ستار الكتمان عن كافة أوجه الحياة الخاصة الّتي بات وعاؤها فعلا يشكّله النّظام المعلوماتي الّذي تحفظ فيه كل وقائع حياة الفرد اليومية بأدّق تفاصيلها، و هذه الحتمية تكاد تكون مقتضى طبيعي للتّحول نحو مجتمع معلوماتي( )، لذا من الصّعب إعطاء هذا الحق وصفا قانونيا محددا في الوّقت الحالي، لأنّ أوصافه تتعدّد بتعدّد الضّمانات القانونية الّتي ينبغي أن تقرّر لهذا الحق بحسب ما تفضي إليه تكنّولوجيا الإعلام و الإتصال من معلومات تدخل في دائرة هذا الحق. و يترتّب على كون التّفتيش المعلوماتي يتضمّن مساسا بحق الخصوصية المعلوماتية، فإنّه يخرج عن نطاقه كلّ إجراء لا يمسّ بالخصوصية، فالأصل في القانون أنّ الإطّلاع على المعلومات مباح متّى لم يتعارض هذا الفعل مع حقّ صاحبه، و من البدّيهي أنّه ما يباح للأفراد الإطّلاع عليه يباح للهيئات القضائية أيضا معاينته، لأنّ المعلومة المحوسبة و المكشوفة لا تتمتّع بحرمة خاصّة فهي تفقد هذا الامتّياز القانوني أيّا كانت درجة خصوصيتها و فقا للتّصور المستقر في ضمير الجماعة، و مثال ذلك إطّلاع سلطة التّحقيق على أخصّ شؤون الحياة الخاصّة للأفراد و المتاحة للجميع عبر مواقع التّواصل الاجتماعي و إن كانت هذه المعلومات مذهلة للغايّة من حيث درجة حرمتها كأصل عام، فإنّ ذلك لا يضفي عليها حماية إجرائية طالما تخلّى صاحب الشّأن عن هذه الحرمة و كشف عن خيبئته، باعتبار أنّ السّرية وجها لازما للخصوصية في أغلب الأحيان. و إذا كان التّفتيش المعلوماتي يمسّ بحق الخصوصّية و هو حقّ فردّي، في سبيل حماية الهيئة الاجتماعية و مكافحة الجريمة، فهو ليس حقا مطلقا لهذه الهيئة بل هو رخصة استثّنائية تمليها ضرورة فعّالية التّحقيق، فإذا لم تتوّفر الضّرورة المبرّرة لانتهاك الحرّية الفردية، فإنّ التّفتيش المعلوماتي في هذه الحالة يكون مخالفا للشّرعية، بل يعتبر اعتّداء على الحرّيات الفرديّة لا يقرّه القانون بل يعاقب عليه، لذا فهو مقيّد بالضّرورة و في حدودها دون تزيّد و لا إساءة أو إفتّئات، و هو بهذه الطّبيعة الاستثنائية، هل يمكن أن يكون عملا من أعمال الاستدلال بعيدا عن الإشراف القضائي؟ الفرع الثالث: الطّبيعة القانونية للتّفتيش المعلوماتي إنّ تحديد الطّبيعة القانونية للتّفتيش المعلوماتي لا ينعتق من القواعد العامة الّتي عالجت طبيعة هذا الإجراء في صورته التّقليدية بشكل عام، أيّا كان محلّه المسكن أو الشّخص ذاته أو المعلومات المحوسبة، و هذا الإجراء الجنائي كما سبق و أن أشرنا يعتبر إجراء من إجراءات التّحقيق، فطبيعته القضائية تستوجبها طبيعته الاستثنائية المبرّرة لانتهاك أسرار الأفراد و كشف عوراتهم. لكن الأشكال المطروح متى يعتبر كذلك؟ هل وفقا للغاية المتوخّاة منه أم بحسب صفة القائم بالإجراء؟ لقد اختلف الفقهاء في الإجابة عن هذا السّؤال على أربعة اتجاهات و هي النّحو التّالي: الاتجاه الأوّل: يأخذ أصحابه في تحديدهم للطّبيعة القانونية للتّفتيش بالهدف منه، و بحسب هذا الاتجاه فإنّ غاية هذا الإجراء هو الحصول على الأدّلة الجرمية و ضبطها و كشف حقيقتها و إزالة الغموض الّذي يحيط بها و ترجيح نسبتها إلى شخص معيّن مثل ضبط برامج غير مشروعة على النّظم المعلوماتية الخاص بالمتّهم و تقدميها كدليل اتّهام ضدّه أمام المحكمة المختصّة، و إلى هذا الاتّجاه يميل أغلب الفقه( ). الاتجاه الثّاني: يحدّد أنصاره الطّبيعة القانونية للتّفتيش حسب المرحلة الإجرائيّة الّتي تكون فيها الدّعوى العمومية، فذهب هذا الرأّي الفقهي - مع اعتناقه معيار الغاية من الإجراء- إلى إضافة معيار آخر يتعلّق بالوقت الّذي جرى فيه هذا الإجراء، و حسبما إذا كان قد جرى قبل فتح التّحقيق أو بعده، فإذا إتخذ الإجراء قبل فتح التّحقيق كان عملا من أعمال الاستدلال، بينما يعدّ عمل تحقيق إذا جرى بعد فتح التحقيق( ). الاتجاه الثّالث: يعوّل القائلون بهذا الاتجاه على صفة القائم بالتّفتيش، فيعتبر الإجراء من أعمال التّحقيق إذا ما قامت به سلطة التّحقيق المنوط بها القيام به دون غيرها، أمّا إذا قام به عضو من أعضاء الضّبطية القضائية غير مخوّل بإجرائه بموجب إذن بالتّفتيش، فإنّ التّفتيش يعدّ عملا من أعمال الاستدلال كالتّفتيش الوقائي الّذي يقتصر هدفه على تجريد المقبوض عليه من شيء خطير يحمله( ). و لقد تعرّض هذا الإتجاه لعدّة مطاعن على أساس أنّ المشرّع الإجرائي لا يعتدّ بصفة القائم بالإجراء( )، و يثور هذا النّقد بالذّات حال مباشرة الضّبطية القضائية للتّفتيش في حالة التّلبس و النّدب، الواقع أنّ عضو الضّبطية القضائية حين يمارس الإجراء في هاتين الحالّتين فإنّ القانون يتيح له اتخاذ إجراءات تحقيق لا استدلال، و يخضعه لقواعد معيّنة لا يخضع لها أصلا بوصفه من الضّبطية القضائية و من ثم فالقانون يسبغ على أعضاء الضّبط القضائي عندئذ صفة سلطة التّحقيق( ). في حين يرى جانب آخر من الفقه أنّ التّفتيش إجراء من إجراءات التّحقيق الإبتدائي فلا يعتبر من جهة إجراء من إجراءات الاستدلال، كما أنّه من جهة أخرى من إجراءات التّحقيق الابتدائي و ليس من إجراءات التّحقيق النّهائي الّتي يجوز للمحكمة اتخاذها و لأنّه إجراء من إجراءات التّحقيق فإنّ سلطة التّحقيق- النّيابة العامة أو قاضي التّحقيق- هي الّتي تملكه بحسب الأصل صحيح أنّ القانون قد أجاز للضّبطية القضائية في حالات التّلبس بالجريمة تفتيش شخص المتّهم بشروط خاصّة، و لكن هذا التّفتيش ليس من إجراءات التّحقيق و إنّما هو من إجراءات جمع الاستدلالات فرضته الضّرورة لاعتبارات تتعلّق بمهابة الدّولة لجمع الأدلّة في حالات التّلبس بالجريمة على مجرى الظّاهر من الأمور لكنّه لا يستهدف "بحثا عن دليل" أو "تنقيبا عن حقيقة" و هو ما تتميّز به إجراءات التّحقيق( ). و الحقيقة أنّ هذا التّكييف هو ذاته الّذي أرساه المشرّع الجزائري الّذي اعتبر المهام الاستثنائية المخوّلة للضّبطية القضائية في حالة التّلبس بمثابة تحريات و قد جاء ذلك واضحا في نص المادّة 42 من قانون الإجراءات الجزائية( ). الاتجاه الرّابع يسعى أصحاب هذا الرّأي إلى التّوفيق بين الاتجاهات السّابقة و تحت صيغة معيار مختلط و بحسب أصحاب هذا الاتجاه يعدّ إجراء التّفتيش من إجراءات التّحقيق عندما تقوم به السّلطة المختصّة بالتّحقيق الإبتدائي و بعد تحريك الدّعوى العمومية و مباشرتها، بقصد الكشف عن الحقيقة، بمعنى أنّ عمل التّحقيق يتضمّن المعايير الثّلاثة مجتمعة و هي "الغاية" و "الوقت" و "القائم بالإجراء"( ). و بناء على ما تقدم نرى أنّ الطّبيعة القانونية للتّفتيش المعلوماتي تحدّد في ضوء الاتجاه الّذي يأخذ بالمعيار المختلط، و بناء عليه يعتبر التّفتيش إجراءات من إجراءات التّحقيق متّى باشرته السّلطة القضائية، بعد تحريك الدّعوى العمومية، بقصد كشف الحقيقة. و يبدو أنّ هذه المعايير الثّلاثة (الغاية و الوقت و القائم بالتّفتيش) قد استجمعتها المادّة 44 من قانون الإجراءات الجزائية كما يقطع بذلك صريح مدلولها، بحيث نصّت على أنّه "لا يجوز لضبّاط الشّرطة القضائية الانتقال إلى مساكن الأشخاص الّذين يظهر أنّهم ساهموا في الجناية أو أنّهم يحوزون أوراقا أو أشياء متعلّقة بالأفعال الجنائية المرتكبة لإجراء تفتيش إلاّ بإذن مكتوب صادر من وكيل الجمهورية أو قاضي التّحقيق مع وجوب الاستظهار بهذا الأمر قبل الدّخول إلى المنزل و الشّروع في التّفتيش. الحقيقة أنّ الطّبيعة القضائية للتّفتيش ضمانة جوهرية لحريات الأفراد لأجل تحقيق التّوازن النّسبي بين الحق في الإثبات المعلوماتي كضرورة لحماية الهيئة الإجتماعية و بين الحق في الخصوصية المعلوماتية كحاجة تمليها الفطرة الطّبيعية للفرد، و الّذي يعبّر عن مظهر خاص من مظاهر حريّته و استقلاله تجاه الجماعة، فكلّ مساس بـ"الحق في السّر المعلوماتي" وجب اعتباره تفتيشا يخضع لقيود تحفظ هذا التوازن( ). و إن كان لهذه النّتيجة جانب كبير من الصّحة في إقامة معيار يرسّم الحدود الفاصلة بين التّفتيش المعلوماتي و غيره من الإجراءات، إلّا أنّها تثير مسألة غاية في الأهميّة حيث يتحدّد بها الفهم المنشود لهذا المبدأ، و يتّضح من خلالها نطاق هذا الإجراء و مداه، و تتعلق تلك المسألة بالتّحديد الدّقيق للّحظة الّتي يقع فيها التّفتيش المعلوماتي أو المساس بالخصوصية المعلوماتية؟ ألا يتعرض هذا الحق للتّهديد في مراحل سابقة عن التّفتيش المعلوماتي؟ بمعنى هل يقع الانتهاك عند "الوصول إلى النّظام المعلوماتي" و ضبطه أم عند "النّفاذ إلى النّظام المعلوماتي" و استكشاف مضامينه؟ ألا ينطوي استحواذ سلطة التّحقيق على معلومات المتّهم إحساسا منه بانتهاك حرمتها حتّى و لو لم يتم استعراضها؟ أليس في ذلك تعرّض لحريّة المتّهم و تقييدا لها؟ يبدو من الواضح أنّ هناك رؤية جديدة لهذه الحقوق، بحيث لا تسعفنا الضّوابط التّقليدية في وضع حدود واضحة تفصل بين التّفتيش المعلوماتي و الضّبط الرقمي، و رصد هذا المعيار المفقود هو محور دراستنا في المطلب الثّاني. المطلب الثّاني: التّمييز بين التّفتيش المعلوماتي و الضّبط الرقمي من الطّبيعي أنّ بحث معيار التّمييز بين التّفتيش المعلوماتي و الضّبط الرقمي يفرض علينا الإحاطة علما بمفهوم الضّبط الرقمي (فرع أول)، حتى يتحدّد الأساس في التّفريق بين الإجراءين (فرع ثاني)، و الّذي يبرز بشكل أوضح عند بيان مراحل التّفتيش المعلوماتي الّتي لها ذاتية خاصة أفضت إلى قيام مفاهيم جديدة لهذه الإجراءات عند ارتباطها بالبيئة الرّقمية (فرع ثالث). الفرع الأوّل: مدلول الضّبط الرقمي إن تحديد مدلول الضّبط الرقمي (أولا) لا يُستكمل إلاّ بتحديد الأساس القانوني الّذي يبرر اعتبار نسخ المعلومات ضبطا رغم بقاء الأجهزة المادية البيانات الأصلية بحوزة مالكها(ثانيا). أوّلا: تعريف الضّبط الرقمي يعرّف الضّبط عموما بأنّه إجراء من إجراءات التّحقيق يرمي إلى "وضع اليد على الشّيء و استبقاؤه تحت تصرّف المحقق لمصلحة التّحقيق"، و مصلحة التّحقيق الّتي تبرّر الضّبط هي الإثبات و هو يستوي في ذلك مع غيره من إجراءات جمع الأدلّة و منها التّفتيش( )، فيتحصّل الضّبط إذن في وضع اليد على ما يصلح "دليلا" أو "قرينة" في الجريمة لتقديمه إلى القضاء، فالمقصود به التّحفظ على الأشياء "المادية" الّتي تشكّل الجريمة أو تكون قد نتجت عنها أو تكون قد وقعت عليها الجريمة و بعبارة أدق التّحفظ على كل ما يفيد في كشف الحقيقة( ). و هذا المفهوم التّقليدي يمتدّ ليضمّ البيانات الإلكترونية و قاعدة البيانات بمشتملاتها من ملفات و سجلات و حقول، سواء اتخذت برامج نظم المعلومات أو برامج تطبيقات، عن طريق وضع اليد على وسيط التّخزين الإلكتروني، لأنّ المعلومات لا توجد مستقلة عن وعائها المادي، إلاّ أنّه مع مرور الوقت تبيّن عدم مشروعيته هذا الإجراء إلى حد كبير جدا، نتيجة ما قد ينجم عنه من أضرار عديدة للأفراد بحكم حاجاتهم إلى الأجهزة المادية طيلة فترة الضّبط و خاصة المؤسّسات الإقتصادية إذ قد ينجرّ عنه شلل نشاط هذه المؤسّسات و يزداد الوضع تعقيدا فيما لو إنصبّ الضّبط على الشّبكة( ). أمام هذه المعضلة تم تبني ممارسة حديثة تتجاوب مع واقع التّخزين الرّقمي تقوم على النّسخ الرّقمي للبيانات المستهدفة بالتّفتيش، إذ أنّ معظم عمليات التّفتيش أصبحت تتمّ من خلال نسخ المواد المخزّنة في نظم المعالجة الآلية للبيانات بقصد تفتيشها لاحقا، للتّوصل إلى الدّليل المعلوماتي، مع ترك الأجهزة المادية و النّسخة الأصلية للبيانات بحوزة المتّهم و هو ما يعتبر عنصر من عناصر الموازنة بين حق المجتمع و حقوق الأفراد. و إجمال ما تقدم أنّ قيام السّلطة الإجرائيّة بالنّسخ الرّقمي لبيانات المتّهم يمثّل ضبطا، بحكم أنّ هذا الإجراء يمكّنها من الحصول على نسخة من البيانات الّتي تحتفظ بها لاستعمالها في المستقبل كدليل جنائي، و من المؤكد أنّ عرض و استكشاف هذه البيانات المنسوخة يشكّل تفتيشا و لكن الحصول على النّسخة نفسها يخدم الوظيفة التّقليدية الّتي تنظّمها إجراءات الضّبط، فبمقتضى هذا الإجراء يتم تجميد أي معلومات يتمّ نسخها تماما مثل التّحفظ على الممتلكات المادية للمتّهم، فتوليد نسخة إلكترونية للبيانات لا يختلف على إجراءات ضبط منزل بمنع أهله من دخوله و ضبط المتّهم بمنعه من مغادرة مركز معيّن، أي هو إجراء يضمن سيطرة سلطة التّحقيق على الشّخص أو مكان أو الشّيء الّذي يرحج أن تكون له قيمة إثباتية( ). غير أنّ هناك فارق بين الضّبط المادي و الضّبط الرقمي، فالضّبط المادي يؤدي إلى تدخل سلطة التّحقيق في سيطرة المتّهم على أملاكه، لكن الأمر على نقيض ذلك بالنسبة لضبط المعلومات، فقيام سلطة التّحقيق بإنشاء نسخة إلكترونية من بيانات المتّهم و لو تعدّدت هذه النّسخ لا يؤدي بالضّرورة إلى إلغاء حيازة المتّهم للنّسخة الخاصة به، بل يبقى متمتّعا بكافة حقوقه على النّسخة الأصلية. و من هنا نتوصّل إلى أنّه يراد بالضّبط الرقمي إستبقاء بيانات محوسبة قد تفيد في كشف الحقيقة تحت تصرّف سلطة التّحقيق ريثما يتمّ تقديمها للقضاء، و إن كانت هذه القاعدة هي قضائية المنشأ فقد تم تبنتها الاتفاقيات و التّشريعات عموما( ). و مثل هذا الأمر لاحظه المشرّع الجزائري فنصّ في المادّة 6 من القانون 04-09 "عندما تكتشف السّلطة الّتي تباشر التّفتيش في منظومة معلوماتية معطيات مخزّنة تكون مفيدة في الكشف عن الجرائم أو مرتكبيها و أنّه ليس من الضّروري حجز كل المنظومة، يتمّ نسخ المعطيات محل البحث و كذا المعطيات اللاّزمة لفهمها على دعامة تخزين إلكترونية تكون قابلة للحجز و الوضع في أحراز وفقا للقواعد المقررة في قانون الإجراءات الجزائية". و نحن بدورنا لا نماري في أنّ النّسخ الرّقمي إجراء من إجراءات جمع الأدلّة، و أنّ التّكييف القانوني السّليم لهذا الإجراء هو الضّبط، غير أنّ السّؤال الّذي يفرض نفسه هنا يتعلّق مضمونه بالاعتبارات الواقعية أو القانونية الّتي على أساسها يٌكيّف النّسخ الرّقمي على أنّه بمثابة "ضبط"، طالما أنّ النّسخة الأصلية للبيانات تبقى بحوزة المتّهم بما فيها وسائط التّخزين المادية؟ ثانيا: الأساس القانوني لاعتبار النّسخ الرّقمي بمثابة ضبط إنّ الجواب على هذا التّساؤل غاية في الأهمية، فهو يحدّد الإطار القانوني الّذي تقوم عليه نظرية التّفتيش الجنائي المعلوماتي، لأنّه لا يتمّ تفتيش نظم المعلومات بغير ضبط معلوماتي مسبق نهائيا، حتّى و لو افترضنا أنّ الضّبط إنصب على الدّعامة المادية لأسباب تقنية كوجود تشفير حال دون الضّبط الرقمي في موضع التّفتيش المادي، فإنّ الغاية من الضّبط المادي في هذه الفروض ذاتها و هي الكيانات المعنوية ممثلة في البيانات و ليست الكيانات المادية على الإطلاق، لذا فإنه من غير المنطقي التّمييز بين "الضّبط المادي للدّعامة الإلكترونية" الّتي تحتوي على البيانات و "الضّبط الرقمي المباشر". فالقضاء الأمريكي يعتبر عملية نسخ البيانات على أنّها عملية ضبط تخضع للقواعد الإجرائيّة الإتحادية المنصوص عليها بالمادّة 41 من قانون الإجراءات الجنائية الفيدرالي، على الرّغم من أنّ معظم الأحكام القضائية لا تقدم أيّ تفسير أو سبب حقيقي يبرّر هذا الوضع القانوني. فعلى سبيل المثال في قضية ( United States v Comprehensive Drug Testin) أكّدت الدّائرة التّاسعة على "إعادة" نسخ من المعلومات الّتي أجريت أثناء تنفيذ عملية التّفتيش إلى أصحابها، و أشارت المحكمة إلى المعلومات على أنّها "بيانات مضبوطة" data seized و "المواد المضبوطة" seized materials( ) ، دون بيان اسباب ما انتهت إليه بهذا الخصوص. و إذا كان القانون أيضا في غيبة من التّعرض لهذه المسألة، فإنّ الفقه الأنجلوسكسوني قد ذهب مذاهب شتى في معالجة الأساس المعتمد في اعتبار النّسخ الرّقمي بمثابة ضبط و هناك ثلاثة مقاربات فقهية في هذا الموضوع: الاتجاه الأوّل: الضّبط الرقمي يتعارض مع الحق في الحذف اقترح بعض الفقهاء أنّ النّسخ الرّقمي ينبغي اعتباره ضبطا لأنّ إجراء ينطوي على تعارض مع حق الفرد في "حذف بياناته" The right to -delete-، فهذا الحق يخوّل للفرد سلطة التّحكم في ملكيته و متابعة ما قد يعتريها بما فيها النّسخ، فالضّبطية القضائية لا يكون بمقدورها تدمير البيانات أو حذفها ما لم تقم بضبطها مسبقا( ). و هذا التّوجه الفقهي لا يخلوا من النّقد لأنّ الاعتماد على "الحق في الحذف" كأساس لهذه المقاربة يقيم ضرورة تحديد ما الّذي يمكن أن يرتّبه هذا الحق الجديد لصاحبه، على سبيل المثال إذا كان لدى الفرد بريد إلكتروني مخزّن على خادم و قرّر أن يقوم بحذفه، هل يوفّر له "الحق في الحذف" حق مطالبة مزوّد خدمة الأنترنت بحذف هذا البريد الإلكتروني، أم أنّ هذا الحق فقط قائم حال محاولة سلطة التّحقيق عمل نسخة من الملفات؟ ( ). علاوة على ذلك فأيّ معنى يبقى لهذا الحق إذا كانت هذه البيانات مكشوفة للعامة حتّى و لو افترضنا أنّ قصد هذا الفقه يقتصر على البيانات المجرّمة فهذه الأخيرة أيضا قد تتاح لغير صاحب الشّأن بشكل أو بآخر، عندما يكشف هذا الأخير طوعا عن معلوماته، فبمجرد الاطلاع يفقد هذا الحق معناه. الاتجاه الثّاني: الضّبط الرقمي يتعارض مع الحق في الحيازة الحصرية للمعلومات أمّا المعيار الثّاني الّذي اعتمده جانب كبير من الفقه فيرجع إلى "الحق في الحيازة الحصرية" من منطلق أنّ حصول السّلطة القائمة بالتّفتيش على نسخة من بيانات المتّهم يعارض الحق في الحيازة المطلقة للفرد على معلوماته الشّخصية ”right to exclusive possession “ أي بمعنى آخر استئثاره بهذه المعلومات على نحو يحقّق استبعاد الغير عنها، فعندما تقوم سلطة التّحقيق بنسخ البيانات أو المعلومات الّتي هي في الأصل ليست في حيازتها و غير متاحة لها، فهي تنتزع بذلك حق استخدام البيانات بشكل حصري عن صاحبها و يصبح لها بذلك سلطة استغلال تلك البيانات، صحيح لا يزال لدى المالك نسخة من البيانات لكن حقه في استبعاد الغير عنها قد تم انتزاعه( )، و هذا التّفسير اعتمده القضاء الأمريكي (الدّائرة الاستئنافية الفيدرالية الثّانية) و ذلك في قضية United States v. Ganias( ). و يضيف هذا الجانب من الفقه أنّ مفهوم الحيازة "المطلقة" و "الحصرية" الّتي تجعل النّسخ ضبطا تقتصر على النّسخ الدّقيقة فحسب، لأنّ الحق في استبعاد الغير عن البيانات يجب أن يقتصر على النّسخ الدّقيقة و لا يمتد إلى الملخصات باعتبار أنّ درجة التّعارض مع الحيازة الحصرية في هذه الفروض تكون بنسبة أقل( ). و في ذات السّياق يرى بعض الفقهاء الّذين يناصرون هذا النّهج، أنّ إجراء نسخ المعلومات على الرّغم من أنّه لا يؤثر على النّسخة الأصلية من البيانات الّتي تبقى بحوزة المالك، فإنّه يحرم هذا الأخير من شيء ذي قيمة و يتداخل مع الاستخدام الحصري لصاحب الشّأن، تماما كما هو الحال حين تعرض الفرد لسرقة بياناته( ). الاتجاه الثّالث: الضّبط الرقمي تجميد للأدلة المعلوماتية أما المقاربة الثّالثة فهي تقوم على منطق بسيط لا يخرج عن حدود منطق الضّبط التّقليدي، فالنّسخ الرّقمي يعتبر بمثابة ضبط لأنّ الوسيلة الإجرائيّة المعروفة بالضّبط في التّعديل الدّستوري الرّابع أو القاعدة التّقليدية بشكل عام، هي ذاتها الوسيلة الإجرائيّة الحديثة الّتي تعرف بـ" التّجميد"The reason is that the Fourth Amendment power to seize is the power to freeze، فالهدف من الضّبط هو السّيطرة و التّحكم في مسرح الجريمة و الأدلّة الّتي قد تتواجد عليه و الأمر كذلك عند إنشاء نسخة إلكترونية من البيانات، فهو إجراء يعمل على تجميد البيانات لاستخدامها كدليل جنائي في المستقبل، تماماً كما يؤدي ضبط الممتلكات المادية إلى تجميدها، فهو يضيف إلى سيطرة سلطة التّحقيق أدلّة لم تكن تحت سيطرتها قبل النّسخ، فإنشاء نسخة إلكترونية لا يختلف كثيراً عن ضبط المنزل أو الخنجر فجميع هذه الأنواع من المضبوطات في نهاية المطاف تضمن سيطرة القائم بالتّحقيق على الشّخص أو المكان أو الأشياء الّتي يرجح أنّها ذات قيمة إثباتية( ). نحن نرى أنّ النّسخ المعلوماتي ضبطا لأنّه إجراء من إجراءات جمع الأدلّة يرمي إلى المحافظة على مسرح الجريمة و تأمينا له و منع الغير من العبث به، لما قد يوجد عليه من آثار تشكل عنصرا للدّليل المعلوماتي، قد يتعارض مع حق المتّهم في حذف بياناته و قد يتعارض مع حقه في حيازته المطلقة و الحصرية عليها، لكن في جميع الأحوال يبقى تكييف هذا الإجراء مستمد من الغاية منه و هو التّحفظ على كل معلومات يعتقد أن تكون مفيدة في كشف الحقيقة، فإنّ كان الضّبط المادي يقيّد حقوق الأفراد المادية على الشّيء الّذي يقع عليه الضّبط فإنّ الضّبط الرقمي يقيّد الحق في الحيازة المادية المطلقة للفرد على معلوماته و ينتزع منه حقه في اسثناء الغير من وضع يده عليها أو على نسخة منها. الفرع الثّاني: معيار التّمييز بين التّفتيش المعلوماتي و الضّبط الرقمي قد يظهر للوهلة الأولى أنّ تبني المفاهيم التّقليدية للتّفتيش في البيئة الرّقمية لا يطرح أيّ إشكالية، لكن الحقيقة خلاف ذلك إذ هي أكثر تعقيدا و مثارا للجدل، لأنّ تبسيط هذا المجال المعقّد من الإجراءات الجنائية هو منحى خاطئ، ينعكس بشكل سلبي على الحريات الفردية و في مقدمتها الحق في الخصوصية، الأمر الّذي حذا بالفقه الأمريكي إلى لفت النّظر إلى إشكالية أثارت جدالا خصيبا بين الفقهاء حول معيار التّمييز بين الضّبط و التّفتيش متسائلا عن العمل الّذي يعد منطلقا لوقوع التّفتيش و الحد الفاصل بينهما. من السّهل تحديد متى يبدأ التّفتيش المادي (التّقليدي) و متى ينتهي، لأنّ القاعدة الإجرائيّة التّقليدية كانت مبنية دائما على الفرضية المادية لمحل التّفتيش، فتفترض ارتباط هذا الإجراء الجنائي بشيء يشغل حيّزا ذا بُعد مادي، محدّدا بشكل ناف للجهالة سواء كان هذا المحل مسكنا أو شخصا أو مراسلات، إذ يتمّ الشّروع في التّفتيش باستكشاف معلومات حول المحل الّذي جرى تفتيشه، فتحديد اللّحظة الّتي يستهل فيها التّفتيش في إطار هذا النّهج التّقليدي أمر بسيط للغاية، و المعيار المعتمد في ذلك هو تعيين اللّحظة الّتي يحدث فيها انتهاك الخصوصية، على سبيل المثال فإنّ تفتيش المسكن يحدث في الوقت الّذي يتمّ فيه فاتح باب هذا المبنى أو الشقة السكينة و ينتهي بمغادرة القائم بالتّفتيش لهذا المسكن، و هذه الحقائق هي من البديهيات لدى فكر الإثبات التّقليدي( ). غير أنّ ترجمة هذا المعيار - القائم على انتهاك التّوقع المعقول للخصوصية كنقطة لانطلاق التّفتيش- في البيئة الرّقمية يثير العديد من التّساؤلات، هل يحدث التّفتيش المعلوماتي عند معالجة الحاسوب للبيانات و قراءتها؟ أم عندما يقوم الحاسوب بإخراج هذه البيانات إلى شاشة العرض أو الطابعة؟ ( )، هل يقع الضّبط عند سحب البيانات من القرص الصّلب؟ أم عندما يغادر القائم بالتّفتيش و بحيازته وسيط التّخزين؟ أم عندما يفقد المالك القدرة على تغيير و حذف البيانات؟ أم عند عزل البيانات ذات الصّلة بموضوع التّحقيق عن تلك الّتي لا علاقة لها بالموضوع ؟( ). هل مجرد الولوج إلى النّظام المعلوماتي يعدّ تفتيشا؟ و هل يعدّ كذلك فيما لو إنصبّ الإطلاع فقط على بيانات الملف في شكلها الخام (bit)، أو اقتصر الاستعراض فقط على بيانات سطحية كحجم الملف، أو طبيعته (نصوص أو صور) دون الإطلاع على محتواه، هل محاولة لجوء القائم بالتّفتيش النّفاذ إلى محتويات وسيط التّخزين مع تعذر فتحها و استعراضها لوجود نظام تشفير حال دون ذلك، يعدّ عملا من أعمال التّفتيش أو يبقى في حدود الضّبط فقط ؟ هل مغادرة النظام بمثابة انتهاء عملية التفتيش بما يحضر القيام به مجددا بدون إذن قضائي جديد؟ في ضوء هذا التّعقيد، يرى جانب من الفقه الأمريكي أنّ الحد الفاصل بين وقوع التّفتيش المعلوماتي من عدمه هو مدى قيام الإطلاع البشري على البيانات المخزّنة، إذ تتمّ عمليات التّفتيش المعلوماتي عن طريق توجيه أوامر إلى جهاز الحاسوب لمعالجة البيانات و من ثمّ إرسالها إلى جهاز المراقبة أو ما يسمى بجهاز العرض أو وحدة المخرجات، فإذا ما تعرضت هذه المعلومات للإطلاع البشري – السّلطة القائمة بالتّفتيش– فإنّه في هذه اللّحظة على وجه التّحديد يحدث التّفتيش المعلوماتي بالمعنى الّذي يريده القانون و هو ما يسمى بالنّهج القائم على الاستعراض أو الكشف "exposure-based approach"( )، فوفقا لهذا الجانب من الفقه إذا لم تخضع البيانات للملاحظة البشرية المباشرة بالعين المجرّدة، فإنّ كافة الإجراءات السّابقة الّتي تتخذها السّلطات الإجرائيّة لا تعتبر تفتيشا. و في الحقيقة إنّنا لا نؤيّد مطلقا مسلك هذا الجانب من الفقه، لأنّه يقيّد التّكييف القانوني للإجراء بتحقق انتهاك "حق السّر" وفقا لمنظور هذا الحق بمفهوم تقليدي أو مادي و ليس من منطلق المفهوم الواسع "للحرية الفردية" و ما يتفرع عنه من حقه في الأمن و السكينة، و محاولة إسقاط هذا المفهوم على التّفتيش المعلوماتي يقودنا إلى القول أنّه عند النّفاذ إلى النّظام المعلوماتي مع استحالة فتح الملفات الّتي يحتويها لا يعدّ بمثابة تفتيش لأنّه لا يتحقّق معه الإطلاع البشري على أيّة معلومات، و نفس الوضع يتحقّق فيما لو تمّ فعلا الولوج إلى القرص الصّلب و تبيّن في نهاية المطاف أنّه خال تماما من أيّ معلومات أو أنّ صاحب الشأن لم يسبق لع استعمال ذاكرة الجهاز نهائيا. ألا يعدّ الإجراء في هذه الفروض تفتيشا دقيقا لمستودع السّر، و لو أجزنا هذا الفرض لصح القول بأنّ دخول مسكن خال من الموجودات لا يعدّ بمثابة تفتيش و الأمر خلاف ذلك، لذا نرى الإصرار على أنّ حرمة المعلومات مستمدّة من حرمة الحياة الخاصة للأفراد، وجب أن لا يقتصر مدلولها على "الحق في السّر" بمفهوم ضيّق فالنّافذ إلى النّظام المعلوماتي يعتبر تدخلا في الحياة الخاصة أيّا كان محتوى دعامة التّخزين الرّقمية و لو كانت خالية من البيانات أو لم تتضمن أية بيانات محرجة أو غير قانونية. و من مظاهر الدّلالة على التّوسع في مفهوم التّفتيش في سياق التّفتيش عن الأدّلة المعلوماتيّة ما يكشف عنه حكم حديث صادر عن المحكمة العليا ببنسلفانيا الأمريكية في قضية Commonwealth v. Fulton و الّذي خلصت من خلاله المحكمة إلى أنّ الفعل البسيط المتمثل في تشغيل الهاتف المحمول يشكّل تفتيشا وجب خضوعه للمقتضيات الّتي يفرضها التّعديل الدستوري الرّابع، من منطلق أنّ هذا الإطلاع ينطوي على مساس بالحرية الفردية بحكم الكم الهائل من البيانات الشّخصية الموجودة على الجهاز و الّتي تعتبر العامل الحاسم في تحديد التّكييف الصّحيح لهذا الإجراء، و ذكرت المحكمة أنّه لا يوجد فرق بين رصد شاشة العرض الدّاخلية و الخارجية للهاتف المحمول و بين تفتيش سجل المكالمات إذ يؤدي كلا الإجراءين للوصول ليس فقط إلى "مجرد أرقام هواتف"، بل و أيضا إلى"أي معلومات تعريف شخصية قد يضيفها الفرد" إلى جهات الاتصال الخاصة به، بما في ذلك صورة المتصل أو الاسم المعيّن للمتصل أو مرسل الرّسالة النّصية( ). و هناك اتجاه فقهي سلك مسلك التّوسع المبالغ فيه، مدفوعا باعتبارات واقعية تبرّر عدم إنطباق المفاهيم القانونية التّقليدية على المستجدات الّتي أفرزتها الثّورة الرّقمية، فيرى هذا الاتجاه أنّ التّفتيش إجراء استثنائي يقيّد حقا فرديا هو الحق في الخصوصية، أمّا الضّبط فهو يقيّد حقا فرديا ماليا على الشّيء محل الضّبط كحق الملكية و الحيازة لما فيه من تعطيل لحق المالك في استعمال ملكيته، إلاّ أنّ ترجمة هذا المفهوم في البيئة الرّقمية يجعل نسخ الملفات- الّتي درج القضاء الأمريكي على اعتباره يدخل في خانة الضّبط- هو بمثابة تفتيش، لأنّ الحق الّذي يقيّده الضّبط الرقمي لا يقتصر على حق الملكية طالما أنّ الأجهزة الرّقمية و كذا النّسخة الأصلية من البيانات المضبوطة تبقى بحوزة المالك، بل يمتد هذا التّقييد إلى الحق في الخصوصية و حرمة البيانات الّتي وقع عليها الضّبط( ). و تدعيما لموقفه يرى هذا الجانب من الفقه أنّه إذا ما اعتبرنا أنّ الخصوصية تقوم على السّرية و استقلال الفرد بأسراره فإنّ هذه الحقوق تصبح عرضة للخطر متى تم النّسخ الرّقمي، و يستند في دعم موقفه إلى أحكام قضائية عديدة اعترفت بوضوح بخطر الضّبط الرقمي على الحق في السّرية( )، مبرّرا موقفه بحجة أخرى مؤداها أنّ حصول الحكومة على نسخة من بياناته الشّخصية يناقض حق الفرد في استقلاليته بأسراره المعلوماتية، بحيث يزداد هذا الإنتهاك خطرا كلما تواصل الضّبط من حيث النّطاق الزّماني، بدليل ذلك التّوجس السّائد لدى الأفراد خيفة من إطلاع الحكومة على محتوى المضبوطات الّتي هي في حيازتها، لذا كان من الطّبيعي في نظره اعتبار إجراء الضّبط الرقمي في هذه الحالة بمثابة تفتيش لانطوائه على تقييد لحق شخصي. و قد لقيت هذه الحجة صداها لدى القضاء الأمريكي الّذي بات يعترف بخطر الضّبط الرقمي على الحريات الفردية، و من تطبيقات ذلك ما قضت به المحكمة الابتدائية لمنطقة كولومبيا في قضية Klayman v Obama أين خلصت إلى أنّ مجرّد عملية "جمع البيانات الوصفية" تشكّل تفتيشا، و أمرت الحكومة ليس فقط بوقف عملية تحليل البيانات، بل و محوّ المعلومات الّتي هي في حيازتها( )، بيد أنّ معظم الجهات القضائية لم تتراجع عن سوابقها بهذا الشّأن، و استقرت على أنّ النسخ الرقمي يعتبر مجرد ضبط و لا يتجاوزه إلى التّفتيش( ). من هنا يبدو جليا أنّ طبيعة البيانات الرّقمية قد أضفت نوعا من الغموض على الحدود الفاصلة بين الإجرائين إذا لم تؤدي في الحقيقة إلى طمسها بشكل كلي، و في تقديرنا ينبغي التّسليم بكون كل من "الضّبط" و "التّفتيش" في البيئة المعلوماتية يقيّدان "حقا شخصيا" هو الحق في الخصوصية، من منطلق ما تتمتّع به المعلومات من حرمة تجاوزت بكثير حرمة المساكن و المراسلات التّقليدية، غير أنّهما يختلفان في درجة هذا التّقييد، فبينما يمثّل الضّبط الرقمي مجرد تهديد لهذا الحق، فإنّ التّفتيش المعلوماتي يتعدى ذلك إلى درجة أخطر و هو انتهاك هذا الحق( ). و لو تأمّلنا جيدا في نصوص الإتفاقية الأوروبية لمكافحة الجرائم المعلوماتية( )، و الإتفاقية العربية لمكافحة جرائم تقنية المعلوماتية( )، لوجدنا أنّ دلالتها تقطع بكون المعيار الفاصل بين وقوع التّفتيش من عدمه هو تحقق "النّفاذ إلى النّظام المعلوماتي"، و قد عبّرت عن ذلك صراحة في قولها "تلتزم كلّ دولة طرف بتبني الإجراءات الضّرورية لتمكين سلطاتها المختصّة من التّفتيش أو "النّفاذ إلى النّظام المعلوماتي" perquisitionner ou à accéder d une façon similaire( ). و قد تطرقت المذكرة التّفسيرية لهذه الإتفاقية إلى معالجة هذه الإشكالية و لو بشكل ضمني ضمن البند رقم 138 منها، و نلمس ذات التّوجه لدى المشرّع الإجرائي الفرنسي إذ أنّ مدلول عبارات نص المادّة 57 فقرة أولى من قانون الإجراءات الجزائية كانت واضحة بحيث اعتبرت أنّ التّفتيش يقع بتحقّق النّفاذ و الولوج إلى النّظام المعلوماتي( ). أمّا بالنّبسة إلى التّشريع الجزائري فالملاحظ أنّ صياغة النّص لا تعكس نيّة و إرادة المشرّع، حيث نصّت المادّة 5 من القانون الجزائري 04/09 على أنّه "يجوز للسّلطات القضائية المختصّة و كذا ضباط الشّرطة القضائية المختصّة في إطار قانون الإجراءات الجزائية ... الدّخول بغرض التّفتيش و لو عن بعد، إلى: (أ) منظومة معلوماتية أو جزء منها و كذا المعطيات المعلوماتية المخزّنة فيها.(ب) منظومة تخزين معلوماتية..."( ). إذ المستفاد من هذا النّص أنّ النّفاذ إلى النّظام المعلوماتي إجراء تقني مستقل عن التّفتيش، أي بمثابة إجراء يسبق وقوع التّفتيش و من مستلزماته، يقتصر المقصود منه على الوصول إلى محل التّفتيش (البيئة المعلوماتية)، أمّا التّفتيش بالمعنى القانوني فيراد به وسيلة لجمع الأدلّة يتمّ من خلالها الإطلاع على هذه المعلومات باعتبارها محلا له حرمة الأسرار. و كما أشرنا إليه سابقا، فإنّ هذا التّفسير ينطوي في حقيقته على قدر من التّجاوز في فهم جوهر "قاعدة الحرمة" إذ لا يقف مدلولها على "الحق في السّر" بل كل ما يحيط "بأمن الفرد و هدوئه و استقالاله"، فيتحقّق التّفتيش متى طال محلا له حرمة خاصة و لو لم يفض إلى الإطلاع على أي شيء معاقب عليه. إذ لو أجزنا حكم نص المادّة 5 المشار إليها أعلاه لأصبح النّفاذ إلى النّظام المعلوماتي طليقا من غير أيّ قيد على السّلطة الإجرائيّة و يصبح حينئذ من العبث الحديث عن الحرّية الفردية، فالنّص الإجرائي بصيغته الحالية مخالف لمقتضى المادّة 26 من الإتفاقية العربية لمكافحة جرائم تقنية المعلومات، لذا يتعيّن إعادة صياغته على نحو يوسع من مفهوم التّفتيش المعلوماتي الّذي يراد به في نظرنا" النّفاذ إلى النّظام المعلوماتي بحثا عن عناصر الحقيقة"( ). و من التّطبيقات القضائية الحديثة الّتي تؤكد التّفسير الّذي توصلنا إليه، ما يكشف عنه الحكم الصّادر عن المحكمة العليا الفيدرالية الأمريكية سنة 2018 في قضية Carpenter v. United States الّتي توصّلت إلى "أنّ المعلومات المتعلّقة بالتّحديد الجغرافي لموقع المتّهم الّتي تمّ الحصول عليها من خلال سجلات شركات الاتصالات اللاّسلكية (مزود الخدمة) كانت نتاج عملية تفتيش"( ). و في تعليقه على هذا الحكم يرى الفقه أنّ التّفتيش قد وقع في مرحلة من مراحل هذه العملية، بحيث يمكن القول أنّ التّفتيش تسبب في الحصول على المعلومات، و أنّ المهم في نظر المحكمة هو "النّتيجة" و ليس "العملية" أي يحدث التّفتيش بمجرد الحصول على المعلومات( ). غير أنّ هذا الحكم من جهة أخرى يكتنفه الكثير من الغموض و يطرح تساؤلا عميقا مؤداه هل يقع التّفتيش عند "الحصول على المعلومات" أو عند" النّفاذ إلى المعلومات"؟ واقع الأمر أنّ المحكمة أجابت بكلتا الفرضيتين، ففي نظر المحكمة فإنّ التّفتيش الإلكتروني يحدث عند النّفاذ إلى سجلات موقع الهاتف access to cell-site و يظهر ذلك بجلاء في بعض أشطر الحكم، على سبيل المثال نذكر منها بشكل موجز قول المحكمة( ): "تعرض هذه الحالة السّؤال عما إذا كانت الحكومة تجري تفتيشا بموجب التّعديل الدّستوري الرّابع عندما تقوم بالنّفاذ إلى سجلات الهاتف المحمول الّتي تتيح حقائق شاملة لتحركات المستخدم في تاريخ سابق"، "السّماح للحكومة بالنّفاذ إلى هذه السّجلات يتعارض مع التّوقع المعقول للحق في الخصوصية"، " بمجرد نقرة زر، يمكن للحكومة النفاذ إلى مستودع من معلومات المتعلقة بالموقع الجغرافي دون أي تكاليف تقريبًا"، "وبناءً عليه، عندما تمكنت الحكومة من النّفاذ إلى هذه السّجلات، انتهكت توقعات المتّهم المعقولة بالخصوصية في جميع تنقلاته "، "نحن نرفض منح الدّولة سلطة النّفاذ غير المقيّد إلى قاعدة بيانات شركة الاتصالات اللاّسلكية الخاصة بمعلومات الموقع الفعلي." و على نقيض ذلك اعتبرت المحكمة في شطر لآخر من حكمها أنّه بمجرّد حصول سلطة التّحقيق على المعلومات يكون التّفتيش واقعا دون حاجة إلى النّفاذ إلى هذه السّجلات و استطلاع محتوياتها و يستفاد ذلك من قول المحكمة( ):" تتضمّن القضية المعروضة علينا استحواذ الحكومة على سجلات موقع الهاتف اللاّسلكي الّتي تكشف عن موقع المتّهم وقت إجراء أو تلقي مكالمات،" كان استحواذ الحكومة على سجلات موقع الهاتف بمثابة تفتيش بالمعنى المقصود بمقتضى التّعديل الدّستوري الرابع "، "بعد أن وجدنا أنّ الاستحواذ على سجلات موقع الهاتف يشكّل عملية تفتيش نستنتج أيضًا أنّ الحكومة يجب أن تحصل عمومًا على إذن بناء على أسباب محتملة قبل الحصول على مثل هذه السجلات" ،"كان حصول الحكومة على سجلات موقع الهاتف هنا عبارة عن تفتيش بموجب التّعديل الدّستوري الرابع "، "قبل إجبار شركة الاتصالات اللاّسلكية على تسليم سجلات موقع الهاتف الخاصة بالمشترك، يكون إلتزام الحكومة قائما بوجوب الحصول مسبقا على إذن قضائي". بمعزل عن التّعارض الّذي شاب الحكم، فمع التّسليم جدلا بكون الحصول على النّظام المعلوماتي لا يشكل تفتيشا في اعتقادنا، فإنّه على خلاف ذلك يعتبر مجرد النّفاذ إليه تفتيشا بالمعنى الّذي يريده القانون، و لو لم يتم استعراض المحتوى المعلوماتي الّذي تضمّنه. و الحقيقة أن إشكالية الحدود الفاصلة بين الضّبط و التفتيش لم تطرح في البيئة المادية لسبب بسيط يجد أساسه في كون "الضّبط" كان دوما أثرا "للتّفتيش"، أي أنّ الضّبط يجري لاحقا للمساس بالسّر، فضبط شيء في المسكن يوجب دخوله و تفتيشه، و عند تطبيق هذا النّهج على التّفتيش المعلوماتي نصطدم بحقيقة فرضتها التّقنية و هي لزوم وقوع الضّبط أولا قبل التّفتيش، و هي النّتيجة الّتي تقودنا إلى طرح تساؤل حول مدى صحة هذه الفرضية و أثرها في الإخلال بالتّوازن بين الحريات الفردية و حق الدّولة في الوصول إلى الحقيقة و استفائها لحقها في العقاب؟ الفرع الثالث: مراحل التّفتيش المعلوماتي و الضّبط الرقمي تتميّز مراحل تنفيذ عملية التّفتيش عن الأدّلة المعلوماتيّة في مظاهرها بطابع خاص يضفي عليها طابعا من الذّاتية، إذا ما قورنت بخطوات التّفتيش عن الأدلّة المادية، ففي عمليات التّفتيش التّقليدية تحصل الضّبطية القضائية القائمة بالتّفتيش على إذن بالإطلاع على مكان مادي معيّن، بحثا عن دليل مادي ما و هو ما يعرف بآلية التّفتيش ثم الاسترجاع "Search-and-Retrieve Mechanism"( )، أي الدّخول إلى المسكن و تفتيشه و ضبط الدّليل المادي المحدّد في الإذن القضائي، و هذه الخطوات في تنفيذ عملية التّفتيش تسري على المسكن و الشّخص و مراسلاته، أي حقيقة أنّ تنفيذ التّفتيش يتمّ ضمن خطوة واحدة و هي أن يكون الضّبط معاصرا للتّفتيش، و هي من المسلمات في فكر الإثبات التّقليدي، و تجد لها تنظيما في القانون و استقرارا في التّعامل القضائي معها. في مقابل ذلك يؤدي تنفيذ الإذن بالتّفتيش عن الدّليل المعلوماتي إلى إضافة خطوة ثانية، إذ تسعى هذه السّلطة للحصول على إذن بالتّفتيش ضمن مساحة مادية يحدّدها و يصفها الإذن القضائي بحثا عن أجهزة التّخزين الرّقمية (دعامات التّخزين الإلكترونية)، ثم تستحوذ السّلطة الإجرائيّة على هذه الأجهزة الّتي تمّ العثور عليها خلال التّفتيش المادي للتّحليل خارج الموقع"Off-Site" في وقت لاحق، و ذلك ضمن مخابر التّحليل الحاسوبي الشّرعي المتخصّصة و هي عملية قد تستغرق أسابيع أو أشهر و هو ما يعرف بآلية الاسترجاع ثم التّفتيش" Retrieve-And-Search Mechanism"( ). و من هذا المنطلق فإنّ التّفتيش المعلوماتي يتمّ عبر خطوتين"Two-Stage Approach"، تعرف الخطوة الأولى بمرحلة "التّفتيش المادي" (Physical Search Stage)، عندما تدخل السّلطة الإجرائيّة المختصّة بالتّحقيق الموقع المطلوب تفتيشه تسترجع أجهزة التّخزين الرّقمية المحدّدة في الإذن القضائي و ينصّب الضّبط على الأجهزة الإلكترونية الّتي يرجح أنّها قد تحتوي على أدلّة ذات صلة بالجريمة موضوع التحقيق، و في معظم الحالات، تقوم هذه السّلطة الإجرائيّة إمّا بإنشاء "نسخة رقمية " للقرص الصّلب "Digital Duplication" أو ضبط الدّعامات المادية. و تعرّف الخطوة الثّانية بمرحلة التّفتيش المعلوماتي (Electronic Search Stage) و الّتي تتعلّق بالبحث عن الأدّلة المعلوماتيّة، و الّتي عادة ما تتم بعد فترة طويلة من البحث عن الأدلّة المادية، و يبدو هنا من الواضح أنّ فعالية التّفتيش المعلوماتي تفرض ضرورة التّفتيش المادي أولا يعقبه الضّبط المادي و يليه التّفتيش المعلوماتي، و هو ما يوضح حجم التّباين بين "آلية التّفتيش عن الأدلّة المادية" و "آلية إسترجاع الأدّلة المعلوماتيّة"( ). بيد أنّ جانب من الفقه يرى أنّه من الخطأ التّفكير في "عملية الاسترداد ثم التّفتيش" هذه كنموذج فريد من نوعه للتّفتيش المعلوماتي، و أنّ معظم عمليات التّفتيش لا تتطلب خروجا عن عملية التّفتيش ثم الاسترداد المعتادة باستثناء بعض الحالات النّادرة الّتي تختلط فيها الوثائق بحيث لا يمكن تصنيفها عمليا في الموقع، و يقوم هذا النّقد على أن تطبيق هذه القاعدة يجرّ إلى الضّبط الشّامل قبل إجراء التّفتيش على نحو يؤدي إلى انتهاك صارخ لحق المتّهم في الخصوصية نتيجة استبقاء سلطة التّحقيق لهذه البيانات بحوزتها( ). و هو رأي شاذ نخالفه لعدم وجود أي بديل عملي آخر يسمح باسترجاع الدّليل المعلوماتي دون الإستناد إلى هذه القاعدة لسهولة و سرعة تدمير هذا النّوع من الأدلّة، أمّا بشأن تشابك و اختلاط البيانات فهي من الأمور المسلّم بها في الوقت الرّاهن نتيجة القدرة الهائلة للتّخزين الرّقمي الّذي تتمتّع به الأجهزة الرّقمية الحديثة زيادة على التّعقيد التّقني الّذي يفرضه المجرم على نظامه المعلوماتي منعا من الوصول إليه. و قد أبدى القضاء الأمريكي تمسكه بهذه القاعدة، مشيرا إلى أنّ خصوصية عمليات التّفتيش المعلوماتي تتطلّب إتخاذ "خطوات معاكسة" لعمليات التّفتيش التّقليدية( )، إلى غاية تبني هذا الاجتهاد الفقهي بتعديل نص المادّة 41 من قانون الإجراءات الجنائية الفيدرالي سنة 2009 تحت وطأة الطّبيعة الفردية للأدلّة المعلوماتية الّتي اقتضت إتباع هذا النّهج،لأنّه من المتعذّر فحص كلّ البيانات الّتي يحتويها وسيط التّخزين الرّقمي لحظة التّفتيش المادي، خاصة إذا تمّ التّفتيش في مسكن المتّهم و تعدّدت وسائط التّخزين أو شملها التّشفير بحيث تستغرق عملية التّفتيش أوقات طويلة جدا فتتعدّد صور الانتهاك و تزداد خطورة، لأنّه يطال حرمة المسكن و سكينة شاغليه طيلة فترة التّفتيش، فضلا على انتهاك حرمة المعلومات، و لا ريب أنّ هذا الإجراء غير مشروع تماما و لا يحتاج إلى نص يقرّر عدم مشروعيته( ). فالتّعقيد التّقني للمعلومات و تزايد سعة التّخزين الرّقمي يفرض تغيير عملية تنفيذ التّفتيش المعلوماتي من خطوة واحدة إلى خطوتين، مما يجعل تغيّر القواعد القانونية حتمية طبيعية لتغيّر الحقائق الّتي أفقدت التّوازن بين حق المجتمع في مواجهة الجريمة و حق الفرد في صون حريته و في ضوء هذه الحقيقة يثور التّساؤل فيما إذا كان المشرّع الجزائري قد تطرّق إلى الخطوات بالتّنظيم الّذي يحفظ فعّالية الإجراء و شرعيته؟ المبحث الثّاني مقدمات التّفتيش عن الأدّلة المعلوماتيّة يعدّ الضّبط جائزا في نطاق الغاية منه و هي إظهار الحقيقة، غير أنّ واقع التّخزين الرّقمي بما فرضه من كم هائل للبيانات بشكل مختلط و معقّد مع لجوء المجرم إلى جعل الملف بريء حجابا للملف المجرّم، أمر يوجب الضّبط أولا يليه التّفتيش، و هو ما يتجاوز الغاية من التّفتيش كمبدأ عتيد يحمي الحرّيات الإنسانية إلى التّوسع في ضبط كل ما يحوزه المتّهم من بيانات سواء بشكل مباشر(مطلب أول)، أو عن طريق مزوّد الخدمات (مطلب ثاني). المطلب الأوّل: الضّبط العرضي الشّامل للبيانات الموجودة بحوزة المتّهم إنّ الضّبط العرضي الشّامل لما يحوزه المتّهم من دعائم تخزين رقمية يشكّل توسعا في الاستثناء على حساب القاعدة الأصلية، إذ أنّ "آلية الاسترجاع ثم التّفتيش"، تشكّل مظهرا من مظاهر تراجع الشّرعية لحساب الفعّالية، و يحقّ لنا التّساؤل في ضوء ذلك على أساس مشروعيته (مطلب أول) و تنظيمه التّشريعي (مطلب ثاني) و ضوابطه (مطلب ثالث). الفرع الأوّل: أساس مشروعية الضّبط العرضي الشّامل للبيانات الموجودة بحوزة المتّهم إنّ دور الشّرعية في نطاق الحياة الخاصة لا يمكن إدراكه أو تلمّس حقيقته إلاّ من خلال التّعرف على ما قد يتربّص بتلك الحياة و يحيط بها من مخاطر، يتحقّق وقوعها قبل وقوع التّفتيش، و الّذي تعتبر مشروعيته نتيجة من نتائج المبدأ الأساسي الّذي تقوم عليه كثير من النّظم القانونية ألا و هو مبدأ ترجيح المصالح العامة على المصلحة الخاصة عند الضّرورة، و طبقا لهذا المبدأ تعطي الهيئة الاجتماعية لنفسهاالسّلطات و الحقوق اللاّزمة لحماية مصالحها العليا و لو أدّى ذلك إلى تقييد الأفراد و حقوقهم في الحدود الّتي ينص عليها القانون( ). و من هنا فإنّ الضّبط الرقمي ليس سوى إحدى تطبيقات هذا المبدأ الّذي يقوم على ترجيح حق الجماعة على حق الفرد عند التّعارض، و هو الحق في الإثبات الجنائي و التّوصل إلى إظهار الحقيقة الواقعية، و لأنّه لا وجود لحق مطلق في القانون، فإنّ الإشكالية تبرز واضحة ما هو أساس مشروعية الضّبط الرقمي الشّامل كحق تبرّره ضرورة التّوصل إلى الدّليل المعلوماتي؟ لم يطرح هذا السّؤال لدى فكر الإثبات التّقليدي لكون الضّبط المادي دوما كان مرتبطا بحدود التّفتيش، فنطاق الضّبط تحدّده الغاية من التّفتيش، بل هو أثر مباشر للتّفتيش في معظم الأحيان، إذ لا يتجاوز الضّبط حدود الإذن و إلاّ كان باطلا، و مبدأ عدم تجاوز الغاية من التّفتيش يعدّ من المبادئ العتيدة في الإجراءات الجنائية الّذي تقوم عليه قاعدة مشروعية الدّليل الجنائي إذ يترتّب على تجاوز هذا المبدأ بطلان التّفتيش و صيرورة الدّليل المستمد منه مجرّد واقعة مادية تخلو من أي قيمة قانونية، غير أنّ انعكاس خطوات التّفتيش بصيرورة الضّبط من مقدمات التّفتيش و من مستلزمات تنفيذه، بدل أن يكون أثرا له، واقع جعل فعالية التّفتيش مرتبطة بالضّبط العرضي الشّامل و إلاّ فقد التّفتيش معناه. لقد بات من المسلم به في الوقت الرّاهن ذلك الإنتشار المذهل لوسائل تقنية المعلومات بين مختلف شرائح المجتمع، و مع تزايد استعمالها سعت الشّركات المصنّعة إلى العمل على زيادة سعة التّخزين الرّقمي لهذه الأجهزة، بحيث أصبح أصغر جهاز رقمي بإمكانه تخزين ملايين المعلومات، تختلف في تواجدها داخل النّظام المعلوماتي من حيث طبيعتها و حجمها أو حتى مكان تواجدها على نحو يستحيل معه معرفة ما إذا كان جهاز تخزين معيّن يحتوي على أدلّة معلوماتية معيّنة أم لا قبل ضبطها و إخضاعها للتّفتيش. و هذه الممارسة القضائية تشكّل تهديدات كبيرة للخصوصية بدلاً من ضبط الدّليل المعلوماتي على وجه التّحديد دون التّوسع الشّامل للضّبط المعلوماتي، و هناك جملة من الاختلافات القائمة بين الأدّلة المعلوماتيّة و الأدلّة المادية الّتي تتطلّب "الضّبط الرقمي العرضي الشامل أولا"، و" التّفتيش في وقت لاحق": أوّلا، من المؤكّد أنّه سيتمّ خلط المعلومات Intermingling Of Documents الّتي تشكّل دليلا على وجود نشاط إجرامي ضمن بيانات أخرى غير ذات صلة بمستهدف التّفتيش، و نظرًا للحجم الهائل لسعة تخزين الأجهزة الرّقمية، سيكون حجم البيانات على أي جهاز رقمي كبيرًا، و هذا يعني أنّ أي وسيط تخزين رقمي يتمّ ضبطه و يحتوي على أدلّة على الإجرام سيشمل أيضًا كميات هائلة من البيانات الّتي يحتمل أن تكون حميمة، مما يثير مخاوف خطيرة بشأن الخصوصية( ). فالبحث عن الرّسائل النّصية للهاتف الخلوي قد لا يكشف فقط عن الاتصالات بين الجناة، و لكن يكشف أيضًا رسائل نصية خاصة غير مرتبطة بالجريمة موضع التّحقيق، و ينطبق الشّيء نفسه على الأشكال الأخرى من البيانات، مثل تاريخ البحث على الأنترنت الّذي يكشف عن استفسارات حول الأعراض الصّحية أو تعاطي مواد طبية معيّنة، و وفقًا للمحكمة العليا الفيدرالية الأمريكية "عادة ما يعرض تفتيش الهاتف المحمول للحكومة أكثر من التّفتيش الشّامل للمنزل"( ). ثانياً، يختلف الدّليل المعلوماتي عن الأشكال الأخرى من الأدلة، لأنّ طبيعتها كبيانات مجرّمة أو دليلا عن الجريمة ليست دائماً واضحة، و هذا ما يعقّد جهود فرز الأدّلة المعلوماتيّة عما تختلط به من بيانات أخرى لا علاقة لها بالجريمة، لأنّ هذه البيانات عادة ما تكون" مخفية أو مضغوطة أو ممحوة أو مفخخة" بطرق تجعل من المستحيل اكتشافها دون الوصول إلى أعداد كبيرة من الملفات الخارجة عن نطاق الإذن القضائي( ). و أبعد من ذلك ففي بعض الحالات يمكن أن يكون الملف البريء ستارا للملف المجرّم لأنّ القدرات التّخزينية في البيئة الرّقمية و هي تستوعب هذا الكم غير المحدود من المعلومات لم تتفاعل كليا مع القانون الجنائي حيث لم يتم التّوصل إلى إمكانية قيامها بعملية فرز ذاتية داخلية للملفات البريئة و تلك المجرّمة الّتي تعدّ موضوعا للدّليل الجنائي موضوع التّفتيش( ). و قد توسّعت هذه الرّؤية نتيجة لاعتراف القضاء بعدم وجود منهج لمحرك بحث محدّد يمكن اللّجوء إليه لتقصي الدّليل المعلوماتي لحظة التّفتيش المادي دون ضرورة الضّبط الشامل( ). فالإشكال هنا هو إشكال عملي بحت، عندما يكون لدى سلطة التّحقيق سبب محتمل و قرائن قوية للاعتقاد بأنّ ملفا معلوماتيا معيّنا موجودا في مكان ما من المسكن و يشكّل دليلا جنائيا، فإنّها عادة تجهل مواصفات جهاز التّخزين الإلكتروني الّذي يحتوي على هذا الدّليل بالتّحديد دون غيره من الأجهزة، قد يكون لدى المتّهم عدد من أجهزة للتّخزين الرّقمي و أقراص مدمجة و غيرها، و لا يمكن للسلطة الإجرائيّة الّتي تنفذ إذن التّفتيش أن تفتش جميع أجهزة التّخزين في الموقع، (موقع التفتيش المادي) لأنّ ذلك يتطلب وقتا طويلا، البديل العملي الوحيد لحل هذه الإشكالية هو اللّجوء إلى ضبط معظم أو جميع أجهزة التّخزين الرّقمي و تفتيشها خارج الموقع في وقت لاحق( ). ثالثا، علاوة على الأسباب المساقة آنفا، قد يترتّب على محاولة تفتيش وسائط التّخزين في الموقع الإضرار بالأدلة نفسها، ففي بعض الحالات فإنّ استخدام الحاسوب قد يغيّر الأدلّة المسجّلة على القرص الصّلب، كما أنّ أجهزة الحاسوب المتّصلة بالأنترنت هي أيضا عرضة للخطر، لإمكانية الوصول إلى المعلومات المخزّنة عن بعد و حذف البيانات و تدميرها، بناء على ذلك فإنّ أفضل طريقة عموما لمراجعة وسائط التّخزين تكون خارج الموقع حيث يمكن لخبراء التّحليل الحاسوبي الشّرعي ضمان سلامة البيانات( ). واقع الأمر أنّ سعة التّخزين الضّخمة لأجهزة التّخزين الرّقمي، إضافة إلى سهولة إخفاء الأدلّة و سهولة حذفها و لو عن بعد هي مبررات عملية للضّبط الشّامل قبل التّفتيش، و إذا كان على سلطة التّحقيق أن "تجد إبرة في كومة القش"، و كان هذا التّفتيش قد يستغرق أسابيع أو أكثر، يجب على سلطة التّحقيق الإختيار من بين ثلاثة خيارات متاحة. أولا، يمكنها ضبط كافة البيانات و إجراء التّفتيش المعلوماتي اللاّحق خارج الموقع. ثانيا، يمكن أن تجلب عدد قليل من المحقّقين أو من تندبهم إلى موضع تواجد أجهزة التّخزين الرّقمي، و البقاء هناك لبضعة أسابيع لإنهاء عملية التّفتيش المعلوماتي. و ثالثا، يمكنهم ببساطة التّسليم بعدم إمكانية إجراء التّفتيش نهائيا لأنّ عمليات التّفتيش تستغرق وقتا طويلا جدا، ومن بين هذه الخيارات الثّلاثة، الخيار الأول هو الخيار الأقل سوءا( ). و بالنّظر إلى هذا الواقع فإنّ القضاء المقارن يتجه نحو التلسيم بمشروعية و صحة الضّبط العرضي الشامل أو المفرط الّذي تجاوز نطاق الإذن القضائي، و ذلك تأسيسا على مبررات تقنية محضة أهمها عدم قابلية الملفات الحاسوبية للتجزئة، و هو ما استندت اليه محكمة النقض الفرنسية( ) و كذا المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان( )، و إما لضمان تفتيش موجز نسبيا ضمن مساكن المتّهمين، غير أنّ هذه الجهات القضائية لم ترسم حدودا موضوعية لهذا النّهج المتساهل( ). و تعتبر الدّائرة التّاسعة الجهة القضائية الوحيدة في الولايات المتحدة الأمريكية الّتي استلزمت شرطا إجرائيا إضافيا لأجل مشروعية الضّبط العرضي الموسع، بحيث توجب على الضّبطية القضائية ضرورة تقديم المبررات الكافية للضّبط الشّامل ضمن الإفادة الخطية(طلب الاذن بالتفتيش) و ذلك في قضية United States v. Hill( ). و ما نتوصل إليه أنّه عندما يتعلق الأمر بالأدّلة المعلوماتيّة يصعب تحديدها بإجراء تفتيش سريع، إذ ليس من الممكن مطالبة سلطة التّحقيق بالتّدقيق في كلّ هذه المعلومات بحثًا عن البيانات الّتي تستجيب للإذن القضائي وقت التّفتيش المادي و ضبط المعلومات الّتي تعدّ موضوعا للدّليل الجنائي فقط دون غيرها من المعلومات لحظة التّجميع " فالضّبط الموسع هو إجراء لازم و متأصّل ضمن إجراءات التّفتيش عن الأدّلة المعلوماتيّة"( ). و بناء على الإعتبارات الواقعية الّتي ساقها القضاء و الفقه لتبرير مشروعية الضّبط العرضي الشّامل، يتضح جليا أنّ متطلبات فعّالية التّفتيش تقتضي التّوسع في الضّبط الرقمي في البداية ثم إخضاع المضبوطات للتّفتيش المعلوماتي لاحقا، و في ذلك ترجيح واضح لاعتبارات الفعّالية على حساب الشّرعية لأنّ التّوسع في الاستثناء أصبح هو القاعدة، و مما يؤسف له هو عجز الفقه و القضاء حتى الآن عن إيجاد حدود ترسم نطاق التّفتيش المادي و الضّبط الرقمي بحيث أصبحت هذه المراحل الإجرائيّة فعلا طليقة من غير قيد، فهناك فجوة كبيرة عند محاولة تطبيق المبادئ الإجرائيّة التّقليدية على التّفتيش المعلوماتي بحيث يختل التّوازن بين متطلبات الفعّالية و الشرعية. الفرع الثّاني: الموقف التّشريعي من مشروعية الضّبط العرضي الشّامل للبيانات الموجودة بحوزة المتّهم جاء في التّوصية الرّابعة من توصيات المؤتمر الدّولي الخامس عشر للجمعية الدّولية لقانون العقوبات في مجال حركة إصلاح الإجراءات الجنائية و حماية حقوق الإنسان و الّذي عقد في ريو ديجانيرو البرازيل في الفترة من 4-9 سبتمبر 1994 " في مرحلة التّحقيق الإبتدائي، و الّتي تسبق مرحلة المحاكمة، فإنّ قرينة البراءة تتطلب إذا ما اتخذت وسائل قسرية تطبيق مبدأ التّناسب Le Principe De Proportionnalité الّذي يقيم علاقة معقولة بين جسامة الإجراء القسري في مساسه بالحقوق الأساسية من ناحية، و بين مدى تناسب هذا الإجراء وفقا للقصد المتوخى منه من ناحية أخرى..."( ). كما أشار ذات المؤتمر أنّه و نظرا للتّعدّد و تنوع البيانات المدرجة في نظم معاجلة البيانات، فإنّ تنفيذ المكنات القسرية المنوطة برجال السّلطة العامة يجب أن يكون متناسبا مع الطّابع الخطير للانتهاك و لا يسبب سوى الحد الأدنى من إعاقة الأنشطة القانونية للفرد، كما يجب عند بدء التّحريات أن يوضع في الاعتبار بالإضافة إلى القيم المالية التّقليدية كل القيم المرتبطة بتكنولوجيا المعلومات مثل ضياع فرصة اقتصادية، التّجسس، انتهاك حرمة الحياة الخاصة فقط أو مخاطرة الخسارة الاقتصادية، كلفة إعادة بناء تكامل البيانات كما كانت من قبل. و بناء على هذه التّوصيات يثار الإشكال حول موقف التّشريعات و على وجه التّحديد التّشريع الجزائري فيما إذا كان قد تمكن من مراعاة هذا المبدأ في مجال الضّبط الرقمي؟ لا ريب أنّ الضّبط مسموح به في نطاق الغاية منه، و الغاية المبرّرة للضّبط هي كشف الحقيقة، فوجود صلة بين الجريمة و البيانات الّتي يتمّ ضبطها هو معيار الضّبط و ما زاد عن ذلك يعتبر تعسفا يجر إلى بطلان الإجراء، و هو ما يعبّر عنه بمبدأ التّناسب الّذي يقتضي لزوم قصر نطاق الضّبط الرقمي على البيانات الّتي تفيد في إظهار الحقيقة، و لأنّ التّغيرات في الحقائق تتطلّب تغييرا في القواعد القانونية نجد أنّ المشرّع بمقتضى القانون 04/09 المتعلّق بالوقاية من الجرائم المتّصلة بتكنولوجيا الإعلام و مكافحتها قد نص على جواز الضّبط الرقمي في حالّتين: الحالة الأولى، عالجتها المادّة 6 و الّتي نصت "عندما تكتشف السّلطة التي تباشر التّفتيش في منظومة معلوماتية معطيات مخزنة تكون مفيدة في الكشف عن الجرائم أو مرتكبيها و أنّه ليس من الضّروري حجز كل المنظومة، يتمّ نسخ المعطيات محل البحث و كذا المعطيات اللاّزمة لفهمها على دعامة تخزين إلكترونية تكون قابلة للحجز و الوضع في أحراز وفقا للقواعد المقرّرة في قانون الإجراءات الجزائية...". و الحالة الثانية، تطرّقت إليها المادّة 7 من نفس القانون و التي ورد فيها "إذا استحال الحجز وفقا لما هو منصوص عليه في المادّة 6 أعلاه، لأسباب تقنية يتعيّن على السّلطة الّتي تقوم بالتّفتيش استعمال التّقنيات المناسبة لمنع الوصول إلى المعطيات الّتي تحتويها المنظومة المعلوماتية أو إلى نسخها، الموضوعة تحت تصرف الأشخاص المرخّص لهم باستعمال هذه المنظومة". إنّ المتأمّل لهذه النّصوص يتجلى له بوضوح أنّ المشرّع الجزائري لا يزال يعتمد المنهج التّقليدي في تنفيذ التّفتيش، و هو النهج القائم على خطوة واحدة أي الضّبط لحظة التّفتيش، على الرّغم من أنّ الواقع التّطبيقي يفرض خلاف ذلك، إذ يستحيل تصور النّجاح في الوصول إلى الدّليل المعلوماتي و استرداده وفقا لهذا المنطق التّقليدي، خاصة في الوقت الرّاهن الّذي يشهد طفرة غير مسبوقة في مجال سعة التّخزين الرّقمي، سواء التّخزين الرّقمي المحلي الممثّل في مختلف الأجهزة أو ضمن الخوادم (الحوسبة السّحابية)، مع وجود برامج تشفير بالغة التّعقيد و مجانية منشورة على الشّبكة العنكبوتية تتجاوز في غالب الأحيان خبرات الضّبطية القضائية الّتي تجري التّفتيش في الموقع. و كما سبق و أن رأينا كيف واجه القضاء الأمريكي هذه الإشكالية بميل واضح نحو اعتبارات الفعالية، إلى أنّ تدخل المشرّع بتعديل القاعدة 41 من القواعد الفيدرالية للإجراءات الجنائية سنة 2009 معترفا بالطّبيعة الفريدة لعمليات التّفتيش و الضّبط في البيئة المعلوماتية أين أجاز الضّبط العرضي الكلي للبيانات في مرحلة أولية ثم إخضاع المواد المضبوطة إلى مراجعة لاحقة( ). و السّؤال المثار هنا هل يجوز الضّبط الإجمالي العرضي بناء على إذن بالتّفتيش المعلوماتي وفقا للتّنيظم التّشريعي الجزائري الّذي لم ينظّم الخطوة الأولى من التّفتيش؟ قدمنا أنّ الضّبط الرقمي إجراء مستقل تماما عن التّفتيش المعلوماتي و أنّه يشكّل قيدا على الحق في الخصوصية و إن لم تصل خطورة هذا القيد إلى درجة انتهاك هذا الحق، إلاّ أنّه قد يتحقّق هذا الخطر في فترة ما من فترات الضّبط متى طالت مدته فهو بهذا التميّز له صفة استثنائية، و الصّفة الاستثنائية لهذا النّوع من إجراءات التّحقيق يترتّب عليها نتيجة هامة تميّزها عن الإجراءات العادية، و هذه النّتيجة هي أنّها واردة في القانون على سبيل الحصر، فلا يجوز للمحقّق أن يقوم بأيّ إجراء يترتّب عليه مساس بحريات الأفراد أو حقوقهم أو يفرض عليهم إلتزامات إيجابية إلاّ إذا كان هناك نص صريح في القانون يجيز هذا الإجراء( ). فكلما كان هناك "خطر المساس بالحرية الفردية" عندما تباشر الدّولة الإجراءات اللاّزمة للكشف عن الحقيقة، تعيّن على المشرّع أن يتدخل في هذه الحالة لكي يقرّر الحدود الّتي تتطلبها المصلحة الاجتماعية للمساس بالحرية الفردية من خلال الإجراءات الجنائية، و السّلطة التّشريعية هي الّتي تملك وحدها تقريري القيم الاجتماعية، و الأحوال الّتي يجوز فيها المساس بالحرّية في حدود معيّنة، و ذلك بالقدر اللاّزم لتحقيق التّوازن بين مصالح المجتمع و حقوق الفرد، و تطبيقا لذلك قضت محكمة النّقض الفرنسية بأنّ المشرع وحده من يملك المساس بحرية الأفراد( ). لذا نحن نعتقد أنّ هذه النّتيجة مفترض طبيعي لمبدأ الشّرعية الإجرائيّة، فإذا كان من البديهي أنّ كل إجراء استثنائي يقيّد حقوقا فردية وجب خضوعه لمقتضيات الضّرورة المبرّرة له و في حدودها إلتزاما بالشّروط و القيود الّتي فرضها القانون، فمن باب أولى يعد عملا غير مشروع القيام بإجراء لم يجزه القانون أصلا( )، و هذا القصور التّشريعي يجعل المشرّع مطالب بالتّدخل بتنظيم نطاق الضّبط الرقمي العرضي و مدته. و تنظيم التّفتيش من خطوة واحدة إلى خطوتين، لأنّ القاعدة الحالية لا تجيز الضّبط الأولي فإذا ما اتخدته سلطة التّحقيق كان عملها مشوبا بعدم المشروعية( ). و في الحقيقة لا يوجد سوى التّشريع الفيدرالي الأمريكي الّذي عالج هذه المسألة أمّا باقي التّشريعات فتخضعها للقواعد التّقليدية بإعتبار أنّ معظم التّشريعات المقارنة بما فيها الإتفاقية العربية لمكافحة جرائم تقنية المعلومات مستلهمة حرفيا من الإتفاقية الأوروبية لمكافحة الجريمة المعلوماتية و الّتي بدورها أغفلت معالجة تنظيم مرحلة التّفتيش المادي و الضّبط الرقمي بخصوص البيانات الّتي في حوزة المتّهم. و إذا كان هذا حال التّشريع الإجرائي فيما يتعلّق بالضّبط العرضي الشّامل في الفرض الأول الّذي تكون فيها البيانات الّتي يُعتقد أنّها تشكّل موضوعا للدّليل المعلوماتي بحوزة المتّهم، فإنّ السّؤال يثار بخصوص مدى شرعية التّنظيم الإجرائي لمقدمات التّفتيش المعلوماتي في الفرض الّذي تكون فيه بيانات المتّهم بحوزة طرف آخر و هو "مقدم الخدمات"؟ المطلب الثّاني: ضبط بيانات المتّهم الموجودة بحوزة مزوّد الخدمة من الطّبيعي أن يقدم الجاني على محو البيانات فور إتمام مشروعه الإجرامي، لذا يتعيّن على سلطة التّحقيق التّفتيش عن هذه البيانات لدى مزوّد الخدمة و الّتي يحفظها في إطار أداء خدماته و يتمّ ضبطها بموجب آلية الأمر بالحفظ و التّسيلم، ما يقتضي منا تحديد مفهوم هذا الإجراء الجزائي المستحدث (فرع أول)، و تحديد ضماناته و قيوده (فرع ثاني)، و نطاقه (فرع ثالث). الفرع الأوّل: الحفظ العاجل للبيانات المعلوماتية المخزّنة و تسليمها يعتبر إجراء الحفظ العاجل لبيانات المعلوماتية المخزّنة و تسليمها، من الإجراءات الوقائية المستحدثة في النّظم الإجرائيّة الرّاهنة، وقد تمت الإشارة إلى هذا الإجراء الجزائي لأوّل مرة ضمن لائحة الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم (63-65) المؤرخة في 22 جانفي 2001 المتعلّقة بمكافحة إساءة استعمال تكنولوجيا المعلومات لأغراض إجرامية، إذ نصّت المادّة الأولى فقرة "و" على "ضرورة سماح الدّول الأعضاء لجهاتها المختصّة بالاستدلال أمر مزوّد الخدمات بالحفظ السّري للمعطيات الإلكترونية المتعلّقة بالتّحقيقات الجنائية"( ). عموما عرّف البرلمان الأوروبي ضمن مقترحه رقم 0108/2018 المتعلّق بأوامر إنتاج و حفظ الأدلّة الجنائية الإلكترونية بين دول الإتحاد الأوروبي هذا الإجراء بكونه يمثّل قرارا ملزمًا صادرًا عن السّلطة المختصّة إلى مزوّد الخدمة يطالب من خلاله هذا الأخير بالمحافظة على دليل إلكتروني لطلب توليده لاحقا( )، و عرّف أيضا الأمر بالإنتاج ( التّسليم، التّقديم، التّوليد ، الإفصاح) بأنّه القرار الملزم الموجّه إلى مزوّد الخدمة لإنتاج دليل إلكتروني( )، و يطلق على هذا الإجراء بإجراءات التّجميد السّريع «procédure de congélation rapide». ما يلاحظ في هذا الصّدد أنّ التّنظيم القانوني لإجراء حفظ البيانات المعلوماتية المخزّنة و إجراء انتاجها و تلسيمها إلى سلطات التّحقيق قد ورد بشكل منفصل ضمن الاتفاقيات الدّولية و التّشريعات الدّاخلية بشكل يوحي باستقلال الإجراءين عن بعضهما البعض، إلاّ أنّنا نرى خلاف ذلك على نحو ما سنبيّنه لاحقا. و عندنا فإنّ الأمر بالحفظ العاجل للبيانات المخزّنة هو إجراء جزائي وقائي يراد به صدور قرار من سلطة التّحقيق المختصّة إلى مزوّد الخدمة يتضمن إلتزاما بحفظ البيانات المخزّنة لديه بتاريخ سابق عن صدور الأمر بالحفظ و العمل على تأمينها من خطر التّعديل و الحذف و ذلك لفترة زمنية محدّدة متى توافرت أسباب معقولة و قرائن كافية ترجّح أن تكون هذه البيانات كاشفة للحقيقة( )، أمّا الأمر بالإنتاج فهو أمر مرتبط بالأمر بالحفظ يوجّه إلى مزوّد الخدمة لتسليم البيانات المعلوماتية الّتي تضمّنها أمر الحفظ السّابق. إنّ هذه الوسيلة الإجرائيّة في الحقيقة تمثّل نهجا مختلفا عن باقي الوسائل الإجرائيّة التّقليدية، و تظهر فعاليتها في كونها تكفل عدم فشل التّفتيش المعلوماتي لا لسبب سوى تجنب حذف البيانات خلال فترة التّحقيقات الطّويلة نسبيا، ففي كثير من الأحيان يتطلّب تعيين الجاني الّذي ارتكب الجريمة تحليلا لبيانات الحركة و يمكن أن يساعد بروتوكول الأنترنت الّذي استعمله الجاني بوجه خاص سلطات التّحقيق على تعقبه، بل و من الممكن في بعض الحالات تعيين أحد الجناة رغم أنّه كان يستعمل أجهزة أنترنت طرفية عمومية لا تتطلب الإفصاح عن الهوية طالما كانت سلطة التّحقيق تملك النّفاذ إلى بيانات الحركة ذات الصّلة، و من الصّعوبات الرّئيسية أنّ بيانات الحركة ذات الأهمية الكبيرة تحذف في كثير من الأحيان بصورة تلقائية بعد فترة قصيرة من الوقت إلى حد ما، و سبب هذا الحذف الأوتوماتيكي هو إنتهاء أيّ عملية مثل إرسال بريد إلكتروني أو النّفاذ إلى الأنترنت أو تنزيل ملفات يعني إنتهاء الحاجة إلى بيانات الحركة الّتي تولّدت أثناء العملية و الّتي تمكّن من إجراء العملية( ). من منظور إقتصادي يهتمّ معظم مقدمي الأنترنت بحذف المعلومات بأسرع ما يمكن نظرا لأنّ تخزينها لفترة طويلة يتطلّب سعة تخزينية كبيرة و مكلّفة جدا و مع ذلك فإنّ الجوانب الإقتصادية لا تشكّل السّبب الوحيد لقيام سلطة التّحقيق بالمسارعة في التّحقيق( )، إذ أنّ التّوجه التّشريعي الحالي لمعظم الدّول الّتي تراعي الحق في الخصوصية المعلوماتية يقوم على إلزام مزوّد الخدمات على حذف بيانات الحركة بعد زوال أسباب حفظها من النّاحية التّقنية و حظر تخزينها وفق ما تمليه مثلا أحكام الفقرة الأولى من المادّة 6 من التّوجيه الأوروبي رقم 85 لسنة 2002 المتعلّق بخصوصية الاتصالات الإلكترونية حيث تنص على أنّه "يجب حذف بيانات حركة السّير المتعلّقة بالمشتركين و المستعملين الّتي يعالجها و يخزّنها مقدم شبكة اتصالات إلكترونية للجمهور أو إخفاء هويتها بعد توقف الحاجة إليها لأغراض إرسال رسالة..."( ). تحرص المذكرة التّفسيرية لاتفاقية بودابست في تصديرها لهذه المادّة على ذكر الهدف المتوخى منها و هو إعطاء السّلطات المختصّة إمكانية الأمر أو الحصول بطريقة مشابهة على الحفظ العاجل للبيانات المخزّنة، و يتطلّب الحفظ حماية البيانات الّتي سبق وجودها و تخزينها من كل ما يعرضها لخطر التّغيير أو التّجريد من صفتها أو حالتها الرّاهنة، فهو يتطلّب أن تكون البيانات مصانة على نحو آمن من كل تغيير أو إتلاف و الحفظ لا يتطلّب بالضّرورة أن تكون البيانات "مجمّدة" و بالتّالي لا يمكن أن تستخدم أو يتمّ الحصول على صورة منها بواسطة المستخدمين الشّرعيين و الشّخص الّذي يصدر إليه الأمر( ). و لم تحدّد كل من الإتفاقية بوادبست( )، و كذا الإتفاقية العربية لمكافحة جرائم تقنية المعلومات( )، الطّريقة الّتي يجب من خلالها أن يُحتفظ بالبيانات، فالأمر متروك لكلّ دولة في أن تقيّم النّماذج الملائمة للحفظ و تحديد ما إذا كان في بعض الحالات يمكن لإجراء التّحفظ على البيانات أن يشمل أيضا تجميدها، إنّ عبارة "يأمر أو... يحصل بطريقة مشابهة" الهدف منها التّرخيص بتطبيق وسائل قانونية أخرى للتّحفظ غير الأمر القضائي أو الإداري أو تحقيق من الشّرطة أو النّيابة على سبيل المثال و في بعض الدّول لا ينص قانون الإجراءات الجزائية على أوامر الحفظ و في هذه الحالة فإنّ البيانات لا يتمّ التّحفظ عليها إلاّ من خلال عمليات التّفتيش و الضّبط أو الأمر بإنتاج البيانات( ). غير أنّه ينبغي الحذر من الخلط بين إجراء "حفظ البيانات" أو كما تسميه المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان "الإلتزام بالإحتفاظ الشّامل لبيانات الإتصال" و بين إجراء الأمر بالحفظ العاجل لبيانات حركة السّير أو ما يطلق عليه "إجراء التّجميد السّريع لبيانات حركة السّير"، أمّا "الإلتزام بالإحتفاظ الشّامل لبيانات حركة السّير"، فهو نهج مختلف لكفالة عدم فشل التّفتيش، إذ يلزم مزوّد الخدمة بحفظ بيانات الحركة لجميع المستخدمين بدون إسثناء خلال مدة محدّدة قد تتجاوز سنتين لاستغلالها في التّحقيقات الجنائية مستقبلا. على أنّ مسألة هامة تثار هنا تتعلّق بموقف المشرّع الجزائري بخصوص الآلية الإجرائيّة الّتي إنتهجها لحفظ البيانات و الحيلولة دون تمكن المجرم من حذفها قبل استردادها. الفرع الثّاني: التّنظيم التّشريعي للأمر بالحفظ العاجل للبيانات المخزّنة سبق و أن أشرنا أنّ الأدّلة المعلوماتيّة تتميّز بسرعة تبخّرها و تلاشيها لذا يمثّل الوقت جانبا مهما في التّفتيش المعلوماتي، لأنّه عادة ما تمر فترة زمنية بين تنفيذ الجريمة و اكتشافها و تبليغ سلطات التّحقيق بها، و لذلك من المهم سن آليات إجرائية تمنع حذف البيانات ذات الصّلة مباشرة بعد الشّروع في التّحقيق، و عندنا فإنّ السّؤال المطروح فيما إذا كان المشرّع اعمتد آلية "الإلتزام بالحفظ الشّامل للبيانات أو "الأمر بالحفظ العاجل للبيانات المخزّنة" ؟ بالرّجوع إلى نص المادّة 10 من القانون 04-09 نجدها تنص" في إطار تطبيق أحكام هذا القانون يتعيّن على مقدمي الخدمات تقديم المساعدة للسّلطات المكلفة بالتّحريات القضائية لجمع و تسجيل المعطيات المتعلّقة بمحتوى الاتصالات في حينها و بوضع المعطيات الّتي يتعيّن عليهم حفظها وفقا للمادة 11 أدناه تحت تصرف السّلطات المذكورة...". المستفاد من صياغة هذا النّص أنّ المشرّع لم يعتمد "إجراء الأمر بالحفظ العاجل لبيانات الحركة" و إنّما تبنى نهجا آخر و هو "استبقاء البيانات" أو "الإحتفاظ بالبيانات" Rétention des données، و يفرض إلتزام استبقاء البيانات على مقدمي الخدمات الإحتفاظ ببيانات الحركة لفترة معيّنة من الوقت، مع أنّ كافة التّشريعات الأوروبية و العربية قد تبنت كلا النّهجين، نهج "الإحتفاظ بالبيانات" و نهج" الأمر بالحفظ العاجل للبيانات". و من الأمثلة النّموذجية على هذا المسلك ما يقضي به التّوجيه الأوروبي رقم 24 لسنة 2006 المتعلّق بحفظ البيانات و الّذي يعتبر بمثابة قانون أوروبي تلتزم باعتماده كافة دول الإتحاد الأوروبي ضمن تشريعاتها الدّاخلية( )، كما تم إدراج آلية الأمر بالحفظ العاجل لبيانات الحركة ضمن التّعديلات المدخلة على قوانين هذه الدّول كما سيأتي بيانه لاحقا، و نتيجة لإطلاق مصطلحات متشابهة على هاتين الوسيلتين فقد وقع الكثير من الفقه في الخلط بين الإجرائين( )، و عدم التّفريق بينها و بين باقي الإجراءات التّقليدية( ). على أنّه يلاحظ أنّ المشرّع الجزائري لم يفرّق بين البيانات المتعلّقة بحركة المرور و البيانات المتعلّقة بالمشتركين، إذ يقع على مزوّد الخدمة الاحتفاظ بها جميعا( ). و مع ذلك فإنّ الباحث يرى أنّ عبارة "حفظ" الّتي استعملها المشرّع توحي بأنّه لا يعير اهتماما لمسألة ضمان سلامة و أمن المعطيات من خطر التّغيير أو التّعديل و يظهر ذلك بجلاء من خلال استقراء المادّة 11 من القانون 04-09 الّتي جاء فيها" مع مراعاة طبيعة و نوعية الخدمات يلتزم مقدمو الخدمات بحفظ.... تحدّد مدة حفظ المعطيات المذكورة في هذه المادّة بسنة واحدة من تاريخ التّسجيل" إذ لا جدوى من المعطيات الّتي تم حفظها أي تسجيلها إذا لم يتم ضمان سلامتها و أمنها، و هكذا يكون المشرّع مدعو إلى تغيير صياغة النّص على نحو يلزم بمقتضاه مزودي الخدمات بضمان حفظ و أمن و سلامة المعطيات المتعلّقة بحركة السّير( ). و السّؤال المثار بشأن موقف المشرّع الجزائري في الحقيقة لا ينعتق من المقاربة الفلسفية الّتي تشكل محور الدّراسة، فيما إذا كان المشرّع بموفقه هذا قد حقق التّوزان بين الفعّالية و الشّرعية في الوصول إلى الحقيقة؟ قدمنا أنّ "الإلتزام بالإحتفاظ الشّامل لبيانات حركة السّير" يفرض على مقدم الخدمة حفظ بيانات الحركة لفترة معيّنة من الوقت قد تستغرق مدة إبقاء السّجلات لمدة تصل إلى 24 شهرا في النّهج المقارنة، و يمكن لسلطات التّحقيق النّفاذ إلى البيانات اللاّزمة لتحديد الجاني حتى بعد إرتكابها بشهور عديدة، و من منظور مقدّم الخدمات يعتبر" إجراء التّجميد السّريع للبيانات" أقل تقييدا من "الإلتزام بالحفظ الشّامل للبيانات"، حيث لا يحتاج مقدمو الخدمات إلى تخزين جميع البيانات الخاصة بكافة المشتركين، و لكن عليهم بدلا من ذلك كفالة عدم حذف بيانات محدّدة بمجرد استلام "أمر بالحفظ العاجل للبيانات المخزّنة". و يتيح "الأمر بالحفظ العاجل للبيانات" مزايا عديدة طالما أنّه ليس من الضّروري حفظ البيانات المتجمّعة لملايين المستخدمين و لكن يكفي فقط حفظ البيانات المتصلة بالأشخاص المحتملين للاشتباه في التّحقيقات الجنائية، و مع ذلك فمن المهم أن يشار إلى أنّ "الإحتفاظ الشّامل بالبيانات" يتيح مزايا في الحالات الّتي يتم فيها حذف البيانات بعد ارتكاب الجريمة مباشرة، ففي هذه الحالات لا يمكن للأمر بالحفظ العاجل للبيانات- "الإلتزام بالحفظ الشّامل للبيانات" أن يمنع حذف البيانات ذات الصّلة( ). في الحقيقة يحتدم الصّراع بين الثّانية "الفعالية" و "الشّرعية" بخصوص هذه الوسيلة بشكل كبير جدا، فموقف المشرّع الجزائري يميل إلى ترجيع اعتبارات الفعّالية، لأنّ إجراء الأمر بالحفظ العاجل للبيانات لا يتيح المحافظة عليها طالما أنّ مزودي الخدمات يفضّلون إزالتها بمجرد استكمال الخدمة، و ذلك لسبب إقتصادي بحت تجنبا من تحمل أعباء الحفظ و التّخزين بالنّظر إلى حجمها الّذي يفوق قدرة العقل البشري على التّصور، بينما تمثّل المادّة 11 من قانون 04/04 إهدارا كليا لمبدأ الشّرعية لأنّه ورد مناقضا لمبدأ التّناسب و الضّرورة بحيث يشترط الإحتفاظ بعدد كبير من فئات بيانات الإتصال و لكل مشترك بدون استثناء حتّى و لو لم يكن موضع إتهام، بل يطال أيضا كافة البيانات حتّى و لو كانت تتمتّع بامتياز السّرية المهنية. و ما يؤكد هذه النّتيجة الّتي توصلنا إليها ليس فقط تركيز كافة الإتفاقيات الدّولية على الأمر بحفظ البيانات بدل الإلتزام الشامل بحفظ البيانات، بل توجه مختلف المحاكم الدّستورية الأوروبية إلى تقرير عدم دستورية هذا الإجراء( )، و تأكّد ذلك أيضا بقرار محكمة العدل الأوروبية الصّادر بتاريخ 08 أفريل 2014 القاضي ببطلان "التوجيه الأوروبي الصّادر بتاريخ 15 مارس 2006 -dir-ective 2006/24/CE المتعلّق بإلزام مزودي الخدمات بالإحتفاظ بالبيانات الّتي تمّ إنشاؤها أو معالجتها بمناسبة توفير خدمات الإتصالات الإلكترونية المتاحة للجمهور"لأنّه في نظر المحكمة يفضي إلى تدخل واسع النّطاق في الحياة الخاصة للأفراد و حماية البيانات الشّخصية، دون أن يقتصر ذلك التّدخل على ما هو ضروري قطعاً و جاء في الفقرتين 85، 59 من هذا الحكم: "من ناحية، ينطبق التّوجيه 2006/24 بطريقة شاملة على جميع الأشخاص الّذين يستخدمون خدمات الإتصالات الإلكترونية، و لكن الأشخاص الّذين يتمّ تخزين بياناتهم ليسوا حتّى بشكل غير مباشر في موقف يرحج أن يكونوا عرضة للمتابعة الجنائية، وهذا ينطبق حتى على الأشخاص الّذين لا توجد أدلّة تشير إلى أن سلوكهم قد يكون له صلة و لو بطريقة غير مباشرة بجرائم خطيرة. علاوة على ذلك، لا يقدّم هذا التّوجيه أيّ استثناء، بحيث ينطبق حتّى على الأشخاص الّذين تخضع مراسلاتهم بموجب قواعد القانون الوطني للسّرية المهنية. و من ناحية أخرى، رغم أنّ الغاية المرجوة من التّوجيه المساهمة في مكافحة الجريمة الخطيرة، فإنّ التّوجيه لا يتطلّب قيام علاقة بين البيانات الّتي يقصد الاحتفاظ بها وتهديدها للسّلامة العامة، و لا يقتصر على الاحتفاظ بالبيانات المتعلّقة بفترة زمنية محدّدة أو منطقة جغرافية أو دائرة من الأشخاص الّذين يحتمل أن يكونوا متورطين بأيّ شكل من الأشكال في انتهاك خطير أو لغيرها من الدّواعي، لمنع الجرائم الخطيرة و كشفها أو متابعة مرتكبيها"( ). و قد أوصت منظمة الحقوق الرّقمية الأوروبية الاستغناء على "الإلتزام بالإحتفاظ الشّامل بالبيانات"، و اعتماد إجراء الأمر بالحفظ العاجل للبيانات المخزّنة، و جمع البيانات المستهدفة الّتي تساعد في تحقيقات محدّدة وفقا لما تم الإتفاق عليه دوليا في الإتفاقية الأوروبية لمكافجة جرائم المعلوماتية، إلاّ أنّ المشرّع الأوروبي اكتفى بإدخال تعديلات على إطار الإحتفاظ الشّامل بالبيانات بدلا من إلغائه باعتباره أداة قيّمة لنظم العدالة الجنائية. و في هذا السّياق نحن نرى أنّه ينبغي على المشرّع الجزائري إحاطة هذا الإجراء ببعض الضّمانات و أهمها وجوب خفض مدة استبقاء البيانات لدى مزوّد الخدمة الّتي حدّدها بمدة سنة كاملة، و قصر نطاقها إلى ما لا يجاوز180 يوما من تاريخ التّسجيل أسوة بالمشرّع المصري هذا من جهة( )، و من جهة أخرى تشديد العقوبة الجزائية على مزودي الخدمات في حالة مواصلة الإحتفاظ بهذه البيانات بعد إنقضاء الأجل المقرّر قانونا للإحتفاظ بها بدل الاكتفاء بعقوبة الغرامة( ). و من البديهي أنّه و في ظل هذه التّوصيات المقدمة إلى المشرّع الجزائري بخفض مدة الإحتفاظ بالبيانات، يتعيّن عليه أيضا اعتماد آلية "الأمر بالحفظ العاجل لبيانات حركة السّير" أسوة بالتّشريعات المقارنة، نظرا لما تحقّقه من فاعلية في المحافظة على الدّليل المعلوماتي و تمكين سلطات التّحقيق من استرداده قبل حذفه، و هذه التّوصية تقودنا إلى التّطرق إلى ضمانات الّتي وجب أن تحاط بهذا الإجراء الجزائي عند اعتماده. الفرع الثّالث: قيود الأمر بالحفظ العاجل للبيانات المعلوماتية المخزّنة تفرض موجبات الشّرعية الإجرائيّة إحاطة هذا الإجراء الجزائي بعديد من القيود تكفل رسم حدودا موضوعية له، فلا يكون شاملا إلتزاما لمبدأ التّناسب (أولا)، و حدودا زمنية فلا تستغرق مدته فترة تناقض الحق في الدّخول في طي النّسيان(ثانيا)، و أن يخضع دائما لرقابة القضاء و إشرافه (ثالثا). أولا: القيود الموضوعية للأمر بالحفظ أشارت المذكرة التّفسيرية لإتفاقية بودابست إلى أنّ سلطة "أن يأمر أو يحصل بطريقة أخرى على الحفظ السّريع للبيانات الإلكترونية" تنطبق على كل نوع من أنواع البيانات المعلوماتية المخزّنة، و بالتّالي يمكن أن تشتمل على أي نوع من البيانات المحدّدة في الأمر بالحفظ، مثال ذلك مستندات تجارية أو طبية أو شخصية، فالأطراف يجب أن يؤسّسوا هذه الإجراءات من أجل تطبيقها بالأخص عندما تكون ثمة أسباب تدعو للاعتقاد بأنّ البيانات قابلة على وجه الخصوص للفقد أو التّعديل، و يمكن أن يشمل ذلك أيضا على سبيل المثال البيانات الّتي لا يتمّ الإحتفاظ بها إلاّ لفترة وجيزة، و كما هو الحال عند تبني سياسة محو البيانات بعد فترة معيّنة أو أنّ البيانات يتمّ محوها منهجيا عندما يكون وسيط التّخزين مطلوبا من أجل تسجيل بيانات أخرى( ). كما أشارت الفقرة 1 من المادّة 16 صراحة إلى "البيانات المتعلقة بالمرور" بغرض الإشارة إلى الإنطباق الخاص لهذه النّصوص على هذا النّوع من البيانات، عندما يتمّ تجميعها و الإحتفاظ بها عن طريق مقدّم الخدمة فإنّه لا تكون بصفة خاصة محتفظ بها إلا لفترة وجيزة يضاف إلى ذلك إنّ الإشارة إلى البيانات المتعلقة بالمرور يقيم أو ينشئ علاقة بين الإجراءات المشار إليها في الماديتن 16، 17. غير أننا نرى أنّ التّفسير الوارد بالمذكرة الإيضاحية لإتفاقية بودابست لا معنى له و فاقد لقيمته، لأنّ عبارات نص المادّة 16 واضحة و لا تحتاج إلى تفسير بخصوص نطاق الأمر بالحفظ، بحيث ورد النّص عاما و شاملا لجميع البيانات بدون استثناء ( بيانات المرور، بيانات المحتوى، بيانات المشترك)، و إن جاء التّركيز على بيانات المرور فإنّ المذكرة التّفسيرية أرجعت ذلك إلى سرعة زوال هذا النّوع من البيانات و أيضا لقيمتها في نسبة الجريمة إلى مقترفها، و من ثم لا يترتب البطلان إذا ما جاء أمر الحفظ شاملا، و الشّمول في أمر الحفظ لم تستثنه أيّ إتفاقية دولية( ) أو تشريع داخلي( ). غير أنّ صفة التّوسع الّتي ينطوي عليها أمر الحفظ، يقتصر مدلولها على جميع البيانات حسب التّقسيم المتعارف عليه (بيانات المرور، بيانات المحتوى ، بيانات المشتركين) من حيث النوع، دون أن تفيد معنى الشّمول العام، بحيث يقع باطلا كل أمر بالحفظ العاجل للبيانات المخزنة لا يراعي مبدأ التّناسب و الضّرورة، فلصحته وجب أن يكون الأمر بالحفظ مقيّدا من حيث موضوعه ببيانات محدّدة بغض النّظر عن نوعها، و أن تكون مرتبطة بالقضية الّتي يجري التّحقيق فيها، و أن يراعي قدر الإمكان تحديد تاريخ توالدها بحصرها في النّطاق الزّمني لوقوع الجريمة دون أن يمتدّ إلى تاريخ سابق عن حدوثها، تحقيقا لمبدأ التّناسب بين حق الدّولة في إتخاذ هذا التّدبير و بين مصلحة الفرد في حماية حقه في الخصوصية. فهذا الإجراء لا يتعلّق سوى بالبيانات المعلوماتية الموجودة قبل صدور أمر الحفظ أو كانت في طور التّخزين عند إصدار الأمر بالحفظ العاجل، لذا فإنّه من الأهمية بمكان إقامة تفرقة بين مصطلحي "حفظ البيانات" و "الاحتفاظ و أرشفة البيانات"، فرغم أن للكلمتين معنيين متجاورين في اللّغة الشّائعة لكن لهما معنى مختلف في لغة المعلوماتية. إذ أن عبارة "حفظ البيانات" تعني حفظ بيانات سبق وجودها في شكل مخزّن و حمايتها من كل شيء يمكن أن يؤدي إلى إتلافها أو تجريدها من صفتها الراّهنة، في حين فإنّ عبارة "الاحتفاظ بالبيانات" تعني حفظ بيانات لدى حائزها بالنّسبة لمستقبل البيانات في طور الإنتاج و التّوالد فأرشفة البيانات يشير إلى تجميع البيانات في الوقت الحاضر و حفظها أو حيازتها في أرشيف أي وضعها في ترتيب معيّن و الإحتفاظ بها في المستقبل و معنى ذلك أنّ "أرشفة البيانات" عبارة عن عملية تخزين للبيانات على عكس "حفظ البيانات" الّذي يعني النّشاط الّذي يضمن للبيانات سلامتها و سريتها( ). و هذا الضّمان الإجرائي نصّت عليه ديباجة التّوجيه الأوروبي رقم 93 لسنة 2011 مؤكدة بأنّ هذه الوسيلة الإجرائيّة لا تسمح بالإحتفاظ سوى بالبيانات المخزّنة بالفعل لدى مزوّد الخدمة وقت إستلام الأمر، و لا يجوز الوصول إلى بيانات توالدت بتاريخ لاحق لتبليغ الأمر إلى مزوّد الخدمة، و نعتقد أنّ هذا الضّابط الإجرائي يعتبر بمثابة حد فاصل بين التّفتيش و المراقبة، ففي حالة ما إذا تضمّن الأمر بالحفظ واجب جمع أو تسجيل المعلومات المرسلة بواسطة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في الوقت الحاضر أو بالنّسبة للبيانات المتوالدة مستقبلا، فإنّ هذا الإلتزام يجعل الإجراء بمثابة اعتراض للمراسلات، و يخرجه من دائرة التّفتيش، و هو ما يترتّب عليه البطلان نظرا لاختلاف الضّوابط الإجرائيّة بين التّفتيش و المراقبة بشكل كبير جدا و جاز في هذه الحالة لمزوّد الخدمة الإمتناع عن الإنصياع للأمر لعدم مشروعيته عن طريق منحه الحق في الإعتراض أمام القضاء. و يوجد أيضا ضابط إجرائي آخر لم تشر إليه الاتفاقيات الدّولية المار بيانها، و قد إستدركه المشرّع الأوروبي ضمن مقترح التّوجيه المتعلّق بأوامر تقديم و حفظ الأدلّة الجنائية الإلكترونية بين دول الإتحاد الأوروبي، و يتعلّق بنوع الجريمة موضوع التّحقيق، بحيث يكون التّوسّع و الضّيق في نطاق الأمر بالحفظ مقيّد أيضا بطبيعة الجريمة من حيث درجة خطورتها، باعتبار أنّ بيانات المشتركين و بيانات النّفاذ أقل خطورة على الحق في الخصوصية إذا ما قورنت ببيانات المحتوى، فإنّ الفئة الأولى من البيانات قد يستغرق الأمر بالحفظ بمناسبة التّحقيق في شتّى الجرائم بينما يخضع الأمر بحفظ الفئة الثّانية (بيانات المحتوى) لقيود أشدّ صرامة( ) . فلا يجوز أن يصدر أمر بحفظ البيانات المتعلّقة بالمحتوى إلاّ إذا كان بقصد جمع دليل معلوماتي لإثبات جريمة لا تقل عقوبتها عن ثلاثة سنوات أو كانت تمثّل جريمة من جرائم الإحتيال و التّزوير المرتكبة بشكل كلي أو جزئي بوساطة نظم المعلومات( )، و جرائم الإستغلال الجنسي للقصر( )، و الجرائم الإرهابية( )، و ذلك منعا من اللّجوء المفرط لهذه الوسيلة القسرية، إذ يُستبعد من نطاق التّطبيق عددًا كبيرًا من الجرائم الّتي تعتبرها الدّول الأعضاء أقل خطورة. و مع ذلك فإنّ البرلمان الأوروبي لم يستبعد إمكانية اللّجوء إلى هذه الوسيلة الإجرائيّة متى كانت العقوبة المقررة للجريمة تقلّ عن ثلاثة سنوات و لكن يمكن أن تسبّب ضررًا خطيرًا ، لاسيما في الحالات الّتي يكون فيها الضّرر الفردي منخفضًا و لكنه يمتدّ إلى عدد كبير من الضّحايا بشرط عدم إمكانية إثباتها سوى من خلال الدّليل المعلوماتي( ). و من الضّمانات الهامة الّتي أغفلت التّشريعات النّص عليها، و هي عدم جواز إصدار أمر بالحفظ و لو إنصبّ على بيانات المرور فقط، إلاّ بشأن التّحقيق في الجرائم الّتي ارتكبت بالفعل سواء كان مرتكب الجريمة معروفا أو مجهولا لدى سلطة التّحقيق، و معنى ذلك أنّه يقع باطلا كل أمر يرمي إلى حفظ البيانات بقصد التّحقيق في أفعال تحضيرية و من جهة أخرى فإنّ هذه البيانات تكون محفوظة لدى مزوّد الخدمة بقوة القانون طبقا للإلتزام بالحفظ الشّامل للبيانات، و هنا وجب التنويه إلى مسألة غاية في الأهمّية تقيم فارقا بليغا بين الأمر بالحفظ العاجل للبيانات و بين الإلتزام بحفظ البيانات، فالتّشريع الجزائري أسقط بيانات المحتوى من نطاق الإلتزام بالحفظ و هدفه هو المحافظة على الحريات الفردية، إلّا أنّ هذا النّوع من الأدلّة غالبا ما يشكّل دليلا كاملا ينصبّ مباشرة على الواقعة موضوع الإثبات( ). و لا مراء أنّ إدخال هذه الفئة من البيانات ضمن الإلتزام باستبقاء البيانات يشكّل إهدارا صارخا للشّرعية الإجرائيّة و كشفا صارخا لستار السّرية بشكل غير ضروري و هو موقف جميع التّشريعات المقارنة لاسيما التّشريعات الأوروبية( )، و لا سبيل للخروج من هذا المأزق سوى بتبني الأمر بالحفظ العاجل لبيانات المحتوى لأنّه يستهدف فردا محدّدا قامت في حقه مجموعة من القرائن الّتي ترجح ضلوعه في ارتكاب الجريمة موضوع التّحقيق و مع حصره ضمن نطاق زمني مرتبط بالواقعة الإجرامية لأنّ الموقف التّشريعي الحالي يهدر الفعّالية و الشّرعية معا. ثانيا: القيود الزّمنية للأمر بالحفظ العاجل للبيانات لا ريب أنّ الأمر بالحفظ العاجل للبيانات الحاسوبية يمثّل وسيلة قسرية تنطوي على مساس بالحق في الخصوصية، إذ أنّ واقعة تواصل و استمرار حفظ البيانات و تخزينها تشكّل تعارضا مع حق الفرد في الدّخول في طي النّسيان Le droit à l oubli numérique، و يعني ذلك أنّ المشكلة تتمثل في القدرة على الإحتفاظ بالبيانات الشّخصية لدى طرف آخر لمدة زمنية قد تطول و هو ما يهدّد الأفراد مستقبلا بظهور بياناتهم( ). لهذا السّبب نجد أنّ إتفاقية بودابست قد حرصت على أهمية تحديد المدّة القصوى لنطاق الأمر بحفظ البيانات المعلوماتية المخزّنة تحقيقا لمبدأ التّناسب و الضّرورة ، بحيث لا يجوز أن يجبر مزوّد الخدمة بحفظ و سلامة هذه البيانات لمدة تفوق 90 يوما، و قد اعتبرت أنّ هذه المدّة الزّمنية كافية للسّماح للسّلطات المختصّة لاتخاذ إجراءات قانونية أخرى كالتّفتيش و الضّبط و الولوج إلى البيانات أو الحصول بطريقة مشابهة أو إرسال أمر بالإنتاج (التّقديم و التّسليم) بغرض الكشف على هذه البيانات و الإفصاح عنها إلاّ أنّها أجازت تجديد الأمر بالحفظ( ). و نفس الإطار الزّمني تبنته الإتفاقية العربية لمكافحة جرائم تقنية المعلومات( )، أمّا مشروع اتفاقية الأمم المتحدة للتّعاون في مكافحة الجريمة الإلكترونية فإنّه أجاز إجبار مزوّد الخدمة بحفظ البيانات وصون سلامتها لمدة زمنية أقصاها 180 يوما، لتمكين السّلطات المختصّة من السّعي إلى الكشف عن تلك البيانات مع إمكانية تجديد الأمر لاحقا( )، في حين نجد أن إتفاقية الإتحاد الإفريقي بشأن أمن الفضاء الإلكتروني و حماية البيانات ذات الطّابع الشّخصي قد مددت هذا النّطاق الزّمني بشكل مبالغ فيه يصل إلى سنتين كاملتين( )، و هو ما يناقض الغاية من حفظها، في وقت يحدث هذا التّوجه الأخير للمشرّع الافريقي تناقضا في الإلتزامات الدّولية المفروضة بموجب الإتفاقيات المساقة آنفا حين مصادقة الدّولة على هذه الإتفاقيات معا. بالعودة إلى التّشريع المقارن نجد أنّ المشرّع الفرنسي ساوى بين مدة الإلتزام العام الملقى على عاتق مزودي الخدمات في إطار الإحتفاظ الشّامل للبيانات حركة السّير بموجب المادّة 34 من قانون البريد الإتصالات الإلكترونية و المادّة 01 من المرسوم 358/2006 المتعلّق بحفظ معطيات الإتصالات الإلكترونية( )، مع مدة الأمر بالحفظ في سياق التّحقيق إذ نصّت المادّة 60 ق إج على جواز المطالبة بحفظ البيانات لمدة سنة، دون أن ينص على جواز تجديدها( ). أمّا التّشريعات العربية كالتّشريع القطري( )، و البحريني( )، فقد حافظا على المدة الّتي حددتها الإتفاقية العربية و المقدرة بـ 90 يوما كحد أقصى مع جعلها قابلة للتّجديد بموجب أمر مسبّب قبل ثلاثة أيام من إنقضاء المدة الأولى، أمّا التّشريع المصري فقد قلّص المدة بشكل كبير جدا بحيث لا يجوز أن تتجاوز 30 يوم و هذه المدة غير قابلة للتّجديد سوى مرة واحدة( )، أما قانون الكامولث النّموذجي المتعلّق بالجرائم الحاسوبية و الجرائم المتصلة بالحاسوب فقد قلّص المدة إلى 7 أيام فقط قابلة للتّجديد بموجب المادّة 15 منه( )، و هو ما يحسب لهذا التّشريع في محاولة منه لترجيع اعتبارات الشّرعية قدر الإمكان و حفظ الحق في الدخول في طي النّسيان. أمّا مقترح البرلمان الأوروبي المتعلّق بأوامر إنتاج و حفظ الأدلّة الجنائية الإلكترونية بين دول الإتحاد الأوروبي، فقد أشارت دباجته إلى تقليص النطاق الزّمني للأمر بالحفظ إلى مدة أقصاها 60 يوما ما لم يبلّغ مزوّد الخدمة بالأمر بالتّسليم، فإن لم يتلق مزوّد الخدمة خطوات رسمية أخرى يتحتّم على هذا الأخير حذف البيانات بعد فوات أجل 60 يوما من تاريخ تبليغه الأمر بالحفظ( ) ، و هو ما ينطبق على الفترة الزّمنية الّتي حددتها إتفاقية بودابست بموجب المادّة 29 و الإتفاقية العربية لمكافحة جرائم تقنية المعلومات بمقتضى المادّة 37 بخصوص الأمر بالحفظ الدّولي. ثالثا: الإشراف القضائي على إجراء الأمر بالحفظ العاجل للبيانات و تسليمها لا قيمة للشّرعية بنوعيها(الدّستورية و القانونية) ما لم يتوافر الضّمان القضائي الّذي يكفل حماية الحقوق و الحرّيات من خطر المساس بها عند إتخاذ الأمر بإجراء حفظ البيانات المعلوماتية المخزّنة، فإذا كانت الضّمانات الّتي توفّرها قاعدة مشروعية الدّليل الجنائي للمتهمين تقتضي معاملتهم بوصفهم أبرياء حتّى يصدر حكم بات بإدانتهم من ناحية، و تتطلب أن يكون القانون هو الأداة الّتي تنظّم استعمال الحرية من ناحية أخرى، فإنّ هذه الضّمانات تكون عديمة الأثر ما لم تكن هناك سلطة قوية تكفل مراعاتها و تضمن بذاتها احترام الحرّية الشّخصية و ترد الاعتداء الواقع عليها( ). و كون الأمر بالحفظ من مقدمات إجراء الضّبط الرقمي، فهو بذلك يعتبر عملا من أعمال التّحقيق و معنى ذلك أنّه عمل قضائي لأنّ التّحقيق وظيفة قضائية، فالصّفة القضائية في من يأمر أو يأذن بالأمر بالحفظ ضمانا هاما باعتباره إجراء يقيّد الحق في الخصوصية المعلوماتية. و هذا المبدأ المعبّر عنه بأنّ "القضاء هو الحارس الطّبيعي للحرّيات" ( ) يتمتع بالطابع الدّستوري، و في هذا الصّدد تنص المادّة 46 من الدّستور الجزائري "لا يجوز انتهاك حرمة حياة المواطن الخاصة، و حرمة شرفه، و يحميها القانون...لا يجوز بأيّ شكل المساس بهذه الحقوق دون أمر معلّل من الّسلطة القضائية...". الحقيقة أن هذا الضّمان الدّستوري يثير تساؤلا بالغ الأهمية يتعلّق مضمونه بالمقصود "بالسّلطة القضائية"؟ هل سلطة إصدار الأمر بحفظ البيانات الحاسوبية المخزّنة و إنتاجها يقتصر على سلطة التّحقيق أم يمتدّ أيضا إلى سلطة الإتهام؟ لم تجب كل من إتفاقية بودابست و الإتفاقية العربية لمكافحة جرائم تقنية المعلوماتية على هذا التّساؤل، بيد أنّ إتفاقية الإتحاد الإفريقي بشأن أمن الفضاء الإلكتروني و حماية البيانات ذات الطّابع الشّخصي جعلت سلطة إتخاذ هذا الإجراء من إختصاص سلطة التّحقيق على وجه التّحديد بموجب نص صريح قاطع الدلالة ( المادة31 فقرة 3 بند ج). و في هذا الإطار نجد أنّ المشرّع الفرنسي خوّل النّيابة العامة هذه السّلطة و لكن بإذن من قاضي الحرّيات و الحبس بموجب المادّة 60 فقرة 02 من قانون الإجراءات الجزائية، و هو موقف المشرّع المصري( )، و إن خوّل التّشريع القطري و البحريني هذه السّلطة إلى النّيابة العامة( )، فإنّ التّشريع البحريني جعل أمر تجديد هذه المدة الزمنية من إختصاص المحكمة الجنائية الكبرى( ). أمّا بخصوص مقترح البرلمان الأوروبي المتعلّق بأوامر إنتاج و حفظ الأدلّة الجنائية الإلكترونية بين دول الإتحاد الأوروبي فهي تحدّد السّلطة المختصة بإصدار الأمر بالحفظ و الإنتاج بحسب طبيعة البيانات المستهدفة و أثرها على الحق في الخصوصية، فنظرا لكون الأمر بحفظ بيانات المشترك و بيانات النّفاذ أقل تقييدا للحرية الفردية فقد أجازت لجهة الإتهام سلطة اللّجوء إلى هذه الوسيلة ضمن هذه الحدود الموضوعية، أما إذا تعلّق الأمر ببيانات المحتوى فلا يجوز أن يصدر الأمر بالحفظ و التّسليم سوى من قبل سلطة التّحقيق ( قاضي المحكمة أو قاضي التحقيق)( ) . في هذا السّياق أشارت المذكرة التّفسيرية لاتفاقية بودابست إلى أنّ عبارة "الأمر أو الحصول بطريقة مماثلة" تشير إلى إمكانية استخدام أساليب قانونية أخرى لتحقيق الحفظ بالاكتفاء بأمر قضائي أو إداري أو توجيهات من المدعي العام أو الشّرطة" بحيث تتيح هذه العبارة مرونة مقصودة بغية تمكين الدّول من تنفيذ هذا الإجراء بشكل سريع( ). لذا يرى جانب من الفقه أنّ أهمية الأمر بالحفظ لا تتحقّق سوى بالتّصرف الفوري و السّريع، فيكون من المفيد التّخلي عن اقتضاء صدور إذن قضائي مسبق و تمكين الإدعاء أو الضّبطية القضائية من إصدار أمر بالحفظ لأنّ ذلك سيمكِّن تلك السّلطات المختصّة من التّصرف بسرعة أكبر، أما حماية حقوق المتّهم فتتحقّق في المرحلة الإجرائيّة الموالية للأمر بالحفظ أي في مرحلة الإنتاج و الإفصاح عن مضمون هذه البيانات أين يفرض الضّمان القضائي( ). و تحقيقا لهذه الغاية نجد أنّ المشرّع البلجيكي قد بادر بإدخال تعديلات على قانون التّحقيق الجنائي بمقتضى قانون 25 ديسمبر 2016 الرّامي إلى تحسين أساليب التّحقيق الجنائي المعلوماتي، أين سمحت المادّة 3 من هذا القانون لأيّ ضابط من ضباط الشّرطة القضائية إذا كان هناك سبب للإعتقاد بأنّ البيانات المخزّنة أو المعالجة أو المنقولة عن طريق نظام حاسوبي عرضة بشكل خاص للضّياع أو التّعديل، أن يأمر بموجب قرار كتابي شخص أو أكثر من الأشخاص الطّبيعيين أو الأشخاص الإعتباريين للحفاظ على البيانات الموجودة في حوزتهم أو سيطرتهم، و في حالة الإستعجال يجوز التّخلي عن شرط القرار المكتوب مع إستدراكه لاحقا تحت طائلة عقاب مزوّد الخدمة في حالة إتخاذه موقفا سلبيا( ). في اعتقادنا فإنّ توجه المشرّع البلجيكي يميل إلى ترجيع اعتبارات الفعالية، قد يكون هذا الموقف مبرّرا من منظور الشّرعية الإجرائيّة إلى حد ما، كون الأمر بالحفظ في حقيقته لا يعدو أن يكون مجرد إجراء سابق عن الضّبط الرقمي و لا يقع بموجبه الضّبط بمفهوم القانون، إذ أنّ البيانات المستهدفة بموجب هذا الأمر، لا تنتقل حيازتها إلى السّلطة الإجرائيّة بل تبقى تحت سيطرة مزوّد الخدمة، يلزم من خلاله بالحفاظ عليها و عدم حذفها إلى حين إصدار الأمر بالإفصاح و الّذي بمقتضاه تضع سلطة التّحقيق يدها على هذه البيانات. و هذا الموقف الّذي تبناه المشرّع البلجيكي مستمد من طبيعة هذه القرارات الّتي لا تحتمل التّأجيل تحت طائلة فقدانها لفعاليتها إذ لو إعتمد حلا مغايرا بشأنها لأضحت الأدلّة عرضة للضّياع، و من الملاحظ هنا أنّ ضرورة فعّالية الإجراء تتقدم على ضرورة شرعية هذا الأخير، و هو الموقف الّذي أشارت إليه إتفاقية بودابست و استوضحته مذكرتها التّفسيرية على أساس أنّ التّنازل على هذا الضّمان سيمكّن السّلطات المختصة من التّصرف بسرعة أكبر في حين تتحقّق حماية حقوق المتّهم باقتضاء إصدار إذن قضائي للإفصاح عنها( ). و نحن نخالف هذا التوجه بالسّماح للضّبطية القضائية باتخاذ هذه الوسيلة الإجرائيّة دون أي ضمان قضائي، لأنّ هذا التّدبير يبقى من الأعمال القضائية الّتي تحرص في إذنها على مراعاة الكثير من الضّوابط الإجرائيّة الّتي تحفظ الحق في الخصوصية كمبدأ الضّرورة و مبدأ التّناسب و شرط التّحديد في البيانات المطلوبة، و درجة ارتباطها بالجريمة الجاري التحقيق بشأنها و فائدتها في إظهار الحقيقة، و مدى كفاية القرائن المتوافرة الّتي تسمح باتخاذ هذا الإجراء و حماية البيانات الخاضعة للسّرية المهنية، لذا ينبغي عدم جعل الحرّيات الفردية خاضعة للسّلطة التّقديرية للضّبطية القضائية نهائيا، فهو يبقى من الإجراءات الاستثنائية القضائية. ختاما، فإنّ هذا الإجراء في الغالب يمكن أن يؤدي إلى تحديد منبع و مصب الإتصال و تحديد هوية الفاعل أو على الأقل النّهاية الطّرفية الّتي تم من خلالها الإرسال، و هو ما يعتبر قرينة قوية تؤسّس لطلب الإذن بتفتيش بيانات أحد طرفي الإرسال أو غيرهما حسب ما تكشف عنه ظروف الواقعة، تمهيدا لمباشرة الخطوة الثّانية و هي "مرحلة التّفتيش المعلوماتي" أين يصطدم القائم بالتّفتيش بكم هائل من البيانات تختلط فيه البيانات البريئة مع البيانات المجرّمة الّتي تشكل موضوعا للدّليل مع استحالة معرفة موقع هذه الأخيرة قبل تنفيذ التّفتيش و امتداده إلى عدد كبير منها بما يتجاوز الغاية من التّفتيش كضمان أساسي لحماية الحرّيات الفردية إلى استباحة أسرار الأفراد. و لعلّ هذه المشكلة تعدّ من المشكلات الكبرى الّتي شكّلت هاجسا للفقه و القضاء، فكيف يمكن استعادة الحدود التّقليدية للتّفتيش في بيئة رقمية تنعدم فيها الحدود المادية؟ ذلك ما نحاول أن نجيب عنه في الفصل الثاني.
الفصل الثاني ضـــوابـط التّفتيـش عن الأدلّة المعلوماتيّة التّفتيش عن الأدلّة المعلوماتيّة إجراء قانوني يمسّ الحرِّيَّات الشّخصية لذلك تحرص مختلف التّشريعات على إحاطته بقيود و ضمانات أساسية سعيا لتحقيق التّوازن بين اعتبارات مصلحة الهيئة الإجتماعية في التّوصل إلى الحقيقة و بين حقوق الأفراد و حرياتهم، و من بين هذه الضّمات الّتي ينبغي توافرها لإجراء التّفتيش عن الأدلّة المعلوماتيّة ما هو موضوعي (مبحث أول)، و منها ما هو شكلي (مبحث ثاني).
المبحث الأوّل الضّوابط الموضوعية للتّفتيش عن الأدلّة المعلوماتيّة الأصل أنّه لا يوجد في القانون حق مطلق، لذا فإنّ حق الهيئة الإجتماعية في اللّجوء إلى التّفتيش عن الأدلّة المعلوماتيّة إعمالا لحقها في الحفاظ على كيان المجتمع و ردع المجرمين، يظل محاطا بجملة من الشّروط الّتي تقيد استعماله و ترسم حدوده، فلا يجوز لها إعمال هذا الإجراء الخطير إلاّ إذا قام السّبب الّذي يبرّر المساس بالحرِّيَّات الفرديّة (مطلب أول)، مع وجوب قصره على محل معيّن(مطلب ثاني). المطلب الأوّل: سبب التّفتيش المعلوماتي لا يمكن إنتهاك الحرِّيَّات الفرديّة إلاّ إذا قام مبرّر في القانون لهذا الإنتهاك، و هو وقوع الجريمة سعيا للوصول إلى الدّليل بقصد إستظهار الحقيقة (فرع أول)، مع توافر دلائل كافية على وجوده في مكان معيّن (فرع ثاني)، و توجيه الإتّهام لشخص بارتكاب هذه الواقعة الجرمية (فرع ثالث). الفرع الأوّل: التّحقق الفعلي لجريمة من نوع جناية أو جنحة سبب التّفتيش هو البحث عن الدّليل المعلوماتي و استرجاعه، و هذا السّبب لا ينشأ إلاّ بعد وقوع الجريمة، فحق الهيئة الاجتماعية في اتخاذ هذا الإجراء لا ينشأ إلا بتحقق الفعل المجرّم، لذا يحظر التّفتيش عن الأدلّة المعلوماتيّة لمجرد التّحوط لجريمة مستقبلية (أولا)، بل لابد أن تبلغ هذه الجريمة من الخطورة ما يسمح بالتّعرض للحقوق الفرديّة و الحرِّيَّات الشّخصية (ثانيا). أولا: الوقوع الفعلي للجريمة على الرغم منأنّ ضابط الوقوع الفعلي للجريمة يعتبر من الضمانات الجوهرية الّتي تحول دون الافتئات على الحرِّيَّات الفرديّة دون مبرر يسوغ ذلك، إلا أنّ المشرّع الجزائري لم يعتمد هذه القاعدة على إطلاقها، بل أجاز التّفتيش عن الأدلّة المعلوماتيّة في سياق التّحوط من بعض الجرائم المستقبلية الّتي تهدّد الأمن الوطني، و يتحتّم علينا تبعا ذلك، أن ندفع بهذه القاعدة (أ) و الإستثناءات الواردة عليها إلى دائرة الضوء(ب).
أ)- حظر التّفتيش المعلوماتي في سياق التّحوط لجريمة مستقبلية نعني بسبب التّفتيش المعلوماتي "الواقعة المنشئة للسّلطة في التّفتيش"، أي الواقعة الّتي تخوّل للمحقّق الحق في أن يصدر أمرا بالتّفتيش( )، لذا فإنّه من القواعد الإجرائية المهمّة أنّ التّحقيق لا يباشر إلاّ بعد وقوع فعل يعدّ في نظر القانون جريمة، فلا يجوز الأمر بالتّفتيش لضبط أدلّة في جريمة مستقبلية و لو قامت التّحريات و الدّلائل الجدية على أنّها ستقع بالفعل( )، معنى ذلك أنّ الإذن بالتّفتيش إنّما يصدر لضبط دليل جريمة تحقّق وقوعها من مقارفها لا لضبط جريمة محتملة، و هو شرط يقتضيه المنطق السّليم لأنّ التّفتيش من إجراءات التّحقيق، الّذي يسعى لغاية محدّدة و هي التّوصل إلى حقيقة الواقعة الإجرامية، و من غير المتصوّر القيام بأيّ إجراء من إجراءات التّحقيق قبل وقوع الجريمة. و لما كان سبب التّفتيش هو الحصول على الدّليل في تحقيق قائم مع قيام القرائن على وجود ذلك الدّليل لدى شخص معيّن أو في مسكنه أو أيّ محل آخر، فإنّ تلك العلّة هي الّتي تدفع السّلطة المختصّة إلى إصدار قرارها بالتّفتيش و مباشرته، و هذا المعنى تمليه القواعد العامة في القانون، و لأهمية هذا القيد في حماية الحرِّيَّات الفرديّة من كل تعسف رأى المشرّع ضرورة النّص عليه صراحة في القانون، حيث تنص المادّة 44 من قانون الإجراءات الجزائية على أنّه "لا يجوز لضباط الشّرطة القضائية الإنتقال إلى مساكن الأشخاص الّذين يظهر أنّهم ساهموا في الجناية أو أنّهم يحوزون أوراقا أو أشياء متعلّقة بالأفعال الجنائية المرتكبة لإجراء تفتيش إلاّ بإذن مكتوب صادر من وكيل الجمهورية أو قاضي التّحقيق مع وجوب الإستظهار بهذا الأمر قبل الدّخول إلى المنزل و الشّروع في التّفتيش"، فعبارة "أنّهم ساهموا في الجريمة" تفيد تحقّق الجريمة بتاريخ سابق عن اللّجوء إلى التّفتيش، و هذه القاعدة عامة تنطبق على كافة صور التّفتيش دون أن تقتصر على تفتيش المساكن، لأنّ عموم النّص لا يصحّ تخصيصه دون سند. و يعدّ هذا الشّرط بمثابة الشّرط المفترض و الشّرط الأولي، و مردّ ذلك إلى أنّ الغاية النّهائية من إصدار إذن التّفتيش هي ضبط دليل أو أكثر يؤكد أو ينفي نسبة الجريمة إلى الخاضع للتّفتيش، سواء كان لديه في شخصه أو شخص غيره أو في مسكن أو مسكن غيره، فإذا لم تكن هناك جريمة على هذا النّحو فلن تكون هناك حاجة إلى إصداره لانتفاء السّبب، و يوصف هذا الشّرط بكونه الشّرط الأساسي بحكم دوره الهام في إصدار إذن التّفتيش و صحته، بمعنى أنّ مفترضات بحث صحة إصدار الإذن و صحة الإجراءات السّابقة على صدوره تبدأ من هذا الشّرط( ). فإذا صدر أمر بتفتيش مسكن لأنّ التّحريات دلّت على أنّ الشّخص المقيم فيه سيحوز في اليوم الموالي مواد مخدرة عقد العزم على شرائها أو أنّه سيتقاضى مبلغا على سبيل الرّشوة فالأمر في الحالّتين باطل و يبطل التّفتيش ذاته و ما يتولّد عنه من أدلة( )، و هكذا يتضح لنا من تحليل مفهوم وقوع الجريمة على النّحو المتقدّم أنّ جوهر هذا الشّرط يتمثّل في التّأكيد على عدم صحة إجراء التّفتيش حتّى و لو كان بموجب إذن قضائي متى كان ذلك بقصد الكشف عن جريمة غير معلوم إرتكابها للسّلطة الآمرة، و من ثمّ يفقد هذا الإجراء الغاية الأساسية لإقراره و الّتي تتمثّل في اعتباره وسيلة جمع أدلّة الإثبات في المواد الجنائية( ). ب)- الاستثناء الوارد على قاعدة حظر التّفتيش المعلوماتي لمنع وقوع الجريمة قدمنا أنّ قاعدة وجوب التّحقّق الفعلي للجريمة، كشرط مسبق لنشوء حق الهيئة الإجتماعية في اللّجوء إلى التّفتيش المعلوماتي يعتبر بمثابة خط دفاع أولي ضد أي إنحراف أو تسعف قد تقدم عليه هذه الأخيرة، لما ينطوي عليه هذا الإجراء من خطورة المساس بحرمة النّظام المعلوماتي الّتي تتجاوز بكثير الحرمة المكرّسة ليس فقط للمساكن بل تتعدى حرمة غرفة النّوم أيضا، و بالرّغم من خذه الحقيقة إلاّ أنّ المشرّع الجزائري أهدر هذا الضّمان الإجرائي الهام بأن أورد عديدا من الاستثناءات على هذه القاعدة الوقائية. واقع الأمر أنّه بالرّجوع إلى نص المادّة 5 من القانون 09/04 الّذي يتضمّن القواعد الخاصة بالوقاية من الجرائم المتصلة بتكنولوجيا الإعلام و الإتصال و مكافحتها الّتي تحيلنا بدورها على المادّة 4 من نفس القانون، يتبيّن أنّ المشرّع يسمح باللّجوء إلى التّفتيش المعلوماتي و لو لم يتحقّق الوقوع الفعلي للجريمة في حالّتين، أولا "للوقاية من الأفعال الموصوفة بجرائم الإرهاب أو التّخريب أو الجرائم الماسة بأمن الدّولة". و ثانيا "في حالة توافر معلومات عن إحتمال إعتداء على منظومة معلوماتيّة على نحو يهدّد النّظام العام أو الدّفاع الوطني أو مؤسسات الدّولة أو الإقتصاد الوطني"، مما مقتضاه أنّه أجاز التّفتيش المعلوماتي لتوقي خطر جريمة يحتمل وقوعها في المستقبل، و في اعتقادنا فإنّ هذا النّص مخالف لمبدأين هامين في القانون، مبدأ إفتراض البراءة و مبدأ وضوح النّص الجنائي. 1 ) مخالفة مبدأ إفتراض البراءة إنّ التّسامح الملحوظ من طرف المشرّع بخصوص الاستثناءات الّتي أوردها على قاعدة حظر التّفتيش المعلوماتي لاكتشاف الجريمة و منع وقوعها، يعدّ مساسا خطيرا بضمانات دستورية و يتنافى مع مبدأ إفتراض البراءة، لأنّ الغاية من التّفتيش قضائية و هي البحث عن الأدلّة ، مما يستلزم تمييزها عن الأغراض الإدارية أو البوليسية، و من أهمّ الأغراض ذات الطّابع الإداري أو البوليسي الّتي قد تختلط مع هذه الغاية القضائية، هو البحث عن الجرائم لكشفها و منع وقوعها أو منع تمامها، فصيانة الأمن بمنع وقوع الجريمة غاية جليلة و غرض نبيل، لكنها ليست غرضا قضائيا و لذلك فمهما يكن من نبل هذا الهدف و سموه، فإنّه لا يجوز إجراء التّفتيش لتحقيقه( )، " فالإحتياط لمنع إرتكاب الجرائم هو عمل من أعمال الضّبطية الإدارية و لا يبرر القانون إتخاذه أساسا للإذن بالتّفتيش"( ). فالأصل أنّ عمل السّلطة القضائية لا يبدأ إلاّ بعد تحقّق الجريمة و ليس قبل ذلك، إذ أنّ وقوع الجريمة هو الّذي يشكّل الحد الفاصل بين الإجراءات القضائية بما فيها التّفتيش و الإجراءات الإدارية المشابهة لها و الّتي لا يجوز أن تصل إلى فرض إجراءات مقيّدة لحرّيات الأفراد، لذا نرى أنّ التّفتيش المعلوماتي لتوقي خطر وقوع جريمة محتملة وجب إعتباره غير مشروع، فالمشرّع بمقتضى هذا النّص استبدل المبدأ الطّبيعي المعبّر عنه بمبدأ إفتراض البراءة بقرينة الإدانة La Présomption De Culpabilité، لأنّ الغرض من التّفتيش في هذه الحالة لم يكن لغاية جمع الأدلّة بل لمنع حدوث جريمة محتمل وقوعها مستقبلا. و لا معنى لأصل البراءة –الّذي يشكّل سياجا لحماية الحرّية الشّخصية في مواجهة كل إجراء تتخذه السّلطة و في أيّ مرحلة من المراحل الإجرائية للإثبات الجنائي- إذا أجيز تفتيش النّظم المعلوماتيّة لفرد من أفراد الهيئة الإجتماعية لمجرد إحتمال وقوع جريمة في المستقبل. ذلك أنّ أصل البراءة ليس إلاّ تأكيدا للأصل العام و هو حرية المتّهم، مما يترتب عليه ضرورة حماية جميع الحقوق و الحرِّيَّات و الّتي بغيرها يفقد أصل البراءة معناه، فالحرّية لا يمكن أن ترتفع من خلال إنتهاكات للحقوق و الحرِّيَّات الّتي تكون معها وحدة متكاملة هي كرامة الإنسان( )، بل إنه لا يمكن أصلا الحديث عن هذا الضمان إلاّ بعد وقوع الجريمة و توجيه الاتهام. غير أنّ المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان قررت شرعيّة الإجراءات الماسة بالحرِّيَّات الشّخصية الّتي تتخذ في سبيل الوقابة من الجرائم الخطيرة الّتي تهدّد حياة الأمة و حصرت ذلك في نطاق الظّروف الإستثنائية و قالت المحكمة "إنّ المجتمعات الدّيمقراطية اليوم مهدّدة بأشكال بالغة التّعقيد من التّجسس و الإرهاب، و حتّى تتمكّن الدّولة من مكافحة هذه التّهديدات بفعالية، و مراقبة العناصر الهدامة الّتي تعمل على أراضيها سراً، فإنّ وجود أحكام تشريعية تمنح السلطات المراقبة السّرية للمراسلات و الطّرود البريدية و الإتصالات السّلكية و اللاّسلكية، في مواجهة وضع استثنائي، أمر ضروري في مجتمع ديمقراطي، و الأمن الوطني و إنفاذ القانون، و منع الجرائم" ( ). لا جدال في أنّ الظّروف الإستثنائية تسمح بوضع قيود على الحرِّيَّات الفرديّة أوسع نطاقا مما تتضمّنه الإجراءات الجنائية في ظل الشّرعية الإجرائية في الظّروف العادية( )، لكنه عند تقييم ضرّورة تدبير معيّن، تشدّد اللّجنة المعنية بحقوق الإنسان في تعليقها العام رقم 27 على المادّة 12 من العهد الدّولي الخاص بالحقوق المدنيّة و السّياسية على "عدم إعاقة جوهر الحق من جرّاء القيود و يجب ألاّ تُقلَب العلاقة بين الحق و القيد، بين القاعدة و الإستثناء، و ينبغي للقوانين الّتي تجيز تطبيق القيود أن تستخدم معايير دقيقة، و لا يجوز لها أن تمنح المسؤولين عن تنفيذها حرية غير مقيّدة للتّصرف حسب تقديراتهم" ( )، فحتّى في هذه الحالة وجب قيد نطاق أعمال هذه الإجرائية الإستنثائية ضمن حدود الضّرورة بموجب قوانين واضحة و محدّدة تجنبا لأيّ تعسّف في تطبيقها، و هو ما يقودنا إلى الضّمان الثّاني الّذي أهدره المشرّع الجزائري. 2)- مخالفة مبدأ وضوح النّص الجنائي الإجرائي لا تتوقف مستلزمات الشّرعية الإجرائية أن يكون القانون مصدرا لقواعد الإجراءات الجزائية فحسب، بل أن يكون دقيقاً بما يكفي لتمكين الشّخص المتأثر من تنظيم تصرفاته، مع تبصُّر الآثار الّتي يمكن أن تترتب عن عمل معيّن. كما يجب أن تضمن الدّولة أنّ يكون أيّ تدخل في الحق في الخصوصية أو العائلة أو السّكن أو المراسلات جائز بموجب قوانين يمكن أن يصل إليها عامة الجمهور، تتضمّن أحكاماً تضمن أنّ عمليات جمع البيانات و الوصول إليها و استخدامها مصمّمة لأهداف مشروعة محدّدة، دقيقة بما يكفي و تحدّد بالتّفصيل الظّروف الدّقيقة الّتي يمكن السّماح فيها بأيّ تدخل من هذا النّوع، و إجراءات إصدار الإذن، و إجراءات إستخدام البيانات المجمّعة و تخزينها، و تنصّ على ضمانات فعّالة ضد التّجاوزات( ). بالعودة إلى نص المادّة 5 من القانون 09/04 فإنّه يبدو جليا مخالفتها لهذه المعايير الّتي استقرّت عليها سوابق المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، بل مناقضة لروح الأحكام الدّستورية الّتي ترعى الحق في الخصوصية، فهي تنطوي على غموض و لبس شديدين، إذ نصّت على جواز اللّجوء إلى التّفتيش المعلوماتي " للوقاية من الأفعال الموصوفة بجرائم الإرهاب أو التّخريب أو الجرائم الماسة بأمن الدّولة.. في حالة توفر معلومات عن إحتمال اعتداء على منظومة معلوماتيّة على نحو يهدّد النّظام العام أو الدّفاع الوطني أو مؤسسات الدّولة أو الإقتصاد الوطني..". فهذه الصّياغة التّشريعية تمنح للقائم بالتّفتيش سلطات تقديرية واسعة في تفسيره للقاعدة الإجرائية، فاستعمل المشرّع عبارة "النّظام العام" و هي أشدّ العبارت غموضا في القانون، حتّى قيل إنّ "النّظام العام يستمدّ عظمته من ذلك الغموض الّذي يحيط به، فمن مظاهر سموه أنّه ظلّ متعاليا على كل الجهود الّتي بذلها الفقهاء لتعريفه". لذا كان الأولى بالمشرّع عند تنظيمه لهذا الإجراء الخطير خاصة في الأحوال الّتي أجاز فيها اللّجوء إليه في سياق منع وقوع الجرائم، أن يكون حريصا على دقة القاعدة الإجرائية فيحدّد بوضوح الحالات الّتي يجوز فيها تقييد الحق في الخصوصية بهذا الشّكل الخطير، على نحو يغلق باب التّأويل و التّفسير الموسع بالإحالة مباشرة على نصوص المواد المحدّدة في قانون العقوبات، فالتّقييد الوارد في المادّة 4 من القانون 09/04 يجرد فعلا الحق في الخصوصية من معناه، لأنّه بإمكان سلطة التّحقيق بل و حتّى قضاء الحكم تفسير القاعدة الإسثنائية بشيء من التّوسع لتصبح بالفعل قاعدة عامة تبيح اللّجوء إلى هذا الإجراء لمنع وقوع أي جريمة منصوص عليها في القانون، و من هنا يصبح هذا الضّمان المتمثّل في القانون "بحد ذاته ظالم و غير إنساني، بل مجرد عزاء تافه لضحاياه"( ). و إذا كان من حسن حظ الأفراد و حرياتهم أنّ القواعد التّقليدية للتّفتيش المادي تعتبر أنّ هذا الإجراء قيد مقرّر على حقوق الأفراد لمصلحة العدالة و القضاء وحده و لا يجوز استعماله إلاّ لمصلحة الإثبات الجنائي الّذي لا يشرع في إجراءاته إلاّ بعد وقوع الجريمة و اكتشافها فعلا، فإنّ السّؤال الّذي يفرض نفسه هنا كيف يمكن المحافظة على هذا المبدأ الإجرائي العتيد حال اللّجوء إلى التّفتيش المعلوماتي في الأحوال الّتي يقتضي فيها تنفيذه وجوب المرور بالخطوة الأولى و هي مرحلة "التّفتيش المادي" لمسكن المتّهم، بحثا عن أجهزة التّخزين الرّقمية لإخضاعها للتّفتيش المعلوماتي لاحقا؟ هل قاعدة جواز التّفتيش المعلوماتي للوقاية من الجرائم وفقا لأحكام المادّة 5 من القانون 09/04، تسمح بتجاوز هذا المبدأ الرّاسخ فتجيز التّعرض لحرمة مساكن الأفراد في سبيل كشف مبلغ اتصالهم بجريمة لم تقع بعد؟ أم أنّ التّفتيش وفقا لهذا الوضع قاصر فقط على التّفتيش المعلوماتي الّذي يجري خارج حدود مسكن المتّهم أو عن بُعد؟ إنّ النّص القانوني السّالف ذكره لم يجب بشكل صريح على التّساؤل المطروح، و قد جاء فيه "يجوز للسّطات القضائية المختصّة و كذا ضباط الشّرطة القضائية في إطار قانون الإجراءات الجزائية و في الحالات المنصوص عليها في المادّة 4 أعلاه الدّخول بغرض التّفتيش و لو عن بعد..."، و المستفاد منه أنّ المشرّع إستوجب حال مباشرة التّفتيش المعلوماتي وجوب التّقيد بالضّمانات الإجرائية الّتي يخضع لها التّفتيش بشكل عام و المحدّدة في قانون الإجراءات الجزائية، مما مقتضاه أنّه لا يجوز الإذن أو الأمر بإجراء التّفتيش المعلوماتي لمنع وقوع الجرائم السّابق بيانها إذا ما استلزم تنفيذه إجراء تفتيش مادي لمسكن المتّهم أو غيره، سعيا لحصر نطاق التّفتيش في مجال محدود تقتضيه مصلحة المجتمع و لخطورته لم يجزه المشرّع في تفتيش المساكن إلاّ حين وقوع الجريمة و تكشف معالمها. و بمفهوم المخالفة فإنّه يجوز إجراء التّفتيش المعلوماتي في الحالة الّتي يكون فيه الشّخص محلا للتّفتيش المادي الأولي و أيضا في حالة التّفتيش المعلوماتي عن بعد، أي في جميع الحالات الأخرى الّتي لا يتطلّب فيها التّفتيش المعلوماتي انتهاك حرمة المسكن، و نحن نعارض مسلك المشرّع في هذه المسألة، لأننا نرى أنّه لا يوجد أي أساس سواء في قانون الإجراءات الجزائية أو القانون 09/04 أو غيرهما من القوانين، بمقتضاه يعتبر تفتيش المعلومات أو تفتيش الشّخص أقل خطورة من تفتيش المسكن، لأنّ حرمة المسكن في الحقيقة ليست إلاّ وجها من أوجه حماية حرمة الأشخاص، و حماية المعلومات ليست سوى مظهرا عاما لحماية هذه الحرمة بالرغم من طغيان "الحق في حرمة المعلومات" على باقي الحقوق بالنّظر إلى المجتمع المعاصر الّذي يفضّل أفراده دفن أسرارهم و تفاصيل حياتهم الشّخصية ضمن الأوعية المعلوماتيّة، لذا يصبح من العبث الحديث عن الحرِّيَّات الفرديّة بقصرها على حرمة المسكن طالما لم تشمل هذه الحماية حرمة المعلومات. ففي نظرنا فإنّ أمن الفرد في نظامه المعلوماتي من أقوى مظاهر الحماية الإجتماعية الّتي يجب أن تكفل له، خاصة أنّ الوضع المجتمعي الحالي يكشف توجه أفراده و تمسكهم بالمعلوماتيّة في مختلف مناحي الحياة، لذا ينبغي لتفتيشها اعتماد ذات القواعد و القيود الّتي تحكم تفتيش المساكن، بل يلزم التّشدد فيها، فكان على المشرّع أن يحيط النّظام المعلوماتي بالعناية الأوفى باعتباره المستودع الطبيعي الّذي يغلب أن يحفظ الإنسان فيه سره. و يمكن أن نخلص مما تقدم إلى أنّ السّبب التّشريعي لإقرار حق سلطة التّحقيق في التّفتيش المعلوماتي هو الحصول على دليل في جريمة تحقّق وقوعها و إجازة اللّجوء إلى هذه الوسيلة القسرية لمجرّد إحتمال وقوع الجرائم بدون تحديدها، يعتبر في اعتقادنا نوعا من التّعدي و الإفتئات على حقوق الأفراد و حرمة معلوماتهم و مخالف لمبدأ التّناسب و الضّرورة، مما يتطلّب مراجعة هذا النّص الإجرائي في ضوء الإنتقادات الموجّهة إليه. ثانيا: نوع الجريمة باعتبار أنّ التّفتيش المعلوماتي يمثّل إنتهاكا خطيرا للحق في الخصوصية، فإنّه كان لزاما أن تتميّز الجريمة الّتي يقدر اللّجوء إليه بخطورة معيّنة كي يمكن الإستعانة بمثل هذا الإجراء الإستثنائي، بحصر نطاق التّفتيش في الجنايات و الجنح، أمّا المخالفات فليس في وقوعها ما يبرّر مباشرة التّفتيش لأنّها ليست من الأهمية بالقدر الّذي يسمح بالتّعرض للحرّية الشّخصية أو إنتهاك لمسكن، و هذا الإستبعاد قد يكون صراحة مثل قانون الإجراءات الجنائية المصري( )، و قد يرد النّص عليه ضمنا كما هو حاصل في التّشريع الفرنسي( ). أمّا المشرّع الجزائري فقد أجاز اللّجوء إلى التّفتيش المادي في جميع الجرائم بما فيها المخالفات أيا كان نوع عقوبتها حتّى و لو كانت الغرامة و قد جاءت العبارة عامة حسب المادّة 79 من قانون الإجراءات الجزائية الّتي نصّت "و يجوز لقاضي التّحقيق الإنتقال إلى أماكن وقوع الجرائم لإجراء جميع المعاينات اللاّزمة أو للقيام بتفتيشها، و يخطر بذلك وكيل الجمهورية الّذي له الحق في مرافقته. و يستعين قاضي التّحقيق دائما بكاتب التّحقيق و يحرر محضرا بما يقوم به من إجراءات" فهي لم تسبغ تكييفا معيناً على الجريمة الواقعة. و هذه النّتيجة تثير لدينا تساؤلا فيما إذا كان جواز اللّجوء إلى التّفتيش المعلوماتي قاصرا فقط على التّحقيق في الجرائم المعلوماتيّة أم يشمل جميع الجرائم بدون استثناء؟ أجاب المشرّع الجزائري على هذا التّساؤل بشكل مباشر و صريح ضمن المادّة الثّالثة من القانون رقم 09-04 المتضمّن القواعد الخاصة للوقاية من الجرائم المتصلة بتكنولوجيات الإعلام و الإتصال و مكافحتها، و الّتي وردت عامة تحت عنوان "مجال التّطبيق"، جاء فيها "مع مراعاة الأحكام القانونية الّتي تضمن سرية المراسلات و الإتصالات يمكن لمقتضيات حماية النّظام لعام أو لمستلزمات التّحريات أو التّحقيقات القضائية الجارية، وفقا للقواعد المنصوص عليها في قانون الإجراءات الجزائية و في هذا القانون، وضع ترتيبات تقنية لمراقبة الإتصالات الإلكترونيَّة و تجميع و تسجيل محتواها في حينها و القيام بإجراءات التّفتيش و الحجز داخل منظومة معلوماتيّة". و يستمد من هذه النّصوص أنّ المشرّع لم يحصر مجال إعمال هذا الإجراء ضمن دائرة الجرائم المعلوماتيّة فحسب، بل أنّ نطاقه يشمل جميع الجرائم تقليدية كانت أم معلوماتيّة على حد سواء، فالموضع الّذي تخيره المشرّع للنّص على حالات اللّجوء إلى التّفتيش المعلوماتي جاء عاما في صورة قاطعة، و ذلك على خلاف حالات جواز اللّجوء إلى التّفتيش المعلوماتي لمنع وقوع الجرائم الّذي لا يجوز لسلطة التّحقيق اللّجوء إليه إلاّ في حالات استثنائية لم يوفّق المشرّع في تعدادها ضمن نص المادّة الرّابعة من نفس القانون. على أنّ الملاحظ في هذا الصّدد أنّ المشرّع أشار ضمن المادّة الثّانية من هذا القانون إلى المقصود بالجرائم المتّصلة بتكنولوجيات الإعلام و الإتصال - و الّتي يفترض أن يكون هذا القانون قد إستهدف الوقاية منها و مكافحتها- على أنّها "جرائم المساس بأنظمة المعالجة الآلية للمعطيات المحدّدة في قانون العقوبات و أي جريمة أخرى ترتكب أو يسهل إرتكابها عن طريق منظومة معلوماتيّة أو نظام للإتصالات الإلكترونيَّة"( )، و مؤدى ذلك أنّه يخرج من نطاق التّطبيق الجرائم الّتي لا يعتمد في ارتكابها على نظم المعلومات و في ذلك تناقض صارخ بين المادّة الثّانية و المادّة الثّالثة من نفس القانون. فعموم نص المادّة الثّالثة لا يصح تخصيصه بالمادّة الثّانية و دليلنا في ذلك أنّه يصح الإستناد إلى فئات معيّنة من الأدلّة المعلوماتيّة لبناء هيكل الإدانة أو البراءة في جرائم تقليدية بحتة لم يتم الإستعانة في التّحضير لها أو تنفيذها بالمعلوماتيّة نهائيا، و أهّم مثال على ذلك الأدلّة المعلوماتيّة المتعلّقة بالتّحديد الجغرافي لموقع المتّهم بتاريخ إرتكاب الجريمة، تعتبر من بين أهّم الأدلّة المعلوماتيّة الّتي لا تنقطع المحاكم في الإعتماد عليها لكشف الحقيقة في الجرائم الأكثر خطورة كالقتل و الحريق و السّرقة، دون أن يكون الجاني قد لجأ إلى إستخدام النّظام المعلوماتي في تحقيق فعله الجرمي. و من ثم فإنّه لم يعد من سائغ الإبقاء على الفقرة (أ) من المادّة الثّانية لأنّها تشكّل وجها من أوجه التّضخم التّشريعي، فليس هناك أيّ فائدة ترجى من هذا التّعريف لأنّ المشرّع ذاته لم يعتمده في ما أرساه من أحكام إجرائية يُفترض أن ترتبط بالجريمة المعرّفة فحسب، لذا يتعيّن حذفها توخّيا من تعارض النّصوص القانونية( ). الواقع أنّ مثل هذه النّتيجة تفضي إلى طرح تساؤل لا ينعتق من مبدأ التّناسب في الحفاظ على الحرِّيَّات الفرديّة عند التّنقيب على الدّليل المعلوماتي، فيما إذا كان المشرّع قد ضيّق من نطاق تفتيش "بيانات المحتوى" على الجرائم الخطيرة فقط، بحسبان أنّ هذه الفئة من البيانات تكشف عن خبيئة الفرد بشكل مباشر؟ لا مراء في أنّ جميع فئات البيانات المعلوماتيّة سواء "بيانات المرور" أو "بيانات المحتوى" أو "بيانات المشتركين" هي بيانات ذات طابع شخصي، غير أنّ درجة إرتباطها بالخصوصية تختلف من فئة لأخرى و تشكّل فئة "بيانات المحتوى" الفئة الأكثر إلتصاقا بالحق في الخصوصية مقارنة بغيرها من البيانات، بحيث يجب أن يخضع تفتيشها لمتطلّبات أكثر صرامة في ضوء متطلّبات مبدأ التّناسب و الضّرورة على نحو لا يجوز تفتيش بيانات المحتوى إلاّ إذا بلغت الجريمة قدرا من الخطورة تبرّر إنتهاك حرمتها، بما يقيم توازنا بين فاعلية العدالة الجنائية و ضمان الحرّية الشّخصية. و يبدو أنّ المشرّع الجزائري لم يراع مبدأ التّناسب بين هذه الوسيلة الإجرائية و غايتها إذ يتيح لسلطة التّحقيق تفتيش "بيانات المحتوى" أيّا كانت ضآلة الجريمة من حيث درجة خطورتها على الهيئة الإجتماعية، و ليس في القانون ما يعالج هذه المسألة فهي تخضع للقاعدة العامة المنصوص عليها بالمادّة 5 من القانون 09-04، و في ذلك ميل واضح نحو اعتبارات الفعّالية على حساب الشّرعية، و ما يؤسف له أنّ أغلبية الفقه تؤيّد هذا التّوجه و ترفض أشكال التّمييز بين مختلف أنواع الأدلّة المعلوماتيّة بشأن ضمانات التّفتيش عنها( ). الفرع الثّاني: إتهام شخص بارتكاب جريمة أو الإشتراك فيها و هذا الشّرط يتصل كذلك بتكييف التّفتيش بأنّه "عمل تحقيق"، و يقتضي ذلك أن يجري في نطاق تحقيق حتّى يتخذ موضعه فيه( )، لهذا يشترط لقيام سبب التّفتيش المعلوماتي إلى جانب تحقّق وقوع جريمة معيّنة، أن تتوفر في حق المراد تفتيش نظمه المعلوماتيّة دلائل كافية تؤدي إلى الإعتقاد بأنّه قد أسهم في ارتكاب الجريمة بصفته فاعلا أو شريكا( )، و لا يكفي أن توجه التّهمة إلى أيّ شخص معيّن، بل يجب أن يكون الاتهام جديا و قامت من الدّلائل ما يكفي لانتهاك حق الخصوصية لديه( )، و هو الشّرط مستفاد ضمنا من نص المادّة 79 من قانون الإجراءات الجزائية الّتي وردت في باب "جهات التّحقيق"، و معنى ذلك أنّه لا يجوز اللّجوء إلى التّفتيش بشكل عام سواء كان مادي أو معلوماتي إلاّ في تحقيق مفتوح. أمّا التّشريع المصري فقد كان يسلك نفس مسلك التّشريع الجزائري بصريح نص المادّة 91 من قانون الإجراءات الجنائية الّتي تقرّر بأنّ "تفتيش المنازل عمل من أعمال التّحقيق لا يجوز الإلتجاء إلى التّفتيش إلاّ في تحقيق مفتوح"، مما يعني أنّه يجب أن يكون التّحقيق قد بدأ و اتخذت بعض إجراءاته قبل الأمر بالتّفتيش، و لكن القضاء قد فسّر هذا الشّرط تفسيرا ضيّق من نطاقه( )، فأجاز لصحة مباشرة إجراءات التّفتيش أن يفتتح التّحقيق و لو بإتخاذ إجراء واحد يسبق الأمر به، ثم لجأ المشرّع المصري إلى إلغاء هذا الشّرط لاعتبارات عميلة( ). و لا يتصور التّخلي عن هذا القيد الإجرائي في التّشريع الجزائري لكون قضاء التّحقيق هو الجهة الوحيدة المخوّلة بذلك، و هذا لا يمنع من اعتبار الأمر بالتّفتيش في حد ذاته فتحا للتّحقيق بغية المسارعة في تنفيذ التّفتيش منعا من حذف الدّليل المعلوماتي أو تعديله بفعل التّراخي في التّنفيذ.
الفرع الثالث: توافر الدّلائل الكافية الدّلائل الكافية شرط ضروري لاتخاذ أي إجراء يتضمن مساسا بحرمة النّظام المعلوماتي أو أي إجراء آخر ينطوي على انتهاك للحرّيات الفرديّة، و هي بمثابة شرط وقائي يقي الفرد من الوقوع ضحية إجراء تعسفي، لذلك لا يجوز الإلتجاء إليه إلاّ إذا وجد ما يبرّره، و الّذي يبرّر انتهاك حرمة النّظام المعلوماتي في نظر المشرّع هو وجود قرائن جدية على ضرورة التّفتيش لصالح الإثبات الجنائي المعلوماتي لتبرير مشروعية التّفتيش، فالرّابطة الإجرائية الّتي تتقرّر بمجرّد الاتهام إنّما تعني في حقيقتها وجود طرفين هما: المتّهم و النّيابة، و لكل منهما حقوق و عليه واجبات، فلا يجوز بالتّالي اعتبار المتّهم عبدا ذليلا للنّيابة تفعل به ما تشاء دون شرط أو قيد، فلا يصّح بقاؤها حرة طليقة اتجاهه، بكل ما لديها من سلطات و إنّما لابد من تقييدها في حدود القانون( )، و هو ما يؤسّس لعدم جواز اتخاذ إجراء جنائي يقيّد الحرّية الفرديّة إلاّ بوجوب توافر دلائل كافية من شأنها أن تبرّر اتخاذه. و مفهوم كفاية الدلائل، مفهوم غير منضبط فهو يتيح المجال لممارسة الجهة المختصّة سلطاتها بموجب قانون الإجراءات الجزائية بشكل تحكمي الأمر الّذي يدعو إلى تعسّف السّلطة، حتّى قد ذهب البعض إلى وصف مفهوم الدّلائل الكافية بأنّه مفهوم غير محدّد الأمر الّذي يجعله قاصرا عن تحقيق الغاية منها، كما وصف مفهوم الدّلائل الكافية بأنّه فكرة مرنة تستعصي على التّحديد المجرد مقدما، فهي أمر نسبي تختلف باختلاف الجرائم كما تختلف باختلاف الزّمان و المكان، إلاّ أنّه و لما كانت روح القانون و اعتبارات العدالة تتأبي على كل ما هو تحكمي و غير منضبط كان لزاما البحث في مدى إمكانية و ضع معايير موضوعية تضبط –قدر الإمكان- مثل هذه السّلطة التّقديرية( )، لوزن مدى كفاية الأدلّة لاتخاذ إجراءات التّفتيش المعلوماتي. عموما يقصد بالدّلائل الكافية، العلامات الخارجية أو الشّبهات المعقولة، دون ضرورة التّعمق في تمحيصها، و تغليب وجوه الرّأي فيها، أو هي أمارات معيّنة تستند إلى العقل، و تبدأ من ظروف أو وقائع يستنتج منها الفعل، توحي للوهلة الأولى بأنّ جريمة ما قد وقعت، و أنّ شخصاً معيّناً هو مرتكبها( )، و ليس معنى اشتراط وجود قرائن تبرّر التّفتيش المعلوماتي أن تتوافر أدلّة قاطعة على وجود ما يفيد التّحقيق في المحل المراد تفتيشه بل يكفي لذلك وجود دلائل جدية، فهي قرائن ضعيفة، قد لا تصلح وحدها سببا للإدانة فهي ذلك القدر الضّئيل المبني على احتمال معقول تؤيّده الظّروف الّتي تكفي للاعتقاد بارتكاب جريمة و لكنها تبرّر اتخاذ بعض الإجراءات الماسة بالحرّية الفرديّة ضمانا لحسن سير العدالة( ). و من البديهي أنّ السّبب يسبق المسبّب، فالقرائن المبرّرة للتّفتيش المعلوماتي باعتبارها سببا له يجب أن يكون سابقة عليه، فوجود القرائن المبرّرة للتّفتيش يجب الحكم عليه قبل بدء التّفتيش و لا يجوز أن يكون لنتيجة التّفتيش النّهائية أي أثر في ذلك، فإذا أسفر التّفتيش عن عدم وجود أيّ شيء فلا يكفي ذلك للقول فإنّه قبل إجرائه لم تكن توجد دلائل جدية تبرّر التّفتيش، و على العكس من ذلك يكون التّفتيش باطلا إذ لم يكن للمحقّق وقت إجرائه قد حصل فعلا على قرائن تبرّره، و لا يمنع هذا البطلان أن يسفر التّفتيش فعلا عن وجود أشياء تفيد التّحقيق، فنتيجة التّفتيش لا يجوز أن تتدخل في تقدير وجود الأسباب له أو عدم وجودها"( ). واقع الأمر أنّ المشرّع الجزائري لم يورد نصا صريحا على ضرورة وجود قرائن كافية لمشروعية التّفتيش سواء التّفتيش المادي أو المعلوماتي، و لكن هذا الشّرط مستوحى في اعتقادنا من نص المادّة 44 من قانون الإجراءات الجزائية الّتي قرّرت بأنّه "لا يجوز لضباط الشّرطة القضائية الإنتقال إلى مساكن الأشخاص الّذين يظهر أنّهم ساهموا في الجناية أو أنّهم يحوزون أوراقا أو أشياء متعلقة بالأفعال الجنائية المرتكبة لإجراء تفتيش ...". إذ تفيد عبارة " يظهر ...أنّهم يحوزون" على ضرورة قيام قرائن كافية تتحقّق الاعتقاد المنطقي بوجود ما يفيد إظهار الحقيقة في المكان أو الشّيء المراد إخضاعه للتّفتيش، و إن كان المشرّع قد اشترط ضرورة توافر أمارة قوية على إخفاء أو حيازة أشياء تفيد في كشف الحقيقة لمشروعية التفتيش في حالة التّلبس، فإنّه من البديهي و من باب أولى ضرورة قيام هذا الشّرط في الأحوال العادية( ). أمّا التّشريع الأمريكي فإنّه أولى اهتماما بالغا لهذا الضّابط الإجرائي إذ أصبغ عليه طابعا دستوريا، كما يقطع بذلك التّعديل الدّستوري الرّابع بقوله "لا يجوز المساس بحق الأفراد في أن يكونوا آمنين في أشخاصهم و منازلهم و مستنداتهم و مقتنياتهم ضد عمليات التّفتيش و الضّبط غير المعقولة، و لا يجوز إصدار إذن بهذا الخصوص إلاّ على أساس وجود سبب معقول مدعوم بالقسم أو التّوكيد بحيث يصف هذا الإذن بدقة المكان المقصود تفتيشه و الأفراد و الأشياء المراد ضبطها"( ). و قد عبّر عنه بمصطلح السّبب الرّاجح أو السّبب المعقولProbale Cause و الّذي استهدف من خلاله توفير حماية للأفراد ضد التّفتيش التّعسفي أو ذاك الّذي لا يوجد له مبرّر، إذ أنّ المشرّع الدّستوري قيد صدور الإذن بالتّفتيش المعلوماتي بوجود أو ظهور السّبب الرّاجح و الّذي يدعو للإعتقاد بأنّ مبرّرات إصدار الإذن موجودة، و مع ذلك لم يتعرّض هذا المشرّع لتفسير و تحديد مفهوم السّبب الرّاجح على الرّغم من وضع هذا القيد على سلطة إصدار الإذن بوجود مثل هذا السّبب، إلاّ أنّ التّحليل الدّقيق لصياغة هذا التّعديل يمكن أن يفسّر هذا المصطلّح على اعتبار أنّه باشتراط أن يكون له وجود، فإنّ ذلك يعني الإشارة إلى أفعال أو وقائع واضحة و ظاهرة و موثوق بها أو يعوّل عليها بحيث يتولّد عنها الاعتقاد المنطقي بأنّ الجريمة قد تمّ ارتكابها و هو ما يمثّل الشّرط المفترض و الّذي يتعيّن أن يتحقّق في المرحلة السّابقة عن صدور الإذن( ). و من الأهمّية التّقرير بأن تطلب السّبب المعقول لا يلزم أعضاء السّلطة الإجرائية بأن يكونوا من ذوي البصيرة و الإدراك لتحديد شكل الدّليل أو الشّيء المجرّم الّذي سوف يتواجد في المكان المراد تفتيشه فعلى سبيل المثال لا يحتاج أعضاء الضّبطية القضائية إلى سبب معقول ليعتقدوا بأنّ الدّليل المقصود بالبحث سوف يكون موجودا في شكل معلومات على الحاسوب، و بالمثل فهم لا يحتاجون إلى معرفة أيّ انتهاك للقانون سوف يكشف عنه الدّليل، كما أنّهم في غير حاجة إلى معرفة من الّذي يملك الشّيء المطلوب ضبطه و تفتيشه، إذ يتطلب معيار السّبب الرّاجح بساطة من الضّبطية القضائية إقامة احتمال معقول يدل على أنّ الشّيء المجرّم أو دليل الجريمة يتواجد في المكان المعيّن المراد تفتتيشه( ). و من بين أهم تحديات السّبب المعقول الّتي تواجه التّفتيش المعلوماتي تظهر غالبا عندما يكون الدّليل المدعوم بالإفادة الخطية (طلب الإذن) مأخوذا بكثرة من سجلات حساب معيّن على الأنترنت internet account أو بروتوكول internet protocol IP أنترنت و المشكلة هنا هي مشكلة عملية بشكل عام، فالحقيقة أنّه إذا كان هناك حساب ما أو عنوانا ما قد تمّ استخدامه فإنّه لا تتحدّد بشكل نهائي هوية أو موقع الشّخص المعيّن الّذي استخدمه، و نتيجة لذلك فإنّ الإفادة الخطية المبنية بشكل كبير على حساب أو عنوان بروتوكول أنترنت يجب أن تبرّر الصّلة الكافية بين العنوان و المكان المراد تفتيشه( ). و تقدير الدّلائل و مبلغ كفايتها يكون بداءة للضّبطية القضائية على أن يكون تقديره هذا خاضعا لرقابة سلطة التّحقيق، تحت إشراف محكمة الموضوع( )، و يترتّب على إغفال هذا الشّرط بطلان التّفتيش و لو أسفر التّفتيش فعلا عن الدّليل المستهدف( (، فشرط وجود سبب التّفتيش مسألة قانوينة من اختصاص محكمة العليا الإشراف عليها، أمّا كفاية السّبب أو بعبارة أدّق تقدير قيمة القرائن الّتي إستند إليها المحقّق في القول بأنّ هنا جريمة و أنّ إجراء التّفتيش ضروري للتّحقيق فيها فهي مسألة من اختصاص محكمة الموضوع وحدها و لا تجوز المجادلة فيها أمام محكمة النّقض( ). في الحقيقة فإنّ هذا الضّمان الّذي يفترض به أن يشكّل سياجا يقي الأفراد من الوقوع ضحايا لتفتيش معلوماتي يمكن أن يكون تعسفيا، قد عجز القانون و القضاء و الفقه إلى غاية اليوم عن إيجاد معيار ثابت يهتدي به لتحديد مدى تحقّقه لمشروعية التّفتيش من عدمه، فبقي خاضعا للسّلطة التّقديرية لقاضي التحقيق، دون تحديد دقيق لضوابطه، مما يجعله قاصرا أحياناً عن تحقيق الغاية منه، خاصة في الأحوال الّتي يتمّ فيها تنفيذ التّفتيش و يؤول فيه إلى عدم الجدوى، إذ تصبح الرّقابة القضائية اللاّحقة بدون فائدة ترجى منها بعد تحقّق الانتهاك الفعلي لحق الفرد في خصوصيته دون وجود مبرّر مسبق يدعو إلى إتخاذ هذا التّدبير. غير أنّ القيمة الفعلية لهذا الضّابط الإجرائي تتحقّق من جانب آخر و هي ضمان عدم تجاوز الغاية من التّفتيش المعلوماتي، فطالما أنّ التّفتيش قد أجيز لضرورة التّحقيق وجب لزاما أن يكون محدودا بحدود الضّرورة الّتي برّرته و هي كشف الحقيقة في جريمة معيّنة، و استهداف هذه الغاية هو علة مشروعية التّفتيش المعلوماتي و هو أهم ضمان تقوم عليه نظرية التّفتيش، منعا من امتداد التّفتيش المعلوماتي إلى محل آخر يتجاوز حدود سبب التّفتيش، و هو ما يحيلنا إلى معالجة الرّكن الجوهري الثّاني لهذا العمل الإجرائي و هو التّحديد الدّقيق لمحل التّفتيش المعلوماتي. المطلب الثّاني: المحـــل محل التّفتيش هو المستودع الّذي يحفظ فيه الفرد أسرراه، و حماية لحرمته لا يوجب القانون أن يكون محل التّفتيش محدّدا منعا من التّفتيش الاستكشافي فحسب، بل يشترط أيضا أن يكون هذا المحل مما يجوز تفتيشه، من هذا المنطلق وجب علينا تحديد المقصود بالمحل ( فرع أول)، و بيان المتطلبات الكافية لتحديده (فرع ثاني)، و كذا مشروعيته( فرع ثالث). الفرع الأوّل: المقصود بمحل التّفتيش المعلوماتي يثور التّساؤل في ضوء هذا الضّابط الإجرائي عن "الشّيء" الّذي يقتضي لصحة الإذن أن يحدّده "محلا للتّفتيش"؟ هل يحدّد "أجهزة التّخزين الرّقمية" المراد ضبطها في مرحلة التّفتيش المادي؟ أم "المعلومات" المراد استردادها في مرحلة التّفتيش المعلوماتي؟ و إذا كان القانون يشترط لزوم تحديد مكان التّفتيش فهل المقصود هنا تحديد "مكان الأجهزة المادّيّة" أم "مكان البيانات من مساحة التّخزين الرقمية" ؟ و الإجابة على ذلك تقتضي التّطرق إلى مفهوم محل التّفتيش (أولا)، و بيان الإشكاليات الّتي يثيرها هذا المفهوم في البيئة الرّقمية (ثانيا). أولا: مفهوم محل التّفتيش إنّ القانون إذ أجاز إنتهاك الحرمة لمصلحة التّحقيق، فإنما يجيز ذلك بالنّسبة لمحل معيّن و محدّد، و تعيين محل التّفتيش معناه وجود رابطة محددة بين التّفتيش و غايته و بين المحل الّذي يراد إجراؤه فيه، فالقرائن الّتي تدل على أنّ هناك أشياء تفيد التّحقيق لا تكفي لتبرير التّفتيش إلاّ إذا حدّدت المحل الّذي ترجح وجود هذه الأشياء فيه و متى تحدّد هذا المحل جاز تفتيشه( )، و معنى ما تقدم أنّ التّفتيش العام يعتبر غير مشروع و يترتب عنه البطلان التّفتيش مع استبعاد الدّليل المعلوماتي المستمد منه( ). و قد ذهب البعض إلى أنّه إذا لم يؤد التّفتيش "الخاص" إلى نتيجة ما، استطاع المحقّق أن يأمر بتفتيش عام في جميع منازل حي معيّن أو جهة معيّنة و ظاهر أنّ هذا القول لا يتفق مع المقصود من التّفتيش، فالتّفتيش إجراء من إجراءات التّحقيق و لا يجوز الإلتجاء إليه إلاّ بناء على تهمة موجّهة إلى شخص معيّن بارتكاب جريمة، أو إذا وجدت قرائن تدل على أنّه حائز لأشياء تتعلّق بالجريمة، و هو ما يعني أنّ التّفتيش ينبغي إجراؤه في محل معيّن، فليست منازل المواطنين جميعا مفتوحة أمام سلطات التّحقيق و إنّما تلك الّتي يشتبه في احتوائها على أدلّة معيّنة( ). و إذا كان لقاضي التّحقيق أن يفتّش أي مكان من أجل الكشف عن الحقيقة( )، فلا يعني هذا أنّه يملك إصدار أمر تفتيش عام لدى المواطنين في جهة معيّنة، إنّما المقصود أنّه يملك تفتيش أي مكان تتوفّر في شأنه القرائن الّتي تبيّن احتواءه على أدلة تفيد في كشف الحقيقة، و بهذا المعنى فإنّ المكان الّذي يجري قاضي التّحقيق فيه تفتيشه يكون مكانا محدّدا سواء تعلق بالمتّهم أو بغيره و على حد تعبير البعض فإنّ قاضي التّحقيق "يملك تقدير القرائن الّتي تبرّر إجراء التّفتيش، لكن لا يعني أنذ سلطة التّقدير مطلقة من كل قيد فهو لا يستطيع أن يذهب إلى حد تعميم الإتهام أو الشّبهات على بلدة بأكمها أو حي بأكمله و إلاّ كان ذلك تعسفا"( )، و محل التّفتيش مرتبط بالغاية منه، فإذا لم يكن للتّفتيش غاية يستهدفها أو أن يستهدف غاية غير ما حدّده المشرّع فهو مشوب بعيب "التّعسف في استعمال سلطة"( ). إنّ إعمال هذه القواعد العتيدة لا يطرح أيّ إشكال في حالة التّفتيش عن الأدلّة المادّيّة، و هذا صحيح لسببين أساسيين. أولا، تتناسب هذه القواعد مع حقائق التّفتيش عن الأدلّة المادّيّة، فعادة ما تتّبع عمليات التّفتيش المادّيّة التّقليدية آلية التّفتيش ثم الإسترجاع، بحيث يمكن تحديد الأدلّة المادّيّة عموما واسترجاعها من مكان مادي معيّن و خلال فترة وجيزة، إذ يسمح الإذن للضّبطية القضائية بالدّخول إلى الممتلكات المادّيّة (المباني و السّكنات) و تحديد موضعها ثم استرجاع الأدلّة المحدّدة في الإذن القضائي، و السّبب الثّاني الّذي تتناسب به هذه القواعد مع عمليات التّفتيش عن الأدلّة المادّيّة، هي أنّها تكفل حصول سلطة التّحقيق على هذه الأدلّة بطريقة ضيّقة نسبيا تقلّل من إنتهاك خصوصية المتّهم، فهي ترسّم حدودا واضحة لعمل الضّبطية القضائية عند تنفيذ إذن التّفتيش، فشرط التّحديد يصف المكان المراد تفتشيه على وجه التّخصيص كشقة أو مبنى معيّن، و يشرح كيفية التّنفيذ من خلال وصف الأشياء المراد ضبطها بما لا يسمح بالإطلاع العام بل مقيد بنطاق مستهدف التّفتيش و غايته( ). الواقع أن هذا المفهوم التّقليدي لمحل التّفتيش يثير تساؤلا محدّدا مضمونه ما هو المقصود محل التّفتيش المعلوماتي؟ هل وسائط التّخزين الرّقمية؟ أم البيانات الّتي تحتويها هذه الدّعامات المادّيّة؟ أم فقط جزء من النظام المعلوماتي ممثلا في بعض الملفات و المجلدات؟
ثانيا)- إشكالية تحديد محل التّفتيش المعلوماتي تعدّ إشكالية تحديد محل التّفتيش المعلوماتي من الإشكاليات العملية الهامة، لا تتوقف عند المنظور المزدوج لهذا المحل (أ)، بل تتعدى ذلك إلى إشكالية ارتباط هذا المحل في تحديده بمستهدف التّفتيش في مرحلة التّفتيش المادي (ب). أ)- إشكالية المنظور المزدوج لمحل التّفتيش المعلوماتي من المتفق عليه أنّ محل التّفتيش هو المكان الّذي يجري التّفتيش فيه، و لزوم قصره على مكان معيّن هو من مستلزمات طبيعته الإستثنائية، و هذا المبدأ محل استفسار متزايد حول مدلول محل التّفتيش في البيئة الرّقمية، باعتبار أنّ التّفتيش يجري في مكان ممثل في "البيانات" و الذي لا يختلف بدوره عن مكان تواجد البيانات ذاتها و هي "الأجهزة المادّيّة"( )، فأيّهما يوجب القانون تحديده كمحل للتّفتيش؟ و بعبارة أخرى هل صدور إذن بالتّفتيش عن دليل معلوماتي معيّن، يجيز توسيع نطاق التّفتيش إلى كافة البيانات الّتي يحتويها جهاز التّخزين الرّقمي؟ أم يقتصر نطاقه على ملف معيّن وجب تحديده في الإذن القضائي ؟ لا يجمع القضاء الأمريكي على موقف موحد إزاء المشكلة محل البحث، حيث يعتمد جانب من الفقه "المنظور المادي" لوسيط التّخزين الرّقمي و ينادي بوجوب التّعامل مع وسائط التّخزين كدليل مادي بحيث يعتبر القرص الصّلب و ما في حكمه مجرّد "شيء"، و ليس "مكانا"، أو بعبارة أخرى ينظر إليه في صورة "شيء واحد" على نحو لا يحتوي على أيّ أشياء أخرى ضمنه، شأنه شأن أيّ دليل مادي آخر يتمّ "فحصه" (تحليله) و ليس "تفتيشه"( )، بحيث يجوز التّوسع في التّفتيش عبر كافّة مساحة وسيط التّخزين الرّقمي باعتبارها تشكّل وحدة واحدة، و من تطبيقات ذلك ما قضت به الدّائرة الخامسة الفيدرالية في قضية United States v. Runyan، و تردّد ذات التّبرير في قضيةUnited States . Slanina( ). و قد اعتمد المشرّع الأمريكي المنظور المادي لمحل التّفتيش المعلوماتي، و يتجلى ذلك من خلال نص المادّة 41 من قانون الإجراءات الجنائية الفيدرالي الّتي تنظّم أحكام التّفتيش المعلوماتي من خلال التّعبير عن مقتضياتها وفقا لتصور مادي خالص، و تفترض أنّ عمليات التّفتيش تجري في أمكنة "مادية"، و أنّ "الأشخاص" أو "الممتلكات" يتمّ تفتيشها و ضبطها، و عندما تناولت هذه المادّة أخيرا وسائط التّخزين الرّقمي تم إتباع نهج مادي أيضا، و أوضحت التّعديلات الّتي دخلت حيّز التّنفيذ سنة 2009 أنّ محتويات وسائط التّخزين "الملكية" لا تحتاج إلاّ إلى وصف "وسائط التّخزين المادّيّة"، و لم تستلزم وصف و تحديد المعلومات، كما أضافت أنّ المدة الزّمنية اللاّزمة لتنفيذ "الإذن" تتعلّق بالوقت اللاّزم لضبط وسائط التّخزين أو نسخها، و ليس تفتيشها( ). و هو المسلك الّذي سلكه مشروع إتفاقية الأمم المتحدة للتّعاون في مكافحة الجريمة الإلكترونيَّة بشكل صريح و واضح( )، و هذا النّهج له ما يسوّغه كما سنرى لاحقا عند معالجة متطلبات تحديد محل التّفتيش المعلوماتي بين مرحلة التّفتيش المادي و مرحلة التّفتيش المعلوماتي. و على عكس هذا المذهب، إتجه جانب آخر من الفقه في محاولة منه لتقليص نطاق امتداد التّفتيش المعلوماتي إلى مطالبة القضاء بالتّعامل مع ملفات القرص الصّلب كمجموعة حاويات مغلقة و منفصلة، يتطّلب فحص كلّ حاوية إذنا مستقلا بتفتيشها. و بعبارة أخرى، ينبغي أن يُنظر إلى الحاسوب على أنّه الحاوية المادّيّة مع سلسلة من "الحاويات" الإلكترونيَّة الفرعية "Subcontainers"، و هي المجلدات و الملفات الّتي يقتضي الإطّلاع عليها و الولوج إليها بشكل منفصل دون أن يمتدّ الإطلاع إلى مجملها، فكلّ فتح منفصل يعدّ بمثابة عملية تفتيش جديدة، تخضع للقيود الدّستورية( ). و من هنا يصبح القانون وفقا لهذا الجانب من الفقه وسيلة "لتنظيم الوصول إلى المعلومات" في "بيئة رقمية" حيث الحواجز المادّيّة غالبا ما تكون مفقودة( )، و هو الإجتهاد القضائي الّذي إنتهت إليه الدّائرة العاشرة في قضية United States v. Carey( ). و الملاحظ أنّ المنظور المادي لمحل التّفتيش المعلوماتي هو الّذي يلقى التّأييد لكن ليس بشكل مطلق إذ أن مختلف الإتفاقيات الدّولية كاتفاقية بودابست( ) و الإتفاقية العربية لمكافحة جرائم تقنية المعلومات( ) اعتمدت كلا النهجين و إن كان الميل واضحا تجاه المنظور المادي و قد عبّرت عن ذلك بالولوج "لنظام معلومات أو لجزء منه" أو "لدعامة تخزين معلوماتيّة" و هو مسلك التّشريعات العربية ( ). إنّ هذا الموقف الّذي يكاد يكون محل إجماع يعبّر بشكل واضح ترجيح اعتبارات الفعّالية في الوصول إلى الدّليل المعلوماتي و لو بالتّجاوز على هذا الضّمان الإجرائي لأنّ تبني المنظور المادي لمحل التّفتيش يجعل هذا القيد غير محدّد و غير معيّن بل شامل، لأنّ وسيط تخزين واحد يمكن أن يشتمل على ملايين من المعلومات المرتبطة بعدد يكاد لا يحصى من أفراد الهيئة الإجتماعية في ظل شيوع إرتباط نظم المعلومات و تبادل المعلومات و الاتصالات، أين تنفي الرّابطة بين سبب التّفتيش و غايته، بحيث يصبح التّفتيش بهذا الشّكل مماثلا لتفتيش مدينة بأسرها. و لم يشذ المشرّع الجزائري عن الوضع السّائد في التّشريعات العربية و المقارنة حين حسم موقفه بنص صريح قاطع الدّلالة حيث تنص المادّة 5 من القانون 09/04 "يجوز للسّطات القضائية المختصّة ... الدّخول بغرض التّفتيش... إلى: أ - منظومة معلوماتيّة أو جزء منها و كذا المعطيات المعلوماتيّة المخزّنة فيها، ب- منظومة تخزين معلوماتيّة" و يجب في هذا المقام التّذكير بأنّ المفهوم القانوني للنّظام المعلوماتي لا ينصرف إلى البيانات فقط، إذ عرّفت المذكرة التّفسيرية لاتفاقية بودابست النّظام المعلوماتي بكونه كلّ آلة بمفردها أو مع غيرها من الآلات المتّصلة و الّتي يمكن أن تقوم سواء بمفردها أو مع مجموعة عناصر أخرى تنفيذا لبرنامج معيّن بأداء معالجة إلية للبيانات( ). في حين نجد أنّ التّشريع الفرنسي و بحكم مصادقة فرنسا على الإتفاقية الأوروبية لمكافحة الجرائم المعلوماتيّة فإنّ تشريعاتها الدّاخلية تؤكّد في كثير من مواضيعها على إتباع نهج مادي في تحديد محل التّفتيش المعلوماتي و يظهر ذلك جليا من خلال نص المادّة 57 من قانون الإجراءات الجزائية( )، و المادّة 11 من القانون رقم 731 لسنة 2016 المؤرخ في 3 جوان 2016 بشأن تعزيز سبل مكافحة الجريمة المنظّمة و الجرائم الإرهابية و تمويلها( ). و نخلص مما سلف بيانه، أنّ لزوم تحديد محل التّفتيش كضمانة شكلية تحول دون التّوسع في التّفتيش ينصرف مدلولها إلى البيانات المخزّنة الّتي تختلط بها "المعلومات" المجرّمة و ليست "وسائط التّخزين" في وضعها المادي، بحيث يمكن في اعتقادنا إستعارة المفهوم المادي للمكان و ترجمته في العالم المعلوماتي في شكل ملف معيّن أو مجلّد، برنامج، أو تطبيق ما، على نحو يشكّل حيّزا محدّدا ضمن مساحة التّخزين الرّقمي و ذلك إلتزاما بحدود الشّرعية و ما توجبه قرينة البراءة، أمّا اعتماد المنظور المادي لمحل التّفتيش فهو يشكل عدوانا على الحق في الخصوصية و انتهاكا للحريات، لذا وجب على القضاء أن لا يتردّد في تطبيق القاعدة بكل حزم مهتديا في ذلك بروح الدّستور في حماية الحرِّيَّات الفردية. غير أنّ الخلاف في الحقيقة لا يتوقّف عند تحديد المقصود بمحل التّفتيش المعلوماتي من وجهة النّظر الّتي تمليها الشّرعية الإجرائية، لأنّ المسألة أكثر تعقيدا و مثارا للجدل فتحديد "البيانات" كمحل للتّفتيش المعلوماتي هو معطى يناقض الغاية من هذا الإجراء في مرحلة التّفتيش المادي، ذلك أنّ ارتباط محل التّفتيش المعلوماتي بمستهدف التّفتيش المادي يعيد طرح إشكالية تحديد المحل مجددا؟
ب)- إشكالية ارتباط محل التّفتيش المعلوماتي بمستهدف التّفتيش المادي من البديهي أن تكون أجهزة التّخزين الرّقمية أو الأنظمة المعلوماتيّة "مستهدفا للتّفتيش" قبل أن يكون جزءا منها "محلا له"، فينبغي التّفتيش عليها قبل تفتيشها، و تثير هذه الحقيقة في معرض دراستنا تساؤلا مشروعا يتعلّق أساسا بما ينبغي للإذن أن يحدّده كـ "دليل مادي" يتعيّن التّفتيش عنّه و ضبطه في مرحلة التّفتيش المادي لتفتيشه لاحقا؟ هل يحدّد الأجهزة المادّيّة ذاتها؟ أم يحدّد البيانات؟ كما سبق و أن أشرنا، فإنّ التّشريع الجزائري لا ينظّم تماما أحكام التّفتيش المعلوماتي، إذ بقيت في مجملها خاضعة للقواعد التّقليدية الّتي لا تتواءم مع البيئة الرّقمية نهائيا و تطرح العديد من الإشكاليات على نحو يتراجع عنصر الشّرعية بشكل كبير جدا، و يأتي القضاء الأمريكي في مقدمة الإجتهادات القضائية في محاولة منه لرسم معالم مشروعية التّفتيش الجنائي المعلوماتي، لذ نجد أنّ هذا الأخير قد تعرض لهذا التّساؤل في كثير من أحكامه و خلص إلى وجوب التّمييز بين الحالة الّتي تكون فيها الأجهزة المادّيّة بحد ذاتها "مجرّمة" أو "أدلّة عن الجريمة" أو "أداة للجريمة"، و بين الحالة الّتي تكون فيها هذه الأجهزة مجرّد "حاوية للدّليل المعلوماتي". لا تطرح الحالة الأولى بكل الفرضوض الّتي تحملها أيّ إشكال يذكر، إذ لا يتطلب القضاء هنا سوى تحديد وسائط التّخزين الرّقمية كأدلّة مادية ينبغيالتفتيش عنها و استردادها بدلا عن المعلومات الّتي تحتويها، أمّا الحالة الثّانية و هي الحالة الّتي تكون فيها أجهزة التّخزين الرّقمية مجرّد حاويّة للدّليل الجنائي، فإنّ القضاء عالجها بدون تعمق مكتفيا بالإشارة إلى لزوم التّركيز على الملفات المستهدفة و أنّ إغفالها قد يشكّل مخالفة مقتضيات التّعديل الدّستوري الرّابع. و على نقيض موقف القضاء الأمريكي فقد تطرق الفقه الأمريكي إلى هذه الفرضية بتعمّق كبير، ليس بما تستلزم من إجابات بقدر ما تطرح من إشكاليات( )، إذ يرى الفقه أنّ هنّاك افتراضان:
أمّا الإفتراض الأوّل: فهو تحديد أجهزة التّخزين المادّيّة كأدلّة يراد ضبطها، ما يجعل الإذن القضائي في هذه الحالة دقيقا جدا، حيث يتمّ تنفيذ الإذن بالدّخول إلى المكان المطلوب تفتيشه – محل التّفتيش المادي- و البحث عن أجهزة التّخزين الرّقمية و استرجاعها، و هذا الفرض ما يثير إشكالا بالغ التّعقيد، ففي الحالة الّتي يقتصر فيها التّخصيص على الأجهزة المادّيّة يصبح الإذن القضائي بالتفتيش عاما، فمن جهة أولى لا يوجد لدى الضّبطية القضائية سبب يبرّر ضبط جميع أجهزة التّخزين الموجودة بالمسكن. و من جهة أخرى، فإنّ اقتصار التّحديد على الأجهزة المادّيّة و إن كان دقيقا من النّاحية التّقنية في مرحلة التّفتيش المادي، بيد أنّه لا يفصح عن أيّ تفصيل بشأن التّفتيش المعلوماتي اللاّحق، فعندما يقوم خبراء التّحليل الحاسوبي الشّرعي بالاطلاع على محتويات أجهزة التّخزين الرّقمية لاسترداد الأدلّة المعلوماتية لن يكون هناك ما يوجّه سلوكهم، كون الإذن يجيز الضّبط الشّامل للأجهزة المادّيّة( )، فيمتدّ التّفتيش ليصل إلى أقصى مدى له من حيث النطاق و هو ما يخالف المعقولية. أمّا الإفتراض الثّاني، يقوم الإفتراض الثاني على لزوم تحديد "البيانات" كالأدلّة يتعيّن ضبطها، و هذا النّهج في الحقيقة لا يحدّد بدّقة ما ستقوم به السّلطة الإجرائية في مرحلة التّفتيش المادي، و لكنّه ينجح في تحديد الأدلّة الّتي تسعى إليها سلطة التّحقيق في مرحلة التّفتيش المعلوماتي، فهو يضع حدا لامتداد التّفتيش بأن يصبح الإذن أكثر تحديدا بما يتلائم مع مقتضيات الشرعية غير أنّه يفضي إلى إشكالية جديدة طالما أنّ ذات الإذن يفتقد لشرط التّحديد بخصوص كيفية تنفيذ مرحلة التّفتيش المادي، فإن كان الإذن يجيز التّفتيش عن بيانات محدّدة و ضبطها، إلاّ أنّ التّفتيش المعلوماتي يستوجب أولا ضبط جميع أجهزة التّخزين الرّقمي الّتي يمكن العثور عليها في الموقع المادي و إرسالها إلى مخابر التّحليل الحاسوبية الشرعية المتخصّصة لفحص محتوياتها، فتنفيذ الإذن في هذه الحالة يتمّ بالمخالفة لما يجيزه الإذن نفسه( ). في اعتقادنا فإنّ هذه الجدليّة تكشف أنّ التّحديد الّذي ينصّب على أجهزة التّخزين الرّقمية كأدلة يراد ضبطها يجعل التّفتيش واسع النّطاق و أكثر توسّعا و شمولا و في ذلك ما يناقض مبدأ الشّرعية، و في مقابل ذلك فإنّ التّحديد الّذي يركّز على "المعطيات المعلوماتيّة المخزّنة" لا يجيز لسلطة التّحقيق القيام بما هو ضروري لاسترداد هذه الأدلّة ، فيفشل الإجراء في تحقيق الفعّالية، و هو الإشكال الّذي وقع فيه التّشريع الجزائري لأنّه لم ينظم مرحلة التّفتيش المادي و اكتفى بتنظيم مرحلة التّفتيش المعلوماتي من خلال تحديد النّظام المعلوماتي كمحل التّفتيش المعلوماتي، لكنه لم يحدّد مستهدف التّفتيش المادي( ). عموما يقترح الفقه لحل هذه الإشكالية و وضع حد لامتداد نطاق التّفتيش ضرورة أن يشتمل إذن التّفتيش تحديدا للأدلّة المادّيّة المراد ضبطها في مرحلة التّفتيش المادي و تخصيصا للأدلّة الّتي يتعيّن ضبطها في مرحلة التّفتيش المعلوماتي اللاّحق( ). و بدورنا نؤيّد هذا الرّأي، فتقييد مرحلة التّفتيش المادي بأجهزة محدّدة يجوز ضبطها متّى قامت الأسباب الّتي ترجّح احتوائها على أدلة تفيد في إظهار الحقيقة، مع تضييق نطاق المراجعة ( التحليل) في مرحلة التّفتيش المعلوماتي من شأنه أن يرسم حدودا لنطاق التّفتيش توخّيا من امتداده إلى جميع أجهزة التّخزين الرّقمي المتواجدة بمسكن المتّهم بغض النّظر عما إذا كانت ملكيتها ترجع إلى المتّهم أو أحد أفراد أسرته المقيمين معه، و إلى جميع محتوياتها في المرحلة الثّانية لأنّ وجود سبب يبرّر تفتيش ملف معيّن لا يبرّر تفتيش محتويات الجهاز ككلّ( )، فكيّف يكون مبرّرا لتفتيش كافة هذه الأجهزة. إن عدم تحديد محل التّفتيش في المرحلة الثّانية يعتبر في نظرنا باطلا، لأنّ القانون إذ أجاز تقييد حرّية الأفراد بصفة استثنائية فإنّه يسمح بذلك بالنّسبة لمحل معيّن على وجه التّخصيص و ليس العمومية منعا من التّطاول على الحرِّيَّات الفرديّة، و إلاّ فقد الإذن مضمونه و حاد عن الشّرعية، و انقلبت العلاقة بين الحرّية الفرديّة كحق و التّفتيش كقيد و كلّما زاد التّخصيص في إذن التّفتيش كلّما تقلّص دور الإستثناء لصالح القاعدة. و الحقيقة الّتي لا مراء فيها أنّ تحديد "فئة من البيانات" كمحل للتّفتيش في مرحلة التّفتيش المعلوماتي من شأنه أن يعدّ منطلقا لإرساء حدود واضحة للتّفتيش المعلوماتي ينبغي عدم تجاوزها، على أنّ الأمر ليس على ذلك القدر من السّهولة، لأنّ هذا التّوجه يطرح إشكالا عمليا قد يعصف بهذه النّتيجة، و الّذي مفاده كيف يمكن التّوصل إلى تحديد محل التّفتيش تحديا نافيا للجهالة وسط هذا الكم الهائل من البيانات المختلطة؟ الفرع الثاني: متطلبات التّحديد الكافي لمحل التّفتيش المعلوماتي سبق أن توصّلنا إلى أنّ المشروعية الإجرائية توجب تحديد منطقة معيّنة ضمن البيئة الرّقمية كمحل للتّفتيش و هذه النّتيجة تثير لدينا نقطتين، الأولى تتعلّق بالمعالجة القضائية لمتطلبات التّحديد الكافي لمحل التّفتيش(أولا) و الثّانية تتعلّق بمدى كفاية هذه المتطلبات في رسم نطاق التّفتيش(ثانيا). أولا: المعالجة القضائية لمتطلبات التّحديد الكافي لمحل التّفتيش قدمنا أنّ التّشريعات عموما سواء العربية أو المقارنة لم تعالج هذه الإشكاليات مبقية على القواعد الإجرائية التقليدية للتّفتيش و تطبيقها في البيئة المعلوماتيّة، إلاّ أنّ القضاء الأمريكي و طيلة أكثر من عقدين من الزّمن حاول إرساء قواعد يهتدى بها لتحديد محل التّفتيش المعلوماتي عن طريق الفصل في الدّفوع الّتي تقدّم إليه بطلب بطلان الأدلّة المعلوماتيّة المتسمدّة من إجراء التّفتيش الّذي لا يستوفي الإذن به تحديدا للمحل المراد تفتيشه وفق ما يقتضيه التّعديل الدّستوري الرّابع. و لكون المحكمة العليا الفيدرالية لم تحن بعد أمامها الفرصة للتّعرض لموضوع متطلبات التّحديد الكافي لمحل التّفتيش المعلوماتي و أثر إغفاله على الدّليل الجنائي المستمدّ من هذا الإجراء، فإنّ هذا القيد الإجرائي حتّى الآن لا يزال ينظر إليه في إطار المنظور التّقليدي، ما فتح المجال للإجتهاد القضائي للمحاكم الإبتدائية و الدّوائر الإستئنافية الّتي أبدت إنقساما واضحا بين متشدّد يرجح اعتبارات الشّرعية و يتمسّك بالتّطبيق الصّارم للقاعدة الدّستورية، و بين متساهل يراعي متطلبات الفعّالية مدفوعا بصعوبة الوفاء بمتطلبات التّخصيص الدّقيق لهذه البيانات أو الملفات وسط هذا الكم الهائل من البيانات التي تستوعبها الأجهزة الإلكترونية الحديثة. و يتجه القضاء الأمريكي في غالبيته إلى تجنّب التّوسّع في تطبيق هذه القاعدة بسبب صعوبة وصف المكان المراد تفتيشه و تعذر تحديد الوصف الدّقيق للبيانات الّتي يحتويها وسيط التّخزين، لذا غالبا ما يتمّ وصف محل التّفتيش بمصطلحات مرتبطة بالجريمة الجاري التّحقيق فيها، ففي قضية United States v. Campos أيّدت الدّائرة الفيدرالية التّاسعة صحة التّفتيش المعلوماتي بموجب إذن لا يتضمّن سوى الإشارة إلى مواد تتصل مباشرة بالصّور الدّاعرة للأطفال القصر، و تأكّد ذات التّبرير في قضية United States v. Upham( ). و هذا التّوجه أيّدته الدّائرة العاشرة في قضيةUnited States v. Reyes و علّلت قرارها بأنّه "في عصر التّكنولوجيا الحديثة و التّوافر التّجاري لأشكال مختلفة من الأشياء، من غير المتوقّع أن تصف الأذون بدقّة الشّكل الّذي ستتخذه السّجلات و أنّ ضبط نوع معيّن من العناصر الّتي تدخل ضمن الأشياء المحدّدة في الإذن لا تشكل تفتيشا عاما غير مسموح به، فالإذن الّذي يجيز ضبط وثائق معيّنة يأذن أيضا بتفتيش حاوية يُحتمل أن تحتوي على تلك الوثائق" ( ). إذ الضّبطية القضائية لا تحتاج إلى إتّباع هذا النّهج في كل قضية لأنّ المراجعة القضائية لأذون التّفتيش عن الأدلّة المعلوماتيّة ذات طبيعة عقلانية و عملية أكثر من كونها ذات بعد تقني و بناء على ذلك، فإنّ ما يهمّ هو جوهر الأدلّة و ليس شكلها( ). غير أنّ الاجتهادات القضائية الحديثة تكشف ميلا نحو التّمسك بهذه القاعدة، ففي قرار حديث لها قرّرت المحكمة العليا بولاية نيويورك في قضية People v. Covlin بطلان الأدلّة المعلوماتيّة في جريمة توبع فيها المتّهم بقتل زوجته، معتبرة أنّ بعض الأذون بالتّفتيش الصّادرة في القضية لا تفي بمعايير "التّحديد الكافية" لمحل التفتيش، و أنّ لغة الإذن وردت عامة و سمحت بتفتيش أيّ نوع محتمل من السّجلات أو الوسائط الإلكترونيَّة أو أيّ بيان موجود على هاتف المتّهم" ( ). ثانيا: مدى كفاية متطلبات التّحديد الكافي لمحل التّفتيش في تضييق نطاقه في إطار تقييمه للدّور الوقائي للقاعدة محل البحث يطرح الفقه تساؤلات تزيد من عمق الإشكالية الرّئيسية، و ذلك في معرض نقده لها، فيما إذا كان تحديد البيانات الّتي يتعيّن ضبطها يمكن أن يكون ضيّقا بما فيه الكفاية؟ و هل يمكن فعلا التّوصل إلى تحديد نهائي لمكان تواجد أدلّة معلوماتيّة معيّنة (إن وجدت) ( )؟ و بالتّالي الحدّ من امتداد عمليات التّفتيش بقصر هذا الإجراء على تلك الأماكن أو التّطبيقات الموجودة على أجهزة التّخزين الرّقمية فقط؟ إنّ الإشكالية المثارة في هذا الصّدد هي إشكالية عملية بحتة، ففي الحالة الّتي لا ينجح فيها التّفتيش الضّيق في الوصول إلى الدّليل المعلوماتي المحدّد في إذن التّفتيش، فإنّ ذلك لا يحقّق اليقين الجازم بإنعدام الدّليل الجنائي فعلا و عدم وجوده بهذا المحل، بما يوجب حتما التّوسّع في التّفتيش باستكشاف كلّ مكان على محرّك الأقراص الصّلبة، أو ذاكرة الجهاز حيث يُحتمل العثور على الأدلّة أو التّحقق من إنعدامها ضمن هذا المحل( ). و في نظرنا فإنّ هذه الحالة تعتبر من بين أبرز مظاهر التّعارض بين الاعتبارات القانونية و الاعتبارات العملية لقاعدة تحديد البيانات او فئة ميعة من الملفات كمحل للتّفتيش المعلوماتي، فالتّمسك بتطبيقها الجامد يؤدي إلى شلل كلي لعملية التّفتيش، و تجاوزها بهذا الشّكل يحدث إنتهاكا غير معقول للحرّيات الفرديّة. إزاء هذا التناقض يجمع الفقه على تراجع دور هذه القاعدة في البيئة المعلوماتيّة بسبب حجم المساحة المراد تفتيشها و كمية البيانات المخزّنة بداخلها، ففي الحيّز المادي يحدّد هذا الشّرط محل التّفتيش بمكان معيّن كالمنزل أو الشّقة، غير أنّه في حالات التّفتيش المعلوماتي يمكن لشقة واحدة أن تحتوي على عدّة أجهزة للتّخزين الإلكتروني، و الّتي بدورها قد تحتوي على مجموعة من الأدلّة المعلوماتيّة بالإمكان أن تكون مستترة في أيّ مكان على الأقراص الصّلبة دون القدرة على تحديد مكان تواجدها مسبقا قبل القيام بعملية التفيش، بما يستتبع الإطّلاع حتما على أيّ مكان على الأجهزة، و هكذا يصبح التّفتيش المعلوماتي معادلا لتفتيش مدينة بأسرها بدلا من منزل فردي، فشرط التّحديد في الإذن تقلص دوره في الحد من امتداد عمليات التّفتيش المعلوماتي و قد بات ذلك أكثر وضوحا اليوم نظرا للقدرات التّخزينية الكبيرة للحواسيب( ). لذا عادة ما يجيز القضاء الأمريكي للضبطية القضائية القيام بتفتيش كميات هائلة من البيانات للعثور على "إبرة في كومة قش"، فالإفتراض بكون الإذن بالتّفتيش من شأنه أن يحدّد بتفصيل كبير ما هي الملفات أو التّطبيقات الّتي يمكن للشّرطة تفتيشها سيكون افتراضا خاطئا( )، تلك الحقيقة الّتي سلّمت بها الدّائرة الفيدرالية الثّانية موضّحة "...عندما يسمح الإذن بتفتيش مكان الإقامة، فإنّ الأبعاد المادّيّة للأدلّة المطلوبة ستفرض بشكل طبيعي قيودًا على المكان الّذي يجوز فيه للضّابط القيام بالبحث… هذه القيود غائبة إلى حد كبير في المجال الرّقمي، حيث أنّ حجم الملف أو خصائصه الظّاهرية قد لا تكشف شيئا عن محتواه"( )، و ذلك هو مبنى الخلاف الّذي يوضّح عدم مواءمة الحدود التّقليدية الّتي تفرضها قاعدة التّحديد في الإذن القضائي عندما ينظر إليها بمفهوم مادي. رغم وجاهة النّقد الموجّه للقاعدة، فإنّنا نتحفّظ عن المغالاة فيه و المطالبة بالتّخلي عن هذا الضمان في مرحلة التّفتيش المادي و جعلها طليقة من غير قيد( )، أو اعتماد منظور مادي لمحل التّفتيش بشكل مطلق( )، لأنّ ذلك بمثابة دعوة للتّخلي على هذه الضّمانة الإجرائية، و هو ما من شأنه أن يفتح باب التّوسّع الخطير في إمتداد التّفتيش و يمنح قاضي التّحقيق سلطة غير محدودة فتتوسّع عبر الملفات البريئة وفقا لرؤيتها، و من هذا المنطلق لا يقبل تطبيقا للقواعد العامة أن يجيز الإذن القيام بتفتيش عام لجميع أجهزة التّخزين الرّقمية الّتي يُعثر عليها بحوزة المتّهم أو بمقّر إقامته لأنّ التّفتيش مشروع في نطاق الغاية منه( ). و مراعاة لمبدأ التّناسب نرى الإصرار على هذا القيّد و على وجه التّحديد في المرحلة الثّانية، منعا من التّوغل في استعمال هذه السّلطة، و لو كان في تطبيقها ما يناهض متطلبات الفعّالية، لأنّ الهيئة الإجتماعية–الّتي تعتبر مصلحتها أساس مشروعية التّفتيش- لا يضيرها إفلات مجرم، بقدر ما يهدم أواصرها تفتيش معلوماتي على درجة من الشّمولية و التّوسع يكشف عورات أفرادها و ينتهك أسرارهم. الفرع الثّالث: مشروعية محل التّفتش المعلوماتي الأصل أنّه متّى توفّرت شروط التّفتيش أمكن إجراءه في أيّ محل يحتوي ما يفيد في التّوصل إلى وجه الحق في الجريمة، غير أنّ القانون قد يضفي على بعض المحال حصانة معيّنة، فلا يصح تفتيشها رغم تحقق ما يوجب إجراء التّفتيش، و ترجع الحصانة الّتى يضفيها القانون على تلك المحال إلى تعلّقها بمصلحة معيّنة، عامة أو فردية، يرى الشّارع أنّها أولى بالرّعاية من مصلحة التّحقيق الّتي تتطلّب التّفتيش( )، و هو ما يملي علينا التّطرق إلى تحديد بعض هذه الحصانات (أولا)، و استراتيجية مراجعة ملفات الحاسوبية الّتي تمتع بهذا الإمتياز(ثانيا). أوّلا: حظر تفتيش المحل المعلوماتي المتمتّع بالحصانة إنّ أهمّ الحصانات الّتي تقف عقبة في وجه ممارسة سلطة التّحقيق و تحول دون التّمكن من إجراء التّفتيش رغم قيام ما يبرّره هي تلك الّتي تتعلّق بالهيئات الدّبلوماسية (أ)، و الهيئات البرلمانية (ب)، و بحق الدّفاع (ج). أ)- الحصانة الدّبلوماسية هناك مبدأ عام متفق عليه في القانون الدّولي هو أنّ البعثات الدّبلوماسية و أشخاصها و مساكنها و مراسلاتها تتمتّع بامتياز يجعلها بعيدة عن تدخل سلطات الدّولة الّتي توجد بها، و قد كان أساس تلك الحصانة عرف دولي مستقر تؤيّده نصوص متفرّقة في بعض القوانين الدّاخلية( )، ثمّ تمّ تنظيمها بموجب إتفاقية فينا للعلاقات الدّبلوماسية لسنة1961( ). و ليس هنا من مجال للتّوسع في دراسة هذه الحصانة و شروطها فذلك من شأن أبحاث القانون الدّولي، و الّذي يهمّنا هو ما تستتبعه الحصانة الدّبلوماسية من عدم جواز تفتيش الأنظمة المعلوماتيّة الخاصة بالبعثات الدّبلوماسية. عموما تمتّع مراسلات الدّبلوماسيين بالحصانة فلا يصحّ ضبطها أو الإطلاع عليها و يسري هذا المبدأ على كافة المراسلات و البيانات المعلوماتيّة المخزّنة المتعلّقة بعمل البعثة أو الخاصة بالمبعوثين أنفسهم، و يجب على دولة الإقليم أن تكفل للمبعوثين الدّبلوماسيين حرّية الإتصال بدولهم أو بغيرها من الدّول دون عائق حتّى و لو كان هذا الاجراء مفيد في كشف الحقيقة في تحقيق يجري ضد متّهم لا يتمتّع بالحصانة"( )، و من ثمّ لا يجوز تفتيش بياناتهم أيّا كان مكان تخزينها (التّخزين المحلي أو السّحابي) و أيّا كانت الدّعامة المادّيّة المستعملة للتّخزين (هاتف، لوح رقمي، حاسوب محوّل أو ثابت)( ). و تنسحب هذه الحماية الإجرائية لتشمل الزّوج أو الزّوجة و الأبناء، و تشمل مقر البعثة الدّبلوماسية و ملحقاتها كالحدائق و المخازن و السّيارات، بل و تشمل أيضا بعض الأماكن الّتي يقصدها هؤلاء على سبيل التّأقيت كالفنادق و قصور الضّيافة( ). و على أيّ حال فإنّ حدود هذه الحصانة و شروطها غير متفق عليها بين الدّول، لذلك يثور التّساؤل عن حكم التّفتيش المعلوماتي الّذي يقع على النّظم المعلوماتيّة الخاصة بالدّبوماسي، هل يكون صحيحا أو ينبغي الحكم ببطلانه لوروده على محل غير قابل للتّفتيش؟ يمكن القول أنّ التّفتيش يكون صحيحا إذا أمرت به أو أقرّته السّلطات العليا في الدّولة، لأسباب ترجع إلى المحافظة على سيادتها و أمنها الدّاخلي أو الخارجي أو لاعتبارات دولية كمعاملة دولة أخرى بالمثل، و لا يترتّب على إنهتاك حصانة الممثّل الدّبلوماسي في هذه الأحوال إلاّ المسؤولية الدّولية إذا وجدت، و ممّا يؤكّد هذا الحل أنّ هذه الحصانة لا يوجد بشأنها نص صريح في التّشريع الدّاخلي( ). ب)- الحصانة البرلمانية يتمتّع أعضاء المجالس البرلمانية بحصانة عما يبدونه من أفكار و أراء و أقوال أثناء ممارسة عملهم النّيابي سواء داخل المجلس أو في لجانه، و يترتّب على عدم جواز تحريك الدّعوى الجنائية أو رفعها على العضو أيّ تكليف هذه الحصانة بمثابة قيد إجرائي( )، فالحصانة البرلمانية بنوعيها الموضوعي و الإجرائي إستثناء من القانون العام( )، اقتضته ضرورة جعلت السّلطة التّشريعية بمنأى من اعتداء السّلطة التّنفيذية و الهيئات و ذوي النّفوذ عليها. غير أنّ هذا الإستثناء لم يشرّع كامتياز لصالح العضو بقدر ما هو ضمانة للوظيفة الّتي يشغلها ليؤديها في اطمئنان و دون خشية من أحد، إذ يخشى أن تتخذ السّلطة التّنفيذية إجراءات كيدية ضدّهم لما يبدونه من آراء داخل المجلس أو بسبب مواقفهم المعارضة للسّلطة التّنفيذية الّتي تملّك سلطة الإتهام( ).و هذه الحصانة تجد لها تنظيما دقيقا في الدّستور، إعلاء لشأن مهام النّائب و من هنا فإنّه لا مرية أنّ تفتيش الأنظمة المعلوماتيّة لهذه الشّريحة من الأفراد غير جائز لأنّه يستلزم حتما متابعة النّائب و توجيه الإتهام له كما سبق و أن تطرّقنا إليه( )، و هو ما يستغرقه الحظر من المتابعة الجزائية بشكل عام إلاّ في حالة إقدام النّائب على التّنازل شخصيا على هذا الامتياز القانوني، أو بإذن من المجلس الشّعبي الوطني أو مجلس الأمّة الّذي يقرّر رفع الحصانة عنه بأغلبيّة أعضائه( )، و أيضا في حالة التّلبس بارتكاب الجريمة( ). مع ذلك ينبغي تفسير هذه القواعد الدّستورية تفسيرا ضيّقا لأنّها قواعد استثنائية، فالحصانة ضد الإجراءات الجنائية "تقتصر من حيث الأشخاص الّذين يتمتّعون بها على أعضاء البرلمان، فهي ضمانة شخصية مقصورة على أعضاء البرلمان فلا تمتدّ إلى سواهم من الوزراء، أولاد العضو أو زوجه أو أقاربه أو أتباعه أو شركائه في الجريمة"، و لهذا يمكن القول بأنّ هذا النّوع من الحصانة يقتصر على الشّخص الّذي توافرت فيه صفة العضوية، بل و يشترط توافر هذه الصّفة وقت إتخاذ الإجراء و ليس بوقت إرتكاب الجريمة، و يكمن الفرق في ذلك أنّه إذا زالت الصّفة فإنّه يجوز تحريك الدّعوى ضده حتّى و لو كان وقت إرتكاب الجريمة متمتّعا بها( )، و كذا العكس فإذا بدأت الإجراءات الجنائية قبل إنتخاب الشّخص عضوا في مجلس النّواب يتعيّن لاستمرارها استئذان المجلس( ). غير أنّ مثل هذا النّوع من الحصانة يضع إشكالية مشروعية التّفتيش المعلوماتي في إطار عدّة افتراضات أهمّها مدى مشروعية التّفتيش المادي لمسكن النّائب بحثا عن أجهزة التّخزين الرّقمية في إطار التّحقيق في جريمة بعد إتهام أحد أفراد أسرة النّائب المقييم معه في ذات المسكن؟ في هذا الفرض فإنّ التّفتيش المعلوماتي يستوجب تفتيش منزل النّائب للعثور على أجهزة التّخزين الرّقمية الّتي يرجّح أنّها تحتوي على الأدلّة المستهدفة، و نعتقد أنّ التّفسير الضّيق للنّص الدّستوري يجعل الحصانة البرلمانية قاصرة على شخص النّائب فلا تتعداه إلى أفراد أسرته و لو وقع التّفتيش في منزله( )، فحصانة النّائب مقرّرة لمصلحة الأمة في تمثيلها و تلك العلّة في رأينا تنتفي حال مباشرة إجراءات تفتيش في مواجهة متّهم مقيم مع النّائب، هذا فيما يتعلق بمرحلة التّفتيش المادي أمّا مرحلة التّفتيش المعلوماتي لأنظمة معلوماتيّة وجدت بمنزل النّائب فهي تخضع لضمانات خاصة كما سنرى لاحقا.
ج)- حق الدّفاع: إذا كانت مصلحة المجتمع تقتضي الكشف عن الحقيقة و ضبط الأدلّة المتعلّقة بالجريمة مما يبرّر الإعتداء على حق السّر و إجراء تفتيش الأشخاص و المساكن، فإنّ المصلحة العامة لا يمكن حمايتها إلّا إذا كان حقّ المتّهم في الدّفاع عن نفسه بمنأى عن أيّ اعتداء، فحرّية الدّفاع عنصر من عناصر العدالة ذاتها و هي ما توجب ضرورة تمكين المتّهم من إثبات براءته إن استطاع حتّى لا يدان بريء لمجرد التّسرع في الإتهام دون أن يكفل له المجتمع دفاعا حرا و من ثمّ فحقّ الدّفاع يتعلّق بمصلحة الحقيقة( ). و لا شك في أنّ هذا الضّمان جاء لحماية حق الدّفاع و مهنة القائم به، و أنّ المحامي ملتزم بعدم إفشاء كل ما يتعلّق بسرّ مهنته و يقتضي إحترام هذا السّر أن لا يجيز القانون الإطلاع عليه عن طريق التّفتيش( ). يستتبع هذا الحظر عدم جواز تفتيش جميع الأوراق و المستندات الموجودة لدى المحامي عن المتّهم سواء كان موكلا من قبله أو منتدبا من قبل المحكمة و يسري هذا الحظر بالقطع منذ ثبوت صفته أنّه محام عن المتّهم حتّى و لو كانت الدّعوى لا تزال في مرحلة التّحقيق الإبتدائي و لم يوجّه الإتهام بعد للمتّهم( )، و ذلك تحت طائلة البطلان ما لم يثبت مشاركة المحامي في هذا الفعل الجرمي( )، و لو إنصبّ التّفتيش على مجرد استشارات( )، أو بريد إلكتروني يتعلّق بقضية أخرى غير تلك الّتي لأجلها صدر الإذن بالتّفتيش( ) بل حتّى و لو لم يثر نقيب المحامين إعتراضا بهذا الشّأن نهائيا( ). في قرار حديث لها خطت محكمة النّقض الفرنسية خطوات كبيرة نحو المحافظة على شرعية الإثبات المعلوماتي حيث اعتبرت أنّ الإنتهاك الإجرائي لحرية الدّفاع إنّما يقع بمجرد ضبط مراسلات إلكترونية بين المتّهم و محاميه، دون اشتراط إدراك محتوى هذه المراسلة( )، و يشمل هذا الحظر تفتيش الشّخص و المنزل و المكتب و جميع المراسلات، كما يسري على الأحاديث الخاصة بين المتّهم و محاميه، لكن هذا الحظر محدود بغايته و هو حماية حق الدّفاع، فلا يسري على ما يتلقّاه من مراسلات من غير المتّهم بوصفه صديقا لا محاميا و تقدير ما يتعلّق بحقّ الدّفاع يتوقّف على حقيقة الواقع لا على ما يثيره المحامي( ). و إذا كان المحامي متّهما بالضّلوع في ارتكاب واقعة جرمية جاز تفتيش المعلومات المخزّنة بالأجهزة المتواجدة بمكتبه أو مسكنه على هذا الأساس، أمّا إذا أفضى التّفتيش قبل المحامي إلى الضّبط العرضي لبعض المعلومات المتعلّقة بدفاع موكّله فإنّ مآل الضّبط هو البطلان الجزئي في حدود المعلومات المتعلّقة بهذا الحق. و هكذا يخضع تفتيش مكتب المحامي أو أنظمته المعلوماتيّة إلى إجراءات خاصة بحيث يجب أن يتضمّن الإذن بالتّفتيش تحديدا دقيقا لمبرّرات و موضوع التّفتيش( )، فلا يجوز تفتيش مكتب المحامي إلاّ من قبل قاضي التّحقيق المختّص بحضور النّقيب أو مندوبه أو بعد إخطارهما قانونا، و حضور النّقيب عملية التّفتيش عبّرت عنه المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان بكونه "ضمان إجرائي خاص"( )، لذا نجد أغلب التّشريعات قد نصّت على هذا الضّابط الإجرائي سواء في قانون المحاماة( )، أو بموجب قانون الإجراءات الجزائية( ). على أنّ ذلك لا يعني أنّ نقيب المحامين أو من يمثّله يعتبر طرفا في تلك الإجراءات المتخذة بل يعتبر بمثابة حارس لحماية حق الدّفاع( )، و له الحق في بسط رقابته على عملية التّفتيش قبل أيّ عملية ضبط محتمل و له أن يعترض على ضبط أي وثيقة عندما تكون هذه الأخيرة متعلّقة بجريمة غير تلك المذكورة في إذن التّفتيش( )، إلاّ أنّ القضاء الفرنسي لم يرتّب البطلان في حالة ما إذا تمّ ضبط وثائق مختلطة بمستندات رقمية تتمتّع بالإمتياز بل أقرّت ردها مع اعتبار باقي الإجراءات صحيحة( ). و يثار في هذا الصّدد سؤال مفاده هل هذا القيد يسري على "التّفتيش المعلوماتي عن بعد" بخصوص الأنظمة المعلوماتيّة التّابعة لهؤلاء الأشخاص طالما أنّ التّفتيش في هذه الأحوال لا يستوجب تفتيش مكتب المحامي أو منزله؟ رغم التّعديلات الحديثة الّتي طالت قانون المحاماة، إلاّ أنّ المشرّع لم يلتفت إلى هذه المسألة بل أبقى الحصانة على مكتب المحاماة بمفهوم تقليدي، على الرّغم أنّ هذا المفهوم بدأ يتراجع بالتّوجه نحو الرّقمنة، فالمشرّع نصّ على أنّه "لا يتمّ أيّ تفتيش أو حجز في مكتب المحامي إلاّ من قبل القاضي المختّص بحضور النّقيب أو مندوبه أو بعد إخطارهما قانونا"، و إن كانت عبارات النّص واضحة فإنّ ذلك لا يجيز تفسير النّص تفسيرا ضيّقا في حدود ظاهر عباراته، لأنّ ذلك يناقض غاية المشرّع الّتي ترمي إلى حماية حرّية الدّفاع و حظر الإطلاع على أيّ مستند يتعلّق بهذا الحق أيّا كانت طبيعته و أيّا كان مكان تواجده، فالحماية المقرّرة في القانون إنّما تستهدف حماية حق الدّفاع و ليس حصانة المكتب. و في هذا الصّدد ذكرت المحكمة الدّستورية البلجيكية "لا تهدف السّرية المهنية الّتي يلتزم بها المحامون و الأطباء إلى منح أيّ امتياز خاص بهم، و لكنّها تهدف في المقام الأوّل إلى حماية الحق الأساسي في احترام الحياة الخاصة للشّخص الّذي يثق بهم، و أحيانًا فيما يتعلّق بما هو أكثر حميمية...، عندما يتمّ تفتيش هذه الأنظمة المعلوماتيّة فإنّ الأحكام المتعلّقة بالتّفتيش المادي الّذي يحصل في المقرات المهنية للمحامين أو الأطباء قابلة للتّطبيق و تسمح بضمان السّرية المهنية، و مع ذلك فإنّ حالات التّفتيش المنصوص عليها في المادّة 39 مكرّر من قانون الإجراءات الجنائية، تتجاوز هذه الفرضية الدّقيقة و يمكن تنفيذها خارج فرضية التّفتيش ضمن المقرات المهنية"( ). لذا نرى وجوب النّص صراحة على حظر التّفتيش الّذي ينصّب على الأنظمة المعلوماتيّة للمحامين، فضلا عن ذلك فإنّه ينبغي ضمان التّبليغ الرّسمي المسبق لنقيب المحامين بإذن قاضي التّحقيق حال مباشرته إجراءات "التّفتيش عن بعد" لكفالة حضوره هذه العملية و لو لم يتم الإنتقال إلى مكتب المحامي أو منزله، لأنّ هذا القيد الإجرائي راجع إلى طبيعة حق الدّفاع بحد ذاته، فهو "ينبع من القانون الطّبيعي و روح القانون"( ). ثانيا: استراتيجية مراجعة ملفات الحاسوبية في المحل المتمتع بالحصانة إنّ أهمّ إشكالية تطرح بصدد بحث المحافظة على شرط مشروعية محل التّفتيش، يتعلّق باختلاط الملفات ذات الإمتياز القانوني بغيرها من البيانات الحاسوبية المخزّنة، و المبدأ الّذي أرسته محكمة النّقض الفرنسية الرّامي إلى كفالة حماية هذه المعلومات أثناء الضّبط و قبل التّفتيش أمر صعب للغاية بحكم العدد الهائل من البيانات الّتي قد تختلط بها. و نجد أنّ المرشد الفيدرالي الأمريكي لتفتيش و ضبط الحواسيب وصولا إلى الدّليل الإلكتروني في التّحقيقات الجنائية، أشار إلى كيفية التّعامل مع هذه البيانات خلال مرحلة ما بعد الضّبط، عندما تقوم سلطة التّحقيق بضبط حاسوب يحتوي على ملفات ذات امتيازات قانونية، يجب على طرف ثالث موثوق به فحص الحاسوب لتحديد الملفات الّتي تحتوي على مواد ذات الامتياز. وبعد مراجعة الملفات، سيقدّم الطّرف الثّالث الملفات الّتي تتمتّع بهذه الصّفة إلى جهة الإدعاء، و تختلف الممارسات المفضّلة لتحديد من سيقوم بتصفّح الملفات اختلافا كبيرا بين مختلف المحاكم. و عموما توجد ثلاثة خيارات: أولا: يجوز للمحكمة نفسها أن تعيد النّظر في الملفات الموجودة في سرية. ثانياً: يجوز للقاضي الّذي يتولى الرّئاسة تعيين طرف ثالث محايد يعرف باسم "خبير خاص" و يعهد إليه مهمة مراجعة الملفات. ثالثا: تشكيل فريق من ممثلي الإدعاء أو أجهزة إنفاذ القانون الّذين لا يعملون في القضية "فريقاً للتّصفية" للمساعدة في تنفيذ عملية البحث و مراجعة الملفات، و يقوم هذا الفريق بإعداد جدار يفصل بين الأدلّة وفريق المدعيين العموميين، الأمر الّذي لا يسمح إلاّ بمرور الملفات الّتي ليست ذات إمتياز المميّزة من خلال هذا السّور( ). و بالنّظر إلى أنّ الحاسوب يمكنه تخزين ملايين الملفات فإنّ القضاة نادرا ما يقومون بمراجعة ملفات الحاسوب بسرية في مكتب القاضي و عوضا عن ذلك الإختيار النّموذجي بين استخدام فريق ذو إمتياز أو طرف خاص فإنّ معظم المدعين العموميين يفضّلون استخدام فريق في حالة موافقة المحكمة على ذلك و يمكن للفريق ذو الإمتياز القيام بفحص ملفات الحاسوب المضبوطة بسرعة في حين فإنّ تعيين أساتذة خصوصيون غالبا ما يستغرقون سنوات عديدة لإتمام العملية و من ناحية أخرى فقد أعربت بعض المحاكم عن عدم إرتياحها عن الفريق ذي الإمتياز( ). في حين نجد أنّ محكمة النّقض الفرنسية قد استقرّت لمعاجلة هذه الإشكالية على لزوم أن يلتزم قاضي الحرِّيَّات و الحبس بتعيين خبير مختص في تقنية المعلومات يكلف بالقيام بعملية فرز للملفات و تحديد تلك الّتي تدخل في نطاق الإذن القضائي و استبعاد غيرها من نطاق الإسترداد( ). المبحث الثّاني الضّوابط الشّكلية للتفتيش عن الأدّلة المعلوماتيّة حرص المشرّع على حماية الحق في الخصوصية إزاء التّفتيش الجنائي بنوعين من الضّمانات الوقائية، تكون عضدا للضّمانات الموضوعية في سبيل حفظ الحرِّيَّات الفرديّة يتطلّب الضّمان الأوّل لزوم استصدار إذن قضائي مسبّب تجنّبا لوقوع أيّ إنتهاك غير مبرّر( مطلب أول)، و يستوجب الضّمان الثّاني تنفيذ التّفتيش بطريقة معقولة إبتغاء قصر نطاق هذا الإنتّهاك في أضيق الحدود (مطلب ثاني). المطلب الأوّل: الإذن بالتّفتيش المعلوماتي يمثّل الإشراف القضائي على الإجراءات الجزائية أهمّ ضمان للحماية الّتي قرّرها القانون للحق في الخصوصية بما يتوّفر عليه القضاء من صفات الإستقلال إذ هو القادر على ضمان هذه الحرّية في مواجهة أيّ خطر يهدّدها، تلك الرّقابة الّتي يمارسها من خلال اشتراط إذن قضائي (فرع أوّل) صادر عن سلطة مختصة (فرع ثاني) ينفّذ ضمن نطاق زمني محدّد (فرع ثالث). الفرع الأوّل: لزوم استصدار إذن مسبّب بالتّفتيش المعلوماتي لا يمكن الحديث عن الشّرعية الإجرائية بغير إشراف قضائي يضمن عدم تعسّف السّلطة و إنحرافها عن الغاية المتوخّاة من الإجراء الجنائي، فيقتضي لمشروعية التّفتيش لزوم صدور إذن مسبق يستهدف النّظام المعلوماتي على وجه التّحديد(أولا)، و أن يتوفّر في إذن التفتيش مقوّماته الشّكلية( فقرة). أوّلا: التّنظيم التّشريعي و القضائي لشرط الإذن بالتّفتيش المعلوماتي نظرا للطّبيعة الفريدة للأدلّة المعلوماتيّة الّتي تمتاز بسهولة تدميرها و حذفها، فإنّنا نجد أنّ التّشريعات تتّجه إلى فرض شرط يعدّ ركن جوهري لصحة التّفتيش، إذ لا يكفي صدور إذن عام لصحة التّفتيش المعلومات، بل وجب التّنصيص على النّظام المعلوماتي ضمن الإذن (أ)، باستثناء بعض الحالات الّتي يستغى فيها عن الإذن المسبق(ب). أ)- ضرورة استصدار إذن بالتّفتيش يستهدف النّظام المعلوماتي على وجه التّخصيص. الإذن بالتّفتيش تفويض يصدر من سلطة التّحقيق المختصّة إلى أحد مأموري الضّبط القضائي، مخوّلا إيّاه إجراء التّفتيش الّذي تختص به تلك السّلطة، إذ تسري على الإذن بالتّفتيش أحكام النّدب للتّحقيق بوجه عام( )، و قد حرص المشرّع على حماية خصوصية المساكن من خلال إضفاء الطّابع الدّستوري على هذا الضّابط الإجرائي، بحيث تنصّ المادّة 47 من الدّستور "تضمن الدّولة عدم إنتهاك حرمة المسكن، فلا تفتيش إلاّ بمقتضى القانون، و في إطار إحترامه، و لا تفتيش إلاّ بأمر مكتوب صادر عن السّلطة القضائية المختصّة"، ثم تمسّك المشرّع مجدّدا بهذا القيد ضمن المادّة 44 من قانون الإجراءات الجزائية، بحيث أكّد أنّه "لا يجوز إجراء التّفتيش إلاّ بعد الحصول على إذن مكتوب من السّلطة القضائية المختصّة". و يعتبر الإذن القضائي المسبق بمثابة قاعدة وقائية تسعى إلى تجنّب وقوع أيّ انتهاك غير مبرّر على هذا الحق، غير أنّ هذا القيد لم يرد إلاّ بالنّسبة لتفتيش المساكن على وجه التّحديد، و سكت المشرّع عن إجراءات التّفتيش في محلات أخرى كتفتيش الشّخص و سيارته، فهل يفيد ذلك أنّ التّفتيش المنصّب على نظم المعلومات ينأى عن هذا الضّابط الإجرائي؟ أو بعبارة أخرى هل صدور إذن بتفتيش المنزل أو السّيارة أو الشّخص ذاته يجيز ضمنا إمتداد التّفتيش إلى الأجهزة الحاسوبية الموجودة بالمحل المأذون بتفتيشه؟ نصّت المادّة الثّانية من التّوصية الأوروبية بشأن الإجراءات الجزائية المتعلّقة بتكنولوجيا المعلومات على أنّه "يجب أن تسمح قوانين الإجراءات الجزائية لسلطات التّحقيق بتفتيش نظم الحاسوب و ضبط البيانات بذات الأوضاع المقرّرة في نظم التّفتيش و الضّبط التّقليدية"( )، و في مقابل ذلك نجد أنّ المشرّع البلجيكي كان سبّاقا إلى إصدار القانون المؤرخ في 28/11/2000 بشأن تعديل قانون التّحقيق الجنائي مضيفا المادّة (88ter) الّتي تضمن إختصاص قاضي التّحقيق بإصدار إذن بتفتيش نظم المعلومات système informatique على وجه التّخصيص. الحقيقة أن بين الأمرين آثار مختلفة تترتّب، فإذا اعتبرنا أنّ الحاسوب جزء من المكان الّذي يتمّ تفتيشه فإنّ ذلك يترّتب عليه أن مجرّد إصدار أمر تفتيش لهذا المكان فإنّ هذا الأمر يشمل تفتيش الحاسوب المذكور، أمّا إذا اعتبرنا أنّ التّفتيش لكي يتمّ على الأنظمة المعلوماتيّة فإنّه يجب أن يتمّ تضمين الأنظمة المعلوماتيّة في إذن التّفتيش تخصيصا إلى جوار الصّيغة العامة الّتي يتضمّنها أذن التّفتيش لكون الحاسوب متميّزا عن المحتويات العادية لمنزل المتّهم بل و حتّى للمتّهم ذاته إذا كان يحمل حاسوبا مصغّرا عبر ساعته أو جهاز النّقال الخاص به... إلخ، فإنّه في هذه الحالة يجب أن يكون أذن التّفتيش مشمولا بتحديد معيّن لجهاز الحاسوب، بحيث لا يكفي في هذه الحالة الصّيغة العامة و إنّما يجب أن يتضمّن في أذن التّفتيش تحديدا دقيقا للحاسوب المراد تفتيشه و عدد الأجهزة المراد تفتيشها و أيضا مراعاة الجريمة الّتي صدر أذن التّفتيش بناءا عليها بحيث لا يكون هناك شمول أو عمومية في هذا الإطار مما يعني لزوم مراعاة تطبيق مبدأ الغاية من التّفتيش بشكل كامل( ). من المسلّم به جدلا في الوقت الحالي أنّ النّظام المعلوماتي واقع في دائرة الخصوصية( )، بحكم ما يتضمّنه من بيانات خاصة( )، لذا فإنّه فلا يجوز تفتيشه إلاّ بموجب إذن قضائي مسبق يحدّد فئات معيّنة من الملفات على أنّها "الأشياء" الّتي يتعيّن "ضبطها" من وسائط التّخزين( )، لذا تخلى القضاء الأمريكي عن سوابقه القضائية الّتي أرست قياسا بين تفتيش الحاويات التّقليدية و أجهزة التّخزين الرّقمية منذ عقدين( ).و هذا ما أكدّته الدّائرة الفيدرالية التّاسعة في قضية United States v. Payton حيث قرّرت "يجب عدم النّظر إلى الحواسيب باعتبارها مجرّد حاوية، و أنّ صدور إذن بتفتيش مكان ما يسمح بتفتيشها طالما كان من الممكن وجود الأدلّة المطلوبة بداخلها دون أن يصدر إذن صريح يجيز تفتيش الأجهزة الحاسوبية"( ). حقيقة الأمر أنّ هذا الضّمان الإجرائي قد تعرض له المؤتمر الدّولي الخامس عشر للجمعية الدّولية لقانون العقوبات حيث نصّت التّوصية الحادية عشر منه بأنّ "كلّ إجراء يتخذ بواسطة سلطة رسمية و يمسّ بالحقوق الأساسية للمتّهم – و منها الإجراءات الّتي تتخذها الضّبطية القضائية- يجب أن تكون مسموح بها عن طريق القاضي أو خاضعة لرقابته( )، لذا نجد أنّ التّشريعات قد أولت أهمّية بالغة لهذا القيد بالنّص عليه صراحة، لأنّه يعتبر من الضّمانات الجوهرية لحماية حق الخصوصية( ). وبالرّجوع إلى القانون رقم 09/04 و البحث في مدى التّقيد بهذا الضّابط من عدمه عند القيام بإجراء التّفتيش الإلكتروني، فإنّنا نجد أنّ المادّة 05 من هذا القانون المنظمة لهذا النّوع من التّفتيش لا تنص صراحة على وجوب إستصدار ضباط الشّرطة القضائية إذنا مسبقا بتفتيش المنظومات المعلوماتيّة كما هو الشّأن بالنّسبة لمراقبة الاتصالات الإلكترونيَّة، و بالتّالي فإنّه يفهم ضمنيا من هذا النّص القانوني أنّ المشرّع أبقى على المبادئ التّقليدية الّتي تنظم هذه المسألة و الّتي تجد سندها في القاعدة التّقليدية الّتي مؤداها أنّ ما يحمله الأفراد من أمتعة لا تخضع للضّمانات و القواعد المقرّرة لتفتيش المساكن. و بناء على ذلك فحرمة الأنظمة المعلوماتيّة مستمدة من إتصالها بشخص صاحبها أو حائزها و من ثمّ يسري على تفتيشها أحكام تفتيش الأشخاص طالما هي في حيازة صاحبها أو برضائه، أمّا إذا كانت هذه الأجهزة داخل أحد ملحقات المسكن فهي تأخذ حكم المكان المسكون فلا بد من استصدار إذن قضائي مسبّب قبل التّفتيش، و هو موقف ما يمثّل في نظرنا خروجا على أصول الشّرعية الإجرائية الّتي تفترض البراءة في المتّهم و تخضع الإجراءات وجوبا لإشراف القضاء( )، و لا يمكن القول بخلاف ذلك بإعمال القياس بين حرمة المسكن و حرمة النّظام المعلوماتي لأنّ حرمة المسكن وردت على سبيل الاستثناء و الاستثناء لا يقاس عليه( ). و لأنّه من غير المعقول أنّ يكون التّفتيش دون إذن قضائي يجيز أكثر مما يبيحه التّفتيش المأذون به، كون خصوصية النّظام المعلوماتي تتجاوز خصوصية المسكن كما سبق و أن توصّلنا إليه، و حجتنا في ذلك هو موقف المشرّع الدّستوري الّذي استدرك حديثا هذا القصور و حسم الخلاف نهائيا ضمن التّعديل الدّستوري لسنة 2016، حيث حرص - في سبيل حماية الحرِّيَّات العامة- على كفالة حرمة الحياة الخاصة للأفراد فأكّدت المادّة 46 المستحدثة بموجب هذا التّعديل الدّستوري على أنّه "لا يجوز انتهاك حرمة حياة المواطن الخاصة، و حرمة شرفه، و يحميها القانون، سرية المراسلات و الاتصالات الخاصة بكلّ أشكالها مضمونة، لا يجوز بأيّ شكل المساس بهذه الحقوق دون أمر معلّل من السّلطة القضائية و يعاقب القانون على انتهاك هذا الحكم"، مما مؤداه أنّ هذا النّص الدّستوري يستلزم لمشروعية أيّ إجراء ينتهك الحق في الخصوصية-بغض النّظر عن تكييفه القانوني- ضرورة صدور أمر قضائي مسبق و مسبّب يجيزه. على أنّه ينبغي الحذر عند تفسير هذا النّص الدّستوري، فالدّستور اكتفى في الفقرة الأولى في تقرير هذه الحماية بإيراد ذلك في عبارات عامة (لا يجوز انتهاك حرمة حياة المواطن الخاصة)، ثم خصّص بالحماية ما يتفرّع عن هذا الحق في الفقرة الثّانية (سرية المراسلات و الاتصالات الخاصة بكل أشكالها مضمونة)، إلّا أنّه لم يفرّق بين ما يتفرّع عن هذا الحق بخصوص ضمان الإشراف القضائي المسبق على كل اجراء ينتهك التوقع المعقول للحق في الخصوصية كما يقطع بذلك عموم نص الفقرة الثّالثة (لا يجوز بأيّ شكل المساس بهذه الحقوق دون أمر معلّل من السّلطة القضائية)، و قد جاءت هذه الفقرة عامة مطلقة لم يرد عليها ما يخصّصها أو يقيّدها. و هذا ما يجرّنا إلى القول بأنّ المادّة 5 من القانون 09/04 الّتي تخوّل للضّبطية القضائية الحق في التّفتيش المعلوماتي دون لزود استصدار إذن قضائي يستهدف النّظام المعلوماتي على وجه التّحديد، قد أصبح مخالفا للدّستور الّذي يحظر إتخاذ أيّ إجراء ينتهك الحياة الخاصة للفرد دون إذن قضائي سابق، و لكون التّعديل الدّستوري كان لاحقا عن سن هذا النّص القانوني، فإنّ مؤدى ذلك صيرورة نص المادّة 5 منسوخ ضمنا (ملغى) بقوة الدّستور، و بطبيعة الحال فإنّ هذا الإلغاء لا يخرج عن حدود التّعارض، و ذلك طبقا للمبدأ العام الّذي يقرّر أنّ اللاّحق ينسخ السّابق إذا كان مساويا له في الدّرجة أو أعلى منه دون الحاجة إلى النّص صراحة على هذا النّسخ، و إن كنّا نرى الأولى بالنّص صراحة على هذا الضّمان الإجرائي. كما أنّه ينبغي الإشارة إلى أنّ المادّة 46 من الدّستور تستغرق المادّة الموالية لها، فالمادّة 46 وردت عامة تفرض الإذن القضائي المسبق كشرط لإتيان أيّ إجراء ينطوي على تهديد للحياة الخاصة للأفراد بينما، وردت المادّة 47 من الدّستور كاسثناء بحيث خصّصت المنزل دون غيره من هذا الضّمان الإجرائي، لذا وجب حذفها منعا من التّوسع في تأويل النّصوص بما يناقض بعضها بعضا. ب)- حالات التّفتيش المعلوماتي بدون إذن قضائي تتعدّد حالات التّفتيش المعلوماتي بدون إذن قضائي في مختلف التّشريعات سواء كان ذلك لظروف طارئة (1) أو في أحوال القبض على الأشخاص(2). 1)- التفتيش بدون إذن قضائي لظروف طارئة تعدّ الظّروف الطّارئة استثناء على تطلب إذن مسبق بالتّفتيش، لذا يجوز الإستغناء على هذا القيد الإجرائي متى تحققّت حالة من حالات الظّروف الطّارئة، إذا كانت الأدلّة معرّضة لخطر التّدمير الوشيك، أو أن يكون هناك تهديد للجمهور أو ما يعرّض الضّبطية القضائية للخطر، أو بصدد حالات المطاردة الشّديدة، أو لمنع هروب المشتبه به قبل أن تتمكن الضّبطية القضائية من الحصول عى إذن بالتّفتيش، و تعدّ الحالة الأولى أهمّ حالة بشأن الأدلّة المعلوماتيّة و هي الخشية من تدمير الأدلّة ، و لتقدير مدى توافر الظّروف الطّارئة يجب النّظر إلى درجة الخطورة في ضوء مقدار الوقت اللاّزم للحصول على إذن التّفتيش( ). و لتقدير ما إذا كانت الظّروف الطّارئة لها وجود، فإنّه يجب على الضّبطية القضائية الأخذ بعين الاعتبار خمسة أوضاع :1) درجة الوضع الطّارئ، 2) مقدار المدّة الزّمنية اللاّزمة للحصول على إذن التّفتيش، 3) ما إذا كان الدّليل على وشك الإختفاء أو التّدمير، 4) إمكانية حدوث خطر في الموقع، 5) ما إذا كان الحائزون للمواد المجرّمة على علم بكون الضّبطية في طريقها إليهم، 6) قابلية المواد للتّدمير الفوري( ). غالبا ما تقوم و تتحقّق الظّروف الطّارئة في حالة التّفتيش عن الأدلّة المعلوماتيّة، لأنّ البيانات المحوسبة قابلة بطبيعتها للتّلف، ذلك أنّ الأوامر الموجّهة للحاسوب يمكنها أن تؤدي إلى تدمير البيانات في ثوان معدودات، كما يمكن للرّطوبة و الحرارة و المجالات المغناطسية الّتي تنشأ على سبيل المثال بواسطة تمرير مغناطيس قوي على القرص أن تفضي إلى هذه النّتيجة( )، و هكذا لاحظ القضاء "أنّه تمّ التّوصّل إلى الظّروف قد برّرت تنزيل البيانات من حاسوب في روسيا بدون إذن قضائي، لوجود سبب وجيه للإعتقاد بأنّ الحاسوب الرّوسي يحتوي على أدلّة متعلّقة بالجريمة، حيث يوجد سبب معقول للتّخوف من أن يؤدي التّأخير إلى تدمير الأدلّة أو فقدانها، و حيث قام الضّابط القضائي بنسخ البيانات فقط ثم حصل بعد ذلك على إذن بالتّفتيش( ). و من الأهمّية بمكان الإشارة إلى أنّ التّفتيش المعلوماتي بدون إذن قضائي لابد أن يكون مقيّدا بشكل صارم بالضّروريات الّتي تبرّر الشّروع في التّفتيش، و هي أنّ الظّروف الطّارئة الّتي تدعم و تبرّر ضبط الحاسوب بدون إذن قضائي، قد لا تكفي لتبرير التّفتيش المعلوماتي اللاّحق، و بالتّالي فإنّ الحاجة إلى ضبط حاوية لمنع تدمير الأدلّة لا تسمح بالضّرورة للضّبطية القضائية باتخاذ خطوات أخرى دون إذن قضائي( ). و بذلك يكون القضاء الأمريكي قد أرسى قاعدة عامة مبناها أنّ الظّروف الاستثنائية الّتي تسمح بالضّبط المادي لأجهزة التّخزين الرّقمية بدون إذن قضائي، لا تسمح بالتّفتيش بدون إذن، لأنّ الضّرورة مقدّرة بقدرها و هي منع تدمير الدّليل فقط. على أنّ السّؤال الّذي يفرض نفسه هنا يتعلّق مضمونه ببحث مدى اعتماد المشرّع الجزائري لهذه القاعدة؟ لا يوجد في القانون الجزائري رقم 09-04 المتضمّن القواعد الخاصة للوقاية من الجرائم المتّصلة بتكنولوجيا الإعلام و الإتصال و مكافحتها أو قانون الإجراءات الجزائية إشارة صريحة إلى هذه القاعدة، غير أنّه في نظرنا متى توفّر الاعتقاد بوجود حالة من حالات الطّوارئ المذكورة أعلاه جاز لضابط الشّرطة القضائية القيام بالضّبط المادي لأجهزة التّخزين الرّقمية دون تجاوز هذا الحد من الإجراءات و ذلك لسببين رئيسيين، يرجع الأوّل إلى طبيعة الأدلّة المعلوماتيّة الّتي تمتاز بسهولة محوها و تدميرها أو على الأقل تعديلها، و من جهة ثانية فإنّ الضّبط المادي لا يشكّل تقييدا كبيرا للحرّية الشّخصية، إذ يظهر بشكل جلي تحقّق مبدأ التّناسب في هذه الحالة، على أنّه ينبغي على الضبطية القضائية اللجوء فورا لتبليغ النّيابة العامة بالإجراء المتخذ، لاستصدار إذن يسمح بالتّفتيش المعلوماتي طبقا لنص المادّة 46 من الدّستور. و بالإمكان إستنباط هذه القاعدة من المادّة 42 من قانون الإجراءات الجزائية المتعلّقة بإجراءات جمع الأدلّة في حالة التّلبس و الّتي تنصّ" يجب على ضابط الشّرطة القضائية الّذي بلغ بجناية في حالة تلبس أن يخطر بها وكيل الجمهورية على الفور ثم ينتقل بدون تمهل إلى مكان الجناية و يتخذ جميع التّحريات اللاّزمة و عليه أن يسهر على المحافظة على الآثار الّتي يخشى أن تختفي و أن يضبط كل ما يمكن أن يؤدي إلى إظهار الحقيقة..."، و بطبيعة الحال فإنّ الضّبط في هذه الأحوال يقتصر فقط على الأجهزة المادّيّة الواقعة خارج المساكن، لأنّه في غير هذه الأحوال فإنّ الإذن القضائي لدخول المساكن يقع واجبا تحت طائلة البطلان إلتزامنا بنص المادّة 47 من الدّستور و المادّة 44 من قانون الإجراءات الجزائية.
2)- التّفتيش بناء على القبض على الأشخاص لم ينظّم قانون الإجراءات الجزائية تفتيش الأشخاص المشتبه فيهم أو المتّهمين، إلّا أنّ الفقه يرى أنّ تفتيش الشّخص يكون في حالّتين إمّا أن يكون تفتيشا مكمّلا لتفتيش المسكن، و تلك الحالة الّتي سبق مناقشتها، و توصّلنا إلى عدم جواز إمتداد تفتيش المسكن إلى النّظام المعلوماتي، أمّا الحالة الثّانية فهي تتعلّق بتفتيش الشّخص في حالة القبض عليه تطبيقا للمادة 51/4 من قانون الإجراءات الجزائية، أو تنفيذا لأمر قضائي بالقبض تطبيقا لحكم المادّة 120 من نفس القانون، فيجوز القيام بتفتيش المقبوض عليه و هو تفتيش مقترن بالقبض في حالة التّلبس بالجناية أو الجنحة أو تنفيذا لأمر بالقبض صادر عن قاضي التّحقيق( ). و علة هذه القاعدة أنّه ما دام يجوز التّعرض لحرية الشّخص بالقبض عليه فيجوز تفتيشه، فتفتيش الشّخص أقلّ خطورة من القبض عليه أو أنّ القبض على المتّهم يتضمّن اعتداء على حريته الشّخصية بما يجاوز التّفتيش فإذا أهدرت حرّية الشّخص بالقبض عليه فإنّ ذاك يسستتبع التّسليم بحق الضّبطية القضائية في تفتيشه( )، و هذه القاعدة العامة الّتي تضمّنتها مختلف التّشريعات و الّتي مفادها جواز تفتيش الشّخص في حالة القبض عليه، هل تسري أيضا على النّظام المعلوماتي الّذي يكون بحوزة المقبوض عليه لحظة القبض؟ من الأمثلة النّموذجية للقوانين الّتي نصّت على جواز تفتيش النّظم المعلوماتيّة بناء على القبض على الأشخاص، قانون سوء إستخدام الحاسب الآلي في إنجلترا، فالجرائم المدرجة في القسمين الثّاني و الثّالث من قانون سوء إستخدام الحاسب الآلي يعاقب عليها عند الإدانة بعقوبة السّجن لمدة خمسة سنوات حد أقصى، و ذلك يعني أنّ هذه النّوعية من الجرائم تستدعي القبض على المتّهم طبقا لقانون الشّرطة و الإثبات الجنائي لسنة 1984، و بالتّالي لرجل الشّرطة القبض على المتّهم دون حاجة لاستصدار إذن قضائي بالقبض كما أنّ له تفتيش محل إقامة المتّهم بحثا على أدلة ذات قيمة تتعلّق بالجريمة المعلوماتيّة الّتي تمّ القبض عليه بسببها( ). و يتجه غالبية الفقه إلى القول بانطباق هذه القاعدة على التّفتيش المعلوماتي قياسا على تفتيش الأشخاص، لأنّ البرامج و المعلومات و لئن كان لها حرمة فإنّ حرمتها مستمدّة من حرمة الشّخص الّذي يحوزها فإن جاز تفتيشه جاز تفتيشها، و من ثمة فإنّه يجوز للضّبطية القضائية عند التّلبس إجراء التّفتيش المعلوماتي( )،لأنّ التّفتيش في حالة التّلبس لا يشمل جسم الشّخص فحسب، بل كذلك ما يحمله من متاع، و بالتّالي تندرج أجهزة التّخزين الرّقمية تحت مسمى المتاع، و هو مذهب تبناه القضاء المصري( ). أمّا المشرّع الفرنسي فقد استوجب هذا الضّمان الإجرائي حتّى في حالة التّلبس بموجب المادّة 56 من قانون الإجراءات الجزائية، بل إنّ المجلس الدّستوري الفرنسي شدّد هذا الضّمان حتّى في حالة الظّروف الاستثنائية، أين قرّر وجوب حصول السّلطة الإدارية مسبقا على إذن من القاضي الإداري الإستعجالي للقيام بهذا الإجراء( )، و قد تواترت أحكام القضاء الأمريكي على اعتماد هذه القاعدة و تطبيقها لمدة تزيد عن عقدين من الزّمن إلى غاية صدور القرار التّاريخي للمحكمة العليا الفيدرالية في قضية Riley v. California ( ). و في هذا القرار الصّادر بالإجماع، أوضحت المحكمة أنّ الضّبطية القضائية لا يمكنها بدون إذن قضائي مسبق إجراء التّفتيش المعلوماتي على الهاتف الموجود بحوزة الشّخص عقب القبض عليه، لأنّ الهاتف لا يمكن أن يشكّل سلاحا يهدّد سلامة الضّبطية القضائية، كما أنّ احتمال إتلاف الأدلّة عن طريق المسح عن بُعد أو تشفير البيانات لم يظهر أنّه شائع و يمكن التّصدي له بتعطيل الهواتف، علاوة على ذلك، فإنّ القدرة التّخزينية الهائلة الّتي تتمتّع بها الهواتف المحمولة الحديثة تشتمل على مخاوف تتعلّق بالخصوصية بحكم خصوصية المعلومات الّتي يمكن الوصول إليها عبر الهواتف، و قد لقي هذا الحكم التّاريخي تأييدا فقهيا كبيرا. و في تعليقه على هذا الحكم يرى الفقه الأمريكي أنّ هذا المبدأ الّذي أرسته المحكمة العليا يعتبر بمثابة "إعادة للتّوازن" الّذي إختّل بتطبيق القواعد التّقليدية على البيئة المعلوماتيّة و أدى إلى نتائج غير معقولة، ذلك أنّ حقائق عمليات التّفتيش المعلوماتي تختلف اختلافًا كبيرًا عن حقائق عمليات التّفتيش المادي الّتي تتطلّب قواعد جديدة، إذ تستدعي الحقائق الّتي فرضتها البيئة المعلومايتة قواعد جديدًا لاستعادة وظيفة القانون القديم( )، سعيا لإيجاد معيار تحقيق التّوازن بين عنصر الفعّالية و الشّرعية في التّفتيش عن الأدلّة المعلوماتيّة. واقع الأمر أنّه رغم التّعديلات العربية الحديثة فيما يتعلّق بإجراءات التّفتيش المعلوماتي إلاّ أنّها لا تزال في غيبة من التّعرض لهذه المسألة، و بطبيعة الحال فإنّ الإبقاء على تطبيق القواعد التّقليدية فيه إهدار كبير للحرّيات الفرديّة، لذا نرى أنّ النّظام المعلوماتي يتمتّع بحرمة خاصة، فلا يجوز فحص أجهزة التّخزين الرّقمية أو الإطلاع عليها إلاّ بمقتضى إذن قضائي مسبّب يحدّد يستهدف الأنظمة المعلوماتيّة على وجه التّخصيص، إذ أنّ هذا الإجراء من طبيعة خطرة فضلا عن مساسه بالحياة الخاصة للمتّهم، فهو ينتهك أيضا حق الغير الّذي لا تربطه أيّ رابطة بالجريمة، فوجب توافر ضمانة إضافية بالحصول علي إذن من جهة محايدة. زيادة على ذلك فإنّ التّشريع الإجرائي لما خوّل للضّبطية القضائية في أحوال التّلبس سلطة التّفتيش فهي سلطة استثنائية لا يجوز التّوسع فيها أو القياس عليها لأنّ ما ثبت على خلاف الأصل من مساس بالحرِّيَّات لا يقاس عليه و يجب أن يفسّر في أضيق نطاق، فالمشروعية الإجرائية تحظر إتخاذ أيّ إجراء جنائي يمسّ الحرِّيَّات الفرديّة إلا بناء على نص صريح يجيزه، مما مقتضاه أنّه لا يجوز للضّبطية القضائية في أحوال التّلبس إجراء التّفتيش المعلوماتي للدّعمات المادّيّة الّتي توجد بحوزة المقبوض عليه، و كلّ ما يجوز لها هو إتخاذ إجراءات الضّبط منعا من تدمير الأدلّة و محافظة على سلامتها من العبث و التّعديل، ريثما يتمّ الحصول على إذن قضائي يجيز التّفتيش، و لذلك حرص الدّستور على التّأكيد على عدم إنتهاك حرمة الحياة الخاصة للفرد بتفتيش نظامه المعلوماتي ما لم يصدر أمر قضائي مسبّب دون أن يستثنى من ذلك حال التّلبس بالجريمة. و بهذا الصدّد ينبغي أن نشير إلى اعتقاد يتمسّك به بعض الفقه من كون أنّ الدّساتير و التّشريعات عموما تجيز تفتيش الشّخص دون إذن قضائي في حالة التّلبس مما يجوز معه من باب أولى تفتيش نظامه المعلوماتي في حالة التّلبس بما قد يفيد في كشف الحقيقة باعتبار أنّ الحرّية الشّخصية أسمى من حرمة المسكن و أيّ حرمة أخرى، و بطبيعة الحال فإنّ هذا المعتقد السّائد يعكس فهما خاطئا لحرمة النّظام المعلوماتي و ما ينطوي عليه من أسرار و عورات لا يمكن مقارنتها نهائيا بحرمة المسكن أو حرمة الشّخص ذاته، لذا وجب على القضاء في الفترة الحالية تطبيق النّص الدّستوري و إهمال القواعد العادية لتعارضها مع الدّستور إلى حين تعديلها. ثانيا: المقوّمات الشّكلية للإذن القضائي الإذن و قد استقرّ تعريفه على أنّه وثيقة مكتوبة فإنّ الشّكل يمثّل أهمية كبرى حيث يعدّ وعاء يحتوى على كافة الشّروط الموضوعية و الشّكلية الأخرى، سواء تعلّق الأمر ببيانات شكلية عامة (أ)، أو عنصر التّسبب كبيان خاص (ب). أ)- بيانات إذن التّفتيش المعلوماتي إنّ التّفتيش بطبيعته إجراء ينطوي على مساس بحق الفرد في حياته الخاصة لذا وجب أن يكون إذن التّفتيش محدّدا بشكل دقيق( )، فالبيانات الواجب إدراجها في الإذن بالتّفتيش تجد مبرّرات ضرورتها في تحديد الصّلاحيات المخوّلة للسّلطة المنتدبة عند تنفيذ التّفتيش فلا يسوغ لها تجاوزها، فضابط التّحديد يسمح للمتّهم بممارسة رقابة بنفسه حال إجراء التّفتيش و رقابة لاحقة حول طريقة تنفيذه و المحل الّذي شمله( ). لذا يجب أن يكون الإذن بالتّفتيش مكتوبا و مؤرخا و موقّعا عليه ممن أصدره و يجب أن يكون صريحا في الدّلالة على التّفويض في مباشرة التّفتيش، و ينبغي أن يتضمّن من البيانات ما يحدّد نوع الجريمة الّتي يهدف إلى التّوصل إلى دليل بشأنها، و أخيرا فإنّه يجب تحديد محل التّفتيش، و أن يبيّن في الإذن الفترة الزّمنية الّتي يقدّر بقاءه ساري المفعول خلالها لمباشرة الإجراء( ). و إلتزاما بأقصى مدى من الشّرعية وجب أن يحدّد الإذن محل التّفتيش في مرحلتيه ( المادي و المعلوماتي) و مستهدفه أيضا منعا من تجاوز الغاية منه( )، ففي قضية United States v. Hunter حيث تمّ تفتيش منزل المشتبه به بناء على إذن أجاز ضبط "أجهزة الحاسوب... أجهزة التّخزين الإلكترونيَّة... و جميع نظم البرمجيات الحاسوبية، "دون تقديم أيّ معلومات مفصّلة حول أيّ جريمة محدّدة، رأت المحكمة أنّ الإذن كان يفتقر إلى الحد الكافي من التّحديد، و كان أقرب إلى الأذون العامة الّتي سعى التّعديل الرّابع لمنعها، و قد انتقدت المحكمة اللّغة الّتي صيغ بها الإذن معتبرة إياها مجرد " فقرة عامة"، و رأت أنّ الإذن يجب أن يحدّد البند أو الملف الّذي يحتويه الحاسوب و المراد ضبطه، و يحدّد القيود المفروضة على أيّ تفتيش لاحق( ). ب)- تسبيب الإذن القضائي بالتّفتيش المعلوماتي يعتبر التّسبيب ضمانا بتوافر العناصر الواقعية الّتي توافر بها سبب التّفتيش بالمعنى الّذي حدّدناه فيما تقدم، فهو على هذا النّحو يضمن جدية اتخاذ الإجراء و يحول دون الإعتداء على حرمة الحياة الخاصة للأفراد دون موجب أو اقتضاء( )، و قد استقرّ القضاء المصري على أنّ هذا الشّرط وجوبي في الأمر بتفتيش المسكن دون تفتيش الأشخاص( )، و يجري التّساؤل في ضوء ذلك فيما إذا كان إذن التّفتيش المعلوماتي يخضع لهذا الضّمان؟ إنّ المشرّع الدّستوري - توفيقا بين حق الفرد في الحرّية الشّخصية و في حرمة مسكنه و حياته الخاصة و بين حق المجتمع في عقاب الجاني- قد أجاز إتخاذ إجراءات جمع أدلّة إثبات الجريمة و نسبتها إليه بعد أن أخضعها لضمان إجرائي معيّن لا يجوز إهداره، يتمثّل في وجوب الحصول مسبقا على إذن قضائي معلّل، إذ لا قمية للإذن القضائي ما لم يكون مسبّبا. فنص الدّستور على هذا الضّابط الإجرائي كقاعدة عامة تحكم كل إجراء ينطوي على مساس بحرمة الحياة الخاصة للفرد، و لأنّ "الحرّية الشّخصية حق طبيعي و هي مصونة لا تمس"( ) ردّد المشرّع هذا الضّمان ضمن نص المادّة الأولى من قانون الإجراءات الجزائية( ). ترجع العلّة من فرض تسبّيب الإذن القضائي إلى حماية الحرِّيَّات الفرديّة، فيتحقّق الضّمان القضائي ببسط المحكمة رقابتها على صحة الإذن و قيام مسوّغات التّفتيش، لذا نرى أنّ أهمّ مقوّمات إذن التّفتيش هو التّسبيب، بأن يكون مبنيا على عدد من القرائن و الدّلائل الّتي ترجّح أنّ النّظام المعلوماتي المراد تفتيشه يحتوي على ما يفيد في كشف الحقيقة، "( ). الفرع الثّاني: الإختصاص بتنفيذ إذن التّفتيش متى استوفي الإذن بالتّفتيش شروطه الشّكلية و الموضوعية، كان لقاضي التحقيق المتخص أن يصدره، سواء تحدّد الإختصاص بمكان وقوع الجريمة أو بمكان إقامة المتّهم أو القبض عليه، إلّا أنّه أثناء التّنفيذ تتصادف هذه السّلطة أو من تندبه بعقبات مبناها أنّ البيانات الّتي يستهدفها التّفتيش مخزّنة في نظام معلوماتي آخر يمكن الوصول إليه من النّظام المعلوماتي المقرّر تفتيشه، و هذا النّظام المعلوماتي قد يتواجد داخل الإقليم الوطني (أولا)، أو خارجه (ثانيا). أولا: امتداد الإختصاص بالتّفتيش داخل إقليم الدّولة يعتبر امتداد التّفتيش داخل إقليم الدّولة من الإجراءات الاسثنائية الخطيرة، فبينما تتطلّب فعّالية التّفتيش سرعة امتداده إلى ما يتجاوز النّظام المأذون تفتيشه (أ)، تفرض الشّرعية الإجرائية إحاطته بضمانات تحول دون صيرورته عاما طليقا من أيّ قيد (ب) ( ). أ)- ارتباط فعّالية التّفتيش المعلوماتي بسرعة امتداد نطاقه أدى تطوّر التّقنيات الرّقمية من حيث مبدأ الإقليمية، إلى التّمييز بين الوسيط المادي لتخزين المعلومات و الوسيط الّذي يمكن الحصول من خلاله على نفس المعلومات، إذ بات شائعا تخزين البيانات على خوادم موجودة في غرفة مخصّصة، أو في مبنى آخر أو لدى جهة خارجية، على نحو يسمح للمستخدم بناء على شاشة و لوحة مفاتيح استخدام هذه البيانات و تعديلها، دون أن يكون لديه حق الوصول المادي إلى وسيط التّخزين الفعلي( ). و من هنا يثير مفهوم "المكان" محل التّفتيش تحدّيا قانونيا عندما تكون البيانات موزّعة عبر شبكة حاسوبية، أي أنّ التّفتيش قد يكون عن حاسوب في مكتب ما في أحد الأماكن، و لكن البيانات قد تكون مخزّنة في حاسوب في مكان مادي آخر على الرّغم من وجوده إفتراضيا أمام المستخدم و القائم بالتّحقيق( ). بالنّسبة للإثبات الجنائي المعلوماتي، فإنّ متطلبات الفعّالية تستلزم الوصول إلى المعلومات أكثر من الوصول إلى الخادم ذاته، تماما كما هو الحال بالنّسبة للمستخدم الّذي يتمكّن من الإطلاع على صندوق البريد الإلكتروني، عن طريق حاسوبه، أي معرفة المحتوى الّذي يمكن تخزينه على بُعد آلاف الكيلومترات، على خوادم يحتمل أن تكون موجودة خارج إقليم الدّولة الّتي يتواجد بها هذا الأخير، بل قد يكون تخزين هذا المحتوى في نفس الوقت على العديد من الخوادم الّتي تتوزّع عبر العديد من البلدان دون علم المستخدم( ). الأصل أنّ تطبيق القواعد التّقليدية المتعلّقة بالتّفتيش لا تسمح بامتداد التّفتيش المعلوماتي ليطال معطيات معلوماتيّة مخزّنة في مكان آخر غير (المحل) المحدّد في الإذن القضائي تحت طائلة بطلان التّفتيش و ما يسفر عنه، بما يمكن أن يضيّع فرصة إثبات الجريمة، الأمر الّذي حذا بالمشرّع في بعض الدّول إلى تشريع ما يمكن أن يطلق عليه "التّفتيش عن بعد" إلى الأنظمة المعلوماتيّة المتواجدة داخل الإقليم. و قد كانت اللّجنة الأوروبية للمشكلات الجنائية التّابعة للمجلس الأوروبي سبّاقة إلى تبني فكرة ذاتية إجراءات التّفتيش و أوصت بجواز أن يمتّد تفتيش النّظام الحاسوبي إلى الشّبكة المتّصل بها، طالما كانت تلك الشّبكة تقع داخل إقليم الدّولة، فتنصّ التّوصية رقم 13 لسنة 1995 المتعلّقة بالمشكلات القانونية لقانون الإجراءات الجنائية المتّصلة بتقنية المعلومات على أنّه "لسلطة التّحقيق عند تنفيذ تفتيش المعلومات –وفقا لضوابط معيّنة– أن تقوم بمد مجال تفتيش كمبيوتر معيّن يدخل في دائرة إختصاصها إلى غير ذلك من الأجهزة ما دامت مرتبطة بشبكة واحدة و أن تضبط البيانات المتواجدة فيها، ما دام أنّه من الضّروري التّدخل الفوري للقيام بذلك"( ). و سعيا لتجاوز هذه المعضلة حرصت مختلف الإتفاقيات الدّولية على أن تتخذ كل دولة طرف ما قد يلزم من تدابير تشريعية و تدابير أخرى تكفل قدرة سلطاتها المختصّة على أن تجري على وجه السّرعة عملية تفتيش للوصول إلى جهاز تكنولوجيا المعلومات و الاتصالات الأخرى إذا كان لدى هذه السّلطات، أسباب تدعو إلى الإعتقاد بأنّ البيانات المطلوبة مخزّنة في جهاز آخر من أجهزة تكنولوجيا المعلومات و الإتصالات الموجودة في إقليم تلك الدّولة الطّرف( )، و من الطّبيعي أن تحرص الدّول الّتي صادقت على هذه الإتفاقيات على تعديل تشريعاتها بما يتسق مع هذا النّص الإجرائي. من الأمثلة النّموذجية للقوانين الّتي نصّت على جواز امتداد لتفتيش المعلوماتي إلى جميع الأنظمة المعلوماتيّة المرتبطة بالنّظم الأصلي و المتواجدة داخل الإقليم، التّشريع البلجيكي( ) و التّشريع الفرنسي، حيث نصّت المادّة (17) من القانون رقم 239 لسنة 2003 المسمى قانون الأمن الدّاخلي الفرنسي على أنّه :"لضباط الضّبط القضائي أو لمن يعملون تحت مسؤوليتهم من مأموري الضّبط القضائي، القيام أثناء تفتيش يجرونه وفقاً لأحكام هذا القانون بالدّخول من خلال نظام حاسوبي موجود في الأماكن الّتي يجري فيها التّفتيش، إلى معطيات تهمّ التّحقيق مخزّنة في هذا النّظام أو في نظام حاسوبي آخر، مادام أنّ هذه المعطيات متاح الدّخول إليها من النّظام الرّئيسي أو من نظام مرتبط بالنّظام الرّئيسي"، و هو موقف الفقه الألماني في تفسيره للقسم 104 من قانون الإجراءات الجزائية الألماني( ). الحقيقة أنّ هذا النّهج إتبعته أغلب التّشريعات العربية سواء بشكل ضمني كالتّشريع المصري( ) أو بشكل صريح كالتّشريع البحريني( ) و اللّبناني( ) و السّوري( ) و كان التّشريع الجزائري من بين هذه التّشريعات الّتي تبنّت مشروعية امتداد التّفتيش المعلوماتي و ذلك بموجب الفقرة الثّانية من المادّة 5 من القانون 09/04 باعتبار أنّ متطلبات فعّالية التّفتيش في غالب الأحيان تستوجب السّماح بامتداد التّفتيش و لو تجاوز الإختصاص الإقليمي لسلطة التّحقيق أو من تندبه. و هي ضرورة إستشعرها المشرّع الجزائري تلافياً لأيّ صعوبة قد تعترض تطبيق القواعد التّقليدية في هذا الوسط، لأنّ فعّالية هذا الإجراء مرتبطة بالسّرعة، إذ يعدّ هذا الإجراء بمثابة إعادة للتّوازن بين قدرة الجاني على العبث بالأدلّة المعلوماتيّة في زمن متناه القصر و بين قدرة السّلطة الإجرائية على تمديد تفتيشها إلى النّظام المعلوماتي الّذي يعتقد أنّه يحتوي على عناصر الإثبات، غير أنّ هذا الإجراء يثير العديد من التّحديات في ما يتعلّق بمبدأ الشّرعية الإجرائية لذا وجب قيده بمجموعة من الضّمانات الّتي تحقّق التّوزان بين هذه المتطلّبات المتعارضة.
ب)- ضمانات امتداد التّفتيش المعلوماتي داخل الإقليم بالإضافة إلى الضّمانات العامة سواء التّقليدية أو الحديثة الّتي يخضع لها التّفتيش المعلوماتي فإنّ امتداده يخضع إلى ضمانات إضافية، فلا يجوز السّماح به إلاّ إذا كان النّظام المعلوماتي المطلوب تفتيشه مرتبطا بالنّظام الأولي المأذون بتفتيشه، مع ضرورة توافر الإشراف القضائي في حالة التّمديد بموجب إذن إضافي. 1)- إرتباط محل التّفتيش الأولي بنظام معلوماتي آخر هناك إجماع بين الاتفاقيات الدّولية و التّشريعات الدّاخلية على ضرورة قيام هذا الضّابط الموضوعي لجواز إمتداد التّفتيش إلى غيره من النّظم المتربطة به، متى قامت الأسباب المبرّرة لهذا الإجراء، و قد أكدّت ذلك المادّة 5 فقرة 3 من القانون 09/04 حيث جاء فيها " إذا كانت هناك أسباب تدعو للإعتقاد بأنّ المعطيات المبحوث عنها مخزّنة في منظومة معلوماتيّة أخرى و أنّ هذه المعطيات يمكن الدّخول إليها إنطلاقا من المنظومة الأولى، يجوز تمديد التّفتيش بسرعة إلى هذه المنظومة أو جزء منها بعد إعلام السّلطة القضائية بذلك"( ). و مفاد هذا النّص أنّ عملية امتداد التّفتيش المعلوماتي تظهر ضرورتها أثناء تنفيذ عملية تنفيذ التّفتيش الأولي، مما مقتضاه أنّه إذا تبيّن لسلطة التّحقيق أثناء إجراء التّفتيش المعلوماتي أنّ البيانات المفيدة في إظهار الحقيقة مخزّنة ضمن نظام معلوماتي آخر غير أنّه ليس من الممكن تقنيا الولوج إليه إنطلاقا من النّظام المعلوماتي المأذون بتفتيشه، فإنّه لا يجوز لها القيام بإجراء التّفتيش وفق هذا المنظور لأنّه لا يعتبر امتداد للتّفتيش الأولي بل عملية تفتيش مستقلّة تماما. و قد جاء ذلك واضحا ضمن نص المادّة 57 من قنون الإجراءات الجزائية الفرنسي الّتي تنص " لضباط الضّبط القضائي... الدّخول من خلال نظام حاسوبي موجود في الأماكن الّتي يجري فيها التّفتيش، إلى معطيات تهمّ التّحقيق مخزّنة في هذا النّظام أو في نظام حاسوبي آخر ..." معنى ذلك حظر توسيع التّفتيش إلاّ كان ذلك ممكنا من خلال النّظام المعلوماتي الموجود بالجهاز الّذي يجري تفتيشه في العالم المادي "sur les lieux où se déroule la perquisition à des données". و هذا الإستثاء الّذي أورده المشرّع يثير تساؤلا آخر يتعلّق بالفرضية الّتي يتمّ فيها إجراء التّفتيش المعلوماتي عن بعد إنطلاقا من مقر السّلطة الإجرائية الأصلية أو المنتدبة عبر الشّبكات دون ضرورة المرور بالمرحلة المادّيّة، هل يجوز في هذه الحالة تمديد الإختصاص بالتّفتيش؟ إنّ جواز إمتداد التّفتيش المعلوماتي في التّشريع الجزائري هو قاعدة و ليس استثناء، بحكم التّطور الحديث و انتشار خدمات الإتصال أين أصبح تشابك النّظم و ارتباطها أمر واقع و يندر وجود نظام تخزين معلوماتي غير مرتبط بغيره من النّظم، و مع ذلك فإنّ حكم المادّة 5 عام و مطلق و أجاز امتداد المعلوماتي و لو تمّ عن بعد و بشكل سري، على أنّ هذا الإتجاه و إن كان يحقّق نتائج فورية إلاّ أنّه لا يمكن تصور إنتهاك أكثر توسّعا و تطفّلا على الحياة الخاصة أكثر مما يضفي إليه هذا الإجراء. و الملاحظ أنّ أغلب التّشريعات العربية لم تنص نهائيا على التّفتيش عن بعد بل نصّت فقط على إمتداد التّفتيش الّذي يجري إنطلاقا من النّظام المعلوماتي الأولي ( الجهاز المادي الخاص بالمتّهم) أمّا التّشريع الفرنسي و بعد تردّد طويل اكتفى بالنّص على جواز النّفاذ عن بعد إلى نظام المعلومات ليس فقط من نظام معلومات موجود في أماكن البحث المادي، و لكن أيضًا من خلال نظم المعلومات الموجودة في مقر وحدة الشّرطة أو الدّرك و لكنه لم ينص نهائيا على جواز امتداده في هذه الأحوال( )، لأنّه بالفعل إجراء يجرّد الحق في الخصوصية من معناه نهائيا، فهو يتمّ في غياب المتّهم و بشكل سري دون وجود أيّ نطاق يرسم حدوده ، لذا وجب قصر التّفتيش عن بعد على التّحقيق في الجرائم الخطيرة فقط، لأنّ هذا الإجراء قد يخرج عن نطاق التّفتيش إلى المراقبة فيتمّ الإطلاع على رسائل إلكترونية لم يقم صاحب النّظام بفتحها أو أن ينصّب التّفتيش على بيانات موّلدة بتاريخ لاحق عن صدور الإذن بالتّفتيش، و لعل السؤال الّذي يظل مطروحا هل يجوز امتداد التفتيش إلى نظام معلوماتي آخر بعد عملية الامتداد الأولى؟ الملاحظ في هذا الصّدد أنّ التّقرير التّفسيري لاتفاقية بودابست قد أشار بكل وضوح إلى أنّ المادّة 19 فقرة 02 من هذه الاتفاقية( )، لا تقرّر نماذج معيّنة للإذن بالتّفتيش و لا لكفية تطبيق عملية توسيع نطاق التّفتيش( )، غير أنّها لم تنص على جواز هذا الإجراء شأنها شأن باقي الإتفاقيات، مما يجعل المشرّع الجزائري مطالب بإرساء ضمانات خاصة بهذا الإجراء كتبليغ المتّهم و إعلامه بنطاق التّفتيش و تحديد البيانات الّتي تمّ نسخها و تلك الّتي تمّ الإطلاع عليها و تمكينه بنسخة من محضر مفصل بكل ذلك لأجل ممارسة طرق الطّعن المقرّرة قانونا. 2)- تجديد الإذن القضائي بامتداد التّفتيش المعلوماتي يثور التّساؤل هنا، في حالة ما إذا تمّ الولوج إلى النّظام المعلوماتي المحدّد ضمن إذن التّفتيش و لم يتم العثور على البيانات ذات القيمة الإثباتية فهل يجوز تمديد التّفتيش إلى نظام معلوماتي آخر دون أن يستوجب توسيع التّفتيش إذنا قضائيا ثانيا أم يكفي الإذن الأوّل لمشروعية هذا الإمتداد؟ أجاب المشرّع الجزائري بشكل مباشر على هذا التّساؤل، إذ تنص المادّة 5 في فقرتها الثّانية من القانون 09/04 "إذا كانت هناك أسباب تدعو للإعتقاد بأنّ المعطيات المبحوث عنها مخزّنة في منظومة معلوماتيّة أخرى و أنّ هذه المعطيات يمكن الدّخول إليها إنطلاقا من المنظومة الأولى، يجوز تمديد التّفتيش بسرعة إلى هذه المنظومة أو جزء منها بعد إعلام السّلطة القضائية بذلك". و معنى ذلك أنّ المشرّع خوّل السّلطات المكلّفة بالتّحقيق إمكانية توسيع التّفتيش أو الولوج بطريقة مشابهة ليشمل نظاما معلوماتيا آخر أو جزء منه، إذا قامت مبررات تدعو للإعتقاد بأنّ البيانات المطلوبة مخزّنة في هذا النّظام المعلوماتي، دون إشتراط إذن قضائي بذلك بل يكفي مجرّد إعلام السّلطة القضائية، أيّ غياب الإشراف القضائي على إجراء إمتداد التّفتيش و هو ما يمنح بلا ريب سلطة تقديرية مفرطة لرجال الضّبط القضائي لأنّ هذه السّلطة غير محدّدة بنهائية طرفية معيّنة( )، على نحو يمكن أن يمتدّ التّفتيش إلى العديد من الأنظمة المعلوماتيّة في ظل شيوع إرتباطها بفعل الشّبكية العنكوبتية لاسيما إذا علمنا أنّ سلطة التّحقيق عادة ما تلجأ في تنفيذ التّفتيش إلى النّدب. مؤدى هذا القيد الّذي جاء في عبارة "إعلام السّلطة القضائية"، لا يفيد وجوب الحصول على إذن منها أو توضيح الأسباب الدّاعية إلى توسيع نطاق التّفتيش، و في اعتقادنا فإنّ هذا النّص قد أهدر كافة الضّوابط الإجرائية للتّفتيش المعلوماتي الّتي سبق أن تناولناها، فتوسيع نطاق التّفتيش داخل منظومة التّخزين (الجهاز) و تجاوزه إلى نظام تخزين آخر يعتبر بمثابة عملية تفتيش جديدة كلّيا و ليست امتداد للعملية الأولى، لأنّ عملية التّفتيش الأولى إنتهت بعدم الجدوى بعد تفتيش المحل المأذون تفتيشه. و نظرا لخطورة هذا الإجراء نجد المشرّع البلجيكي حاول إحاطته بالعديد من الضّمانات من خلال تعديلات عديدة أدخلها على التّشريع الإجرائي منذ سن القانون 28 نوفمبر 2000 المتعلّق بالإجرام الإلكتروني إلى غاية اليوم، حيث نجد أنّ الفقرة 3 من المادّة 02 من القانون البلجيكي الصّادر بتاريخ 25 ديسمبر 2016 المتعلّق بتحسين أساليب التّفتيش و بعض تدابير التّحقيق المتعلّقة بالأنترنت و الاتصالات الإلكترونيَّة و إنشاء قاعدة بيانات للبصمات الصّوتية و المعدّلة للمادة 39 مكرّر من قانون التّحقيق الجنائي تجيز امتداد التّفتيش المعلوماتي إلى نظام معلوماتي آخر يوجد في مكان آخر غير مكان التّفتيش الأصلي بناء على إذن وكيل الجمهورية و ذلك وفقا لما يلي( ):"إذا كان ضروريا لكشف الحقيقة بشأن الجريمة محل البحث، إذا كانت الإجراءات الأخرى غير مناسبة أو وجدت مخاطر تتعلّق بضياع عناصر الإثبات". لذا نرى أنّ الضّرورة الّتي تبرّر امتداد التّفتيش هي الوصول إلى الأدلّة قبل فقدها، و هي تعتبر حالة من الحالات الطّارئة الّتي سبق معالجتها و الّتي تجيز في نظرنا للضّبطية القضائية إمكانية إتخاذ التّدابير الّتي تحول دون تدمير الدّليل فقط دون إتخاذ خطوات التّفتيش، فيجوز لها توسيع الضّبط المعلوماتي عن طريق التّنزيل أو النّسخ أو عن طريق المنع من الوصول إلى المعلومات طبقا لنص المادّة 07 من نفس القانون ريثما يبسط القضاء رقابته على مسوّغات إمتداد التّفتيش من عدمه، و هو ما يتحقّق معه مبدأ الشّرعية في أقصى مدى له، لذا نوصي بتعديل النّص وفق هذا المنظور. و نلمس هذا التّوجه بشكل كبير جدا لدى القضاء البلجيكي، حيث قرّرت المحكمة الدّستورية البلجيكية في قرارها رقم 174/20018 الصّادر بتاريخ 6 ديسمبر 2018 ، عدم دستورية الفقرة 3 من المادّة 39 مكرر من قانون التّحقيقات الجنائية، تأسيا على أنّها أجازت لوكيل الجمهورية تمديد التّفتيش إلى نظام حاسوبي أو جزء منه في مكان آخر غير المكان الّذي تمّ فيه إجراء التّفتيش الأوّلي، حيث رأت المحكمة الدّستورية أنّ هذا التّدبير ينطوي على عمليات تفتيش جديدة، لذا وجب خضوعه لإذن من قاضي التّحقيق، بسبب خطورة التّدخل في الحق في الخصوصية الّذي يستتبعه هذا الإنتهاك، لذا لا يجوز التّصريح بهذا التّدبير إلاّ في ظل نفس الشّروط الّتي تسمح بها الشّروط المتعلّقة بـعمليات التّفتيش( )، فأخضعت عملية امتداد التفتيش لنفش ضوابط عملية التفتيش الأصلية. و تنفيذا لهذا القرار تم تعديل المادّة الّتي تقرر عدم دستوريتها بمقتضى المادّة 11 من قانون 5 ماي 2019 الّذي يتضمّن أحكاما مختلفة في المسائل الجنائية و في مسائل العبادة، و تعديل القانون المؤرخ 28 ماي 2002 المتعلّق بالقتل الرّحم و قانون العقوبات الإجتماعي( )، و في ضوء هذه الرؤية نجد أن المشرّع الجزائري مطالب بالحذو حذو المشرعّ البلجيكي فيما فرضه من ضمانات لامتداد التّفتيش المعلوماتي داخل نطاق إقليم الدّولة. ثانيا)- امتداد الاختصاص بالتّفتيش خارج إقليم الدّولة لا مرية أنّ مبرّرات توسيع التّفتيش سواء داخل إقليم الدّولة أو خارجه تكمن في سرعة الوصول إلى الدّليل المعلوماتي قبل تعرّضه للحذف، إلاّ أنّ إتخاذ إجراء قسري خارج إقليم الدّولة يصطدم بمبدأ الإقليمية و ينطوي على إنتهاك لسيادة الدّول الّتي يجري التّفتيش على أراضيها، لذا تباينت التّشريعات بخصوص مشروعية هذا الامتداد بين مؤيد (أ) و معارض (ب). أ)- الإتجاه المؤيد لمشروعية امتداد التّفتيش المعلوماتي العابر الحدود يتيح إجراء امتداد التّفتيش الوصول إلى نظام حاسوبي موجود خارج المساكن الّتي تمّ تفتيشها لجمع البيانات ذات الصّلة بالتّحقيق، بيد أنّ مسألة الأساس القانوني للتّفتيش عن البيانات "عن بعد" تنشأ تحديدا بخصوص البيانات الّتي يمكن الوصول إليها من مكان تواجد الشّخص الخاضع للتّفتيش أثناء تخزينها في موقع آخر موجود خارج الإقليم الوطني، و قد أثيرت هذه الإشكالية ضمن أعمال المؤتمر الدّولي الخامس عشر للجمعية الدّولية للقانون الجنائي، حيث عرض الفقيهUlrich Sieber في تقريره المقدّم للمؤتمر، قيام مرتكبي الجرائم و تهربا من إمكانية الخضوع للتّفتيش إلى تخزين بياناتهم ضمن أنظمة تقنية خارج إقليم الدّولة، عن طريق إدراجها في شبكة الإتصالات البعدية بغرض إعاقة التّحريات( ). و رغم ما يتّسم به هذا التّدبير القسري من فعّالية، إلاّ أنّ إتفاقية بودابست ضيقت من نطاق تطبيقه إلى أبعد الحدود، فالمادّة 32 منها لا تسمح بإمكانية الدّخول بغرض التّفتيش و الضّبط في أجهزة حاسب أو شبكات تابعة لدولة أخرى بدون إذنها إلاّ في حالّتين، الحالة الأولى إذا تعلّق التّفتيش بمعلومات أو بيانات متاحة للعامة، و الحالة الثّانية إذا رضي المالك أو حائز هذه البيانات بهذا التّفتيش، و هو موقف الإتفاقية العربية لمكافحة جرائم تقنية المعلومات( )، و فيما عدا ذلك يخضع التّفتيش وجوبا للمساعدة القضائية المعتادة ( ). و يعتبر التّشريع السّوري التّشريع العربي الوحيد الّذي أجاز التّفتيش العابر للحدود، و إن لم ينص على جوازه صراحة ضمن المرسوم التّشريعي السّوري رقم 17 لسنة 2012 المتعلّق بتطبيق أحكام قانون التّواصل على الشّبكة و مكافحة الجريمة المعلوماتيّة، إلاّ أنّ المادّة 26 فقرة ج من القرار رقم 290 المتضمّن التّعليمات التّوضيحية و التّنفيذية لقانون تنظيم التّواصل على الشّبكة و مكافحة الجريمة المعلوماتيّة قد حسمت ذلك بقولها "يجوز تفتيش الأجهزة و البرمجيات الحاوسبية المتصلة بأجهزة المشتبه به أيا كان مكان وجودها ضمن حدود الواقعة المسندة إلى المشتبه به"( ). و من النّماذج القانونية المقارنة المؤيّدة لهذا التّوجه، التّشريع الهولندي الّذي يأتي في طليعة التّشريعات المقارنة الّتي أباحت التّفتيش على أراضي دولة أجنبية، حيث أجازت المادّة 125 من قانون مكافحة جرائم الحاسب الآلي للسّلطة المختصّة بالتّحقيق بأن تجري التّفتيش داخل الأماكن الموجودة بها البيانات المطلوب التّفتيش عنها أينما كانت سواء داخل الإقليم أو خارجه شريطة أن يكون هذا التّدخل مؤقتاً و مفيداً في إظهار الحقيقة( ). بيد أنّ التّشريع الفرنسي يسترعي الإهتمام أكثر لتطابقه مع التّشريع الجزائري حرفيا بخصوص هذه النّقطة، حيث نصّت المادّة 57 من قانون الإجراءات الفرنسية "لضباط الضّبط القضائي أو لمن يعملون تحت مسؤوليتهم من مأموري الضّبط القضائي، القيام أثناء تفتيش يجرونه وفقاً لأحكام هذا القانون بالدّخول من خلال نظام حاسوبي موجود في الأماكن الّتي يجري فيها التّفتيش، إلى معطيات تهمّ التّحقيق مخزّنة في هذا النّظام أو في نظام حاسوبي آخر، ما دام أنّ هذه المعطيات متاح الدّخول إليها من النّظام الرّئيسي أو من نظام مرتبط بالنّظام الرّئيسي، و إذا ثبت مسبقًا أنّ هذه البيانات يمكن الوصول إليها من النّظام الأولي أو متاحة للنّظام الأولي مخزنة في نظام حاسوبي آخر يقع خارج الأراضي الوطنية، يتم جمعها من قبل ضابط الشّرطة القضائية وفقا للشّروط المنصوص عليها في الإلتزامات الدّولية السّارية"( ). و قد أثار تطبيق هذا النّص إشكاليات هامة، أهمّها إشكالية إثبات العلم المسبق للسّلطة القائمة بالتّفتيش بأنّ النّظام المعلوماتي المتّصل بالنّظام الأولي يقع خارج الإقليم الوطني، و الجزاء الإجرائي المترتّب حال إتخاذ إجراء التّفتيش المعلوماتي عبر الحدود رغم تحقّق العلم بتجاوز نطاق الإقليم، لأنّه من النّاحية العملية سيكون كافياً لأيّ متهم يتمّ تفتيشه أن يتمسك أمام سلطة التّفتيش عند الشّروع في تنفيذ الإجراء أنّ تخزين بياناته يتمّ عبر خادم موجود خارج الإقليم الوطني، بحيث يجب على السّلطة الإجرائية في هذه الحالة الخضوع للضّوابط المنصوص عليها في الإتفاقيات الدّولية لمواصلة عملية التّفتيش( ). واقع الأمر أنّ الفقرة 3 من المادّة 57 تحاول أن تتوافق مع قواعد القانون الدّولي العام، من خلال إثبات "مبدأ عدم العلم بالتّخزين الرّقمي في الخارج" بشكل غير مباشر، و بالتّالي عندما يشرع ضابط الشّرطة القضائية في التّفتيش يكون البديل ممكنًا بتجاهل تواجد النّظام المعلوماتي خارج إقليم الدّولة، و في هذه الحالة يكون التّفتيش قانونيًا، و الفرض الثاني تأكيد العلم المسبق بموقع النظام المعلوماتي و في هذه الحالة يجب أن تمتثل لالتزامات فرنسا الدّولية، و مع ذلك يمكن النّفاذ إلى البيانات ضمن الخوادم الموجودة في الخارج، حتّى بدون معرفة مسبقة بموقع الخوادم، في انتهاك لقواعد الإختصاص الإقليمي( )، لذا يجب التّحقق من مشرويعة هذا الإجراء من خلال طلب للحصول على مساعدة قانونية متبادلة تنفّذها الدّولة الّتي يتواجد النّظام المعلوماتي على أراضيها فعليا"( ) . غير أنّ محكمة النّقض الفرنسية في قرارها الصّادر بتاريخ 6 نوفمبر 2013 و في تطبيقها لنص المادّة 57 فقرة 3 من قانون الإجراءات الجزائية، سلك مسلكا مخالفا لنية المشرّع، بحيث قرّرت مشروعية تفتيش معلوماتي أجري انطلاقا من نظام معلوماتي واقع بالنّطاق الجغرافي الفرنسي و امتدّ إلى نظام معلوماتي آخر مستضاف في الولايات المتحدة الأمريكية محمي بكلمة مرور سرية( ). و في تبريرها لموقفها ترى هذه المحكمة أنّ النّفاذ إلى نظام معلوماتي عن بعد لا يشكّل عملية تفتيش جديدة بل هو "بمثابة إجراء من إجراءات التّحقيق البسيطة الّتي تشكّل جزءا من التّفتيش الأولي على نحو لا يتطلّب إذنا قضائيا مستقلا من قبل قاضي الحرِّيَّات و الحبس، و أن وجود الموقع الّذي امتد إليه التّفتيش بالولايات المتحدة الأمريكية لا يبرّر لزوم طلب المساعدة القضائية الدّولية"( )، و مع ذلك ما زال بعض الفقهاء يفسّرون هذا النّص خلاف تفسير محكمة النّقض، و يؤكدون على ضرورة طلب المساعدة الجنائية الدّولية من أجل السّماح بإجراء تفتيش على أراضي أجنبية( ). و هذا المسلك القضائي لقي تأييدا لدى بعض الفقه الفرنسي على أساس أنّ المبدأ الّذي أرسته المحكمة يفضي إلى تفادي شلل عمليات التّفتيش المعلوماتي الّتي من الممكن أن تترتب على تقرير لزوم تجديد الأذون القضائية في كل عملية امتداد التّفتيش من قبل قاضي الحرِّيَّات و الحبس، قياسا على عمليات التّفتيش التّقليدي إذ لا يتطلّب كل فتح لخزانة معيّنة إذنا جديدا. و من بين أهمّ الحجج الّتي يسوقها هذا الجانب من الفقه أنّه بالإمكان إجراء قياس بين موقع الخادم في المسكن و الوثيقة، فالمستند يستمد قيمته و الفائدة منه من المعلومات الّتي يتضمّنها، و بالتّالي لا يمكن أن توفّر الوثيقة الورقية سوى المعلومات في مكان وجودها، يمكن قراءتها فقط على دعامتها المادّيّة، و هذا هو بالضّبط ما يميّزها عن الملف الرّقمي، إذ يمكن للمستند الممسوح ضوئيًا -على الرّغم من أنّه موجود عن بُعد- أن يتيح هذه المعلومات نفسها، من مكان منفصل عن مكان دعامته المادّيّة أي من المنزل الّذي تمّ تفتيشه، و تأسيسا على ذلك فإنّ اشتراط إذن قضائي مسبق أو التّسليم بعدم جواز الضّبط بسبب عدم الإختصاص لن يضيف شيئًا للحرّيات الفرديّة في وقت تضيع فيه فرصة إثبات الجريمة و حفظ الأمن( ). بدون تردّد فإنّنا لا نؤيّد هذا التّوجه إطلاقا، لأنّه يتجاهل الفارق الكبير بين التّفتيش المادي و التّفتيش المعلوماتي، و القول أنّ هذا الضّمان الإجرائي لا قيمة له في حماية الحرِّيَّات الفرديّة قول خاطئ، لأنّ إجازة إمتداد التّفتيش المعلوماتي العابر للحدود يتمّ بدون إشراف قضائي و بدون أيّ حدود واضحة من النّاحية الموضوعية إذ يجوز إمتداده إلى أكثر من نظام معلوماتي أيّا كان مكان تواجدها فيصبح عاما لا يتقيّد فقط بمعلومات المتّهم بل يشمل عددا لا يحصى من الأفراد، و ذلك كلّه مرهون بتقدير سلطة الضّبط القضائي. للأسف فقد تمسّكت محكمة النّقض مرة أخرى بهذه السّابقة القضائية، في حكم صدر بتاريخ 26 فيفري 2013 إثر فصلها في مسألة مدى مشروعية امتداد التّفتيش المعلوماتي عند تعدّد الأنظمة المعلوماتيّة و توزيعها عبر مناطق مختلفة، مؤكّدة أنّ النّفاذ إلى البيانات المحوسبة المخزّنة عن بُعد لا يستلزم تفتشيا جديدًا. لذلك، لا يهم ما إذا كانت البيانات مخزّنة على نظام حاسوبي واحد أو تمّ تقسيمها على العديد من وسائط التّخزين، لأنّ هذا النّفاذ يعتبر مجرد إمتداد للتّفتيش الّذي يتمّ في المباني "الطّبيعية" للشّخص الإعتباري( ). يبدو في اعتقادنا أنّ متطلبات الفعّالية حذت بمحكمة النّقض الفرنسية إلى تفسير نص المادّة 57 من قانون الإجراءات الجزائية تفسيرا يخالف مقتضيات إتفاقية بودابست، فامتداد التّفتيش يشكّل عملية تفتيش جديدة لأنّها تنصّب على محل جديد يجاوز المحل المحدّد في الإذن القضائي بدليل و أنّ العديد من التّشريعات تشترط إذنا قضائيا مستقلا لتقرير مشروعيته كما سبق و أن أكدته المحكمة الدّستورية البلجيكية. و من جهة أخرى فإنّ تكييف الإجراء بأنّه إجراء تحقيق بسيط أو جزء من إجراء آخر، لا يغيّر من القول بكون هذا العمل يعدّ إجراء من إجراءات التّحقيق القسرية الّتي وجب خضوعها للإتفاقيات الدّولية فهو يشكّل إنتهاكا صارخا لسيادة الدّول، فإتباع هذا النّهج من قبل بعض الدّول يمكن أن يجعل الأمر يصل إلى مراحله القصوى إذا ما أعتمد من بقية الدّول عملا بمبدأ المعاملة بالمثل، و عاقبة ذلك هو الفوضى و استباحة الخصوصية بشكل غير معقول. ب)- الاتجاه المناهض للتّفتيش المعلوماتي العابر للحدود لا ريب أنّه طبقا لمبدأ الإقليمية لا يمكن لأيّ دولة أن تمدّد إختصاصها خارج حدود إقليم دولة أخرى ذات سيادة( )، إذ لا يسمح لدولة بأن تمارس وسائل قسرية على إقليم دولة أجنبية( )، "فالإجراءات القسرية -و من بينها التّفتيش- الّتي تقع على إقليم دولة أخرى تعتبر غير مشروعة، إلاّ إذا كان القانون الدّولي يجيزها( )، و هذا المبدأ العتيد تتمسّك به كافة الدّول، بحيث نستشعر ذلك من خلال حرص كافة الاتفاقيات الدّولية على صونه، و قد أكّدت عليه الاتفاقية العربية لمكافحة جرائم تقنية المعلومات بموجب نصوص واضحة الدّلالة. و إلى هذا الاتجاه يرجع موقف أغلب التّشريعات العربية و المقارنة( )، كما حرصت المحكمة العليا الفيدرالية الأمريكية على احترام هذه القاعدة في قرار حديث صادر عنها في قضية "United States v. Microsoft Corporation( ). قصارى القول أنه مع التّسليم جدلا بكون فعّالية هذا الإجراء مرهونة بسرعة إمتداده إلى أنظمة معلوماتيّة يعتقد إحتواؤها على عناصر الإثبات، إلّا أنّه لا يمكن مكافحة أفعال غير مشروعة بموجب إجراء غير شرعي( )، لذ تبدو الدّول غير مستعدّة في وقتنا الرّاهن لقبول طلبات إجراء التّفتيش المعلوماتي العابر للحدود الّتي تعتبرها بمثابة مساس بسيادتها( ). أمّا التّشريع البلجيكي فنجده ينص صراحة بشكل قاطع على جواز امتداد الضّبط المعلوماتي العابر للحدود عن طريق النّسخ مع ضرورة إتخاذ إجراءات المساعدة القضائية المتبادلة لمواصلة عملية التّفتيش( )، على أنّ الأمر لا يقف عند هذا الحد في إطار التّشريع الجزائري إذ أنّ صياغة الفقرة 3 من المادّة 5 من القانون 09/04 تفرز العديد من الإشكاليات: أوّلا، تطرق المشرّع إلى حظر إمتداد نطاق التّفتيش المعلوماتي بما يتجاوز الحدود الإقليمة إذا ما تبيّن مسبقا بأنّ المعطيات المبحوث عنها و الّتي يمكن الدّخول إليها إنطلاقا من المنظومة الأولى تقع في دولة أخرى إلاّ عن طريق المساعدة القضائية الدّولية، لكنه لم يتطرّق إلى حظر التّفتيش المعلوماتي الّذي ينصبّ مباشرة على نظام معلوماتي يتواجد فعليا على إقليم دولة أجنبية دون لزوم الوصول إليه بالمرور عبر النّظام المعلوماتي المقرّر تفتيشه( ) ، و الموجود على الأراضي الجزائرية، لذا يتعيّن على المشرّع سد هذا القصور لأنّ التّفتيش العابر للحدود في كلتا الصّورتين يشكّل إنتهاكا لسيادة الدّولة الأجنبية. فسعي الدّول إلى إجازة التّفتيش العابر للحدود إنّما بهدف التّهرب من القيود الّتي تفرضها التّشريعات الدّاخلية حال إتخاذ هذا الإجراء الخطير و هنا ينبغي أن نشير بأنّه لا يمكن لدولة أن تتنصّل من إلتزاماتها، باتخاذها إجراءًا خارج إقليمها يُحظر عليها إتخاذه في إقليمها فقانون حقوق الإنسان يُطبّق عندما تمارس الدّولة السّلطة خارج إقليمها، بحيث لا يمكنها أن تتنصل من إلتزاماتها الدّولية بحقوق الإنسان و أن تتجاهل قوانينها الوطنية الذّاتية باتخاذ إجراءات خارج إقليمها يُحظر عليها اتخاذها في إقليمها، و من جهة أخرى فإنّ مسؤولية الدّولة عن حماية الحق في الخصوصية لا تنتهي عند حدودها الجغرافية ( ). ثانيا، جاء حظر التّفتيش المعلوماتي العابر للحدود بنص عام، إذا لم يتم الحصول على إذن من الدّولة الّتي يوجد النّظام المعلوماتي المستهدف بالتّفتيش على أراضيها، على الرّغم من أنّ اتفاقية بودابست و الإتفاقية العربية لمكافحة جرائم تقنية المعلومات نصتا على استثنائيين، بحيث يمكن الوصول إلى أيّة بيانات مخزّنة و ضبطها، أيّا كان مكان وجودها داخل أو خارج الدّولة، إذا كانت موضوعة تحت تصرف الجمهور أو في حال موافقة الشّخص المخوّل قانوناً بإفشاء هذه البيانات( ) و كان على المشرّع تقييد النّص بهذه الاستثناءات لأنّها تشكّل مظهر من مظاهر تحقيق التّوازن بين متطلبات الفعّالية و الشّرعية. ثالثا: أغفل المشرّع الجزائري تحديد طبيعة الجزاء الإجرائي الّذي يلحق التّفتيش المعلوماتي و الدّليل المستمد منه حال تنفيذ إجراء تفتيش على أراضي دولة أجنبية دون الحصول على المساعدة القضائية أو إذن هذه الدّولة و هناك ثلاثة فرضيات يمكن تصورها في هذا الصّدد، الحالة الّتي تتجاهل فيها السّلطة الإجرائية مبدأ الإقليمة و تباشر إجراءات توسيع التّفتيش المعلوماتي خارج الحدود مع علمها مسبقا بذلك، و الفرض الثّاني يتعلّق بالحالة الّتي يتمّ فيها مباشرة التّفتيش خارج إقليم الدّولة بحسن نية أي دون تحقّق العلم المسبق بكون التّفتيش يجري على أراضي دولة أجنبية( )، و الحالة الأخيرة هي تلك الّتي يعذر فيها معرفة مكان إمتداد التّفتيش حتّى بعد نهاية عملية التفتيش و هو وضع غالب الحدوث( ). أجاب المرشد الأمريكي لتفتيش و ضبط الحواسيب على هذا التّساؤل، أنّه عندما لا تعلم الضّبطية القضائية أو حتّى لا تستطيع معرفة أنّ البيانات المراد تفتيشها في منطقة واحدة موجودة فعلا خارج المنطقة، فإنّ الدّليل الّذي يتمّ ضبطه بعيدا عن منطقة أخرى من الطّبيعي أن لا يؤدي إلى بطلان الدّليل، حيث توصّلت المحاكم إلى أنّ التّفتيش الّذي ينتهك المادّة 41 من قانون الإجراءات ىالجنائية الفيدرالي لا يؤدي إلى بطلان الدّليل المستمد منه إلاّ إذا تجاهل الضّابط القضائي عمدا مقتضيات هذه المادّة، فالمحاكم ترفض طلبات بطلان الدّليل عندما يتعذّر على أعضاء الضّبطية القضائية الّذين ينفذون عملية التّفتيش معرفة ما إذا كانوا ينتهكون المادّة 41 من قانون الإجراءات الجنائي الفيدرالي قانونا أو فعليا( ). و مع ذلك فإنّه من الصّعب التّسليم بصحة هذا القضاء، ليس لكونه مخالف لقواعد الإختصاص و الّتي تعتبر من النّظام العام، أو لوجود انتهاك للسّيادة الدّولية إذا ما تذرعت سلطات كل دولة بالجهل بالاختصاص، بل بأثر هذا المسلك على الحرِّيَّات الفرديّة لأن مسألة الاختصاص في كثير من الأحوال مرتبط بمسألة الإمتداد، فالإختصاص مرتبط بالمحل الّذي يجري تفتيشه و الّذي وجب أن يكون محدّدا في الإذن القضائي كشرط مباشرة لتنفيذ التّفتيش و جواز امتداد التّفتيش دون تحديد عدد حالات الامتداد يشكل تجاهلا واضحا لنطاق لإذن القضائي، و عندئد يصبح الحديث عن الضّمان القضائي مجرّد فسلفة ليس إلاّ، كما انه من السير التمسك بعدم تحقق العلم المسبق بموقع التفتيش، لذا وجب البحث عن معيار آخر للاختصاص يراعي كل هذه المتطلّبات المتناقضة مع تكثيف التّعاول الدّولي في إطار إتفاقيات دولية أو ثنائية تسمح بتقديم الطّلب مباشرة إلى الأجهزة القضائية دون الإعتماد على الإجراءات التّقليدية الّتي جرى عليها العمل في إطار المساعدات الدّولية. الفرع الثّالث: الميقات الزّماني لتنفيذ إذن التفتيش المعلوماتي تعدّ قاعدة تحديد الميقات الزّمني لإجراء التّفتيش من أهم القواعد الّتي يحرص من خلالها المشرّع على تضييق نطاق التّعدي على الحرِّيَّات الفرديّة، باعتبارها مظهرا من مظاهر تحقيق الموزانة بين حق الهيئة الإجتماعية و حق الفرد كعضو من أعضائها، سواء من حيث ميعاد تنفيذ التّفتيش (أولا)، أو المدة الّتي ينبغي تفتيش الإذن خلالها( ثانيا). أولا: ميعاد تنفيذ إذن التّفتيش المعلوماتي إن تحوّل عملية التّفتيش من خطوة واحدة إلى خطوتين يثير إشكالية هامة تتعلّق بميعاد إجراء التّفتيش في مرحلة التّفتيش المادي(أ)، و إن كانت ذات الضّمانات الزّمنية تخضع لها مرحلة التّفتيش المعلوماتي (ب). أ)- ميعاد تنفيذ مرحلة التّفتيش المادي تحرص التّشريعات الإجرائية على حظر القيام بتفتيش المساكن و ما في حكمها في وقت معيّن، إمعانا في الحرص على تضييق نطاق الإعتداء على الحرّية الفرديّة و حرمة المساكن ( )، و لأنّ المسكن يعتبر حرما آمنا بنص دستوري، فإنّ المشرّع الجزائري نص على ضرورة أن يتمّ تفتيش المنازل في ميقات قانوني يحفظ له سكينته و حرمة شاغليه، فتنصّ المادّة 47 فقرة أولى من قانون الإجراءات الجزائية "لا يجوز البدء في تفتيش المساكن أو معاينتها قبل السّاعة الخامسة (5) صباحا و لا بعد السّاعة الثامة (8) مساء إلاّ اذا طلب صاحب المنزل ذلك أو وجّهت نداءات من الدّاخل أو في الأحوال الاستثنائية المقرّرة قانونا". غير أنّه لا مجال للتّمسك بهذا الضّابط الإجرائي عندما يتعلّق الأمر بجرائم المخدرات أو الجريمة المنظّمة عبر الحدود الوطنية أو الجرائم الماسة بأنظمة المعالجة الآلية للمعطيات و جرائم تبييض الأموال و الإرهاب و كذا الجرائم المتعلّقة بالتّشريع الخاص بالصّرف( ). و على ذلك فإنّ القاعدة العامة تقضتي أن يتمتّع مسكن الفرد أثناء اللّيل بحصانة تامة، و مع ذلك تباينت التّشريعات المقارنة في تنظيمها لهذا القيد، فمنها من حدّدت الميقات الزّماني بتفصيل دقيق، و تلك قاعدة إعتنقها المشرّع الفرنسي بموجب المادّة 59 من قانون الإجراءات الجزائية محدّدا ميقات تفتيش المنزل من السّاعة السّادسة صباحا إلى غاية السّاعة التّاسعة ليلا( )، و تبناها المشرّع الأمريكي بموجب نص المادّة 41 من قانون الإجراءات الجنائية الفيدرالي يحظر تفتيش المساكن خارج النّطاق الزّماني المحدّد من السّاعة السّادسة صباحا إلى غاية السّاعة العاشرة ليلا بالتوقيت المحلي( )، و هناك من التّشريعات من عالجتها بشكل عام بحظر التّفتيش ليلا كالتّشريع القطري. و رغم القيمة الّتي يمكن أن تضفيها هذه الضّمانة الإجرائية على الحرِّيَّات الفرديّة، إلاّ أنّنا نجد بعض التّشريعات لم تحدّد وقتا معيّنا لإجراء التّفتيش، كالتّفتيش المصري الّذي ترك للقائم بالتّفتيش تحديد الوقت المناسب للقيام به دون النّظر إلى أيّ اعتبار آخر يتعلّق بالمحل المراد تفتيشه، و من ثمّ فهو جائز في كل أوقات اللّيل و النّهار، و قد تواترت أحكام محكمة النّقض المصرية على هذا المعنى( )، و نفس التّوجه نجده لدى المشرّع العراقي و الأردني، و انطلاقا من قاعدة حظر تفتيش المساكن ليلا، فإنّ مرحلة التّفتيش المادي كخطوة أولى من خطوات تنفيذ التّفتيش المعلوماتي تخضع لهذه القاعدة و إستثناءاتها المنصوص عليها قانونا. و في مقام الموازنة بين التّشريعات المقارنة نرجّح موقف المشرّع الجزائري لأنّه يعكس بوضوح تمسّكه بالشّرعية الإجرائية و الحفاظ على سكينة الأفراد ليلا، فالمسكن يبقى دائما من أهم مجالات الحياة الخاصة فهو موضع هدوء الفرد و طمأنينته بعيدا عن فضول الغير، و مستقر أسراره، ففي غير حالات الضّرورة المبرّرة بمكافحة الجرائم الخطيرة يبقى المسكن متمتّعا بحصانة تامة و مطلقة. بيد أنّ هناك من الفقه من يرى أنّ هذه الضّمانة الإجرائية بدأت تتضاءل أهميتها بظهور إجراء التّفتيش عن بعد La perquisition à distance( )، و هو قول غير صحيح على الإطلاق في اعتقادنا لكون التّفتيش عن بعد وفقا لهذا المفهوم هو التّفتيش السّري الّذي ينطلق من الأنظمة المعلوماتيّة المتواجدة بمقرات السّلطات المنتدبة لإجراء التّحقيق و هو في انتهاكه لحق السّرية أو الحرّية الفرديّة يتجاوز بكثير انتهاك حرمة المسكن ليلا، و تلك نتيجة طبيعية لظهور عصر المعلوماتيّة بحيث باتت وقائع حياة الفرد حتّى الحميمية منها تدور في الفضاء الإلكتروني الّذي يخزّن عالما غير محدود من خصوصيات الفرد طيلة مراحل زمينة من حياته. و من ثم فمن غير المجدي الإبقاء على أشكال التّمييز بين حرمة المسكن و حرمة البيانات، بحيث تتسع الفجوة بينهما رغم وحدة السّر، لذا نرى عدم التّوسع في اللّجوء إلى التّفتيش السّري عن بعد بذريعة حماية حرمة المسكن، بل ينبغي الإبقاء عليه في حدود الضّرورة مع التّمسك بالقاعدة العامة بشأن الميقات الزّمني لإجراء التّفتيش. ب)- ميعاد تنفيذ مرحلة التّفتيش المعلوماتي تحدّد القواعد القانونية الّتي تنظم عملية التّفتيش وجوب تنفيذ عملية التّفتيش في غضون مدة زمنية محدّدة تسري من تاريخ صدور الإذن بالتّفتيش، كما أنّه لا يجوز تفتيش المساكن قبل السّاعة الخامسة (5) صباحا و لا بعد السّاعة الثّامة (8) مساء، و هذه المقتضيات معقولة إلى حد كبير في إقامة التّوازن بين الفعّالية و الشّرعية في البحث عن الأدلّة المادّيّة، و هي الضّمانات الّتي تحكم الخطوة الأولى من مرحلة التّفتيش المعلوماتي و لكن السّؤال يبقى مطروحا بالنّسبة للتّفتيش المعلوماتي؟ هل تخضع هذه المرحلة لنفس الميقات الزّمني لإجرائها؟ معظم التّشريعات بما فيها التّشريع الجزائري، أغفلت معالجة هذه الإشكالية و أبقت التّساؤل مطروحا، عموما هناك فرضيتين في هذا المقام: الفرضية الأولي: تطبيق المواعيد الإجرائية التّقليدية على مرحلة التّفتيش المعلوماتي، و مقتضى هذا المسلك أنّه لا يمكن تنفيذ عملية التّفتيش المعلوماتي قبل السّاعة الخامسة صباحا و لا بعد السّاعة الثّامنة مساءا، و هو معيار يستحيل اعتماده، لأنّه لا يوجد أي سبب مقنع وفق فلسفة الشرعية الإجرائية يبرّر منع الخبراء (من الضّبطية القضائية) الّذين يزاولون عملهم في مختبرات التّحليل الحاسوبي الشّرعي من مباشرة مهاهم ليلا ضمن الحدود الزّمنية( )، الّتي يحظر فيها تفتيش المساكن، خاصة في أحوال الإستعجال أو القضايا ذات الخطورة الكبيرة على الأمن كالجرائم الإرهابية و التّجسس و غيرها. الفرضية الثّانية: و مفاد هذا الإحتمال هو إسقاط متطلبات الميقات الزّمني على مرحلة التّفتيش المعلوماتي، و هذا الفرض في الحقيقة ينطوي على قدر من التّجاوب مع الواقع العملي، و يظهر ذلك بشكل جلي في حالات امتداد التّفتيش المعلوماتي أو حالة التّفتيش العابر للحدود الّذي لا يقتضي الحصول على الإذن المسبق للدّولة الّتي يجري التّفتيش على أراضيها (حالة المصدر المفتوح للجمهور ، أو الحصول على الموافقة الطّوعية و القانونية من الشّخص الّذي يملك السّلطة القانونية لكشف المعلومات)، فقد يقع تعارض بين التّوقيت المحلي و توقيت الدّولة الأجنبية و في ذلك ما يعرّض التّفتيش لعدم المشروعية مما يجعل هذه العقبة حائلا تمنع الوصول إلى الدّليل قبل طمسه. و بطبيعة الحال فإن الفرضية الثانية - و الّتي عتبر عملية إلى حد كبير جدا- تترجع معها بعض الضمانات التقليدية و في مقدمتها حضور المتّهم لعملية التفتيش، غير أنّه لا وجود لأيّ بديل آخر فسواء تم التفتيش المعلوماتي (الخطوة الثانية) ليلا أو نهارا فإن ذلك لا يغير من الواقع شيئا لأنّ بعض حالات التّفتيش المعقّدة إن لم نقل معظمهما قد تستغرق عدة أسابيع أو أشهر و من غير المعقول و على فرض إتاحة الفرصة للمتهم لحضور عملية التفتيش أن يبقى بمقر المخبر يتربّص الشّروع في العملية طيلة هذه المدة الزمنية. ثانيا: مدة سريان الإذن في مرحلة التّفتيش المعلوماتي يشتمل الإذن عادة على تحديد مدة معيّنة ينبغي تنفيذ التّفتيش خلالها و عندئذ يجب على الضّبطية القضائية المنتدبة لاتخاذ هذا الإجراء مراعاة تنفيذه أثناء سريان المدة المحدّدة، و الّذي ينبغي عند تحديد مدة سريان الإذن ألاّ تطول هذه المدّة إلى الحد الّذي يجعل المتّهم مهدّدا بالتّفتيش لفترة طويلة، غير أنّ إنقضاء الأجل المحدّد لإجراء التّفتيش في الأمر الصّادر به لا يترتّب عليه بطلانه و إنّما يصحّ تنفيذه بمقتضاه بعد ذلك إلى أن يجدّد مفعوله لمدة أخرى كتابة، و يجوز لسلطة التّحقيق أن تصدر أكثر من إذن لتفتيش المتّهم و لكن تداخل مواعيد سريان أوامر التّفتيش لا يعني أنّها أوامر مفتوحة غير محدّدة المدة( )، و هو ما استقر عليه القضاء في ظل القصور التّشريعي لأغلب الدّول حيال هذه المسألة( ). و إن كان التّشريع الجزائري و الفرنسي بقيا في غيبة من التّعرض إلى تحديد النّطاق الزّمني لتنفيذ إذن التّفتيش المعلوماتي في المرحلة المادّيّة، فإنّ التّشريع المصري استدرك هذا القصور بأن حدّد مدة معيّنة يلتزم بها القائم بالتّفتيش في تنفيذ الإذن، حيث نصّت المادّة 6 من القانون رقم 185 لسنة 2018 بشأن مكافحة جرائم تقنية المعلومات على أنّه "لجهة التّحقيق المختصّة بحسب الأحوال، أن تصدر أمرا مسبّبا لمأموري الضّبط القضائي المختصين لمدة لا تزيد عن ثلاثين يوما قابلة للتّجديد مرة واحدة..البحث والتفتيش والدخول والنفاذ إلى برامج الحاسب وقواعد البيانات و غيرها". كما حافظ التّشريع الفيدرالي الأمريكي على هذا الضّابط الإجرائي بحيث توجب المادّة 41 من قانون الإجراءات الجزائية الفيدرالي أن يتضمن الإذن القضائي مدة محدّدة لتنفيذه و تلك المدة هي عشرة أيام و بعد خضوع هذا النّص إلى التّعديل سنة 2009 مددّ المشرّع هذا النّطاق الزّمني إلى 14 يوما تسري من تاريخ صدور الإذن القضائي، غير أنّ ما يختص به التّشريع الأمريكي أنّ هذه المدة هي المدة المحدّدة لتنفيذ مرحلة التّفتيش المادي، و قد جاء ذلك واضحا في عبارة "يجوز وفقا المادّة 41 الإذن بضبط وسائط التّخزين الإلكترونيَّة أو ضبط أو نسخ المعلومات المخزّنة إلكترونيًا ما لم ينص على خلاف ذلك، يأذن الأمر بالمراجعة اللاّحقة للوسائط أو المعلومات بما يتوافق مع الإذن القضائي، و يشير وقت تنفيذ الإذن في القاعدة إلى ضبط أو نسخ محتويات وسائل تقنية المعلومات في الموقع، و ليس إلى أيّ وقت لاحق خارج الموقع..."( )، و في المقابل لا توجد قاعدة قانونية تنظّم النّطاق الزّمني لمرحلة التّفتيش المعلوماتي. و قد تعمّد المشرّع الأمريكي عدم النّص على النّطاق الزّمني لتنفيذ التّفتيش في مرحلته الثّانية، موضحا الأسباب المبرّرة لهذا النّهج الّذي سلكه، و قد جاء في الأعمال التّحضيرية لهذا التّعديل أنّ الحقائق العملية للتّفتيش المعلوماتي تحول دون التّوصل إلى تحديد "مدة زمنية" تناسب جميع حالات التّفتيش، لأنّ بعض العمليات تستنفذ وقتا طويلا بسبب تباين سعة التّخزين الرّقمي للوسائط التّكنولوجية، فضلا عن الصّعوبات النّاشئة عن البيانات المشفّرة أو المفخّخة، و كذا عبء العمل الجاري بمخابر التّحليل الحاسوبي الشّرعي، في مقابل ذلك لا تمنع هذه القاعدة القضاء من فرض مهلة زمنية لاستمكال عمليات التّحليل و التّفتيش، غير أنّ التّحديد القانوني المسبق للفترة الزّمنية يمكن أن ينجر عنه تزايد في طلبات منح مهل إضافية لاستكمال عمليات التّفتيش( ). و كما سبق و أن أشرنا إليه سابقا، فإنّ مناط مشروعية الضّبط أو التّفتيش المعلوماتي لا يقتصر فقط على قصر النّطاق الموضوعي للتّفتيش المعلوماتي بل يعدّ معيار الوقت المناسب لتنفيذ الإجراء أساسا للحكم بمشروعيته بغية عدم ترك المتّهم مهدّداً بالتّفتيش إلى وقت قد يتجاوز الوقت المعقول، لذا نجد أنّ القضاء الأمريكي و إزاء هذا القصور التّشريعي قد اعتمد معيار "المعقولية" لتحديد ما إذا كان التّأخير بين الضّبط الأولي و التّفتيش اللاحق دسوريا أم لا( ). و حسنا فعل المشرّع الأمريكي بعدم فرض نطاق زمني معيّن لتنفيذ مرحلة التّفتيش المعلوماتي، لأنّ الحالات الواقعية تكشف أنّ معيارا زمنيا موحدا لا يمكن أن يناسب جميع عمليات التّفتيش، بسبب الإختلاف الواضح بينها بخصوص عدد أجهزة التّخزين المضبوطة و سعة تخزين كل منها و تشفيرها من عدمه، في الوقت ذاته فإنّ هذا النّطاق الزّمني و على فرض تضييقه يفتح باب التّعسف في بعض العمليات البسيطة الّتي لا تتطلب وقتا كبيرا، و في هذه الأحوال يتيح الضّبط المعلوماتي المتواصل للسّلطة التّحقيق إمكانية توسيع التّفتيش دون حدود واضحة على نحو يجعل التّأخير في تنفيذ التّفتيش غير شرعي. لذلك نحن نعارض توجّه المشرّع المصري الّذي لم يفرّق بين مرحلتي التّفتيش (المادي و المعلوماتي) في تحديد النّطاق الزّمني لسريان الإذن القضائي، لأنّه من غير المعقول أن يسمح المشرّع بإطالة مدة سريان إذن تفتيش المساكن بحثا عن الدّعمات المادّيّة لمدة شهر كامل، لانعدام ما يسوّغ هذه المدة لأنّ التّفتيش المادي لا يتجاوز دقائق و على الأكثر عدة ساعات، و من جهة أخرى فإنّ هذه المدة لا تتناسب مع طبيعة التّفتيش و الهدف منه، لأنّ الجاني يحرص على إتلاف الأدلّة المعلوماتيّة فور تمام مشروعه الإجرامي، فالفعّالية تستوجب سرعة التّنفيذ في هذه المرحلة، في مقابل ذلك، فإنّ تعقيد التّفتيش المعلوماتي قد يتطلب أضعاف المدة الّتي قرّرها المشرّع، لذا نرى أنّ المشرّع المصري لم يتبصّر عواقب تحديد الإطار الزّماني للتّفتيش، و الوضع على ما هو عليه في اختلال كبير بين طرفي المعادلة، فالمدة المحدّدة تهدر الفعّالية و الشّرعية بذات الوقت و في كلتا المرحلتين( ). أمّا بالنّسبة إلى التّشريع الجزائري فهو لا يحدّد مدة معيّنة لتنفيذ الإذن بالتّفتيش في كلتا المرحلتين خاصة بالنّسبة لمرحلة التّفتيش المادي، فمن غير المعقول إطلاقها من غير قيدها بنطاق زمني محدد و ترك المتّهم مهدّدا بالتّفتيش إلى أجل غير مسمى، تاركا مصير حرّيته وفقا لتقدير الضّبطية القضائية، لذا ينغبي الحد منه لاسيما و أنّه يتعلّق بحريات الأفراد و حرمة منازلهم و أسرارهم و عوراتهم فمن الواجب صونها بكل السّبل. لقد آن للمشرّع الجزائري أن يتدخّل و يعالج هذه المسألة بنص صريح يحدّد فيه مدة فاعلية الإذن بالتّفتيش في مرحلة التّفتيش المادي (مرحلة التّفتيش عن الأجهة المادّيّة و ضبطها) فيضع حدا أقصى لا يتجاوز 14 يوم، على أن ينص أيضا على لزوم أن يتضمّن الإذن مدة محدّدة لتنفيذ مرحلة التّفتيش المعلوماتي ضمن الإذن القضائي، سواء كان الضّبط الأولي نتاج تفتيش مادي أو بواسطة الأمر بالتسليم الموجّه إلى مزوّد الخدمات، مع ترك تقديرها لسلطة التّحقيق حسب ظروف التحقيق، و جعلها قابلة للتّجديد متى قامت المبرّرات الدّاعية إلى ذلك بموجب أمر كتابي من القاضي المختص، و في حالة عدم مباشرة التّفتيش خلال النّطاق الزّمني الممنوح من قبل القاضي أو إنقضاء المدة دون تجديدها يقرّر حق المتّهم في المطالبة باسترجاع وسائط التّخزين الرّقمية في حالة ضبطها و المطالبة بحذف البيانات في حالة الضّبط المعلوماتي. تلك هي الأحكام العامة الواجب على المشرّع مراعاتها، في ظل هذا القصور التّشريعي الّذي نراه مخالفا للشّرعية الدّستورية لأنّه يتيح للسّلطة الإجرائية القيام بالتّفتيش متى شاءت و لا مرية أنّ إطالة أمد التّفتيش هو اعتداء لا مبرّر له على الحرِّيَّات الفرديّة لذا وجب وضع حدا لها. المطلب الثاني: تحديد أسلوب تنفيذ التّفتيش الملعوماتي مهما بالغ المشرّع في تقييد التّفتيش المعلوماتي بمختلف الضّوابط السّابق بيانها، فإنّ نجاحه في الحفاظ على الحق في الخصوصية يظل مرتهنا بمدى صون تلك الضّوابط عند تنفيذ التّفتيش، لأنّ غياب حدود مادية لمحل التّفتيش يجعل التّفتيش بدون حدود واضحة مما حذى بالقضاء الأمريكي إلى إرساء ضابط جديد من شأنه إعادة رسم الحدود المفقودة في هذه البيئة يطلق عليه استراتيجية التّفتيش لذا سنتطرّق إلى نشأة القاعدة (فرع أول) و المعالجة الفقهية القضائية لها في ضوء الجدال الخصيب الدّائر بشأن مدى دستوريتها(فرع ثاني) ثم نستعرض الطّرح الفقهي البديل لها(الفرع الثالث). الفرع الأول: مدلول قاعدة لزوم تحديد أسلوب تنفيذ لتفتيش المعلوماتي تقتضي الشّرعية الإجرائية عند التّنفيذ المعلوماتي الحد من حرّية المتّهم الشّخصية بالقدر اللاّزم لتنفيذه دون تجاوز الغاية منه، غير أنّ غياب البعد المادي للدّليل المعلوماتي، مع إنتشار عناصر الإثبات ضمن عالم من البيانات تختلط فيها البيانات المجرّمة مع البيانات البريئة و استحالة تحديد موقعها قبل تنفيذ التّفتيش، مع لجوء المجرمين إلى جعل الملف البريء ستارا للملف المجرّم و دفنه ضمن المساحة الفارغة، ما جعل هذا الإجراء أكثر امتداد و توسّعا للملفات الّتي يحتويها وسيط التّخزين الرّقمي، على نحو يتجاوز الغاية الّتي تبرّره، حيث تراجعت القاعدة لحساب الاستثناء. و إزاء هذا الوضع لجأ الفقه و القضاء إلى المطالبة بإتباع "نهج خاص"“special approach” في تنفيذ إذن التّفتيش المعلوماتي يحقّق الدّور الوقائي المتوخى من الضّمانات الإجرائية الّتي تقيّد هذا الإجراء القسري بفرض شروط مسبقة يشرف عليها القاضي المختص للموافقة على إصدار إذن بالتّفتيش المعلوماتي، إصطلح على تسميتها ببرتوكول التّفتيش( )، و يقصد به إلزام الضّبطية القضائية بأن تشرح لقاضي التّحقيق خطة تنفيذ التّفتيش مع مطالبتهم بتبريرها كشرط مسبق لإصدار إذن بذلك، و الغرض منها تقليل المخاطر المتزايدة على الحق في الخصوصية لأنّها تجعل التّفتيش أكثر تحديدا، و تلغي ضرورة الضّبط الشّامل و بذات الوقت تساعد القضاء على مراقبة عمل الضّبطية القضائية الّتي يتعيّن عليها تكييف تفتيشها مع البيانات المطلوبة( )، و قد تمّ إرساؤه لأوّل مرة أمام الدّائرة العاشرة في قضية United States v. Campos( ). بشكل عام قسّم الفقه القيود الّتي يمكن أن تحدّد عملية تنفيذ التّفتيش المعلوماتي إلى أربعة شروط، القيود الّتي تحدّ من عملية الضّبط في مرحلة التّفتيش المادي، و الشّروط الّتي تحدّ من النّطاق الزّمني للتّفتيش المعلوماتي، الشّروط المتعلّقة بكيفية إجراء التّفتيش المعلوماتي و الظّروف الّتي ينبغي فيها رد المضبوطات( ). ففيما يتعلّق بشروط مرحلة التّفتيش المادي، فإنّه يستحيل وقت الضّبط الأولي تحديد البيانات المستهدفة بالتّفتيش و فصلها عن غيرها من البيانات وسط هذا الكم الهائل من البيانات لأنّها عملية تستغرق وقتا "و البديل العملي الوحيد هو ضبط معظم أو حتّى جميع دعامات التّخزين الرّقمية و التّفتيش عنها لاحقًا خارج الموقع و تعتبر الدّائرة التّاسعة الجهة القضائية الوحيدة الّتي استلزمت شرطا إجرائيا إضافيا بحيث توجب على الضّبطية القضائية ضرورة تقديم المبرّرات الكافية للضّبط الشّامل ضمن الإفادة الخطية (طلب الإذن) و ذلك في قضية United States v. Hill( ). أمّا النّوع الثّاني من القيود فيتعلّق بتحديد المهل الزّمنية لاستكمال الخطوة الثّانية من التّفتيش و هي مرحلة التّفتيش المعلوماتي لأنّ المادّة 41 من قانون الإجراءات الجنائية الفيدرالي لا تحدّد سوى مدة إجراء الضّبط الأولى و المقدرة بأجل أربعة عشرة يوما، مما يترك توقيت المراجعة اللاّحقة لتقدير القائم بالتّفتيش، و في مواجهة هذا الغموض، فرض بعض قضاة التّحقيق متطلباتهم الخاصة بالإطار الزّمني لعمليات التّفتيش المعلوماتي( ). و باقي أنواع القيود تحدّد كيفية تنفيذ مرحلة التّفتيش المعلوماتي للحد من الوصول إلى بيانات تقع خارج نطاق الإذن القضائي، و تحول بذلك دون التّوسع في التّفتيش و بدورها تنوّع بحسب طبيعة الدّليل المعلوماتي المستهدف( )، و يضرب الفقه أمثلة عن بروتوكولات التّفتيش الّتي تحقّق هذه الغاية، و من بينها البحث التّلقائي باستخدام الكلمات الرّئيسية، أو البيانات الوصفية "Metadata"( ). و قد تأكّد هذا التّطبيق القضائي في قضيةUnited States v. Comprehensive Drug Testing عندما واجهت الدّائرة العاشرة نفس التّحدي مجدّدا، و هو اختلاط البيانات و تعذّر فرزها في الموقع مع إستحالة الوصول إليها من غير امتداد التّفتيش إلى عدد كبير من المعلومات البريئة، حيث خلصت في قرارها إلى أنّه مع التّسليم بكون الضّبط الموسّع هو جزء لا يتجزأ من عملية التّفتيش المعلوماتي فإنّه لأجل تحقيق التّوازن الصّحيح بين مصلحة الحكومة في التّطبيق الفعّال للقانون و حق الأفراد في التّحرر من عمليات التّفتيش و الضّبط غير المعقولة عند فصل البيانات المعلوماتيّة الجائز ضبطها عن تلك الّتي ليس للحكومة سبب محتمل لها، وجب إعتماد قاعدة Tamura بخصوص إشكالية الضّبط الموسّع (مرحلة التّفتيش المادي). أمّا بشأن مرحلة التّفتيش المعلوماتي فإنّها قرّرت خمسة قيود جديدة تضيّق بشكل كبير من نطاق امتداد التّفتيش بحيث إشترطت للموافقة على إذن التّفتيش، أن تتنازل الحكومة عن الإعتماد على مبدأ الرّؤية الكاملة (the plain view doctrine)، و أوجبت أن يتمّ فرز البيانات من قبل طرف مستقل فإن تمت هذه العملية من قبل متخصّص حكومي وجب عليه عدم الكشف سوى عن البيانات المستهدفة، و اشترطت أيضا أن تبيّن الإفادة الخطية لطلب الإذن عن المخاطر الفعلية الّتي قد تفضي إلى تدمير المعلومات، كما شدّدت على ضرورة وجود منهجية تفتيش مصمّمة خصيصا للكشف فقط عن المعلومات الّتي لها سبب محتمل، و أخيرا أكّدت على ضرورة محو البيانات الّتي لا تستجيب للإذن القضائي دون استعراض محتواها( ). إن هذا القرار يعتبر محاولة غير مسبوقة لوضع قواعد واضحة لحماية الحرية الفرديّة في مواجهة امتداد التّفتيش المعلوماتي، إذ قيد مرحلة التّفتيش المادي بوجوب الكشف عن المخاطر الفعلية لتدمير البيانات في حالة معيّنة، بدلا من الاعتماد على المخاطر العامة لتبرير الضّبط العرضي الشّامل، لأنّ التّفتيش المعلوماتي خارج الموقع قد لا يكون صحيحا دائما بسبب التّطورات التّكنولوجية الّتي أوجدت برامج متطوّرة تجعل التّفتيش في الموقع ممكنا و ذلك ما قرّره القضاء في قضية United States v. Greathouse ( ). و قيد مرحلة التّفتيش المعلوماتي بحصر نطاق التّفتيش عن طريق إستراتيجية تفتيش أو برنامج حاسوبي يستبعد البيانات الخارجة عن نطاق الإذن من التّفتيش، كما قيّد مرحلة ما بعد التّفتيش بوجوب رد المضبوطات في حالة الضّبط المادي أمّا في حالة الضّبط المعلوماتي، فقد قرّر وجوب محو و حذف هذه البيانات كما حظر استخدام الأدلّة الجنائية المكتشفة بشكل عرضي باستثناء الأدلّة المستهدفة. هكذا تمكن القضاء الأمريكي من استحداث مفاهيم إجرائية جديدة تتفاعل فيها الإجراءات الجنائية مع البيئة الرّقمية، و لعلّ أهمّها هو البطلان كجزاء إجرائي يلحق التّفتيش و الدّليل المستمد منه متى وقع بالمخالفة للشّروط الّتي تقيّد تنفيذ عملية التّفتيش المعلوماتي بمعزل عن الضّمانات الإجرائية الأخرى، و يطلق الفقه على هذا المفهوم الجديد للبطلان بالبطلان الاستباقي "preemptive suppression"( ). و هذا المصطّلح يعكس الهدف الّذي تتوخاه القاعدة بغرض تنّجب انتهاك الحق في الخصوصية، عن طريق إخطار الحكومة مسبقا بلزوم التّقيد بحدود الإذن و ما فرضه من شروط تحت طائلة بطلان الدّليل الجنائي المستهدف بالتّفتيش، لحملها على الإلتزام بالمشروعية الّتي باتت تستمد من الإذن ذاته، و إذا كان الوضع الطّبيعي هو إنهاء الضّبط برد المضبوطات إلى من له الحق في الملكية فإنّ الضّبط المعلوماتي يستلزم محو البيانات الّتي هي في حوزة الحكومة إثر الضّبط المعلوماتي و هو ما بات يعرف بالحق في الحذف (المحو و التّدمير) "Right to Delete". الفرع الثاني: المعاجلة القضائية و الفقهية لقاعدة لزوم تحديد أسلوب تنفيذ لتفتيش المعلوماتي لقيت قاعدة لزوم تحديد استراتيجة تنفيذ التّفتيش المعلوماتي اهتماما متفاوتا إذ لا يجمع الفقه و القضاء على موقف واحد تجاه أهميته، بل و حتّى دستوريتها على الرّغم من أنّ هذا الضّابط الإجرائي المستحدث له أهمّية بليغة في إعادة الإعتبار للحرّيات الفرديّة (أولا)، إلاّ أنّ هناك إتجاها فقهيا يدعمه القضاء يعارض هذه القاعدة بناء على حجج لها وجاهتها (ثانيا). أولا: الإتجاه المؤيّد للقاعدة ثمة اعتبارات عديدة يستند إليها مؤيّدوا قاعدة وجوبية تحديد استراجتية تنفيذ التّفتيش المعلوماتي في الإذن للموافقة عليه و هي ترتكز عموما على حماية الحرِّيَّات الفرديّة، و ضمان الإشراف القضائي المباشر على عملية تنفيذ التّفتيش، بالإضافة إلى اعتبارات عملية أخرى كما نوضّحه بالتّفصيل: أ)- حماية الحرِّيَّات الفرديّة مضمون هذه الحجة أنّ الضّمانات الإجرائية الّتي تقرّرت لحماية الحرِّيَّات الفرديّة في مواجهة التّفتيش المعلوماتي سوف تفقد سبيلها للتّطبيق بغير الإستعانة بهذه القاعدة، بحيث يصبح التّفتيش عاما دون حدود واضحة تضبط نطاقه، ففي سياق التّفتيش الرّقمي تتظافر الجهود بين القاضي و القائم بالتّفتيش لأجل تحديد المكان الّذي سيجري تفتيشه وفق متطلّبات التّعديل الدّستوري الرّابع، حيث يتكامل السّؤال "المتعلّق بكيفية التّفتيش" مع مسألة "ما سيجري التّفتيش عنه" لأنّ المفهوم المادي للحدود يصبح مجازيا في العالم الرّقمي و من ثمّ فإنّ البروتوكولات المسبقة الّتي تحدّد كيفية القيام بالتّفتيش هي الوسيلة الوحيدة لوصف موقع الأماكن و الملفات الرّقمية الّتي سيتمّ تفتيشها على وجه التّحديد( ). فاستراتيجية تنفيذ التّفتيش هي وسيلة لضمان شرط تحديد محل التّفتيش، ففي سياق الإطار التّقليدي يتمّ قصر التّفتيش على جزء فقط مما هو مطلوب، كغرفة بدلاً من منزل بأكمله، أو صناديق تحتوي على علامات معيّنة بدلاً من مستودع، و كذلك تعتبر استراتيجية تنفيذ التّفتيش مقبولة تمامًا في العالم الرقمي، "إذ لا يتمّ الوصول إلى معلومات معيّنة من خلال الممرات و الأدراج، بل من خلال الأوامر والاستعلامات الموجّهة لأجهزة الحاسوب. و بالمثل، عند محاولة وصف الأشياء الّتي يجب ضبطها، لن تكون هناك طريقة لتحديد أشياء محدّدة أو مساحات معيّنة عن طريق وصف الإحداثيات المادّيّة الخاصة بها و لكن عن طريق وصف كيفية تحديد موقعها نتيجة لذلك، فإنّه في العديد من الحالات، تكون الطّريقة الوحيدة الممكنة لتحديد منطقة معيّنة من الحاسوب هي تحديد كيفية التّفتيش"( ). و من ناحية أخرى فإنّ الغرض من القاعدة ليس فرض قيود غير معقولة على عمليات التّفتيش، بل ترمي إلى تحديد كيفية استبعاد المعلومات الّتي لا صلة لها بالجريمة من نطاق التّفتيش، فعلى سبيل المثال، توجد برامج خاصة بحساب قيمة التّجزئة للبرامج و الملفات المشتركة يُمكِن استخدامها من فرز المعلومات المستهدفة عن ما يختلط بها من بيانات، كما أنّها تتيح للقائم بالتّفتيش الّذي لا يركّز على برامج معالجة النّصوص استخدام قيمة التّجزئة لهذا البرنامج لاستبعاده من المراجعة( ). ب)- الإشراف القضائي المباشر على التّنفيذ من بين الحجج الّتي يستند إليها الإتجاه المساند لهذه القاعدة، أنّ تقييد عملية تنفيذ التّفتيش من شأنها الحيلولة دون حصول تجاوز من قبل الضّبطية القضائية و إخضاع نشاطها لرقابة قضائية لصيقة، فهي لا تمنع التّوسع غير المعقول للتّفتيش و الضّبط في البيئة المعلوماتيّة فحسب، بل إنّها تعيد أيضًا إحياء دور القاضي كحكم محايد مسؤول عن تحديد مدى دستورية سلوك الضّبطية القضائية، ففي الوقت الحالي و بدون منهجية التّفتيش، تتمتّع الضّبطية القضائية بسلطة تقديرية واسعة لتحديد معايير تفتيش حسب ما يتراء لها، مما يحدّ من سلطة القضاء في تقدير مدى معقولية عملية التّفتيش المعلوماتي مسبقا و قبل إجرائه( ). و الأهمّ من ذلك، إذا سُمِح للضّبطية القضائية بفحص محتويات كلّ ملف بشكل دقيق من أجل تحديد ما إذا كان هناك مستند معيّن يدخل ضمن نطاق الإذن بالضّبط أم لا، فإنّ حماية الحرِّيَّات الفرديّة بهذا الشّكل تصبح خاضعة لتقدير الضّبطية القضائية( )، فمن خلال اشتراط منهجية التّفتيش مع ضرورة الحصول مسبقا على إذن قضائي بذلك، سيكون القضاء مجدّدا في وضع يمكنه من تقدير عمليات التّفتيش المعلوماتي غير المعقول( ). ج)- إعتبارات عملية مفاد هذه الحجّة على أنّ استراتيجية تنفيذ التّفتيش هي الطّريقة الّتي من شأنها أن ترفع الثّقل عن كاهل الحكومة فيما تتحمّله من نفقات و موارد بشرية لإجراء تفتيش معلوماتي لمستودعات غير محدودة من البيانات، فالنّهج التّقليدي للتّفتيش و الضّبط يسمح من النّاحية النّظرية بتطبيقه في البيئة الرّقمية من خلال فحص كل ملف على حدى بحثًا عن الأدلّة من غير داع لإتباع منهجية تفتيش محدّدة مسبقا، لكن ذلك يجافي الواقع، فليس لدى الجهة القائمة بالتّفتيش الوقت و الموارد اللاّزمة لفحص كل جزء من البيانات المخزّنة على أجهزة الحاسوب، الأمر الّذي يدفع بالضّبطية القضائية إلى استخدام أيّ طريقة ممكنة لتضييق مجموعة البيانات الفرعية الّتي يجب عليهم تفتيشها لاكتشاف الأدلّة الّتي يشملها الإذن القضائي، و هذا التّضييق في نطاق عملية التّفتيش يحقّق مصلحة الأفراد و مصلحة الحكومة، ففي حالة وجود طرق تفتيش أقلّ مساسا بالحياة الخاصة و أكثر فعّالية، سيكون من غير المعقول عدم مطالبة المحقّقين باستخدام تلك الأساليب( ). ثانيا: الإتجاه المناهض للقاعدة تتعالى منذ إرساء هذه القاعدة أصوات فقهية و قضائية منتقدة لهذه القاعدة و مطالبة باستبعادها و قد تعدّدت الحجج الّتي يتذرّع بها الإتجاه المناهض لهذه القاعدة بعضها يقوم على الإعتبارات المتعلّقة بالضّمانات الدّستورية و البعض الآخر على اعتبارات الفعّالية، و انعدام الخبرة لدى القضاء في فرض مثل هذه الاستراتيجيات ذلك له على التّفصيل التّالي:
أ)- الإعتبارات الدّستورية يرى المعارضون أنّه إستنادا إلى التّعديل الدّستوري الرّابع فإنّ فرض برتوكولات التّفتيش يعتبر تطبيق قضائي غير دستوري بحجة أنّ القضاة لا يتمتّعون بالسّلطة القانونية الّتي تؤهلهم لفرضها، فدور قاضي التّحقيق عند إصدار أذون الضّبط و التّفتيش يقتصر فقط على تقدير مدى تحقّق شرطي السّبب المحتمل و عنصر التّحديد في الإفادة الخطية، دون أن يكون له الحق في رسم حدود كيفية تنفيذ هذه الأذون، لأنّ تقدير مدى معقوليتها يخضع للمراجعة القضائية اللاّحقة بأثر رجعي بدلا من المراجعة القضائية السّابقة على التّنفيذ، مستندين في ذلك إلى مدلول النّصوص القانونية في مختلف الولايات الّتي كانت صياغتها واضحة الدّلالة في حرمان القضاة من سلطة رفض طلبات الحصول على إذن بالتّفتيش بناء على كيفية تنفيذه، علاوة على ذلك فإنّ هذا التّقييد ليس له أيّ أثر قانوني لأنّ تقدير مدى دستورية التّفتيش تتوقّف على ما إذا كان التّفتيش معقولًا إستنادا للحكم الصّادر بعد التّنفيذ، دون إعتبار لما إذا كانت الحكومة قد امتثلت فعلا للقيود المسبقة أم لا( ). و هو ما قرّرته الدّائرة التّاسعة في قضية United States v. Schesso فصلا في قضية إستغلال الأطفال في المواد الإباحية، رفضت طلب بطلان الأدلّة المعلوماتيّة الّتي تمّ استردادها بموجب إذن قضائي واسع النّطاق، بضبط و تفتيش حاسوب المتّهم و جميع أجهزة التّخزين الرّقمية الخاصة به، على الرّغم من طلب البطلان كان يستند عيب إجرائي شاب الإذن بالتّفتيش بخلوه من برتوكول التّفتيش يحظر امتداد نطاقه، و خلصت المحكمة إلى أنّ برتوكولات التّفتيش لا يفرضها الدّستور و لا يمكن معاتبة خبراء التّحليل الحاسوبي أو الضّبطية القضائية لاعتمادها لعدم إتباع بروتوكولات غير ملزمة لهم( )، و بموجب هذا القرار تكون الدّائرة التّاسعة قد تراجعت عن الطّابع الإلزامي لاجتهاداتها بأن جعلت تطبيق القاعدة يخضع للسّلطة التّقديرية للقضاة. إن أوّل من تصدى لهذا النّقد هو القاضي Sidney I. Schenkier حيث يرى "أنّ الأساليب و المعايير الّتي بموجبها يتمّ إجراء التّفتيش المعلوماتي ينبغي تقديمها إلى القاضي قبل إصدار إذن الضّبط و إمّا أن تقدم لدعم إفادة خطية للحصول على إذن ثان أكثر تحديدا بمجرد اكتشاف وثائق مختلطة، و ليس صائبا أو مطلوب قانونا إتباع نهج يؤدي إلى نتائج أخرى.. لا نعتقد أنّ هذا النّهج هو الّذي إنصرفت إليه نية المحكمة العليا عندما أشارت بأنّه يقع على المسؤولين عند إجراء عمليات التّفتيش التّقليل إلى أدنى حد ممكن من التّدخلات غير المبرّرة على الخصوصية...فالغرض من مراجعة طلبات إصدار الأذون من قِبل قضاة محايدين هو ضمان الوفاء بمتطلبات توافر الأسباب المحتملة و قيام شرط التّحديد في الإذن، و عندما تكون هناك مخاوف بشأن عنصر التّحديد في التّفتيش... فمن المنطقي و المستوجب دستوريًا معالجة تلك المخاوف في بداية العملية، و حسمها بطريقة تتجنّب فيما بعد بطلان الأدلّة "( ). و في هذا الصّدد يرى الفقيهPaul Ohm أنّ القضاة ليس لهم فقط السّلطة القانونية لفرض هذه القيود بل يقع واجب عليهم القيام بذلك، معتبرا إياه بمثابة ضمان إجرائي يحلّ محل السّبب المحتمل و عنصر التّحديد المفتقدين في أذون التّفتيش المعلوماتي و ليس فقط لضمان التّنفيذ المعقول و ذلك في كلّ حالة تفتيش معلوماتي تقريبًا( ). فلا يوجد في التّعديل الدّستوري الرّابع ما يمنع قضاة التّحقيق من فرض شروط مسبقة تضع حدودا لنطاق الإذن القضائي طالما أنّ هذه القيود تسعى لتحقيق هدف دستوري ( شرط التّحديد في الإذن القضائي) "فما ينبغي على القضاء التّأكد منه لا يتوقّف عند مجرد قيام سبب محتمل للإعتقاد بأنّ التّفتيش قد يفضي إلى كشف الأدلّة الجنائية، بل ينبغي التّأكد من قيام الأسباب المبرّرة لانتهاك حق الفرد في الخصوصية، فعلى الرّغم من أنّ القانون أجاز للأفراد حق في الطّعن في مشروعية التّفتيش بعد تنفيذه فإنّ المراجعة اللاّحقة لا تحقّق الغرض الّذي لأجله تم تقنين حماية هذا الحق"( ). و ذات التّبرير اعتمدته المحكمة العليا في ماساتشوستس في قضية Dalia v. United States مؤكّدة على دستورية هذه الضّمانة الإجرائية و الحاجة إليها، نافية وجود أي تناقض بين هذا الضّابط الإجرائي و سوابق المحكمة العليا، و استطردت قائلة بينما استقرّت المحكمة العليا الفيدرالية على أنّه "يترك عمومًا لتقدير الضّباط المنفّذين لتحديد تفاصيل أفضل السّبل للمضي قدماً في إجراء تفتيش مرخّص به بموجب إذن قضائي" ( )، فإنّ ذات المحكمة أيضا استقرّت على أنّه "يجب الحرص على التّأكد من إجراء عمليات تفتيش بطريقة تقلّل إلى أدنى حد ممكن من الانتهاكات غير المبرّرة على الحق في الخصوصية" ( ). أما بخصوص المرحلة الإجرائية الّتي يتدخّل فيها القضاء للبت في مدى مشروعية التّفتيش، فقد صرّحت هذه المحكمة بأنّ القيود المسبقة لا تحلّ محل المراجعة القضائية اللاّحقة لتحديد مدى دستورية التّفتيش و أن لكليهما أهداف مختلفة، فبينما تعالج المراقبة القضائية اللاّحقة الضّرر الّذي حاق بالفرد نتيجة التّفتيش المخالف للدّستور، تسعى البروتوكولات المسبقة إلى تفادي الضّرر الّذي تهدف سبل الإنصاف اللاّحقة إلى التّخفيف منه، و من ثمّ فإنّ قصر الإشراف القضائي على المراجعة اللاّحقة لا يؤدي فقط إلى تمكن الحكومة من ضبط كميات هائلة من بيانات الأفراد فحسب بل يفضي إلى ترك الأفراد عرضة لعمليات تفتيش غير دستورية مما يجبرهم على الدّفاع عن حقوقهم الدّستورية بعد وقوع الضّرر، فبرتوكولات التّفتيش لها وظيفة وقائية منفصلة. و من التّطبيقات القضائية الدّالة على وجوب التّفاعل بين هاتين المقاربتين ما يكشف عنه آخر الإجتهاد القضائي للمحكمة العليا في بنسلفانيا و ذلك في قضيةCommonwealth v. Johnson Lavelle و في هذه السّابقة القضائية أكّدت المحكمة على ضرورة المحافظة على جميع الضّمانات الإجرائية سواء المراجعة القضائية السّابقة أو اللاّحقة لتنفيذ الإذن، تأسيسا على أنّ التّكنولوجيا الحديثة كما وفّرت قدرة تخزين كبيرة لكميات هائلة من البيانات الشّخصية مكّنت أيضا من إيجاد برامج حاسوبية لإجراء عمليات تفتيش ضيّقة و جاء التّأكيد على لزوم مراعاة هذه الضّمانة الإجرائية حتّى في الحالة الّتي يتمكّن فيها الإذن القضائي من تحديد الأشياء المراد ضبطها فإنّه ينبغي أن تكون هناك قيود فعّالة على عملية تنفيذ التّفتيش منعا من امتداده و صيرورته عاما كما لفتت المحكمة الانتباه إلى ضمانات المراجعة القضائية اللاّحقة تفاديا من جعلها مجرد مراجعة محدودة بل حرصت على أن تتاح فيها فرصة للأطراف للإدلاء بدفاعهم بخصوص نطاق التّفتيش و الخطوات الّتي إتخذت لتضييق تفتيش البيانات الخارجة عن نطاق الإذن القضائي حتّى يتمّ الوفاء بهذا القيد الدّستوري( ). ب)- إعتبارات الفعّالية مؤدى هذه الحجة أنّ هذه القاعدة بمثابة قيد يحول دون فعّالية التّفتيش، لذا عارضت وزارة العدل الأمريكية بشدّة اعتماد هذا القيد الإجرائي واصفة إياه بكونه "مرهق" و "غير مجدي" بل و "غير ضروري"و تقوم حجة هذه الأخيرة على اعتبارات فنية بذريعة أنّ فرض قيود على كيفية تنفيذ التّفتيش يؤدي إلى إعاقة سلطة الحكومة بشكل كبير جدا في اكتشاف الأدلّة المعلوماتيّة، فإجراءات التّحليل الحاسوبي الشّرعي تتطلّب من القائم بالتّحليل الإعتماد على حدسه و اتخاذ الخطوات المناسبة بناء على الحقائق الّتي تواجهه وقت الفحص( ). و من القيود المرهقة الّتي يمكن أن تفرض على المحقّق أن يقتصر تفتيشه بالبحث على الملفات الّتي تحتوي على كلمات رئيسية معيّنة قد يتضمّن تحليل الطّب الشّرعي عمليات بحث عن الكلمات المفتاحية، و لكن التّحليل الشّرعي الّذي يتمّ تنفيذه بشكل صحيح نادرا ما ينتهي عند هذا الحد لأنّ عمليات البحث عن الكلمات المفتاحية سوف تفشل في العثور على أنواع عديدة من الملفات الّتي تقع ضمن نطاق إذن الضّبط و بالإضافة إلى ذلك، يمكن أيضا إحباط عمليات البحث عن الكلمات المفتاحية باستخدام كلمات مشفّرة( ). و لقد لقيت هذه الحجة تأييدا واسع النّطاق من قبل القضاء، ففي قضيةUnited States v. Hill، دفع المتّهم ببطلان الدّليل المعلوماتي على أساس أنّ الإذن القضائي لم يتضمّن بروتوكول تفتيش يقيّد تقدير الضّبطية القضائية بخصوص ما يمكنهم فحصه عند التّفتيش و أنّ الإفادة الخطية لم تبين سبب عدم وجود مثل هذا البروتوكول لأنّه كان يجب أن يقتصر التّفتيش على بعض الملفات الّتي من المرجّح أن ترتبط بحيازة الصّور الدّاعرة للأطفال، مثل تلك الّتي تحتوي على امتدادات تشير عادة إلى احتواء الملفات على الصّور أو تلك الّتي تحتوي على كلمة محدّدة مرتبطة بالجريمة، و في معرض تأسيسها لرفض الطّلب أوضحت الدّائرة الفيدرالية التّاسعة أنّ منهجية التّفتيش المقترحة من المتّهم غير معقولة لأنّ سجلات الحاسوب تكون عرضة للتّلاعب أو الإخفاء أو التّدمير سواءً كان ذلك بشكل متعمّدًا أو من دون قصد، فبالإمكان إخفاء الصّور في جميع أنواع الملفات، و حتّى في مستندات معالجة النّصوص و جداول البيانات. و أنّ المجرمون سيبذلون كل ما في وسعهم لإخفاء المواد المجرّمة، باستعمال أبسط الوسائل لتغيير أسماء الملفات و امتداداتها لإخفاء محتواها من المراقبة العادية، و من ثمّ فإنّ إجبار الضّبطية القضائية على قصر عمليات التّفتيش على الملفات الّتي وصفها المتّهم بطريقة معيّنة سيكون أمرًا شبيهًا بالقول أنّه ليس بإمكان هذه الأخيرة ضبط كيس بلاستيكي يحتوي على مادة بيضاء مسحوقة يشتبه بها إذا ما تمّت تسميته بالدّقيق، إذ لا توجد طريقة لمعرفة ما هو موجود في ملف ما دون فحص محتوياته، تمامًا كما لا توجد طريقة مؤكّدة لتحديد مادة الكوكايين إلاّ عن طريق خضوعها للتّحليل. و انتهت المحكمة بالقول "نحن ننظر بشكل إيجابي إلى إدراج بروتوكول التّفتيش في الإذن القضائي؛ لكن غيابها لا يترتب عنه البطلان"( ). و هو ما أكّدته الدّائرة العاشرة في قضية UNITED STATES v. BURGESS حين أبدت رفضا شديدا لهذا القيد و خلصت إلى القول أنّه "من غير العملي توقّع وجود إذن يقيّد نطاق التّفتيش المعلوماتي عن طريق إسم المجلد أو إسم الملف أو إسم الإمتداد أو محاولة هيكلة أساليب التّفتيش بشكل مسبق، فهذه العملية يجب أن تظل ديناميكية... و من غير المعقول أن يحاول إذن التّفتيش تقييد آليات التّفتيش بفرض مثل هذه الحدود الّتي من شأنها أن تقيّد أهداف التّفتيش المشروعة بدون مبرّر، فلا يتوقع المرء أن يكون هناك إذن يضيّق عملية البحث بالتّفتيش عن الأدلّة فقط ضمن خزانات ملفات في الطّابق السّفلي أو ملف المجلدات المسماة العملاء ، لذلك لا يوجد سبب للحد من نطاق عمليات التّفتيش المعلوماتي"( )، و أصرّت على موقفها هذا مجدّدا في حكم حديث لها في قضية United States v. Russian ( ). و نظرًا للصّعوبات العملية الملازمة لتطبيق منهجيات التّفتيش الشّامل، تجنّبت الدّائرة السّادسة التّمسك ببرتوكولات التّفتيش و فضّلت تقدير مدى مشروعية إمتداد التّفتيش في كل حالة على حدى، إلاّ أنّها إشترطت أن يكون الضّباط واضحين بشأن ما يبحثون عنه على وسائط التّخزين الرّقمية و إجراء التّفتيش بطريقة تتجنّب البحث عن ملفات من نوعية غير محدّدة في الإذن، ففي نظرها فإنّ عملية التّفتيش قد تكون واسعة النّطاق بشكل معقول لتحديد العناصر الموضّحة في الإذن، و أنّه إن كان الإلتزام بالشّرعية الإجرائية يتطلّب عند تنفيذ التّفتيش الإطلاع أولا على الأماكن الأكثر وضوحا ثمّ الإنتقال تدريجياً من الواضح إلى الغامض كلما دعت الضّرورة إلى ذلك و تلك هي الغاية من فرض بروتوكول التّفتيش الّذي يبني عملية البحث عن طريق المطالبة بتحليل بنية الملف، ثمّ البحث عن مجلدات الملفات المشبوهة، ثمّ البحث عن الملفات و أنواع الملفات الّتي من المحتمل أن تحتوي على المواد المستهدفة عن طريق إجراء عمليات البحث عن الكلمات الرّئيسية، و لكن في النّهاية، قد لا يكون هناك بديل عملي للتّفتيش الفعلي في العديد من المجلدات (و ربما جميعها) و في بعض الأحيان في المستندات الموجودة داخل هذه المجلدات( ). و من أهمّ الاعتراضات الّتي يسوّقها المناهضون لهذا القيد، أنّه لا يمكن تحديد محتويات أيّ مستند حاسوبي إلاّ من خلال فتحه و فحصه باستعراض ما تضمّنه، و قد تأكّد هذا التّطبيق في قضية United States v. Gray، أين رفضت المحكمة طلب بطلان التّفتيش الّذي كان أكثر امتدادا عبر ملفات لا صلة لها بالتّحقيق رغم أنّ الفحص تمّ باستعمال برنامج حاسوبي يضمن قصر التّفتيش على الملف المستهدف، و أشارت المحكمة إلى أنّه بالرغم من وجوب توخي الحذر لضمان عدم التّوسّع الكبير في التّفتيش المعلوماتي، فإنّ هذه العملية لا تقلّ دستورية عن عمليات التّفتيش في السّجلات المادّيّة، حيث قد يتمّ فحص المستندات غير الضّارة للتّأكد من أهميتها، فعند البحث عن العناصر المدرجة في الإذن يجوز فحص جميع ملفات المتّهم لتحديد ما إذا كانت تحتوي على عناصر تدخل في نطاق الإذن( ). و استندت المحكمة إلى السّابقة القضائية الّتي تقرّرت في قضيةUnited States v. Hunter ، و الّتي مقتضاها أنّ عمليات التّفتيش في السّجلات تتطلّب البحث في كثير من المستندات، و عادة ما تكون جميعها في الموقع المستهدف، لأنّ "قلة من الأشخاص يحتفظون بمستندات معاملاتهم الإجرامية في مجلد يحمل عنوان "سجلات الجريمة". و في تأييدها لهذا الوقف المتساهل عبّرت الدّائرة العاشرة عن موقفها من عدم جدوى منهجية التّفتيش صراحة في قضية United States v. Burgess قائلة:"بشكل عام قد لا يمنح بروتوكول التّفتيش سوى وهما لحماية الحق في الخصوصية، خاصةً عندما يكون هدف التّفتيش هو ملفات الصّور، ففي الحالة الّتي يكشف التّفتيش المعلوماتي-الّذي يستهدف أصلا التّنقيب عن أدلة متعلّقة بجريمة المخدرات- عن أسماء ملفات تشير إلى مواد إباحية للقصر، لا يُطلب من الضّابط سوى الحصول على إذن آخر لمتابعة التّفتيش عنها، مما يؤدي إلى استعراض أغلب الملفات للتّأكد من أنّها لا تحمل عنوانا مظلّلا. و في النّهاية سيتمّ الكشف عن المواد الإباحية، فالفرق الوحيد هو أنّه سيتمّ اكتشافهالاحقا، و ليس في وقت سابق... خاصة في حالة التّفتيش عن ملفات الصّور، و الّتي يمكن دفنها في أيّ مكان على وسيط التّخزين"( ). و على هذا الإعتراض يردّ المؤيدون بأنّ هذا التّوجه القضائي يعبّر عن فهم خاطئ للغرض الّذي لأجله تصمّم برتوكولات التّفتيش و ما تفضي إليه من فوائد، إذ أنّ منهجية التّفتيش لا تحدّد المعلومات الّتي يحتويها المستند و ليس ذلك هو الهدف من فرضها، فهي ببساطة أساليب ترمي إلى إستبعاد المعلومات الّتي لا صلة لها بالتّحقيق من نطاق التّفتيش، فعلى سبيل المثال، إذا حدّدت الضّبطية القضائية سببا محتملا للإعتقاد بأنّ حاسوب شخص معيّن يحتوي على صور سرقة حدثت بتاريخ ما، فقد تستخدم المحكمة البيانات الوصفية لوضع بروتوكول تفتيش يحدّ من نطاق التّفتيش بقصره على المستندات الّتي تم إنشاؤها بعد تاريخ وقوع الجريمة، فلا يمتدّ التّفتيش إلى غيرها من البيانات( ). فالغاية من هذا القيد هو منع إمتداد التّفتيش إلى بيانات غير ذات صلة بمستهدف التّفتيش عن طريق عزلها عما تختلط به من بيانات مجرّمة تشكّل موضوعا للدّليل الجنائي و هو ما يطلق عليه الفقه بإجراء تقليل البيانات “data reduction” و يتمّ ذلك عن طريق برامج التّحليل الحاسوبي الشّرعي الّتي أثبتت فاعليتها في هذا الصّدد، فعلى سبيل المثال في قضية United States v. Mann صدر إذن بالتّفتيش المعلوماتي لأجهزة التّخزين الرّقمية الخاصة بالمتّهم المتابع بجرم إلتقاط صور لبعض الفتيات دون رضاهن و في أماكن تتميّز بكثير من الخصوصية، أين قام خبير التّحليل الحاسوبي الشّرعي باستخدام برنامج يستهدف البحث و التّنقيب عن الصّور و مقاطع الفيديو فقط مع عزل باقي البيانات من الاستعراض و بالفعل تمّ التّوصل إلى استرداد الدّليل دون امتداد التّفتيش إلى بيانات غير ذات صلة( )، فطبيعة الجريمة و نوع الأدلّة تحدّد كيفية تحليل البيانات على نحو يحول دون امتداد التّفتيش و ذلك في كثير من الأحيان. كما يرى القاضي John M. Facciola أنّ هذه القيود لا تشكّل نهائيا إعاقة غير مبرّرة للكشف عن الجريمة أو الحد من قدرة الحكومة على إجراء تفتيش بشكل ديناميكي لسببين، أولا، تستطيع الحكومة دائما الرّجوع إلى المحكمة لتقديم طلب آخر للحصول على إذن إضافي حسب ما تستدعيه الحاجة و ثانيا، لا يقتضي الطّلب سوى توضيح أنّ بعض عمليات التّفتيش تتطلّب تقنيات إضافية، و أنّ ما هو مقترح هو مجرد ما تعتزم الحكومة القيام به وقت تقديم هذا الطّلب، إستنادا إلى المعرفة الّتي إكتسبتها أثناء تفتيش هذه الأجهزة، و في ضوء البيانات المحدّدة الّتي تسعى إلى ضبطها( ). و ذات التّبرير إعتمده زميله David Waxse مضيفا أنّه سعيا لتحقيق توازن بين حق الفرد في الخصوصية و قدرة الحكومة على التّحقيق في الجرائم بفعّالية و كفاءة فإنّه بالإمكان دائما الحصول على إذن إضافي بناء على عرض لاحق تتقدّم به هذه الأخيرة و تبيّن من خلاله ما يستدعي ذلك، أفضل من الموافقة على الطّلب الأوّل الّذي يمنح الحكومة سلطة غير دستورية واسعة النّطاق في إجراء التّفتيش. ج)- نقص خبرة القضاة في فرض إستراتيجة التّفتيش و لعلّ أهمّ اعتراض وجه لهذه القاعدة من قبل الفقه، هو نقص الخبرة الفنّية لدى القضاة في فرض منهجية تفتيش معيّنة، إذ تعتمد القدرة على صياغة إستراتيجية تفتيش مفيدة و الموافقة عليها على الخبرة التّقنية لقضاة التّحقيق، غير أنّ هؤلاء غير مؤهلين بشكل كاف لتقييم ما إذا كان بروتوكول تفتيش معيّن هو أفضل الطّرق و أكثرها إستهدافا لتحديد مكان الأدلّة المخزّنة على أجهزة التّخزين الرّقمية أم لا، فليس لهؤلاء سوى دراية محدودة و تغيب عنهم معرفة التّفاصيل الدّقيقة لعمل الحواسيب، كما تتوقف القدرة على وضع برتوكول معيّن على العديد من العوامل الّتي يصعب تحديدها مسبقا فحتّى خبراء التّحليل الحاسوبي الشّرعي الأكثر كفاءة و مهارة لا يمكنهم التّنبؤ مسبقا بالتّقنيات المستوجبة للعثور على البيانات المحدّدة في الإذن القضائي( ). و بناء عليه يستعصى عليهم أن يحدّدوا مسبقا ما سيواجهونه من تعقيدات تفرزها طبيعة البرمجيات الموجودة بجهاز التّخزين الرّقمي، أو الخطوات الّتي إتخذها المشتبه فيه لحماية أو إخفاء الملفات فهذه العملية هي فن أكثر من علم "as much an art as a science" و أمام هذا الوضع فقد يتمّ تمكين القضاة من بروتوكولات تفتيش محدّدة و هذه الأخيرة إمّا أن يكون قد عفا عليها الزّمن أو أنّها تعرقل عمل الجهة القائمة بالتّفتيش على التّكيف مع المتغيّرات( ). و هذا النّقد الفقهي وجد صداه لدى القضاء الّذي إعتمده كمبرّر لرفض طلبات بطلان الدّليل الجنائي النّاتج عن التّفتيش المعلوماتي الّذي تمّ بدون فرض قيود مسبقة إمّا تأسيسا على إنعدام الخبرة لدى الضّبطية القضائية الّتي التمست الموافقة على إذن التّفتيش المعلوماتي( ) أو القاضي مصدر الإذن( ). يرى المؤيّدون، أنّ هذه الإنتقادات المعبّر عنها منذ عقد مضى بدأت تتراجع أهمّيتها مع مرور الوقت، ببروز قضاة قادرين على التّعامل مع بروتوكولات تفتيش الأكثر تعقيدا، و يضرب الفقه عديدا من الأمثلة عن المحاكم الّتي كشف عن دراية كافية بعلوم الحاسوب تؤهلها للوقوف على التّقدير السّليم لبرتوكولات التّفتيش الّتي تعرض عليها و تعدّ المحكمة الإبتدائية لمنطقة كولومبيا القضائية برئاسة القاضي جون فاسيولا أبرز مثال على ذلك. ففي قضيةMilzman United States vطلب هذا الأخير من الحكومة وجوب تقديم برتوكول لتفتيش عدة أجهزة إلكترونية و هاتف محمول غير أنّ الحكومة كانت متردّدة في الإستجابة لطلبه خشية عدم تمكنه من استيعاب المسائل التّقنية الّتي تتضمّنها الإستراتيجية المقترحة، فكان ردها بشكل موجز بموجب إفادة خطية بسيطة تفيد بأنّ أحد خبراء الحاسوب هو من سيتولى نسخ البيانات و تحليلها، أين تصدت المحكمة للطّلب بالرّفض مرة أخرى موضّحة أنّه "يجب على الحكومة أن تبيّن للمحكمة ما تعتزم القيام به في كلّ تفتيش تجريه على الهاتف و لا ينبغي لها أن تخشى إستخدام مصطلحات مثل "قيم التّجزئة MD5" ، و"البيانات الوصفية"، و"التسجيل"، و"حجب الكتابة"، كما لا ينبغي لها أن تمتنع عن تفسير أنواع البرامج المستعملة و كيفية استخدامها للتّفتيش عن أنواع معيّنة من البيانات و لا تشترط المحكمة استخدام مصطلحات أو أساليب بحث معيّنة و بدلا من ذلك، فإنّ المحكمة تريد موافاتها بشرح و تفسير فنّي متطوّر للكيفية الّتي تعتزم بها الحكومة إجراء التّفتيش حتّى تستيقن من كون الحكومة تبذل جهودا حقيقية للحدّ من نطاق عملية التّفتيش المعلوماتي( ) و قد كشفت أحكام عديدة صادرة عن المحاكم الإبتدائية مظاهر الدّلالة على عدم صحة هذه الحجة الّتي يتمسّك بها المناهضون لهذا القيد الإجرائي. و خلافًا لما يعتقده جانب من الفقه و القضاء، غالبًا ما يتمكّن القضاة من إدراك منهجية التّفتيش المعلوماتي، ففي معظم الحالات لا تكون التّقنية المعتمدة معقّدة بشكل خاص، و يمكن للخبراء تقديم التّفسيرات الكافية للقضاة لفهمها( )، و الجدير بالذّكر أنّه في بعض الحالات أبان القضاة براعة فائقة في هذا المجال، ففي إحدى القضايا تقدّمت الحكومة بطلب الموافقة على إذن بالتّفتيش المعلوماتي يستهدف أجهزة تخزين رقمية، رفض قاضي التّحقيق الطّلب لعدم تقديم بروتوكول يرسم نطاق التّفتيش محدّدا أجلا لاستدراك ذلك و أثناء جلسة مناقشة الجوانب الفنيّة للبروتوكول المقترح لاحظت المحكمة أنّ عدم رد الحكومة في أحد الجوانب كان مثيرا للدّهشة، فعندما أثارت المحكمة إمكانية قصر التّفتيش على فترات زمنية معيّنة، ذكر أحد ممثلي الحكومة أنّ هذا القيد لن يكون مفيدا لأنّ دليل الملفات لا يبيّن إلا تاريخ آخر مرة تمّ فيها حفظ الوثيقة. ثم سألت المحكمة الخبير التّقني الحكومي عمّا إذا كان من الممكن التّغلب على هذه المشكلة بدراسة "البيانات الوصفية" الّتي لا تكشف فقط عن التّاريخ الّذي تمّ فيه حفظ الوثيقة، بل تظهر أيضا كيف و متى تمّ إستلامها، أو إنشاؤها، أو الوصول إليها، أو تعديلها، و لم يقدّم الخبير التّقني الحكومي أيّ رد، تاركا للمحكمة إنطباعا راسخا بأنّه لم يكن على دراية بمصطلح يتوقّع أن يعرفه خبير في مجال الحاسوب( ). علاوة على ذلك، يمكن للقضاة الّذین یفتقرون إلی المعرفة الضّروریة المطالبة من الضّبطية القضائية أو النّيابة العامة تقديم بروتوكولات تفتيش مقترحة، كما يمكن لوزارة العدل التّوصل إلى بعض البرتوكولات النّموذجية لوجود موارد بشرية مؤهلة لذلك( )، و قد درج القضاة على اللّجوء إلى هذا الحل( ). و رغم مرور ما يقارب عشرة سنوات على صدور الإجتهاد القضائي لا يزال القضاء الأمريكي يبدي تردّدا ملحوظا حيال الإلتزام بهذه القاعدة و هو ما تكشف عنه أحدث الأحكام القضائية الّتي واصلت تخليها عن القاعدة و توسّعت في إضفاء المشروعية على امتداد التّفتيش المعلوماتي الّذي لا يستند إلى بروتوكول مسبق مدفوعا باعتبارات عملية بحتة بحيث مالت كفة التّرجيع لاعتبارات الفعّالية و قد تأثّرت هذه الأحكام القضائية بالإنتقادات الموجهة للقاعدة. الفرع الثالث: بدائــــل قاعدة لزوم تحديد أسلوب تنفيذ التفتيش المعلوماتي في ضوء النّقد الموجّه للقاعدة، خاصة النّقد المبني على مناقضتها لمتطلبات الفعّالية و احتمال ضياع الأدلّة المعلوماتيّة جراء شلل عملية التّفتيش بحكم القيود الضّيقة الّتي تفرض عليها، نادى الكثير من الفقه بعدم التّوسّع في تطبيقها مع الإكتفاء بالمراجعة القضائية اللاّحقة لكلّ قضية على حدى لتقدير مدى معقولية تنفيذ التّفتيش في نطاق الغاية منه، و أهمّ البدائل المقترحة لحد الآن من قبل الفقه هو النّهج القائم على وضع حد لامتداد التّفتيش المعلوماتي من خلال حظر استخدام أيّ دليل جنائي يكتشف خارج نطاق الإذن القضائي. و في نظر هذا الجانب من الفقه فإنّ هذه المقاربة من شأنها استعادة الحدود المطلوبة علی نطاق الضّبط بما يحافظ على فعّالية عمليات التّفتيش من خلال تزويد الحكومة بالسّلطة اللاّزمة للتّفتيش عن الأدلّة المحدّدة في الإذن القضائي و ضبطها و يؤدي بذات الوقت إلى تجنب صيرورة الإذن بالتّفتيش عاما، بتقييد سلطة الحكومة في إستغلال الأدلّة المحدّدة في الإذن القضائي بشكل خاص( ). و تقوم هذه المقاربة على ثلاثة أسئلة رئيسية: أولا، خلال مرحلة التّفتيش المادي، ما هي حدود سلطة الضّبطية القضائية في ضبط أجهزة التّخزين المادّيّة لتفتيشها لاحقا؟ ثانيا، أثناء مرحلة التّفتيش المعلوماتي، ما هي حدود سلطة الضّبطية القضائية في تحليل البيانات المخزّنة للوصول إلى الأدلّة المطلوبة؟ ثالثا، بعد مرحلة التّفتيش المعلوماتي ما هي حدود سلطة الضّبطية القضائية في استخدام المعلومات المكتشفة أثناء مرحلة التّفتيش المعلوماتي؟ ( ). بخصوص مرحلة التّفتيش المادي يرى هذا الجانب من الفقه، أنّ كل من القانون و القضاء يسلّمان في الوقت الرّاهن بضرورة الضّبط العرضي الشّامل يليه إجراء التّفتيش المعلوماتي لاحقا لأنّ وسائط التّخزين الإلكترونيَّة تحتوي على كمّيات كبيرة من المعلومات و الّتي غالبا ما يكون من غير العملي مراجعتها في الموقع لذا ينبغي عدم فرض أيّ قيود على هذه المرحلة رغم الإعتراف بتجاوز الضّبط لحدود الإذن نظرا لعدم وجود أيّ بديل آخر( )، و الأمر كذلك بالنّسبة لمرحلة التّفتيش المعلوماتي يبنغي تركها من غير قيد لعدم جدوى قاعدة لزوم تحديد محل التّفتيش في تضييق نطاقه و لعدم دستورية قاعدة تحديد منهجية تنفيذه( ). أمّا المرحلة الأخيرة، و هي مرحلة إستخدام الأدلّة ، خلالها يتمّ فرض قيود تمنع إستخدام أيّ دليل جنائي خارج نطاق الإذن القضائي لكون الضّبط الإجمالي في المرحلة الأولى هو ضبط معقول و مبرّر بضرورة تنفيذ الإذن القضائي، كما أنّ ضرورة التّحقيق تستوجب الإطّلاع حتما على الملفات البريئة في سياق التّفتيش عن البيانات المستهدفة، بما يجعل الضّبط الأولي و الإطلاع اللاّحق ضروري لتجنّب جعل الإذن مجرّد حبر على ورق، بيد أنّ الضّبط المتواصل للبيانات الّتي لا تستجيب للإذن القضائي أو إستخدامها لإثبات جرائم غير تلك الّتي إستهدفت بإذن التّفتيش يجعل الإذن عاما و يلغي تماما دور قاعدة لزوم تحديد مستهدف التّفتيش( ). و قد تمّ تبني هذه المقاربة الفقهية مؤخرا من قبل المحكمة العليا في أوريغون و ذلك في قضيةUnited States v. Mansor ، حيث أشارت المحكمة إلى أنّ هذا المذهب يشكّل قاعدة من قواعد قبول الأدلّة المعلوماتيّة فبينما تسمح هذه القاعدة للحكومة بإجراء تفتيش معلوماتي واسع النّطاق، فإنّها في نفس الوقت تحدّ من مقبولية الأدلّة المتأتّية من هذا الإجراء بحيث تستبعد الأدلّة الّتي لا علاقة لها بالأسباب المحتملة الّتي من أجلها صدر إذن التّفتيش( )، و التّكريس القضائي لهذه القاعدة يرجع إلى سابقة الدّائرة الفيدرالية الثّانية في قضية United States v. Ganias و الّتي أقرّت مظهرا جديدا من مظاهر تطبيق قاعدة استبعاد الأدلّة المعلوماتية غير المشروعية ( ). الواقع أنّ هذا البديل المقترح لا يتعلّق أصلا بالهدف الوقائي الّذي تتوخّاه القاعدتين محل البحث بل يرمي إلى التّخفيف من الضّرر اللاّحق بالفرد جراء تفتيش معلوماتي يتجاوز الغاية منه باستبعاد أيّ دليل جنائي لا يستهدفه التّفتيش، و من جهة أخرى فإنّ ترك مرحلتي التّفتيش المادي و المعلوماتي من غير قيد و إتاحة سلطة واسعة للضّبطية القضائية بهذا الشّكل هو أمر غير معقول تماما بل يناقض مقتضيات التّعديل الدّستوري الرّابع و يؤدي إلى إهدار كافة الضّمانات الّتي تقوم عليها نظرية التّفتيش. و ما نخلص إليه في النّهاية أنّه و إلى غاية الوقت الرّاهن لا يوجد أيّ إقتراح فقهي أو إجتهاد قضائي نجح في إرساء قاعدة عامة -قابلة للتّطبيق في كافة الظّروف و الوقائع- تكفل وضع حدود واضحة لنطاق التّفتيش المعلوماتي فتطبيق قاعدة لزوم تحديد محل التّفتيش في مرحلة التّفتيش المادي يؤدي إلى طغيان عنصر الفعّالية، بينما تطبيق هذه القاعدة في مرحلة التّفتيش المعلوماتي تحقّق الشّرعية، و بذات الوقت تفضي إلى شلل عملية التّفتيش لأنّه لا يمكن التّنبؤ مسبقا بمكان تواجد الأدلّة المعلوماتيّة قبل إجرائه بما يوجب الإطلاع على أسرار الأفراد قبل التّوصل إلى الدّليل المستهدف. و من ناحية أخرى، فإنّ التّطبيق الصّارم لقاعدة لزوم تحديد منهجية تنفيذ تفتيش هي الأخرى تفرض حدودا ضيّقة على عملية تنفيذ التّفتيش خاصة إذا اقتصرت المنهجية على أسلوب واحد فقط، على نحو يناقض متطلّبات الفعّالية نتيجة لجوء المجرمين إلى إخفاء الملفات المجرّمة في أيّ مكان على وسيط التّخزين الرّقمي، مع جعل الملف البريء حجابا للملف المجرّم بإعطاء الملفات إسما مضلّلا أو امتداد خاطئا أو حمايتها بواسطة طرق التّشفير، و هذا الّذي دفع بالقضاء إلى التّردّد في تطبيقها، فضلا على ذلك فإنّ المغالاة في الدّفاع عن هذه القاعدة بتطبيقها الجامد، يجافي المنطق إذ كشفت الواقع العملي أنّها جدّ مرهقة و تتطلّب وقتا طويلا نتيجة المطالبة بأذون تفتيش جديدة في كل مرّة تفشل فيها المنهجية المقترحة في إسترداد الدّليل المستهدف. في تقديرنا فإنّ القضاء الأمريكي قد خطى بمقتضى هذا الإجتهاد القضائي خطوات أخرى في اتجاه التّضييق من نطاق إمتداد التّفتيش المعلوماتي، و أهمّ ما يجعلنا نؤيّد هذه القاعدة هو المفهوم الجديد الّذي أصبغه القضاء على "مبدأ عدم تجاوز الغاية من التّفتيش"، فبعد أن كان هذا المبدأ من الضّمانات الموضوعية للتّفتيش يخضع للمراجعة القضائية اللاّحقة بعد تنفيذ إذن التّفتيش، إلتفت القضاء إلى مسألة جوهرية تتعلّق أساسا بالتّداعيات السّلبية الّتي يخلّفها التّفتيش المخالف لهذا المبدأ على الهيئة الإجتماعية، و هي الضّرورة الّتي حذت به إلى إعتباره أيضا من الضّمانات الشّكلية الّتي تحقّق الدّور للوقائي الّذي ينصرف إليه التّعديل الدّستوري الرّابع، من خلال فرض مجموعة من القيود ضمن إذن التّفتيش تضمّن تنفيذ الإذن في حدود الغاية منه. و مثل هذه المتطلبات تجعل محضر التفتيش- الّذي يضم بطبيعة الحال محضر الضبط الأولي- يأخذ حكم الخبرة التقنية، من حيث إحتوائه على كافة التفاصيل التقنية الدقيقة لعملية النسخ الرقمي و التحليل و المراجعة و الحفظ، و أيضا عمليات الضبط النهائي للدليل إن وجد، لتأتي بعدها مرحلة عرضه على القضاء ليقول كلمته فيه، و ذلك هو موضوع الباب الثاني.
خلاصة الباب الأول لقد عالجنا من خلال الباب الأول أهم الاشكاليات العملية التي تثيرها عملية التفتيش عن الادلة المعلوماتية فالرؤية الجديدة الّتي أخرجت الأدّلة المعلوماتيّة المستمدّة من التّفتيش من النّظرة الإستثنائية المتواضعة لتضعها في منطق الأصالة كأدلة كاملة في إطار مبدأ حرّية الإثبات الجنائي، أفضت إلى طرح سؤال فرض نفسه على دراسات القانون الجنائي، يتناول موضوعه البحث في مدى إمكانية تجاوب الأحكام الإجرائيّة للتفتيش عن الأدّلة المادّيّة مع البيئة الرّقمية دون تجاوز الضّوابط الّتي يفرضها مبدأ الشّرعيّة الإجرائيّة. و التجاوب مع هذا التساؤل دفعنا إلى تأصيل فكرة التفتيش المعلوماتي من خلال الفصل الأول اين قمنا بتحديد مدلول التفيش في البيئى الرقمية، و متى يقع بالضبط، ثم تطرقنا إلى تحديد معيار التمييز بينه و بين الظبط الرقمي، بحكم أن كليهما يقيد حق من الحقوق الشخصية ثم عالجنا خصاص التفتيش المعوماتي و ما يميزه عن التفتيش المادي كل ذلك من خلال المبحث الاول، و من خلال المبحث الثاني تناولنا مقدمات التفتيش عن الادلة المعوماتية اذ ينبغي التفتيش عن الأجهزة المادية قبل تفتشها، و هو ما يسمى بالضط العرضي سواء انصب على البيانات التي يحوزها المتهم او تلك المتعلقة به و التي يحتفظ بها مزود الخدمات في اطار اداء الخدمة، و هو ما يعرف بالية المر بالحفظ و الأمر بالافصاح. و اذ انتهينا من مقدمات التفتيش فقد كام لزاما علينا أن نحدد ظوابط هذا العمل الاجرائي الخطير من خلال الفصل الثاني، أين خصصنا المبحث الاول لدراسة الظوابط الموضوعية، من سبب التفتيش المعلوماتي، و المحل الذي يجري تفتيشه في البيئة الرقمية و كيفية تحديده لانعدام الحدود و الحاجز المادية كل ذلك في ضوء السوابق القضائية للاجتهاد المقارن. بينما خصصنا المبحث الثاني لمعالجة الضوابط الشكلية بالتطرق الى الاذن القضائي و اشكالية تحديد المستهدف بالتفتيش اثناء صياغة هذا الإذن، و ايضا اشكالية تحديد اسلوب تنفيذ التفتيش و تلك مسائل بالغة الاهمية باعتبارها ضمانات جوهرية و سياجا لحماية الحريات الفردية.
الباب الثاني حجية الأدلة المعلوماتية المستمــــدة من التفتيش
إذا كنّا قد فرغنا من تحديد فكرة الشّرعيّة الإجرائيّة للأدّلة المعلوماتيّة في مرحلة التّفتيش، فإنّ منطق الصراع بين التّفتيش و مدى مشروعيته يظل قائما أمام محكمة الموضوع، فكيف يمكن لهذه الأخيرة أن تقدر مدى مراعاة قاعدة المشروعية باعتبار أنّ كافة ضمانات التّفتيش ذات بعد تقني محض؟ فإن عجزت عن ذلك، فكيف لها أن تقدر القيمة الاقناعية للأدّلة المعلوماتيّة المستمدّة منه؟ أم أنّ الخبير في الحقيقة هو قاضي الدعوى؟ و أبعد من ذلك، أيّ قيمة تتمتع بها قاعدة الشّرعية الإجرائيّة إذ لم يتقرّر البطلان جزاء مخالفتها؟ أم يمكن فعلا للجزاءات الفرديّة الموقّعة على مرتكب التّفتيش غير المشروع أن تحل محل قاعدة استبعاد الأدلّة المعلوماتيّة المتسمدّة من تفيش غير مشروع؟ إنّ هذه التّساؤلات تحمل في طياتها مغزى مبناه أنه لا جدوى من الشّرعية الإجرائيّة إذا لم تؤدي إلى الحقيقة الواقعية من خلال دليل يحقق اليّقين القضائي، و لا قيمة لهذه الحقيقة على حساب الشّرعية و لو تحقق اليقين بالإدانة، في ضوء هذه الفكرة يقع لزاما علينا أن نحدد القيمة الاقناعية للدّليل المعلوماتي المستمدّ من تفتيش مشروع (فصل أول)، و بيان قيمته القانونية متّى كان محصلة لتفتيش باطل (فصل ثاني).
الفصل الأول القيمة الإثباتية للأدلّة المعلوماتيّة المستمدّة من تفتيش مشروع المبدأ في الإثبات في المواد الجنائية هو حرّية القاضي الجنائي في الإثبات و هذه الحرّية لها وجهان، أولهما أنّ للقاضي الجنائي سلطة قبول أيّ دليل يمكن أن يتولّد معه اقتناعه فجميع طرق الإثبات أمام القاضي الجنائي سواء، و ثانيهما أنّ القاضي نفسه هو الّذي يقدّر بحسب اقتناعه الذّاتي القيمة الدّامغة لكلّ دليل، و واضح أنّ الشّق الأوّل من المبدأ يتعلّق بسلطة القاضي في قبول الدّليل المعلوماتي المستمدّ من التّفتيش(مبحث أوّل)، بينما يتعلّق الشّق الثّاني بسلطة القاضي في تقديره (مبحث ثاني).
المبحث الأوّل حرّية القاضي الجنائي في قبول الدّليل المعلوماتي المستمد من التّفتيش إنطلاقا من مبدأ حرّية الإثبات الجنائي، فإنّه يمكن القول أنّ جميع طرق الإثبات مقبولة أمام القاضي الجنائي، لكن هذه القاعدة ليست على إطلاقها فلها نطاق يحدّدها، كما أنّها خاضعة لقيد هام هو مشروعية الأدلّة، إذ يلزم لقبول الدّليل أن يكون التّفتيش عنه قد تمّ في ظلّ إحترام هذا المبدأ، من هنا فإنّ مبدأ حرّية الإثبات الجنائي في قبول هذا الدّليل (مطلب أوّل)، محكوم إلى حد ما بمبدأ مشروعية هذا الدّليل و نزاهته (مطلب ثاني). المطلب الأوّل: ماهية حرّية القاضي الجنائي في قبول الدّليل المعلوماتي المستمد من التّفتيش جرت أقلام الفقه على استعمال عبارة "حرّية الإثبات الجنائي"، غير أنّه ليس معقولا أن يجري هذا القول على إطلاقه، إذ أنّ اعتبارات الشّرعية قد تحدّد نطاق هذه الحرّية في حالات معيّنة، لذا لابد من التّطرق لتحديد مفهوم هذا المبدأ الرّاسخ في النّظام القانوني (فرع أوّل)، و بيان مبرّراته (فرع ثاني)، و تحديد نطاقه (فرع ثالث). الفرع الأوّل: مدلول حرّية القاضي في قبول الدّليل المعلوماتي المستمد من التّفتيش إنّ الإحاطة الشّاملة بفهوم مبدأ حرّية الإثبات الجنائي في قبول الدّليل العلمي بشكل عام و الدّليل المعلوماتي على وجه التّخصيص يوجب علينا تحديد مفهومه وفقا لمنظور المشرّع (أولا) و الفقه(ثانيا) و القضاء (ثالثا). أوّلا: التّحديد القانوني لمبدأ حرّية القاضي في قبول الدّليل المعلوماتي المستمد من التّفتيش إنّ مبدأ حرّية القاضي الجنائي في قبول الأدلّة مستقر في مختلف الشّرائع الجنائية من أمد طويل، و مفاد هذا المبدأ أنّ الإثبات الجنائي لا يتقيّد بمصدر معيّن فهناك حرّية كاملة في تكوين عقيدة القاضي من أيّ مصدر مشروع للإثبات يصلح لذلك( )، بمعنى أنّ القاضي يحكم في الدّعوى المنظورة أمامه وفقا لما تكوّنت لديه عقيدته و بحسب إقتناعه و أن يقدّر بكامل حرّيته قيمة الأدلّة الخاصة بالدّعوى تقديرا منطقيا، و يذهب الفقه في هذا الإتجاه إلى تعريفه باتجاهين( ). فأمّا الرّأي الأوّل فيرى أنصاره أنّ مبدأ الإقتناع القضائي يعني التّقدير الحر المسبّب لعناصر الإثبات في الدّعوى أي أنّ القاضي يقدّر بحرّية قيمة الأدلّة المقدّمة إليه. أمّا الرّأي الثّاني، يرى أنصاره أنّ مدلول المبدأ لا يقتصر على تقدير الأدلّة المقدّمة في الدّعوى بل يتّسع ليشمل حرّية القاضي الجنائي في الإستعانة بأيّ دليل يراه ضروريا لتكوين عقيدته و استبعاد أيّ دليل لا يطمئن إليه( ). و بدون الدّخول بين مقارنات بين الرّأيين، فإنّنا نرى وجاهة الرّأي الثّاني ذلك أنّ مبدأ حرّية الإثبات الجنائي إنّما يستتبع الإعتراف للقاضي بالحرّية في تكوين هذا الإقتناع من أيّ وسيلة قانونية يراها لازمة لذلك( )، و كذلك فإنّ قصر مفهوم المبدأ على تقدير عناصر الإثبات يؤدي إلى الخلط بين مبدأ حرّية القاضي الجنائي في تكوين عقيدته و بين نظام الإثبات المختلط و الّذي يعني تحديد عناصر الإثبات سلفا من قبل المشرّع و يترك للقاضي إختياره في التّقدير( ). ثانيا:التّعريف الفقهي لمبدأ حرّية القاضي في قبول الدّليل المعلوماتي المستمد من التّفتيش يطلق على هذا النّظام بتعبير"نظام الأدلّة الأدبية" و أحيانا "بالنّظام الحر للأدلّة" و قد يطلق عليه أحيانا بنظام "الإقتناع الذّاتي للقاضي الجنائي"، و يقصد بكلّ هاته التّعبيرات أنّ القاضي لا يتقيّد بأيّ قيد أو شرط يفرض عليه و إنّما هو مقيّد بضميره الذّاتي البعيد عن الأهواء و الأحاسيس الشّخصية، حرّ في تقدير قيمة الأدلّة المقدّمة له من قبل الخصوم، و لا دخل لإرادة المشرّع في فرض دليل أو تحديد قيمة دليل، المهم أن يصل إلى الحقيقة بأيّ وسيلة مشروعة بيقينه هو لا بيقين المشرّع( ). عموما يرتكز هذا المبدأ على تتمتّع كل من الإدعاء و المتّهم و القاضي في العملية الإثباتية بالحرّية الكاملة في اختيار وسائل الإثبات مهما كانت طبيعة الوقائع المراد إثباتها، و أيّا ما كانت تلك الوسيلة، و ذلك بشرط الإلتزام الكامل بضوابط المشروعية، و تعتبر حرّية الإثبات في المسائل الجنائية من المبادئ المستقرّة في الإثبات الجنائي( )، و العلّة في ذلك ترجع إلى رغبة المشرّع في ترك الباب مفتوحًا أمام أيّ وسيلة إثبات جديدة يمكن أن تظهر مستقبلا وفقًا للتّقدم العلمي و تطور المعرفة الإنسانية( )، و من ثم فمشروعية وجود الأدلة العلمية و المعلوماتية لا تثير أي إشكال استنادا لمبدأ حرية القاضي الجنائي في قبول الأدلة. ثالثا: التّعريف القضائي لمبدأ حرّية القاضي في قبول الدّليل المعلوماتي المستمد من التّفتيش على نقيض ما دأبت عليه المحكمة العليا الجزائرية في ترديدها لهذا المبدأ في معظم قراراتها من غير التّطرق لمفهومه، لكونها- في اعتقتدنا- لا ترى حاجة إلى ذلك( )، فقد إستقر قضاء محكمة النّقض المصرية على أنّ المقصود بحرّية القاضي في تكوين عقيدته، أن يكون للقاضي الجنائي كامل الحرّية في أن يستمد اقتناعه من أيّ دليل يطمئن إليه من الأدلّة التّي تقدّم في الدّعوى، دون أن يتقيّد في تكوين اقتناعه بدليل معيّن إلاّ إذا نصّ القانون على غير ذلك، فالقاعدة في الإثبات أنّه يجوز للقاضي إثبات الجرائم بكافة الطّرق( ). أمّا منظور محكمة النّقض الفرنسية لهذا المبدأ، فإنّه يبدو أكثر تشدّدا، بحيث تفرض على محاكم الموضوع تطبيق هذا المبدأ تطبيقا صارما، بدعوى أنّ هذا المبدأ يتيح الحرّية الكاملة في الإثبات، لذا فهي تشدّد في أحكامها على حرّية قضاة الموضوع في قبول أيّ دليل يمكن أن يحقّق إقتناعهم الجازم بحقيقة الواقعة الجرمية المطروحة عليهم، بل ذهبت في بعض أحكامها إلى أبعد من ذلك، حيث ترى أنّه في الحالات الّتي لا يوجد فيها نص قانوني يستبعد صراحة دليلا معيّنا فلا يجوز للمحكمة عدم قبول أيّ دليل تقدّم به الأطراف حتّى و لو كان ذلك الدّليل غير مشروع، بل حتّى و لو كانت عدم المشروعية ناتجة عن إرتكاب جريمة ما( )، و إجمال ما تقدّم أنّ هذا المبدأ يعني ببساطة حرّية القاضي الجنائي في تكوين قناعته من أيّ دليل يقدّم إليه، دون أن يكون المشرّع قد قيّده بدليل معيّن مسبقا. الفرع الثّاني: مبرّرات مبدأ حرّية القاضي في قبول الدّليل المعلوماتي المستمد من التّفتيش إذا كان القانون الجنائي قد فتح الباب على مصراعيه أمام القاضي الجزائي و الأطراف للإستعانة بالدّليل المعلوماتي المستمد من التّفتيش الجنائي بهدف الوصول إلى الحقيقة الفعلية، فإنّه يثور التّساؤل حول مبرّرات تلك الحرّية لدى الفقه (أولا)، و كذا المشرّع (ثانيا)، و القاضي (ثالثا). أوّلا: السّند المنطقي لسلطة القاضي في قبول الدّليل المعلوماتي المستمد من التّفتيش يذكر الفقه في هذا الصّدّد أسبابا عديدة لتبرير مبدأ حرّية الإثبات الجنائي و تبعا لذلك سلطة القاضي الجنائي في قبول جميع أدلة الإثبات، بما فيها الأدلّة العلمية على اختلاف مصادرها و تتبلور هذه الأسباب في نواح عدّة أهمّها: أمّا من النّاحية الأولى، فإنّ تخويل القاضي الجنائي سلطة قبول جميع أدلّة الإثبات الّتي يرى لزومها لتكوين إقتناعه يعدّ نتيجة منطقية لتبني المشرّع لنظام الإقتناع القضائي الّذي يستتبع في الوقت نفسه السّماح للقاضي بالإستعانة بجميع وسائل الإثبات، فسلطة القاضي في هذا الشّأن تعدّ مظهرا من مظاهر الثّقة الّتي منحها المشرّع للقاضي في أن يحكم في الدّعوى حسب العقيدة الّتي تكوّنت لديه بكامل حرّيته، لتمكينه من أداء رسالته في إرساء العدالة( ). أمّا من النّاحية الثّانية، فإنّ موضع الإثبات في هذه الأخيرة يتعلّق بوقائع مادية أو نفسية لها طابع إستثنائي و ليس تصرّفات قانونية، و من ثمّ يستحيل إعداد أدلّة إثباتها مسبقا خلافا لما يحدث في المواد المدنية( )، و أنّ تقييد الإثبات في المواد الجنائية يحول دون مواجهة فعّالة للظّاهرة الإجرامية حيث يعمد المجرمون إلى العمل في خفاء و يظلّلون السّلطات العامة و يمحون آثار جرائمهم كلّما إستطاعوا إلى ذلك سبيلا، فتقييد أدلّة الإثبات مسبقا لا يؤدي في نهاية المطاف سوى لخدمة مصلحة المجرم في الإفلات من المسؤولية الجزائية( )، بل إنّ تقرير حرّية الإثبات يفيد المتهّم نفسه عندما يسمح له بدحض أدلّة الإتهام و إثبات براءته بكافة الطّرق( ). أمّا من النّاحية الثّالثة، فإنّ مبدأ حرّية الإثبات و بالتّبعية حرّية القاضي في قبول جميع الأدلّة ليس حكرا على القاضي و ليس مقرّرا لمصلحة الإتهام فحسب أي لإثبات الإدانة وحدها، و إنّما هو مقرّر لمصلحة الدّفاع كذلك الّذي يمكنه الإستعانة بجميع وسائل الإثبات اللاّزمة لدعم طلباته أو أوجه دفاعه، و بعبارة أخرى فإنّ هذا المبدأ مقرّر لمصلحة الحقيقة و إقامة العدالة، فكما يهمّ المجتمع عقاب كل جان فإنّه يعنيه أيضا بالقدر ذاته – بل أكثر – براءة كلّ بريء( )، أي أنّ هذا المبدأ ببساطة يهدف إلى التّوصل إلى الحقيقة الّتي تعدّ الهدف الرئيسي من جمع الأدلّة الجنائية( ). أمّا من النّاحية الرّابعة، فإنّ وجود قرينة البراءة و إنتاجها لأثارها في إلقاء عبء الإثبات كلية على عاتق النّيابة بكلّ ما في هذا العبء من صعوبة، قاد المشرّع الجنائي إلى إعتناق مبدأ حرّية القاضي الجنائي في قبول الدّليل حتّى يكون عوضا أو مقابلا لافتراض البراءة في المتّهم و تحميل النّيابة العامة عبء إثبات الدّعوى، فإذا كانت مصلحة الفرد و اعتبارات حماية الحرّية الشّخصية قد إستوجبت إفتراض براءته، فإنّ مصلحة المجتمع في مكافحة الجريمة و اكتشاف حقيقة الأمر في الدّعوى الجنائية إستوجب قانونا قبول جميع طرق الإثبات حتّى يتحقّق التّوازن بين مصلحة المواطن و مصلحة المجتمع( ). و في اعتقادنا فإنّ أهمّ مبرّرات هذه القاعدة تجد سندها في الغاية الأسمى للنّظام الإجرائي ككلّ و هي كشف الحقيقة الواقعية، و لا سبيل إلى تحقيق هذا المسعى إلاّ من خلال منح القاضي سلطة و حرّية في قبول أيّ وسيلة إثبات تطرح عليه فيأخذ ما يرتاح إليها و يطرح غيرها، في يحن فإن تقييد القاضي بدليل معيّن يتعارض مع هذا الهدف، فهذا المبدأ دائما ما يتمّ الرّكون إليه لقبول أيّ دليل يستند إلى إكتشاف علمي أو تقني مستحدث( )، و لا شك أنّه من بين فئة الأدلّة العلمية الحديثة، الأدّلة المعلوماتيّة المستمدّة من التّفتيش الجنائي. ثانيا: السّند التّشريعي لسلطة القاضي الجنائي في قبول الدّليل المعلوماتي المستمد من التّفتيش. أشرنا أنّه في نظام الإثبات المعنوي لا يرسم القانون طرقا محدّدة للإثبات يتقيّد بها القاضي الجنائي بل يترك حرّية الإثبات لأطراف الخصومة في أن يقدّموا ما يرونه مناسبا لإقتناع القاضي، و هذا المبدأ يعتبر حجر الزّاوية في القوانين ذات الصّبغة اللاّتينية، كالتّشريع الفرنسي( )، و التّشريع المصري( )، و قد أقرّه المشرّع الجزائري بنص صريح في قانون الإجراءات الجزائية بموجب المادة 212 منه و الّتي تنصّ "يجوز إثبات الجرائم بكافة طرق الإثبات ما عدا الأحوال الّتي ينصّ فيها القانون على غير ذلك و للقاضي أن يصدر حكمه تبعا لاقتناعه الخاص...". و يستخلص من هذا النّص أنّ القاضي له حرّية تامة في اختيار عناصر الإثبات، فهذا النّص العام ينطبق أيضا على الدّليل الجنائي المعلوماتي، و عمومية هذا المبدأ العام في نظرية الإثبات الجنائي جعلت المشرّع لا يفرد نصا خاصا بقبول الدّليل الجنائي المعلوماتي، على الرّغم من تنظيمه لإجراءات جمعه و التّوصل إليه عن طريق إجراءات التّفتيش و المراقبة الإلكترونية بموجب القانون 9/04 المتعلّق بالوقاية من الجرائم المتصلة بتكنولوجيات الإعلام و الإتصال. و يتضح أيضا موقف المشرّع الجزائري إعترافه بالأدّلة المعلوماتيّة بشكل صريح عند تدخله سنة 2004 و قيامه بتجريم بعض الأفعال الماسة بنظم المعاجلة الآلية للمعطيات بموجب القانون رقم 04/15 المؤرخ في 10 نوفمبر سنة 2004( )، كون هذه الفئة من الجرائم يستحيل إثباتها بغير الدّليل المعلوماتي، و هذا الموقف نلمسه أيضا لدى المشرّع المقارن كما هو الحال في التّشريع الفرنسي( )، و البلجيكي( ) الّذي أغفل إيراد نصوصا خاصة للإعتراف بمقبولية الأدّلة المعلوماتيّة في الإثبات الجنائي. و بالنّسبة إلى التّشريعات العربية – التّي تعتبر لاتينية النّزعة- فإنّ اعتناقها بشكل صريح لمبدأ حرّية الإثبات و سلطة القاضي في قبول الدّليل الجنائي بشكل عام، لم يمنع المشرّع من إدراج نصوص خاصة تؤكّد الإعتراف بمقبولية الأدّلة المعلوماتيّة المستمدّة من التّفتيش. و يأتي التّشريع القطري في مقدمة التّشريعات العربية الّتي أقرّت بمقبولية هذا النّوع من الأدلّة بنص صريح الدّلالة، حيث تنص المادة 15 القانون القطري رقم (14) لسنة 2014 بإصدار قانون مكافحة الجرائم الإلكترونية "لا يجوز إستبعاد أيّ دليل ناتج عن وسيلة من وسائل تقنية المعلومات أو أنظمة المعلومات أو شبكات المعلومات أو المواقع الإلكترونية أو البيانات والمعلومات الإلكترونية بسبب طبيعة ذلك الدّليل"، و هو ما أكدته المادة 122 من القانون اللّبناني رقم 81 لسنة 2018 حيث نصّ من خلالها المشرّع على أنّه "يعود للمحكمة تقدير الدّليل الرّقمي أو المعلوماتي و حجيته في الإثبات، و يشترط أن لا يكون قد تعرّض لأيّ تغيير خلال عملية ضبطه أو حفظه أو تحليله". أمّا بقية التّشريعات العربية فهي لم تورد نصوصا صريحة للإعتراف بمقبولية الأدّلة المعلوماتيّة و لكنها أقرّت بحرّية القاضي في تقدير حجية الدّليل المعلوماتي المستمد من التّفتيش، و الإعتراف بسلطة القاضي في تقدير حجية هذا النّوع من الأدلّة العلمية هو إعتراف ضمني بسلطته في قبولها، لأنّ المنطق يفرض أن تكون "مسألة قبول الدّليل" سابقة على"تقدير قيمته الإقناعية"، فتقدير القاضي لا يجري إلاّ على دليل مقبول، و يتضح هذا النّهج بشكل كبير جدا لدى التّشريع المصري( )، و السّوري( ). الحقيقة أنّه حتّى بالنّسبة للتّشريعات الّتي تتبنّى نظام الأدلّة القانونية كالنّظام الإنجليزي و غيره فقد عكفت على إدخال بعض التّلطيفات على أنظمتها القانونية بحيث لم تعد تأخذ بنظرية الأدلّة القانونية على إطلاقها، بل بدأت تتقبّل حرّية تقدير الأدلّة و هذا بلا شك دعت إليه ضروريات الإثبات الجنائي بصورته المعقّدة و المتطوّرة باستمرار( ). ثالثا: السّند القضائي لسلطة القاضي الجنائي في قبول الدّليل المعلوماتي المستمد من التّفتيش تطبيقا لمبدأ حرّية الإثبات الجنائي فقد إستقر القضاء المصري على أنّ" للقاضي الجنائي حرّية الإستعانة بكافة وسائل الإثبات لتكوين إقتناعه حول حقيقة الوقائع المرفوعة عنها الدّعوى، ففي سبيل ظهور الحقيقة لزم أن يكون للنّيابة العامة و للقاضي الجنائي حق اللّجوء إلى كافة طرق الإثبات، فالقانون حينما أمدّ القاضي في المسائل الجنائية بسلطة واسعة و حرّية كاملة في سبيل تقصي ثبوت الجرائم أو عدم ثبوتها و الوقوف على حقيقة علاقة المتهمين و مقدار اتصالهم بها، فتح باب الإثبات على مصراعيه يختار من كل طريقة ما يراه موصلا إلى الكشف عن الحقيقة، و هذا هو الأصل الّذي أقام عليه القانون الجنائي قواعد الإثبات لتكون ملائمة لما تستلزمه طبيعة الأفعال الجنائية و تقتضيه مصلحة الجماعة من وجوب معاقبة كل جان و تبرئة كل بريء"( ). و قد أبانت محكمة النّقض الفرنسية توسّعا واضحا في تطبيقها لهذا المبدأ في كثير من أحكامها و لو على حساب الشّرعية الإجرائية، كل ذلك يرجع سنده إلى كشف الحقيقة و ترجيحا لإعتبارات الفعّالية، فطالما توافر الدّليل الجازم على اقتراف المتّهم لما نسب إليه كان للقاضي حرّية قبول أيّ دليل جنائي يقدم إليه، لأنّه من غير المتصوّر ترك الجاني حرا طليقا إستنادا إلى مبادىء تخالف هذه الحقيقة الّتي تكوّنت لدى القاضي و تحقّق يقينه بها( ). و نفس الأمر بالنّسبة إلى القضاء الجزائري خاصة المحاكم الإبتدائية الّتي عكفت على قبول الأدّلة المعلوماتيّة المستمدّة من التّفتيش في بناء حكم الإدانة أو تقرير البراءة و إن لم تفصح صراحة عن مبرّرات إعتناقها لهذا المبدأ( ). الثّابت من خلال كافة هذه الأحكام أنّ القضاء كان دوما يؤسّس إعتماده على مبدأ حرّية الإثبات في قبول مختلف وسائل الإثبات إلى مبرّرات الفقه المساقة آنفا، مشيرا إلى الإرتباط الوثيق بين "مبدأ الإقتناع القضائي" و "سلطة القاضي في قبول جميع الأدلّة"، فطبيعة الأفعال الجرمية هي الّتي إقتضت إقرار حرّية الإثبات لتكون موائمة لطبيعة هذه الأفعال سواء من حيث تنوّعها أو من حيث طبيعة سلوك الجناة، فالمصلحة العليا للهيئة الإجتماعية تحتّم الأخذ به توصلا لكشف الحقيقة( ). و إن وقع الإجماع بين الفقه و القضاء على ضرورة تنبي مبدأ حرّية الإثبات الجنائي، سعيا لكشف الجريمة و إقامة الدّليل على مرتكبها، و استنادا إلى كافة المسوغات المساقة آنفا كان على القانون و الفقه و القضاء حتما مقضيا الإعتراف بمقبولية الأدّلة المعلوماتيّة المستمدّة من التّفتيش إستنادا إلى مبرّرات هذا المبدأ، بيد أن ّ سلطة القاضي الجنائي في إعمال تقديره حول مدى مقبولية هذه الطّائفة المستحدثة من الأدلة الجنائية ليست مطلقة بل لها نطاق يحدّدها و هو ما نتطرّق إليه بالبيان في الفرع الموالي. الفرع الثّاني: نطاق حرّية القاضي الجنائي في قبول الدّليل المعلوماتي المستمد من التّفتيش هناك قيود ترد على سلطة القاضي في قبول الدّليل المعلوماتي المستمد من التّفتيش و تنحصر في نوعين من القيود، يتمثّل الأوّل في التّقيد بأدلة معيّنة في إثبات جريمة الزّنا (أولا)، أمّا الثّاني فيتعلّق بطرق الإثبات الخاصة بالمواد غير الجنائية (ثانيا). أوّلا: قيد تحديد الأدلة في جريمة الزّنا برغم ما يتمتّع به مبدأ حرّية القاضي الجنائي في قبول الأدلّة الجنائية من العمومية، إلاّ أنّه ليس مطلقا، فليست كل طرق الإثبات مقبولة في كل حال، فهناك من جهة عدّة طرق لا يجوز للقاضي الجنائي قبولها أو تأسيس إقتناعه عليها برغم عدم وجود قاعدة قانونية تحظر قبول هذه الطّرق في الإثبات الجنائي، فالقانون يتدخّل أحيانا بالنّص الصّريح محدّدا للقاضي الجنائي "طرقا محدّدة" لا يجوز له أن يقبل غيرها في إثبات بعض الجرائم، و يجري القضاء مؤيدا برأي الفقه على أنّ القانون الّذي يحدّد طرق الإثبات المقبولة في بعض المواد استثناء لا يحول دون إمكانية قبول غيرها من الأدلّة ما لم يكن قد صرّح في صلبه صراحة باستبعاد غيرها من طرق الإثبات( ). ففي بعض الأحوال لا يتدخل المشرّع في اقتناع القاضي بقيام الجريمة من عدمه أو توفر الدّليل أو إنتفائه و إنّما يحدّد وسيلة إثبات الجريمة( )، كما هو الحال بخصوص إثبات جريمة الزّنا، حيث تنصّ المادة 341 من قانون العقوبات الجزائري على أنّ "الدّليل الّذي يقبل عن ارتكاب الجريمة المعاقب عليها بالمادة 339 يقوم إمّا على محضر قضائي يحرّره أحد رجال الضّبط القضائي عن حالة تلبس، و إمّا بإقرار وارد في رسائل أو مستندات صادرة من المتّهم و إمّا بإقرار قضائي"( ). و في هذا الصّدد يلاحظ أنّ هناك تطوّر في الإجتهاد القضائي الجزائري، حيث قرّرت المحكمة العليا في قرار حديث لها أنّ الدّليل المعلوماتي المستمد من تسجيل صوتي يعتبر من بين أدلّة إثبات الزّنا في حالة ما إذا تضمّن التّسجيل إقرارا من شريك الزّوجة أو المتهمين على نفسه بارتكاب جريمة الزّنا( ). إذ يعدّ التّسجيل الصّوتي في هذه الحالة بمثابة اعتراف لأنّه من المستقر عليه في الفقه أنّه لا يشترط أن يصدر الإعتراف بالزّنا من الشّريك في مجلس القضاء أو أمام سلطة الإستدلال أو التّحقيق أو محضر رسمي بل يجوز إثباته بكافة الطّرق المشروعة و متى ثبت كان للمحكمة أن تأخذ به إذا اقتنعت بصحته( )، في مقابل ذلك إستقرت هذه المحكمة على أنّ الدّليل المعلوماتي المتمثّل في التّصوير المرئي للواقعة الإجرامية (الزنا) لا يعدّ من أدلّة إثبات هذه الجريمة المحدّدة على سبيل الحصر في المادة 341 من قانون العقوبات( ). و يتجه بعض من الفقه المصري إلى القول بانصراف حكم هذه المادة إلى "كلّ متّهم بالزّنا" لأنّ القانون صريح في ذلك و لا اجتهاد مع صراحة النّص بينما يتجه الفقه و القضاء إلى إنصراف حكم المادة فقط إلى شريك الزّوجة الزّانية أمّا بالنّسبة للزّوجة أو الزّوج أو شريكته فإنّ إثبات الزّنا على أيّ منهم يخضع لحكم القاعدة العامة في حرّية القاضي في الإثبات( )، قصارى القول أنّه يجوز قبول الأدّلة المعلوماتيّة المستمدّة من التّفتيش الجنائي في إثبات جميع الجرائم بما فيها جريمة الزّنا متى إنطوى الدّليل المعلوماتي على "إقرار" من أحد الزّوجين أو شريكه يمكن تحصيله من خلال المراسلات الإلكترونية بمختلف صورها. ثانيا: قيد إثبات المسائل غير الجزائية من المسلم به أنّ إثبات المسائل غير الجنائية الّتي تطرح على المحكمة الجزائية و يكون الفصل فيها مقدمة ضرورية للفصل في الدّعوى العمومية يخضع للقانون الخاص بتلك المسائل سواء كانت مدنية أو تجارية أو أحوال شخصية، و قد نصّت المادة 225 من قانون الإجراءات الجنائية المصري" تتبع المحاكم الجنائية في المسائل غير الجنائية الّتي تفصل فيها تبعًا للدّعوى الجنائية طرق الإثبات المقرّرة في القانون الخاص بتلك المسائل، و يعدّ هذا النّص تطبيقا لقاعدة أنّ "قواعد الإثبات إنّما ترتبط بالموضوع الّتي تردّ عليه لا بنوع المحكمة"( ). و من ثمّ إذا كانت الجريمة خيانة أمانة و صار نزاع بشأن العقد و كانت قيمته تزيد عن مائة الف دينار جزائري فلا يجوز إثبات هذا العقد بالدّليل المعلوماتي إذ يلزم إثباته بالكتابة( ) و ذلك ما لم يجز للقانون إثباته بالبيّنة لتوافر مبدأ ثبوت بالكتابة أو لوجود مانع أدبي أو مادي يحول دون الحصول على الدّليل الكتابي( )، لكن هذا القول لا يجري على إطلاقه ففي حالات كثير نجد الدّليل المعلوماتي المستمد من التّفتيش الجنائي قد يتمتّع بقيمة إثبات التّصرف القانوني، و يمكن أيضا أن يثبت الفعل الجرمي في الحالات الّتي لا يستوجب فيها القانون العقد الرّسمي في إثبات المعاملة المدنية( ). من جهة أخرى لا يتقيّد القاضي بقواعد الإثبات المقرّرة في القانون المدني إلاّ إذا كان قضاءه في الدّعوى الجنائية يتوقّف على وجوب الفصل في مسألة مدنية هي عنصر من عناصر الجريمة المطروحة للفصل فيه، أمّا إذا كانت المحكمة ليست في مقام إثبات إتفاق مدني، و إنّما هي تواجه واقعة مادية بحتة فإنّه يجوز إثباتها بكافة طرق الإثبات بما فيها الدّليل المعلوماتي المستمد من التّفتيش الجنائي. و لقد ضيّق القضاء من نطاق هذا القيد سالف الذّكر فقصّره على حالة الإثبات المؤدي للإدانة أمّا في حالة البراءة فقد أجاز الإثبات بكافة الطّرق دون التّقيد بقواعد الإثبات المدنية و قد علّلت محكمة النّقض المصرية ذلك بقولها أنّه "من المقرّر أنّ المحكمة في جريمة خيانة الأمانة في حل من التّقيد بقواعد الإثبات المدنية عند القضاء بالبراءة لأنّ القانون لا يقيّدها بتلك القواعد إلاّ عند الإدانة في خصوص إثبات عقد الأمانة إذا زاد موضوعه عن مائة جنيه احتياطياً لمصلحة المتّهم حتّى لا تتقرّر مسؤوليته و عقابه إلا بناءً على الدّليل المعتبر في القانون و لا كذلك البراءة لانتفاء موجب تلك الحيطة و إسلاساً لمقصود الشّارع في ألاّ يعاقب بريء مهما توافرت في حقه من ظواهر الأدلّة"( ). المطلب الثّاني: القيود الواردة على حرّية القاضي في قبول الدّليل المعلوماتي المستمد من التّفتيش إذا كان المبدأ العام في القانون الجنائي هو حرّية القاضي في قبول أيّ دليل جنائي يستعين به في تكوين قناعته و استظهار الحقيقة، فإنّه لا قيمة لهذه الحقيقة الّتي يتمّ التّوصل عليها على مذابح الحرّية و الأخلاق، لذا فإنّ مبدأ الحرّية مقيّد بوجوب أن يكون التّفتيش عن الدّليل المعلوماتي قد تمّ في ظل إحترام القيود الّتي يفرضها القانون و الأخلاق فلابد من مراعاة مبدأ المشروعية (فرع أول) و النّزاهة في التّفتيش عنه (فرع ثاني). الفرع الأوّل: مبدأ مشروعية الدّليل المعلوماتي المستمد من التّفتيش تمثّل قاعدة مشروعية الدّليل الجنائي المعلوماتي المستمد من التّفتيش ضمانة أساسية لحماية المتّهم من تعسف السّلطة و شططها، و هذا ما يقتضي ضرورة الوقوف على حقيقة الماهية القانونية لهذه القاعدة بتحديد مدلولها (أولا) و بيان نطاقها (ثانيا). أولا: مدلول قاعدة مشروعية الدّليل المعلوماتي المستمد من التّفتيش الواقع من الأمر أنّ التّشريعات لا تهتم بوضع تعريف لقاعدة مشروعية الدّليل الجنائي و ليس من اليسر التّوصل إليه، لأنّه ليس مفهوم قانونيا بحت، فلا تتحدد الملامح العامة لهذا التّعريف إلاّ بالتّطرق إلى مفهوم هذه القاعدة بشكل عام(أ)، و تطبيقاتها على الدّليل المعلوماتي المستمد من التفتيش في ضوء بعض الإجتهادات القضائية المتناثرة (ب). أ)- المفهوم العام لقاعدة مشروعية الدّليل الجنائي من الأصول الدّستورية الكبرى في نظام الدّول الدّيمقراطية ما يعرف بمبدأ "المشروعية الجنائية" أو "إحترام القانون" أو "سيادة القانون"، أي إلتزام الحاكم و المحكوم بالقواعد القانونية الّتي تصدرها السّلطات المختصّة، و هذا المبدأ هو ما يميّز دولة القانون عن الدّولة البوليسية أو الدّكتاتورية و تعتبر الشّرعية الجنائية صورة من صور هذا الأصل العام، و تعني لا جريمة و لا عقوبة إلاّ بنص، إذ لا يمكن توجيه الإتهام ضد شخص لارتكابه فعلا معيّنا ما لم يكن منصوصا على تجريم هذا الفعل في القانون، كما لا يمكن تطبيق العقوبة ما لم تكن محدّدة مسبقا، و لم يأخذ هذا المبدأ صورته العالمية إلاّ بمقتضى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان( ). لكن الحماية الّتي يكفلها مبدأ "لا جريمة و لا عقوبة إلاّ بقانون" تبقى قاصرة طالما كان من الممكن المساس بحرّية المتّهم من غير طريق القانون، أو كان من الممكن إسناد الجرائم للنّاس و لو لم يثبت إرتكابهم لها عن طريق إفتراض إدانتهم، لذا كان لابد من تعضيد هذه القاعدة بقاعدة ثانية تحكم تنظيم الإجراءات الّتي تتخذ قبل المتّهم على نحو يضمن احترام الحقوق و الحرّيات الفردية، و تسمّى هذه القاعدة بالشّرعية الإجرائية أو قاعدة مشروعية الدّليل الجنائي( ). غير أنّه ليس من اليسير تحديد ماهية مشروعية الدّليل الجنائي المعلوماتي في الإجراءات الجنائية لأنّ المفهوم ليس قانونيا بحتا، و لا يستقى من مصدر واحد، و لا تحرص التّشريعات على النّص عليه صراحة، و لا تتحدّد ملامحه العامة إلاّ في ضوء بعض التّطبيقات التّشريعية و جهود بعض الفقه و القضاء، و لا يجدي في تحديد تلك الماهية الإستعانة بمفاهيم قانونية أخرى أكثر تحديدا مثل البطلان، فذلك لا يرتبط دائما بماهية الفكرة و إنّما بالجزاءات النّاجمة عن الإخلال بها، أي أنّها تعد بحق معالجة لاحقة للفكرة a posteriori و ليست كما ينبغي أن تكون معالجة مسبقة a priori( ). لكن هذا الغموض لا ينفي محاولة إستعراض تلك الفكرة، إذ يقصد عموما بمشروعية الدّليل الجنائي التّوافق مع القواعد القانونية المستقرّة في المجتمع و المعترف بها من قبل أفراده أيّا ما كان مصدرها، و هي بهذا المعنى تختلف عن الشّرعية الّتي تعني على وجه الدّقة مجرّد التّوافق مع أحكام القاعدة القانونية المكتوبة أو المنصوص عليها من قبل المشرّع، و على ذلك فالمشروعية في حقيقتها أوسع مضمونا من الشّرعية الّتي تعتبر أحد عناصرها( ). و الشّرعية الإجرائية إذن تقتضي أن يكون القانون وحده هو مصدر كل إجراء يتخذ حيال المتّهم بغرض الوصول إلى الحقيقة، مع خضوع كلّ هذه الإجراءات لإشراف القضاء، و افتراض براءة المتّهم، و إلاّ اعتبر الإجراء و ما بني باطلا "فلا جريمة و لا عقوبة و لا إجراء جنائيا إلاّ بنص"( ). تفريعا على ذلك، يجب الإلتزام بهذه الشّرعية روحا و مضمونا دون الإكتفاء باحترامها شكلا، فلا يجوز للقائمين على الإجراءات الجزائية مباشرة هذه الإجراءات بروح المساس بحقوق المتّهم و حرّياته جريا وراء جميع الدّليل المعلوماتي للإدانة، لأنّ المقصود هو كشف الحقيقة ناصعة بأعلى معانيها، فالعقل الّذي يسعى إلى المعرفة ليس كافيا، بل لابد من أن يلازمه الضّمير الإنساني الّذي يستلهم الحق و يحمي الحرّية( ). و هكذا فإنّ مبدأ شرعية الإثبات لا يلقى ترجمته فقط عبر النّصوص الجزائية، بل أيضا و خارج إطار هذه النّصوص، ما يعكس الفكرة القائلة بأنّه "لا يمكن إقامة البيئة بأيّ ثمن" ما يعني أنّ الغاية لا يمكن لها أن تبرّر الوسيلة( )، و بناء على ذلك تضع محكمة النّقض البلجيكية القاعدة في تحديد ماهية الدّليل غير المشروع بقولها" يعدّ دليلا غير مشروع ليس فقط الدّليل المستمد من فعل محضور قانونا بنص صريح بل يشتمل كلّ فعل يتعارض مع القواعد الجوهرية للإجراءات الجزائية أو المبادئ القانونية العامة" ( ). من هذا المنطلق حرص المشرّع الجزائري على إيلاء هذه القاعدة مكانة هامة فجعلها في مقدّمة الإجراءات الجزائية بموجب المادة الأولى منه، و الّتي نصّت فقرتها الأولى على أنّه "يقوم هذا القانون على مبادئ الشّرعية و المحاكمة العادلة و احترام كرامة و حقوق الإنسان"، فهذا النّص جعل لحرّية القاضي في الإقتناع حدا لا يمكن تخطيه، و هو ضرورة إتسام الأدلّة بالمشروعية و لمّا كانت الخصومة الجنائية تتطلّب ضمان حقوق المتّهم و حرياته و ليس مجرد مباشرة إجراءات جمع الأدلّة لإثبات حق الدّولة في العقاب، فإنّه يتعيّن على القاضي أن يتأكد أولا من مشروعية الدّليل، و لا يحول دون ذلك أن يكون الدّليل صارخا في مظهره واضحا في دلالته على إدانة المتّهم مادام مشبوها ملطّخا بإهدار محارم القانون( ). في بقية الدّول ذات النّزعة اللاّتينية فإنّه و إن كان الإثبات الجنائي حرا إلاّ أنّ حرّية الإثبات لا تعني أنّه يكفي البحث عن الدّليل الجنائي بأيّة وسيلة كانت، ففي الواقع فإنّ احترام حقوق الدّفاع و حماية الكرامة الإنسانية و نزاهة القضاء تستوجب أن يكون الحصول على الدّليل الجنائي قد تمّ وفقا لطرق قانونية مشروعة( )، و رغم ما تثيره هذه القاعدة في إطار التّفتيش عن الدّليل الجنائي المعلوماتي نتيجة التّعارض الصّارخ بين التّفتيش و حرمة الحياة الخاصة، إلاّ أنّ كافة التّشريعات لم تفرد لها مفهوما أو نطاقا تاركة مفهوما يلفّه الغموض، أدى في غالب الأحيان إلى تراجع المفهوم الحقيقي للفكرة و الجنوح نحو تغليب مصلحة الهيئة الإجتماعية في مكافحة الإجرام. ب)- تعريف المشروعية في مجال الأدّلة المعلوماتيّة المستمدّة من التّفتيش الواقع من الأمر أنّ التّشريعات المقارنة لا تهتم –من حيث المبدأ- بوضع نظرية عامة لمشروعية الدّليل الجنائي المعلوماتي المستمد من التّفتيش الجنائي، كما أنّها لا تحرص على أن تضع هذه الفكرة مسبقا ضمن المواد المخصّصة للإثبات الجنائي، غاية ما في الأمر أنّ الباحث يستهدي بتطبيقات متناثرة على الفكرة بشأن فئة معيّنة من هذه الأدلّة أو يستشرد بالقواعد العامة الّتي يضعها القانون أو إستقر عليها القضاء و الفقه لبيان مشروعيتها من عدمه( ). عموما تخضع قواعد الإثبات الجنائي المعلوماتي لمبدأ الشّرعية و مقتضاه أنّ الدّليل الجنائي المستمد من التّفتيش لا يكون مشروعا و من ثمّ لا يعد مقبولا في الإثبات إلاّ إذا جرت عمليه التّفتيش عنه و استرداده و إقامته أمام القضاء في إطار أحكام القانون و احترام قيم العدالة و أخلاقياتها الّتي يحرص على حمايتها، فإذا كان المشرّع يلقي على كاهل المحقّق مهمة كشف الحقيقة في شأن الجريمة و الولوج إلى الأنظمة المعلوماتية تفتيشا عن أدلتها، فإنّ عمله مشروط بأن يتمّ في رحاب الشّرعية و ذلك باحترام حقوق الأفراد و حرّياتهم و عدم المساس بها إلاّ في الحدود الّتي يقرّرها القانون، فإن تجاوز المحقّق هذه الحدود و تمكّن من استرداد دّليل المعلوماتي يثبت وقوع الجريمة و نسبتها إلى المتّهم وجب إطراح هذا الدّليل و عدم قبوله في الإثبات( ). و لقد وضعت الإتفاقيات الدّولية( )، و الدّساتير الوطنية( )، و القوانين الوطنية المختلفة( )، نصوصا تتضمّن ضوابط الشّرعية الإجرائية الماسّة بالحرّية الشّخصية، و من ثمّ فإنّ مخالفة هذه النّصوص في التّفتيش عن الدّليل المعلوماتي يصمّ هذا الدّليل بعدم المشروعية، و من هنا فإنّه لا يجوز للقاضي الجنائي أن يقبل في إثبات إدانة المتّهم أدلّة معلوماتية لم تتبع بشأنها الضّوابط القانونية المقرّرة في قانون الإجراءات الجزائية للتّفتيش أو غيرها من القواعد( )، كالدّليل المعلوماتي المستمد من تفتيش لم تأذن به السّلطة القضائية، أو نتاج تفتيش جرى تنفيذه بعد إنقضاء مدة سريان الإذن، أو تفتيش مخالف للغاية منه، أو لأسلوب تنفيذه. ثانيا: نطاق قاعدة مشروعية الدّليل المعلوماتي المستمد من التّفتيش في حالة البراءة في الفقه خلاف حول مدى إشتراط المشروعية بوجه عام في دليل البراءة، و يمكن رد هذا الخلاف إلى إتجاهات ثلاثة، الأوّل يتمسّك باعتبار المشروعية شرطا لازما في كلّ دليل معلوماتي سواء دليل البراءة أو دليل الإدانة، و الإتجاه الثّاني يقصّر شرط المشروعية على دليل الإدانة وحده، أما الإتجاه الثّالث فيرى بالتفرقة بين ما إذا كانت طريقة الحصول على الدّليل المعلوماتي غير المشروع ترقى إلى مرتبة الجريمة من عدمه. الإتجاه الأوّل: جواز إستناد الحكم بالبراءة على دليل معلوماتي غير مشروع يذهب الرّأي السّائد في الفقه المصري إلى تأييد موقف محكمة النّقض( )، فيرى جانب من الفقه أنّ رجوع قاعدة عدم قبول الدّليل المتحصّل عن إجراء غير مشروع إلى إحترام حقوق الدّفاع يؤدي إلى نتيجة في غاية الأهميّة أدركتها محكمة النّقض المصرية، و هذه النّتيجة هي إقتصار قيد المشروعية على دليل الإدانة لأنّه هو وحده الّذي يمسّ حق الدّفاع، أمّا دليل البراءة فلا يخضع لهذا القيد( )، و يؤيّد بعض الفقه هذا الرّأي على أساس أنّ الأصل في الإنسان البراءة، و لا حاجة للمحكمة أن تثبت براءته و كل ما تحتاج إليه هو أن تشكّك في إدانته، فضلا على ذلك فإنّ بطلان دليل الإدانة الّذي تولّد عن إجراء غير مشروع إنّما شرّع لضمان حرّية المتّهم ، فلا يجوز أن ينقلب هذا الضّمان وبالا عليه( ). علاوة على ذلك، فإنّ المحكمة لا تحتاج في إثبات البراءة إلى اليقين، بل يكفي في ذلك مجرّد الشّك، و هو ما يمكن الوصول إليه من خلال أيّ دليل و لو كان غير مشروع، أضف إلى ذلك أنّ للمتّهم الحرّية الكاملة في اختيار وسائل دفاعه بقدر ما يسعفه مركزه في الدّعوى و ما تحيط نفسه من عوامل الخوف و الحذر و غيرها من العوارض الطّبيعية لضعف النّفوس البشرية، و الإصرار على تطلّب مشروعية دليل البراءة أسوة بدليل الإدانة يعرقل حق المتّهم في الدّفاع عن نفسه الّذي يعلو على حق المجتمع في إستيفاء العقاب( ). في حين ذهب جانب من الفقه في تبرير موقفه إلى الإستدلال بنص قرآني، و يتجلى ذلك في قوله تعالى في الآية 138 من سورة النّساء" لا يحبّ الله الجهر بالسّوء من القول إلاّ من ظلم و كان الله سميعا عليما"، و القياس على ذلك يجيز الإستناد في حكم البراءة على دليل غير مشروع، خاصة و أنّ المتّهم لا يكون له يد في عدم مشروعيته( ). الإتجاه الثّاني: عدم جواز إستناد الحكم بالبراءة على دليل معلوماتي غير مشروع على عكس الإتجاه الأول، ينتقد قلّة من الفقه مسلك محكمة النّقض المصرية على أساس مخالفته لمبدأ مشرعية الدّليل في المواد الجنائية و المدنية على حد سواء، و الّذي يعدّ تطبيقا مباشرا للقواعد الّتي تقضي بأنّه "إذا تقرّر بطلان أيّ إجراء فإنّه يتناول جميع الآثار الّتي تترتّب عليه مباشرة دون تفرقة بين دليل الإدانة و دليل البراءة"( ). ثمّ إنّه ليس للقضاء أن يقرّر قاعدة أنّ "الغاية تبرّر الوسيلة" كمبدأ قانوني صحيح، و هو إذا أقرّها في خصوص جواز إثبات البراءة بكل السّبل، فقد يقال فيما بعد أنّه حتّى التّزوير و شهادة الزّور و إرهاب الشّهود حتّى يعدلوا عن أقوالهم تصبح كلّها أمور مشروعة لإثبات البراءة، هذا ما لا يمكن أن يقول به أحد، و لكن ينتهي إليه حتما منطق هذا القضاء الخاطئ، ثمّ من ناحية أخرى فإنّ الورقة الواحدة أو الدّليل الواحد قد يفيد في الإثبات و في النّفي في وقت واحد بحسب الجزء الّذي يستند إليه صاحب المصلحة فيه أو بحسب الزّاوية الّتي ينظر إليه منها في العمل إذا جاء هذا الدّليل عن طريق غير مشروع و هل يمكن قبوله من زاوية و رفضه من زاوية أخرى في وقت واحد( ). ثمّ أنّه من المفروض أن تكون كلّ السّبل القانونية المشروعة كفيلة وحدها بإثبات براءة البريء في أيّ تشريع إجرائي قويم، و إلاّ فإنّ البنيان الإجرائي كلّه يكون مختلا متداعيا، إذا كان يسمح بإدانة البريء أو بالأدق إذا كان لا يسمح ببراءة البريء إلاّ بإهدار مبدأ الشّرعية من أساسه، و من ثمّ فإنّه لا يصحّ أن يقال أنّ إثبات البراءة ينبغي أن ينفلت من قيد مشروعية الدّليل الّذي يعتبر شرط أساسي في أيّ تشريع لكلّ إقناع قانوني سليم( ). الإتجاه الثّالث: التّفرقة بين ما إذا كان الدّليل غير المشروع وليد جريمة أم مجرد مخالفة لقواعد الإجراءات توسّط البعض بين الإتجاهين السّابقين فأيّد قضاء محكمة النّقض و لكن في حدود معيّنة، و ذلك عن طريق التّفرقة في شأن دليل البراءة بين ما إذا كانت وسيلة الحصول عليه تعدّ جريمة جنائية، أم أنّها مجرّد مخالفة لقواعد الإجراءات، فإن كانت الأولى وجب إهدار الدّليل و عدم الإعتداد به لأنّ القول بغير ذلك مفاده إسثناء بعض الجرائم من العقاب و الدّعوة إلى إرتكابها و هو ما لا يجوز و تأباه الشّرائع القويمة. أمّا إن كان الحصول عليه تمّ بالمخالفة لقاعدة إجرائية فحسب، فهنا يصحّ الإستناد إلى الدّليل في تبرئة المتّهم تحقيقا للغاية من تقرير البطلان، و لأنّ الغرض أنّ البطلان الّذي شاب وسيلة التّوصل إلى الدّليل إنّما يرجع إلى فعل من قام بالإجراء الباطل و بالتّالي لا يصحّ أن يضار المتّهم بسبب لا دخل له فيه( ). و بناء على ذلك يرى هذا الجانب من الفقه جواز إستناد المحكمة في تبرئة المتّهم إلى دليل جاء من أوراق ضبطت لدى المدافع عن المتّهم على خلاف القانون أو رسائل ضبطت لدى هيئة البريد بمعرفة النّيابة العامة دون إذن من القاضي المختّص، إلى غير ذلك من الأدلّة النّاجمة عن تفتيش باطل و لا يصحّ لها التّعويل على دليل توصّل إليه المتّهم بطريق السّرقة أو التّزوير و نحو ذلك من الجرائم( ). و في خضمّ كلّ هذا الإختلاف الفقهي نجد أنّ المشرّع الجزائري قد حسم الخلاف إثر التّعديلات الأخيرة المدخلة على قانون الإجراءات الجزائية بموجب القانون رقم 17 -07 مؤرخ 27 مارس سنة 2017، بحيث أنّ المادة الأولى منه نصّت على أنّه" يقوم هذا القانون على مبادئ الشّرعية و المحاكمة العادلة و احترام كرامة و حقوق الإنسان"، فعمومية النّص تفيد بضرورة إشتراط المشروعية في كلّ من دليل الإدانة أو البراءة على حد سواء و عدم قصرها على دليل دون آخر. في مقام الموازنة بين هذه الإتجهات و موقف المشرّع الجزائري، فإنّنا نرى الإتجاه الثّالث هو الأولى بالتّأييد لأنّنا لو تمسّكنا باستبعاد الدّليل المعلوماتي الّذي يثبت براءة المتّهم لعدم مشروعيته فإنّ ذلك سيقود إلى نتيجة خطيرة جدا و هي إدانة بريء رغم إقتناع القاضي ببرائته عند تمحيص هذا الدّليل، إلاّ أنّ عدم المشروعية يحول دون ذلك و هو أمر غير مستساغ نهائيا عقلا و منطقا، لأنّ ذلك مناهض أصلا لقيم المجتمع و العدالة، و الضّمير، خاصة في الأحوال الّتي تكون فيها عدم مشروعية دليل البراءة قد تسبّبت فيها السّلطة الإجرائية، كما هو الحال في شأن الدّليل المعلوماتي المستمد من تفتيش نظم معلومات تشملها السّرية المهنية، أو أنّ التّفتيش كان شاملا متجاوزا لغايته، فانتهى إلى ضبط دليل براءة المتّهم فمن غير المعقول إستبعاد الدّليل المعلوماتي في هذه الأحوال على أساس بطلان التّفتيش لأنّه "لا يضير العدالة إفلات مجرم من العقاب بقدر ما يضيرها الإفتئات علي حرّيات النّاس و القبض عليهم بدون وجه حق". و بناء عليه فإنّنا نرى أنّ مبدأ مشروعية الدّليل الجنائي المعلوماتي المستمد من التّفتيش محكوم إلى حد ما بمبدأ حرّية الإثبات الجنائي، بحيث وجب أن تطغى الحقيقة على أيّ حق آخر في نظرنا متى كان الأمر يتعلّق بدليل البراءة، على أن تكون عدم مشروعية الدّليل راجعة إلى مجرّد مخالفة لقواعد الإجراءات تسبّبت فيها السّلطة الإجرائية، أمّا إذا كان دليل البرءاة نتاج جريمة اقترفها المتهم سعيا لإثبات براءته فإنّه يصبح دليل غير مقبول يقع لزاما استبعاده و القول بخلاف ذلك دعوة صريحة إلى الإجرام و الفوضى بذريعة أن نبل الغاية يبرر الوسيلة. الفرع الثّاني: مبدأ نزاهة الدّليل المعلوماتي المستمدّة من التّفتيش لا يكفي لمشروعية الدّليل المعلوماتي المستمد من التّفتيش أن تراعى فيه الضّوابط القانونية، فإلى جانب هذه القواعد يوجد أيضا "مبدأ النّزاهة" أو "مبدأ الأمانة" الّذي يساهم أيضا في تحديد الإطار الّتي يجب أن تجري في حدوده عملية التّفتيش عن الدّليل المعلوماتي و استرداده، و هذا المبدأ الّذي يستمدّ وجوده من الأخلاق و الآداب العامة، يثير تساؤلات عديدة في الواقع العملي، لأنّ المشرّع لم يفكّر في تنظيمه أو الإشارة إليه، لذا لابد من التّطرق إلى مفهومه (أولا) و إلى استعراض محدّداته (ثانيا). أوّلا: مفهوم مبدأ نزاهة الدّليل المعلوماتي المستمد من التّفتيش إنّ حرّية الإثبات الجنائي لا تعني أنّه يكفي البحث عن الدّليل المعلوماتي و استرجاعه بأيّة وسيلة كانت، ففي الواقع فإنّ إحترام حقوق الدّفاع و حماية الكرامة الإنسانية و نزاهة القضاء تستوجب أن يكون الحصول على الدّليل الجنائي قد تمّ وفقا لطرق قانونية مشروعة و نزيهة أيضا( )، غير مخالفة لمبادئ الآداب و الأخلاق و هو ما يعبّر عنه "بمبدأ النّزاهة" أو "مبدأ الأمانة في الإثبات" Le Rrincipe De Loyauté Des Preuves. عموما فإنّ مبدأ أمانة الإثبات الجنائي هذا المبدأ لم يرد عليه نص في القانون، فعلى سبيل المثال فإنّ قانون الإجراءات الجزائية الفرنسي رغم أنّه لا يتضمّن نصوصا تتعلّق بمبدأ النّزاهة في البحث عن الحقيقة القضائية حتى بعد تعديلاته الأخيرة، إلاّ أنّ الفقه و القضاء كانا دائما بجانب هذا المبدأ في الوصول إلى الدّليل الجنائي، لذا يشير الفقه الفرنسي إلى أنّ القضاء قد قبل إستخدام الوسائل العلمية الحديثة في البحث و التّنقيب عن الجريمة تحت تحفظ أن يتمّ الحصول على الأدلّة الجنائية و من بينها الأدّلة المعلوماتيّة بطريقة شرعية و نزيهة( ). و رغم أنّ القضاء الفرنسي لا يتردّد في تطبيق هذا المبدأ في أحكامه كشرط لقبول الدّليل الجنائي معتبرا إيّاه شرطا جوهريا من شروط المحاكمة العادلة، إلاّ أنّه لم يضع له تعريفا محدّدا،( )، و عادة ما تكتفي محكمة النّقض الفرنسية عند الحاجة لبيان مفهوم مبدأ نزاهة الأدلّة الجنائية بالإشارة إلى "وقوع تدليس من شأنه أن يعيب البحث عن الحقيقة و إثباتها"( ). واقع الأمر أنّه يقصد بمبدأ "الأمانة في الإثبات" أو مبدأ "نزاهة الأدلّة الجنائية"، تلك الطّريقة أو ذلك المنهج الّذي يجب أن يتبع في التّفتيش عن الأدلّة، و الّذي يتفق أساسا مع احترام حقوق الفرد و كرامة العدالة و يقتضي ذلك المبدأ وفقا لهذا المعنى ضرورة إلتزام المحقّق باحترام الأمانة في كلّ ما يمارسه من إجراءات( ). إن هذا المبدأ يحوي قدرا كبيرا من القيم غير المكتوبة الّتي تنبع أساسا من الضّمير و من التّأسي باعتبارات العدالة، و يترتّب على مخالفتها أو الخروج عليها البطلان دون حاجة إلى نص مباشر يفرضه، و ذلك تأسيسا على ما تعنيه تلك المخالفة من إهدار لقاعدة جوهرية مقرّرة لمصلحة الدّفاع، و يسيطر مبدأ الأمانة في البحث عن الأدلة على كافة الأنظمة القانونية بصفة عامة دون حاجة للنّص عليه، و إن كان يتفاوت قدر الإحترام المقرّر لمفهومه خاصة فيما يترتّب على مخالفته من آثار حسب النّظام القانوني و فلسفته من ترجيح أيّ من المصلحتين العامة أم الخاصة أثناء المراحل المختلفة للدّعوى الجنائية، إلاّ أنّ هناك جانبا من التّشريعات قد حرصت برغم ذلك على النّص على ضرورة إحترام المبدأ و مراعاة مفهومه( ). و مبدأ بطلان إجراءات التّفتيش إذا سبقتها أو صاحبتها أعمال مخالفة لمبادئ الآداب و الأخلاق يعتبر من أهمّ النّظريات الّتي لجأ إليها القضاء في فرنسا لحماية الحرّيات الفردية من الإجراءات التّعسفية أو الشّائنة الّتي لا يوجد لها تنظيم قانوني أو الّتي لم يجرّمها القانون بنص صريح، حتّى قيل أنّ هذه النّظرية تعتبر أهمّ مميّزات العصر الحاضر، و أساس تلك النّظرية أنّ المحقّق يجب أن لا يكتفي بمراعاة القواعد الّتي نصّ عليها صراحة في القانون لتنظيم إجراءات التّفتيش عن الأدلة، بل يجب عليه فوق ذلك مراعاة المبادئ العامة غير المكتوبة الّتي تميلها روح القانون و إن لم تشر إليها نصوصه، لأنّ هذه المبادئ العامة تعتبر جزءا لا يتجزأ من نظامنا القانوني و القضائي( ). و إذا إنتقلنا من العموم إلى الخصوص لوجدنا أنّ مبدأ أمانة الإثبات يمثّل قاعدة جوهرية هامة وجب أن تسيطر على كافة إجراءات التّفتيش عن الدّليل المعلوماتي، فيعدّ من تطبيقات عدم الأمانة أيّ أسلوب أو وسيلة تتضمّن في جوهرها أيّ قدر من عدم المشروعية و التّحريض و التّحايل للحصول على القرائن الّتي كشفت عن وقوع الجريمة، أو عن وجود الأشياء اللاّزمة للتّحقيق و التنقيب في نظام معلوماتي أو منظومة تخزيم معلوماتية ، فإنّ كلّ ما ينتج عن هذه الوسائل غير المشروعة يجب إستبعاده و لا يصحّ مبرّرا للتّفتيش( ). ثانيا: متطلّبات نزاهة الأدّلة المعلوماتيّة المستمدّة من التّفتيش إنّ العلاقة الجدلية غير المستقرة بين مبدأ حرّية الإثبات و مبدأ أمانة الإثبات، تفرض علينا تحديد بعض متطلّبات النّزاهة في التّفتيش عن الدّليل المعلوماتي، محاولة منا لرسم حدود لحرّية القاضي الجنائي في قبول الدّليل المعلوماتي إستنادا إلى الأخلاق و الآداب، و لعلّ أهمّها حضر اللّجوء إلى الحيلة و الخديعة و التّحريض على الجريمة (أ)، و حضر تجاوز حد معيّن من الإكراه في تنفيذ التّفتيش المعلوماتي (ب)، و حضر تفتيش النظام المعلوماتي للأنثى بغير الإستعانة أثنى (ج). أ)- حضر الخديعة و التّحريض على الجريمة حال التّفتيش عن الدّليل المعلوماتي يثور التّساؤل في ضوء متطلبات نزاهة الدّليل المعلوماتي المستمد من التّفتيش عن معيار النّزاهة الّذي يحدّد مشروعية هذا الدّليل من عدمه؟ أو بعبارة أخرى، ما هو المعيار الّذي يجب الأخذ به في التّمييز بين العمل الإجرائي الّذي يهدف إلى كشف الجريمة بغية إقامة قرائن تبرّر التّفتيش المعلوماتي و انتهاك حريات الأفراد و خصوصياتهم المعلوماتية و بين الأعمال الّتي تعتبر بحد ذاتها تحريضا على إرتكاب الجريمة؟ تعتبر الخديعة من أخطر الوسائل غير الأمينة الّتي قد يلجأ إليها الباحثون و المحقّقون للحصول بمقتضاها على أدلّة إدانة المتّهم، و يقصد بها تلك الأعمال الخارجية الّتي يقوم بها المحقّق لتأييد ما يدعيه من أقوال كاذبة للإيهام بصحّة الواقعة و ذلك لتظليل المتّهم أو المحتال عليه بقصد التّأثير عليه و الحصول منه على ما يؤيّد إدانته أو يسهّل من ثبوتها أو يساعد في تقديم أيّة عناصر إيجابية قد تسيء من مركزه( ). الواقع من الأمر أن كلاّ من المشرّع و القضاء في الجزائر لم يضعا معيار ثابتا يُهتدى به لتحديد مدى نزاهة الأدلّة عند إستعمال الحيلة في التّفتيش عن الدّليل المعلوماتي، إلاّ أنّنا نجد أنّ محكمة النّقض الفرنسية قد حاولت عبر العديد من قراراتها رصد مقياس يحدّد ضوابط النّزاهة في التّفتيش عن الأدلّة الجنائية، يعبّر عليه الفقه بمعيار "سببية الأعمال الإجرائية"Causalité Des Actes De Procédure. و يقوم هذا المعيار على التّفريق بين فعل التّحريض على إرتكاب الجريمة «provocation a la preuve» و فعل الإستدراج سعيا لجمع الأدلّة الجنائية «provocations à l infraction»، فبيمنا ينافض الفعل الأوّل مبدأ النّزاهة في التّفتيش عن الدّليل المعلوماتي، يعدّ الثّاني مقبولا في الإثبات الجنائي( ). حيث يتحدّد الفارق بين فعل التّحريض لارتكاب الجريمة و الاستدراج لجمع الدّليل الجنائي في ضوء الإجابة على سؤال مفاده هل "الأعمال التّحريضية" أو "الحيل" الّتي سلكتها السّلطة الإجرائية أسفرت عن إرتكاب الجريمة أم أنّها تهدف ببساطة إلى جمع الأدلّة من جريمة إرتكبت بالفعل أو على وشك إرتكابها؟( )، و قد كانت المحكمة الأوروبية أكثر دقة في رصد معيار التفريق بين العملين و الذي يجري في ضوء التجاوب مع تساؤل مؤداه "هل كانت الجريمة لتحدث و تتحقّق لولا تدخّل السّلطة الإجرائية بمتقضى هذا الفعل أم لا"؟( ). وفقا لهذا المعيار يلزم في الخديعة الّتي تعيب الدّليل المعلوماتي المستمد من التّفتيش و من ثمّ تبطله أن تُحدِث الوسيلة الخداعية قدرا من التّظليل للمتّهم أو الشّخص الموجّهة إليه، و ذلك بإيهامه و تغليطه في أمر على غير حقيقته مما يجعله ينطلي عليه و يصدّقه، فتتأثّر به إرادته و تستجيب لإرادة المظلّل أو المخادع و تنصاع لغايتها و تسلّم لها بكل ما تريد، مع ضرورة صدور الدّليل سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة كأثر لوقوع هذه الخديعة و ما أحدثته في نفس المتّهم، بحيث لولاها لما كانت إستجابته لإرادة المدلّس و من ثمّ إدلاءه بما أدلى به من إعتراف أو مساهمة بأيّ قدر للحصول منه على دليل مما يجدر بالتّالي ضرورة إستبعاده لصدوره نتيجة لهذا الخداع( ). من بين التّطبيقات القضائية على اعتماد هذا المعيار في رصد مدى نزاهة الأدلة الجنائية المعلوماتية المستمدة من التسرب الإلكتروني، ما قضت به محكمة النّقض الفرنسية حين قضت بأنّه "لا يشكّل تحريضا على الجريمة من قبل موظّف عمومي أجنبي لارتكاب جريمة، قيام شرطة نيويورك بتصميم موقع إلكتروني يتيح لمستخدمي الأنترنت تبادل ممارسات الإحتيال في البطاقات المصرفية، تأسيسا على أنّ هذا الموقع الإلكتروني كان يهدف إلى جمع أدلّة على إرتكاب الجرائم و تحديد هوية الجناة، غير أنّ هذا الفعل لم يصل إلى درجة تحريض الأفراد على إرتكاب الجرائم( ). في مقابل ذلك إعتبرت ذات المحكمة في قرار مغاير لها أنّ"لجوء ضابط الشّرطة القضائية إلى الإتصال بشبكة الأنترنت و التّنكر في شخصية طفل قاصر لم يبلغ 11 سنة من عمره يبحث عن علاقات جنسية يشكّل "تحريضا لارتكاب الجريمة بما يخالف مبدأ النّزاهة في البحث عن الدّليل المعلوماتي"( ). و هكذا تواترت أحكام القضاء الفرنسي على تحديد عدم نزاهة الدّليل المتحصّل عليه نتيجة التّحريض الّذي يشكّل إكراها أخلاقيا بقصد حماية "الشّخص الّذي تصرّف تحت تأثير قوّة أو قيد لم يكن بوسعه أن يقاوم أيّ منها( )، معتبرة إياه فعل يقوّض مبدأ نزاهة الأدلّة بما يناقض الحق في محاكمة عادلة، فالتّحريض على إرتكاب جريمة من قِبَل أو من خلال موظّف من موظفي السّلطة العامة، يجعل الأدلّة الّتي يتمّ الحصول عليها تبعا ذلك غير مقبولة"( )، إلاّ أنّه في غالبية الحالات نجد أنّ القضاء الفرنسي يقرّر نزاهة الأدلّة على أساس أنّ الأفعال الصّادرة عن الضّبطية القضائية و المطعون في نزاهتهاو أمانتها "لم تقضي على إرادة المتّهم بأيّ شكل من الأشكال" ( ). و هذا الموقف الغالب على قضاء محكمة النقض الفرنسية محل نظر في تقدرينا لأنّه لا يمكن إنكار حقيقة لا تقبل الجدل تتمثل في تأثير عمل الضّبطية القضائية على إرادة المتّهم حتى و إن لم تعدمها، فهذه الأعمال الإجرائية يمكنها على الأقل تيسير إرتكاب الجريمة و تسهيل تنفيذها، و أحيانا قد تهيّء الفرصة لتحقيقها، و هو ما يثير التّساؤل فيما إذا كانت هذه الأعمال ترمي إلى تجنّب وقوع الجرائم أو التّحريض على إرتكابها، ذلك الغموض الّذي جعل القضاء المقارن لا يستقر على رأي واحد بين من يفسّر نزاهتها إستنادا إلى طبيعة الجريمة و صعوبة إثباتها خاصة تلك الّتي يسهل إرتكابها من خلال النّظم المعلوماتية( )، و بين متمسّك بشرط الأمانة كمبدأ عام في القانون حتّى في مواجهة أخطر الجرائم. الحقيقة أنّ هذا المعيار في التّفرقة بين الدّليل المتسّم بالنّزاهة و المفتقد لها معيار صعب للغاية من النّاحية العملية على الأقل، و مرجع هذه الصّعوبة يكمن في إرتباط العامل الإجرائي (الحيل و الخدع و التّحايل) الرّامي إلى الكشف عن الدّليل المعلوماتي دوما بارتكاب جريمة جديدة نتيجة لهذا العمل، هذه الحقيقة الواقعية جعلت المشرّع البلجيكي يتصدى لهذه الأفعال بالحظر بموجب المادة 47 ter من قانون التّحقيقات الجنائية - على الأخص في باب التّفتيش- الّتي تنصّ "في إطار تنفيذ طريقة تفتيش معيّنة، لا يمكن لضابط الشّرطة تحريض المشتبه فيه على إرتكاب جرائم أخرى غير تلك الّتي يعتزم المتّهم إرتكابها"( )، و هو ما انتهت إليه محكمة النّقض الفرنسية الّتي تقرّر حظر وسائل الخداع و التّحريض الّتي لا تستند إلى نشاط إجرامي سابق بغرض "الكشف عنه" أو "منع إستمراره"( ). لذا نرى أنّه لا يكفي لنزاهة الدّليل المعلوماتي المستمد من التّفتيش مثلا وجود أسباب و قرائن تبرّره، بل يجب أن تكون هذه الأسباب و الوقائع مشروعة، فإذا وجدت لدى المحقّق قرائن جدية على أنّ نظاما معلوماتيا ما يحتوي أدلّة معلوماتية يمكن التّفتيش عنها و ضبطها لصالح التّحقيق جاز له أن يفتّش هذا المحل، و يفتّشه بناء على تلك القرائن بشرط أن تكون تلك القرائن قد وصلت إليه بطريق قانوني و مشروع( ). أمّا إستعمال الخديعة و الحيل و الغش للإيقاع بالمتّهم و تغليطه بما يعيب إرادته فإنّ ذلك ينافي مبدأ عدم جواز تجريم الذّات، و قد إعتبرتها محكمة النّقض الفرنسية قديما بأنّها أفعال تحط من "كرامة القضاء" و معاونيه، فشرف الوظيفة يوجب مراعاة هذا المبدأ في تحقيق غاياتها( ). ب)- حضر إجبار المتّهم على البوح بالأرقام السّرية لإجراء التّفتيش المعلوماتي توصّلنا عند الحديث عن خصائص التّفتيش المعلوماتي أنّه إجراء قسري يقتضي تنفيذه الحد من حرّية المتّهم الشّخصية بالقدر اللاّزم لتنفذيه و ذلك بحسبان أنّ القهر لا غنى عنه لتنفيذ هذا الإجراء، لكن السّؤال المطروح ما هي حدود أعمال العنف و الإكراه الجائزة للقائم بالتفتيش، و الّتي يفضي تجاوزها إلى مخالفة مبدأ النّزاهة؟ إنّ القاعدة العامة الّتي إستقر عليها القضاء أنّ العنف و الإكراه الّذي يجيزه تفتيش الشّخص هو ما يلزم لوضع اليد على الشّخص "إذا لم يذعن المتّهم للتّفتيش أو بدت منه مقاومة كان لمن يباشر إجراءات التّحقيق أن يتخذ كلّ ما من شأنه أن يمكّنه من القيام بمهمته و لو كان عن طريق الإكراه"، و هذا المبدأ الّذي يسير عليه القضاء يعتبر تطبيق سليم لمقتضى القواعد الّتي تجيز التّفتيش لأنّ جواز الإطلاع يجيز الأعمال الّتي يستلزمها تمكين المحقّق من مباشرته( ). إلاّ أنّ التّفتيش عن الأدّلة المعلوماتيّة يطرح إشكالية التّشفير الّذي يمنع السّلطة القائمة بالتّفتيش من الولوج إلى الأنظمة المعلوماتية و تنفيذ التّفتيش، فهل يملك قاضي التّحقيق أو من يندبه سلطة الجبر و الإكراه على الشّخص الخاضع للتّفتيش للبوح بالأرقام السّرية الّتي تحول دون الولوج إلى النّظام المعلوماتي المستهدف؟ إذا سلّمنا للمحقّق بشيء من السّلطة على الأعضاء المادية في جسم الإنسان، فيجب القول بأنّ هذه السّلطة تقف عند هذا الحد، فمحل التّفتيش هو جسم الإنسان المادي بحثا عن أجهزة التّخزين الرّقمية و لا يمكن أن يمتدّ إلى الجانب الرّوحي أو النّفسي في شخصية المتّهم، لإجباره على البوح بالأرقام السّرية لنظامه المعلوماتي "محل التّفتيش" لأنّ هذه المسألة مرتبطة بأهمّ حقوق المتّهم و هو الحق في الصّمت و عدم تجريم ذاته( ). لقد بات من المسلم به في معظم التّشريعات الحديثة أنّ للمتّهم أن يمتنع عن الإجابة عن الأسئلة الموجّهة إليه أو أن يدلي بأيّة معلومات قد تؤدي إلى إدانته، باعتباره حق وثيق الصّلة بمبدأ أنّ الأصل فى الإنسان البراءة الّذي يعتبر أحد مقوّمات المحاكمة العادلة، إذ لأيّ شخص متّهم بارتكاب جريمة جنائية الحق في إلتزام الصّمت و عدم المساهمة في تجريم نفسه( )، و هما معيارين دوليين معترف بهما عموما و يمثلان أساسا لمفهوم الإجراءات العادلة من خلال توفير الحماية للمتّهم ضد تعرضه لإكراه غير لائق من السّلطات، و هي حصانة تكفل تجنب إساءة تطبيق الأحكام العادلة، و يسري هذا الحق على جميع أنواع الجرائم الجنائية بغض النّظر عن مدى خطورتها( )، و في جميع مراحل الدّعوى العمومية إبتداء من سماع الضّبطية لتصريحات المتّهم( ). و نظرا لأهمّيته فقد حرصت بعض الدّول على إضفاء الطّابع الدّستوري على هذا الضّمان الإجرائي، إذ ينص التّعديل الخامس من الدّستور الفيدرالي الأمريكي على أنّه "لا يمكن إجبار أيّ شخص في الدّعوى الجزائية على أن يشهد ضد نفسه"، في حين إكتفت بقية الدول في النّص عليه ضمن تشريعاتها الإجرائية. ففي الجزائر مثلا على الرّغم من عدم وجود نص صريح يقرّر حق المتّهم في الصّمت، إلاّ أنّ هذا الحق يستفاد ضمنا من نص المادة 114 فقرة 5 من قانون الإجراءات الجزائية الّتي ورد فيها "و يتعيّن أن يذكر بمحضر التّحقيق أنّ المتّهم قد نبّه إلى أنّه حرّ في عدم الإدلاء بأيّ تصريح"، و ذات الحكم نجده في المادة 116 من قانون الإجراءات الجزائية الفرنسي، و بالرغم من النص على هذا الضباط الاجرائي في القانون كحق من حقوق المتهم فان القضاء وسع من مفهومه بحيث يستلزم تحت طائلة البطلان أن يتم إعلام المتّهم و تبلغه بحقه في الصمت و عدم الإجابة على الأسئلة التي تطرح عليه قبل مباشرة التّحقيق معه، تأمينا لحقه في عدم تجريم الذات بشكل كلي( ). و إذا إنتقلنا من العموم إلى الخصوص، من القواعد الإجرائية التّقليدية إلى القواعد الإجرائية الجنائية المعلوماتية لوجدنا أنّ مبدأ عدم إتهام الشّخص لذاته يضع حدودا قويّة في حفظ حق المتّهم في الصّمت و عدم جواز جبره على التّعاون الفعّال في التّحقيقات المتعلّقة بجريمته، ففي المجر فإنّ المّتهم لا يكون مكرها على إثبات براءته، و في مستهل إستجوابه يجب أن يكون متنبّها إلى أنّه غير مجبر على الإدلاء بأيّ بيان، و بمقدوره أن يرفض الإجابة على الأسئلة أثناء الإستجواب، و ذلك يعني بوضوح أنّ المشتبه فيه أو المتّهم لا يكون مجبرا على طبع سجلات الحاسب أو الإمداد بالأكواد أو كلمات السّر( ). كما أنّ مشروع قانون الإجراءات الجنائية في بولندا يقرّر في المادة 63 على أنّ المشتبه فيه أو المتّهم لا يمكن إكراهه على تقديم مطبوعات الحاسب أو كشف الشّفرات السّرية، و تحرص الإجراءات الجنائية البولندية بشدّة على حق المتّهم في رفض أيّة إيضاحات، و هذا الرّفض لا يمكن أن يقابل بأيّ إجراء قسري و لا أن يتمّ تفسيره إضرارا بالمتّهم( ). و قد سبق للمؤتمر الدّولي الخامس عشر للجمعية الدّولية لقانون العقوبات و أن أولى أهمّية لهذا الحق فأوصى" بأنّه لا يُجبر أحد على أن يساعد بأسلوب إيجابي مباشرة أو بطريقة غير مباشرة في اتهام نفسه جنائيا، المتّهم له الحق في الصّمت و صمته لا يستخدم ضده"( ). الواقع أنّ دراسة مختلف الأحكام الصّادرة عن المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان يلحظ عدم وجود معايير واضحة يتبيّن من خلالها نطاق هذا الحق إزاء سلطة الدّولة في إلزام المتّهم على البوح بالأرقام السّرية لفك التّشفير المحيط بملفاته الرّقمية، و يعدّ الحكم الصّادر عن هذه الجهة القضائية في قضية Saunders v. the United Kingdom أبرز مثال على ذلك، حيث أشارت المحكمة إلى أنّ استخدام الأدلّة الّتي تمّ الحصول عليها بالإكراه ينطوي على انتهاك لأحكام الإتفاقية، و أنّ الحق في عدم تجريم النّفس هو حق أساسي في إحترام إرادة المتّهم في إلتزام الصّمت، غير أنّ نطاق الحق في الصمت لا يشمل استخدام المواد الّتي يمكن الحصول عليها من المتّهم من خلال استخدام الصّلاحيات الإجبارية المخولة للسلطات الإجرائية، و الّتي لها وجود مستقّل عن إرادة المشتبه فيه، مثلها مثل الوثائق الّتي تمّ الحصول عليها عملاً بأمر قضائي، أو عينات الدّم و عينات البول و عينات من الأنسجة الجسدية لغرض إختبار الحمض النّووي ADN( ). و يبدو أنّ قرار المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان كان له تأثير بارز على القضاء الإنجليزي حيث قضت محكمة الإستئناف وليز في قضية R v S أنّ طلب الحصول على معلومات فك التّشفير مسألة مستقّلة تنفصل عن إرادة المتّهم، و من ثم فهي لا ترى عدم نزاهة الأدّلة المعلوماتيّة متى أجبر المتهم على البوح بالأرقام السرية الخاصة بنظامه المعلوماتي( ). و في هذه القضية طعن المتّهم بحكم الإدانة الصادر بحقه لمخالفته أحكام قانون تنظيم الصّلاحيات التّحقيقة لسنة 2000، و ذلك بامتناعه عن الكشف عن مفاتيح فك التّشفير الخاص بالملفات المخزّنة على حاسوبه الشّخصي على سند من القول أنّ طلب الكشف عن مفاتيح فك الشّيفرة يشكّل إنتهاكا لحق الإنسان في عدم تجريم نفسه و الحق في الصّمت. و ردّت محكمة الإستئناف الإنجليزية الطّعن تأسيسا على أنّ مفتايح فك التّشفير و الّتي تمكن من الولوج إلى المعطيات المحمية مثل المعلومات ذاتها تنفصل عن إرادة المتّهم و أضافت المحكمة " بذات الطريقة التي تشكل من خلالها عينة الدم أو عينة البول الّتي يتقدم بها سائق المركبة " حقيقة مستقلة عن السائق، و الّتي تفضي إلى الكشف على أنّ مستوى الكحول الّذي تعاطاه هذا الأخير قد تجاوز الحد المسموح به أم لا، فإنّ أجهزة الحاسوب هي الأخرى سواء أكانت تحتوي على بيانات مُجرمة أم بريئة فإنّ معرفة الكلمات السّرية الّتي تسمح بالولوج إلى هذه الأنظمة المعلوماتية هي حقيقة مستقلة عن محتويات الأجهزة ذاتها... باختصار، على الرّغم من أنّ وسائل النّفاذ إلى البيانات يشملها الحق في عدم تجريم الذات، فإنّ معرفة السلطات لمفاتيح فك التشفير لا تنطوي على انتهاك لهذا الحق، إلاّ إذا كانت هذه الكلمات السرية بحد مواد مُجرمة، أمّا في الأحوال الأخرى التي تكون فيها الكلمات السرية برئية أو محايدة غير مرتبطة بالمواد المُجرّمة فإنّ معرفة وسائل الوصول إليها لا يشكل انتهاكا لهذا الحق" ( ). إلّا أنّنا نبدي قدرا من التحفظ حيال هذا الموقف القضائي، ففي اعتقدانا فإنّ هذا القضاء ليس صحيحا في جميع السّياقات، فممارسة أيّ إكراه على المتّهم لحمله على التّصريح بالأرقام السّرية للولوج إلى أنظمته المعلوماتية أو تجريم فعل الصّمت في هذه الحالة يعتبر فعلا منافيا لحرّيات الفرد و لحق المتّهم في عدم تجريم نفسه، أمّا إذا تمكّنت المحكمة من الوصول إلى البيانات السّرية (التّشفير) عن طريق أمر بالتسليم إلى مزوّد الخدمة فإنّ الوضع في هذه الحالة يختلف لانعدام عنصر الإكراه على إرادة المتّهم. لذا نرى أنّه لا يمكن أن تبرّر أهمّية المصلحة العامة التّدابير الّتي تخلّ بجوهر حقوق الدّفاع بما في ذلك عدم تجريم الذّات، و لا يمكن الإعتماد على المصلحة العامة في تبرير إستخدام الإجابات الّتي تمّ الحصول عليها إجباريا في أيّ تحقيق غير قضائي لتجريم المتّهمين( )، فللمتّهم الحق في إلتزام الصّمت دون جواز تأويل هذا الصّمت ضده( )، فإن كانت محاربة الجريمة و الكشف عن مرتكبيها سعي نبيل، إلاّ أنّ تحقيق هذا المسعى عن طريق إجراءات مشبوهة و ملطّخة بإهدار الكرامة الإنسانية، في الحقيقة يعدّ سلوكا مشينا تأباه الشّرائع القويمة. و من هنا فإنّ نزاهة الدّليل المعلوماتي تستلزم عدم قبول دليل يكون التّفتيش عنه قد تمّ بطريقة منافية للأخلاق، فحرّية القاضي في الإثبات الجنائي لا تعني أن يجري التّفتيش عن الدّليل بأيّ طريقة كانت، بل إنّ هذا التّفتيش مقيّد باحترام "حقوق الدّفاع" من جهة، و "قيم العدالة" و "أخلاقياتها" من جهة أخرى، فالدّليل المعلوماتي المتحصل عليه من إكراه هو دليل تمّ الحصول عليه على حساب "قيّم العدالة" و "أخلاقياتها" و "مقتضيات الحفاظ على الكرامة البشرية" للمتّهم و حقه في الدّفاع، و هو بهذا الوصف إجراء مخالف لمبدأ الأمانة و غير مقبول في الإثبات الجنائي، و يعتبر من قبيل الإكراه التّعذيب النّفسي أو البدني و التّهديد و الوعيد و وثوب الكلب البوليسي على المتّهم مما يجعله يرتاع من هجوم الكلب عليه من الإصابات الّتي أحدثها بجسده، و يعتبر في حكم الإكراه الحصول على البيانات بعد إستجواب مرهق أو نتيجة إستجواب تمّ في ظروف شاقة أو مضنية( ). لذا نرى أنّه لا يجوز ممارسة أيّ مظهر من مظاهر الإكراه على المتّهم لأجل حمله على البوح بالأرقام السّرية لأجل فك التّشفير أو حمله على طباعة بعض البيانات الرّقمية سواء الإكراه المادي كالتّعذيب أو بعض الوسائل الحديثة الّتي تتعارض مع حصانة النّفس و الضّمير كالتّنويم المغناطيسي و التّحليل النّفسي التّخديري و غيرها، و إلاّ إعتبر ذلك مساسا بمبدأ النّزاهة، و هذا المسلك إنتقده بيكاريا على أساس أنّه يؤدي إلى نتائج غريبة فمن غير المنطقي أن يكون المجرم في وضع أحسن حال من البريء لأنّ الثّاني يعترف بالجريمة تحت وطأة التّعذيب فتتقرّر إدانته، أمّا الأول فإنّه يختار بين ألم التّعذيب و ألم العقوبة الّتي يستحقها فيختار الألم الأوّل لأنّه أخف لديه من ألم العقاب فيصمّم على الإنكار و ينجو من العقوبة( ). و هكذا فإنّه و بدل التّفكير في الأساس الّذي يبرّر الأخذ بهذه الإجراءات القسرية المناهضة لحقوق الأفراد و حياتهم، فإنّه يقع على الدّولة العمل على تأهيل السّلطات الإجرائية للتّمكن من تجاوز العقبات التّقنية الّتي يفرضها المجرم بدل محاربة الجريمة بجريمة أخرى، و هذا يحملناعلى دعوة المشرّع إلى إستحداث نص يقرّر صراحة هذا الحق مؤداه "للمتّهم الحق في الصّمت، و لا يجوز إجباره على أن يساعد بأسلوب إيجابي مباشرة أو غير مباشرة في تجريم نفسه، و لا يمكن تفسير ممارسة هذا الحق بمثابة قرينة ضده، و كلّ دليل يتمّ تحصيله بالمخالفة لهذا الضّمان الإجرائي يعتبر باطل و عديم الأثر". ج)- حضر تفتيش النّظام المعلوماتي للأنثى بغير الإستعانة بأنثى لما كانت الخصومة الجنائية تتطلّب ضمان حقوق المتّهم و حرّياته و ليس مجرّد مباشرة إجراءات جمع الأدلّة لإثبات حق الدّولة في العقاب، فإنّه يتعيّن على القاضي أن يتأكّد أولا من نزاهة الدّليل و لا يحول دون ذلك أن يكون الدّليل صارخا في مظهره واضحا في دلالته على إدانة المتّهم ما دام مشبوها ملطخا بإهدار محارم القانون( )، أو الأخلاق و الآداب العامة السّائدة في المحيط الإجتماعي، لأنّه في كثير من الأحيان قد تتطابق عدم نزاهة الأدلّة مع عدم المشروعية الأخلاقية و أبرز مثال على ذلك تفتيش الأنثى بغير الإستعانة بأنثى. إنّ هذا الحظر يجد له أساسا في الآداب العامة، و القيم الخلقية المستقرّة في ضمير الجماعة الّتي توجب صيانة عرض المرأة و كرامتها، و يتعلّق بتنفيذ التّفتيش بالنّسبة للأنثى، فرغم أنّ الدّراسات أسهبت و استفاضت في التّطرق إلي هذا الضابط الإجرائي الأخلاقي في معرض التّفتيش التّقليدي، إلاّ أنّه لا توجد أي دراسة – في حدود البحث الذي أجريانه-تتعرّض إلى هذا الضّابط الإجرائي في سياق التّفتيش المعلوماتي، و ليس المقصود هنا وجوب التّقيد بهذه القاعدة بمفهوم مادي في صورة أن يتمّ تنفيذ التّفتيش عن وسائط التّخزين الرّقمية بمعرفة أنثى متى كان المتّهم من جنس أثنى، منعا من تحسّس جسمها، لأنّ الخطورة الأولى من التّفتيش (مرحلة التّفتيش المادي) بكافة الفروض التي يمكن تصورها تخضع للقواعد التّقليدية، و إنّما المقصود وجوب تنفيذ التّفتيش المعلوماتي للنّظام الخاص بالأنثى عن طريق أنثى أي خضوع مرحلة التحليل الرقمي لهذا الضمان. حيث أنّه لا خلاف بين الفقه و القضاء على أنّ كلّ تفتيش لشخص الأنثى دون ندب أنثى لتنفيذ التّفتيش يعدّ باطلا( )، و الحكمة من ذلك هو صيانة عرض المرأة و احتراما لحيائها و كرامتها، لذا فإنّ كل تفتيش يتمّ بالمخالفة لهذه القاعدة المتّصلة بالنّظام العام لا يرتّب البطلان فحسب، بل يقيم المسؤولية الجزائية للقائم بالتّفتيش عن جريمة هتك العرض( ). فهذا الضّابط مقصور على إجراء التّفتيش ذاته فى مواضع تعتبر من عورات المرأة أي الحالات الّتي يستطيل فيها التّفتيش شخص المرأة، بحثا عن الدّعامات الإلكترونية بتحسّس ملابسها و أعضاء جسمها، و يجري التّساؤل في ضوء ذلك فيما إذا كان تفتيش النّظم المعلوماتية العائدة للأنثى المتّهمة يمكن أن يؤدي إلى المساس بعورتها و خدش حيائها أم لا؟ قدّمنا عند الحديث عن تقسيمات الأدّلة المعلوماتيّة إلى أنّه من الضّروري التّمييز بين ثلاثة أنواع من المعلومات، المضمون الفعلي للإتصالات الإلكترونية، و بيانات حركة المرور، و بيانات المشتركين، و توصّلنا إلى أنّ بيانات المحتوى تبعث على توقعات متميّزة من الخصوصية، لأنّها تؤدي إلى كشف مباشر و صريح لخصوصيات الأفراد و عوراتهم، و لمّا كانت الحكمة من قاعدة حظر تفتيش الأنثى بغير أنثى هي صون عرض المرأة و حيائها و لو كانت موضع إتهام، فإنّ هذا الحكم يدور مع علّته وجودا و عدما. و لا مراء أنّ النّظام المعلوماتي للمرأة يحتوي من حيث بيانات المضمون على معلومات تكشف في غالب الأحيان المواضع الجسمانية للأنثى الّتى تعدّ من العورات الّتي لا يجوز للقائم بتنفيذ الإذن الإطلاع عليها و مشاهدتها لما فى ذلك من خدش لحياء الأنثى، و الأمثلة الدّارجة في هذا الإطار تلك الإتصالات الّتي تجريها المرأة مع أفراد أسرتها و أقاربها باستعمال خاصية الإتصالات المرئية و الصّوتية عبر الأنترنت أو تصوير بعض وقائع الحياة اليومية الّتي تعيشها في محيط أسرتها دون ستر عورتها و دون حرج أو خوف باعتبار أنّ "مكان التّصوير" أو "مكان التّخزين" أو "نظام الإتصال" يفترض أن يجعل بياناتها في مأمن عن فضول الغير و إطلاعه، و لا شك أنّ مشاهدة بيانات المحتوى من هذه الفئة من غير أنثى يتحقّق معه إنتهاك للآداب العامة خاصة بالنّسبة للمجتمع العربي و الإسلامي المحافظ. و تطبيقا للقاعدة الفقهية الّتي مؤداها أنّ "الحكم يدور مع علّته"، فإنّه حيثما توافرت العلّة ثبت الحكم، و بناء عليه نرى ضرورة أن يتمّ تفتيش النّظام المعلوماتي الخاص بالأنثى بواسطة أنثى، لأنّ إطلاع القائم بالتّفتيش على معلومات تكشف عورة المرأة قد يتمّ بقدر لا يقل إنتهاكا لحرمتها و حيائها عن مشاهدة جسم المرأة عند تفتيش جسدها، بل إنّ الحالة الأولى في اعتقادنا أخطر مساسا بالآداب العامة، من حيث نطاق كمّية المعلومات و من حيث النّطاق الزّمني لتنفيذ التّفتيش و الّذي يتمّ في غياب هذه الأخيرة بمخابر التّحليل الحاسوبي الشّرعي، إذ قد يتطاول القائم بالتّفتيش إلى تكرار الإطلاع على ما يكشف عورتها، فيستطيل بنظره إلى ما يجاوز الغاية من التّفتيش بجعله شاملا، دون أن يكون عليه رقيب في ذلك سوى ضميره. أمّا خلو التّفتيش الّذي يطال النّظام المعلوماتي من المساس بعورة الأنثى فهو أمر نادر لأنّ الأنظمة المعلوماتية تفيض خصوصيتها عن خصوصية غرفة نوم هذه الأخيرة ، كما أنّه من النّاحية الفنية لا يمكن قصر تطبيق هذه القاعدة فقط على الحالات الّتي يستهدف فيها التّفتيش بيانات المحتوى العائدة للمتّهمة دون بقية البيانات، لأنّه يستحيل فرز بيانات المحتوى عند ضبطها بحكم إختلاط البيانات و تشابكها، مع حجم هائل من البيانات. و هذا القصور التّشريعي ليس حال التّشريع الجزائري فقط، بل إنّ كافة التّشريعات العربية لم تتطرّق إلى وجوب تطبيق هذه القاعدة حال تنفيذ التّفتيش عن الدّليل المعلوماتي، و كان أولى بالمشرّع من باب سد الذّرائع أن يقرّر بطلان التّفتيش المعلوماتي الّذي يكون محله نظام معلوماتي تابع للأنثى إذا تمّ تنفيذه دون الإستعانة بأنثى، فهذا الفعل يعتبر في نظرنا مخالف لمبدأ الأمانة في الإثبات الجنائي و ينطوي على هدر للأخلاق. إن هذا القيد يرتبط بكرامة العدالة لأنّ السّعي إلى الحقيقة ليس كافيا إذا لم يلازمه الضّمير الإنساني الّذي يستلهم اعتبارات الأخلاق و يحميها، لذا نرى الإصرار على سن هذه القاعدة( )، و يكون مؤداها في اعتقادنا كما يلي "إذا كان المتّهم أنثى وجب أن يتمّ تفتيش أنظمتها المعلوماتية المحدّدة في الإذن القضائي بمعرفة أنثى تندب خصيصا لذلك تحت طائلة بطلان التفتيش مع استباعد ما يسفر عنه من أدلة، و ذلك دون الإخلال بالعقوبات التي يمكن أن توقع على القائم بتنفيذ التفتيش وفقا ما هو مقرر بالقانون". المبحث الثّاني حرّية القاضي الجنائي في تقدير الدّليل المعلوماتي المستمد من التّفتيبش إذا كنا فيما سبق قد إنتهينا إلى أنّ القاعدة الّتي تحكم مقبولية الأدّلة المعلوماتيّة المستمدّة من التّفتيش هي حرّية القاضي من حيث المبدأ في قبول أيّ دليل يتقدّم به الخصوم متى إستوفى معايير المشروعية و النّزاهة، فإنّ قبول هذه الأدلّة يقرّر للقاضي سلطة تقدير قيمتها الإثباتية للحكم بما يثبت حقوق العدالة عموما، سواء حق المجتمع في الإدانة أو حقه في ثبوت براءة المتّهم، و منطقيا و نحن نناقش مبدأ حرية القاضي في تقدير القيمة الإقناعية لهذا الدّليل أن نبدأ بمناقشة ماهية هذا المبدأ (مطلب أول)، و نستطرد ذلك ببيان القيود الواردة عليه (مطلب ثاني). المطلب الأوّل: مبدأ حرّية القاضي الجنائي في الإقتناع إنّ مبدأ حرّية القاضي الجنائي في تقدير القيمة الإقناعية لكلّ دليل يعرض عليه إنّما هو في حقيقته نتيجة من نتائج حرّية الإثبات الجنائي بشكل عام، غير أنّ هذه الحرّية قد تتراجع أمام قطعية الدّليل المعلوماتي بحكم طبيعته العلمية، لذا يقع لزاما علينا أن نعالج مضمون هذا المبدأ (فرع أول)، و نستعرض أثر الطّبيعة العلمية لهذا الدّليل في تكوين عقيدة القاضي و اقتناعه الذّاتي (فرع ثاني). الفرع الأوّل: مضمون حرّية القاضي الجنائي في الإقتناع لا مراء أنّ الهدف الأسمى الّذي ترنو إليه القاعدة الإجرائية هو الوصول إلى الحقيقة سواء بإدانة المتّهم أو براءته، و ليس في وسع السّلطة القضائية تحقيق هذا المسعى سوى عن طريق التّوصل للإقتناع الذّاتي للقاضي الّذي ينظر الدّعوى، ذلك ما يتطلّب منا أن نحدّد المقصود بهذا المبدأ سواء في الفقه (أولا)، و القانون (ثانيا)، و القضاء (ثالثا). أولا: التّحديد الفقهي لمبدأ الإقتناع الذّاتي للقاضي الجزائي تتحد كلّ الإجراءات أو التّشريعات الجنائية المختلفة في أن يصيب القاضي الحقيقة في إصدار الحكم الجنائي و لن يتمكّن من ذلك ما لم يتوفّر لديه اليقين الجازم، فاليقين إذن هو أساس العدالة الإنسانية و مصدر ثقة المواطنين( )، و من هنا فإنّ العملية القضائية الّتي يجريها القاضي الجنائي غايتها النّهائية التّوصل إلى الحقيقة الواقعية، فكلّ نشاط أو جهد ذهني خلال إجراء هذه العملية يبغي من ورائها التّوصل إلى حقيقة الوقائع كما حدثت في العالم الخارجي لا كما يتصوّرها الخصوم، و لا يمكن أن تظهر الحقيقة الواقعية إلاّ بعد البحث عنها و ثبوتها بالأدلّة، فإذا وصل القاضي إلى ذهنية إستجمع فيها كافة ملامح و عناصر الحقيقة الواقعية و استقرّت في وجدانه و ارتاح ضميره للصّورة الذّهنية الّتي تكوّنت و استقرّت لديه عن تلك الحقيقة فهنا يمكن القول أنّ القاضي وصل إلى حد الإقتناع( ). لقد تناول الكثير من الفقهاء مسألة تحديد ماهية مبدأ الإقتناع الذّاتي للقاضي الجنائي و جميعها لا يتعدّى القول بأنّه التّعبير عن عملية ذهنية وجدانية بمنطق و عقل و نتيجتها الجزم و اليقين، فالبعض يعرّفه بكونه "التّقدير الحر المسبّب لعناصر الإثبات في الدّعوى و هو البديل عن نظام الأدلّة القانونية"( )، و منهم من عرّفه"بأنّه تلك الحالة الذّهنية و النّفسية أو ذلك المظهر الّذي يوضّح وصول القاضي باقتناعه لدرجة اليقين بحقيقة واقعة لم تحدث تحت بصره"( ). و صفوة القول إذن أنّ الإقتناع الحر للقاضي لا معنى له أكثر من أنّه "سلطة القاضي و واجبه في أن يستمدّ من أيّ مصدر وسيلة إثبات الوقائع و أن يقدّرها دون أن يقيّده حدا أو قيدا"( )، فهذا المبدأ يعبّر ببساطة عن الأثر الّذي يحدثه في الذّهن الدّليل القاطع و الواضح و اليقين القاطع الّذي يصل حتّى أعماق النّفس( )، لذا يكتفي القضاء لكي يحكم بإدانة المتّهم أن يقرّر إقتناعه بالإثم، فهو يركّز إنتباهه لفحص الظّروف و يغفل إهتماماته و أرائه الشّخصية، مع إستبعاد كل الأفكار المسبقة لديه، و يعمل مصادر الفهم و الإدراك في عقله و روحه و إدراكه و ضميره( ). و مما سبق نرى أنّ الفقه يكاد يجمع في تعريفه لمبدأ الإقتناع على أنّه عملية ذهنية و نفسية و وجدانية تنشأ لدى القضائي أثناء ممارسة العملية الإثباتية بصدد خصومة جنائية من مراحلها الأولى و حتّى نهايتها، إذن فالإقتناع الشّخصي للقاضي الجنائي يمثّل الأثر النّهائي لعملية الإستدلال و الإستنتاج تتلاقى فيها جميع الأدلّة القضائية المطروحة بالدّعوى و الّتي تصّب في بوتقة واحدة هي ذاتية القاضي، دعائمها العقل و المنطق و الوجدان الحي للقاضي حيث يقوم فيها بالتّمحيص و التّقدير و الموازنة بين أكثر الأدلّة عمقا أو إتصالا بالحقيقة فيحدّد الحكم على أساسها( ). إنّ مبدأ حرّية القاضي في الإقتناع في سماحه للقاضي بأن يؤسّس إقتناعه و يبني حكمه على أيّة بيّنة أو قرينة يرتاح لها، يساهم و لا شك إلى حد كبير في تحقيق مصلحة المجتمع في التّجريم لأنّه يزيل كثيرا من الصّعوبات العملية الّتي تحيط بعملية البحث عن الأدلّة و إقامتها أمام القضاء، فالنّيابة العامة الّتي تتحمّل عبء الإثبات ليست ملزمة بتقديم أدلّة بعينها حتّى يقتنع القاضي طالما كانت كلّ عناصر الإثبات قابلة لأن تحقّق هذا الإقتناع، لكن الحقيقة أن مبدأ حرية القاضي في الإقتناع لم يهدر كلية مصلحة المتّهم و الموقف المتميّز الّذي توفّره له قرينة البراءة، لأنّ هذه الحرّية الممنوحة للقاضي تخضع لعدد من القواعد القانونية و هو ما يشكل بطريقة غير مباشرة ضمانة للمتّهم و احتراما لنتائج قرينة البراءة، و تجد هذه القواعد مصدرها فيما ما هو مشروط من أنّ إقنتاع القضائي بالإدانة ينبغي أن يكون عقليا لا عاطفيا و على درجة معيّنة من اليقين الّذي يخلو من الشّك و الّذي يعبّر عنه القضاء بالجزم و اليقين( ). فهذا المبدأ يقوم على دعامتين، الأولى تتمثّل في حرّية القاضي في الإستعانة بأيّ دليل يكون لازما لتكوين قناعته، و الثّانية تتمثّل في حرّيته في تقدير عناصر الإثبات تقديرا فعليا، فمبدأ حرّية القاضي في الإقتناع ينبسط على فكرتي: "قبول الدّليل" و "تقييمه"، و بما يفيد أنّ مدلول "حرّية الإقتناع" هو بعينه مدلول "حرّية الإثبات"، و إنّ نظام الأدلّة المعنوية و " الإقتناع القضائي"ماهي إلاّ تسميات لمبدأ واحد صادقة على حرّية القاضي في الإقتناع"( ). ثانيا: المفهوم القانوني لمبدأ الإقتناع الذّاتي للقاضي الجزائي مبدأ قضاء القاضي بمحض إقتناعه بمفهومه المستقّر عليه في مختلف الشّرائع الجنائية يعني أنّ القاضي الجنائي يحكم في الدّعوى المنظورة أمامه وفقا لما تكوّنت لديه من عقيدة و بحسب إقتناعه، و أن يقدّر بكامل حرّية قيمة الأدلّة، بمعنى آخر أن يكون للقاضي كامل الحرّية في أن يستمدّ إقتناعه من أيّ دليل يطمئن إليه من الأدلّة التّي تقدّم في الدّعوى دون أن يتقيّد في تكوين إقتناعه بدليل معيّن، إلاّ إذا نصّ القانون على غير ذلك( ). فالقاضي الجنائي يقوم بتحقيق في الدّعوى بالأسلوب الّذي يراه موصلا للحقيقة، دون أن يتقيّد في باتباع وسائل إثبات معيّنة، إذ أنّ هذا المبدأ يعطيه الحرّية الكاملة في تقدير الأدلّة المتّصلة بالدّعوى فهو يقدّر قيمة الدّليل و يستطيع أن يستخلص منه إدانة المتّهم أو برائته تبعا لاقنتاعه الشّخصي الدّاخلي، و لا يتدخل القانون في تحديد قيمة الأدلّة أو قوّتها في الإثبات، فكلّ الأدلّة عند القانون سواء و لها نفس القوّة الإقناعية، فله أن يأخذ بدليل دون الآخر و له أن يأخذ بجزء من الدّليل و يطرح الجزء الآخر، و له أيضا أن يعزّز دليلا معيّنا بقرينة أو بأكثر( ). لقد تمّ التّعبير لأوّل مرة على مبدأ حرّية القاضي في الإقتناع بموجب المادة 342 من قانون التّحقيقات الجنائية الفرنسي القديم، من خلال العبارات الّتي تتلى على مسامع المحلّفين بمناسبة المداولات الّتي تخصّ إتهام شخص معيّن، ثمّ تم إقراره مجدّدا بمقتضى المادة 353 من قانون الإجراءات الجزائية الّذي جاء بعد إلغاء قانون تحقيق الجنايات بموجب قانون 25 نوفمبر 1941( ). و أخذ المشرّع الفرنسي بتعدّد الأساس القانوني لمبدأ حرّية الإقتناع، فجعل مناط هذا التّعدّد هو نوع المحكمة الّتي يطبّق أمامها هذا المبدأ( )، فالمادة 427 من قانون الإجراءات الجزائية تتعلّق بتطبيق هذا المبدأ أمام محكمة الجنح، و الّتي تنصّ ما لم يرد نص مخالف يمكن إثبات الجرائم بكلّ الطّرق، و يحكم القاضي بناء على إقتناعه الشّخصي، و أمّا المادة 436 من نفس القانون فتخصّ محكمة المخالفات، و الّتي تحيل إلى تطبيق المادة 427 المشار إليها أعلاه، أمّا المادة 353 من نفس القانون، فتتعلّق أساسا بمحكمة الجنايات و هي تنصّ "لا يطلب القانون من القضاة حسابا بالأدلّة الّتي إقتنعوا بها و لا يفرض قاعدة خاصة تتعلّق بتمام و كفاية دليل ما، و إنّما يفرض عليهم أن يتساءلوا في صمت و تدبّر و أن يبحثوا في صدق ضمائرهم أيّ تأثير قد أحدثته الأدلّة الرّاجحة ضد المتّهم و وسائل دفاعه..."( ). و فيما يخصّ القانون الجزائري فإنّ المشرّع نص في الفقرة الأولى من المادة 212 من قانون الإجراءات الجزائية على أنّه "يجوز إثبات الجرائم بأيّ طريق من طرق الإثبات ما عدا الأحوال الّتي ينص في القانون على غير ذلك و للقاضي أن يصدر حكمه تبعا لاقتناعه الخاص"، و النّص على هذا المبدأ و في هذا الموضع بالذّات من طرف المشرّع الجزائري يجعل منه قاعدة عامّة تصلح أساسا له بالنّسبة لجميع المحاكم و الجهات القضائية( ). و مع ذلك نجد أنّ المشرّع الجزائري أكّد على هذا المبدأ مجدّدا أمام محكمة الجنايات بموجب المادة 307 من قانون الإجراءات الجزائية و الّتي هي في الأصل مستوحاة من المادة 353 من قانون الإجراءات الجزائية الفرنسي( ). الحقيقة أنّ مبدأ الإقتناع القضائي لم يقتصر على التّشريعات اللاّتينية فحسب بل يمتدّ أيضا إلى التّشريعات الإنجلوأمريكية مع اختلاف طفيف في الصّياغة فهي لا تعرف تعبير "الإقتناع الذّاتي للقاضي الجنائي" و أنّها تسختدم ذات النّظام القانوني بتعبير آخر و هو "ثبوت الإدانة بعيدا عن أيّ شك مقبول" Proof beyond a reasonable doubt( ). و من هذا المنطلق فإنّ حجية الأدّلة المعلوماتيّة المستمدّة من التّفتيش لا تثير صعوبات لمدى حرّية تقديم هذه الأدلّة لإثبات الجرائم سواء التّقليدية أو المعلوماتية، و لا لمدى حرّية القاضي الجنائي في تقدير هذه الأدلّة ذات الطّبيعة الخاصة باعتبارها أدلّة إثبات في المواد الجنائية، و في فرنسا مشكلة حجية الأدّلة المعلوماتيّة على مستوى القانون الجنائي ليست ملحّة أو عاجلة في نظر الفقهاء، فالأساس هو حرّية القاضي في تقدير هذه الأدلّة، و يدرس الفقه الفرنسي هذه الحجية تحت نطاق قبول الأدلّة النّاشئة عن الآلة أو الأدلّة العلمية مثل أجهزة التّصوير، و أشرطة التّسجيل و أجهزة التّنصت، و قد قضت محكمة النّقض الفرنسية: "إنّ أشرطة التّسجيل الممغنطة الّتي تكون لها قيمة دلائل الإثبات يمكن أن تكون صالحة للتّقديم أمام القضاء الجنائي"( ). حقيقة الأمر أنّ معظم التّشريعات اللاّتينية بما فيها التّشريع الفرنسي و البلجيكي و الجزائري قد أبقت على هذا المبدأ كقاعدة عامة تنطبق على جميع الأدلّة، و بالتّالي لم تورد قيمة إقناعية معيّنة للدّليل المعلوماتي المستمد من التّفتيش الجنائي بل شأنه شأن باقي الأدلّة، بحيث تخضع الأدّلة المعلوماتيّة لحرّية القاضي في الإقتناع الذّاتي، حيث يكون بمقدوره أن يطرح مثل هذه الأدلّة- رغم قطعيتها من النّاحية العلمية- ذلك عندما يجد أنّ الدّليل المعلوماتي لا يتسق منطقيًا مع ظروف الواقعة وملابساتها( ). و إذا كان هذا حال التّشريعات المقارنة بما فيها التّشريع الجزائري، فإنّ التشريعات العربية لها موقف مغاير، إذ و رغم تبنيها صراحة لمبدأ حرّية القاضي في تقدير قيمة الدّليل الجنائي فَمَا إطْمأَن إِليهِ أَخذ بِهِ، و ما لم يطمئِن إِليهِ أَعرضَ عَنه، دون أَن يسْأَل حِسَابا عَن ذَلِك في تشريعاتها التّقليدية (قانون الإجراءات الجنائية)، إلاّ أنّها أفردت نصوصا خاصة تطبيقا لهذا المبدأ على الدّليل الجنائي المعلوماتي المستمد من التّفتيش. حيث تنصّ المادة 24 من المرسوم التّشريعي السّوري رقم 17 لسنة 2012 المتعلّق بتطبيق أحكام قانون التّواصل على الشّبكة و مكافحة الجريمة المعلوماتية على ما يلي:"حجية الدّليل الرّقمي: (أ) يعود للمحكمة تقدير قيمة الدّليل الرّقمي شريطة تحقّق مايلي: 1- أن تكون الأجهزة الحاسوبية أو المنظومات المعلوماتية المستمد منها هذا الدّليل تعمل على نحو سليم. 2- ألاّ يطرأ على الدّليل المقدّم إلى المحكمة أيّ تغيير خلال مدّة حفظه (ب) يعدّ الدّليل الرّقمي المقدّم إلى المحكمة مستجمعا للشّرطين الواردين في الفقرة (أ) من هذه المادة ما لم يثبت العكس". و نفس الموقف نلمسه لدى المشرّع المصري، حيث جاء بالمادة 11 من القانون رقم 175 لسنة 2018 بشأن مكافحة جرائم تقنية المعلومات ما يلي:"في الأدلّة الرّقمية: يكون للأدلّة المستمدّة أو المستخرجة من الأجهزة أو المعدّات أو الوسائط أو الدّعامات الإلكترونية، أو النّظام المعلوماتي أو من برامج الحاسب، أو من أيّ وسيلة لتقنية المعلومات نفس قيمة و حجية الأدلّة الجنائية المادية في الإثبات الجنائي، متى توافرت بها الشّروط الفنيّة الواردة باللاّئحة التّنفيذية". و هو المبدأ الّذي أكّد عليه المشرّع اللّبناني بموجب المادة 22 من القانون رقم 81 لسنة 2018 و المتعلّق بالمعاملات الإلكترونية و البيانات ذات الطّابع الشّخصي حيث نصّت على أنّه "يعود للمحكمة تقدير الدّليل الرّقمي أو المعلوماتي و حجيته في الإثبات، و يشترط أن لا يكون قد تعرّض لأيّ تغيير خلال عملية ضبطه أو حفظه أو تحليله". ثالثا: التّحديد القضائي لمبدأ الإقتناع الذّاتي للقاضي الجزائي إنّ مبدأ الإقتناع الذّاتي للقاضي الجنائي يعتبر قضاء مستقّر في عقيدة المحكمة العليا الجزائرية فقد أوردت في أحد قرارتها "حيث أنّه من المقرّر قانونا في باب تقدير كفاية أو تمام أدلّة الإثبات الّتي يستند عليها قضاة الموضوع في المادة الجزائية لتكوين إقتناعهم، أنّ المسألة قد حسمها نص المادة 212 من قانون الإجراءات الجزائية الّتي أجازت إثبات الجرائم كقاعدة عامة بأيّ طريق من طرق الإثبات ما لم يوجد نص مخالف، و سمحت للقاضي بأن يصدر حكمه تبعا لاقتناعه الخاص، شريطة أن يبني قراره على الأدلّة المقدّمة له في معرض المرافعات و الّتي حصلت مناقشتها في الجلسة، فمحكمة الموضوع لها كامل الصّلاحيات للموازنة بين الحجج و تقدير أدلّة الدّعوى و الأخذ بما تطمئن إليه ما دامت تستند على أسباب سائغة تؤدي إلى النّتيجة الّتي إنتهت إليها"( ). أمّا محكمة النّقض المصرية فقد عبّرت على هذا المبدأ الهام في الشّرائع الحديثة بقولها "إنّ أساس الأحكام الجنائية إنّما هو حرّية قاضي الموضوع فى تقدير الأدلّة القائمة فى الدّعوى فما دام يبيّن من حكمه أنّه لم يقض بالبراءة إلاّ بعد أن ألّم بتلك الأدلّة و وزنها فلم يقتنع وجدانه بصحتها فلا يجوز مصادرتها فى اعتقاده، و لا المجادلة فى حكمه أمام محكمة النّقض، كما أنّه لا يحكم بالإدانة إلاّ إذا إطمأن ضميره إليها، بشرط أن يكون الإطمئنان مستمدًّا من أدلّة قائمة فى الدّعوى يصحّ في العقل أن تؤدي إلى ما إقتنع به القاضي، و ما دام الأمر كذلك فلا تجوز المجادلة فى حكمه أمام محكمة النّقض"( ). وقد أكّدت محكمة النّقض الفرنسية على تمسكها بهذا المبدأ في باب الأدلّة العلمية بشكل عام( )، و بطبيعة الحال بما فيها الأدّلة المعلوماتيّة، حتّى في الأحوال الّتي يتمّ فيها الحصول على الأدلّة بطريق غير مشروعة من قبل طرف خاص، حيث أكّدت هذه الأخيرة على هذه السّابقة القضائية بخصوص الأدّلة المعلوماتيّة المستمدّة من التّفتيش الجنائي، مشيرة إلى أنّه لا يوجد في القانون ما يمنع المحكمة من اعتماد دليل تمّ الحصول عليه بطريقة غير عادلة من قبل الأفراد، فوفقا للمادة 427 من قانون الإجراءات الجزائية تتمتّع المحكمة بالسّلطان المطلق في تقدير القيمة الإقناعية للدّليل المعروض عليها"( ). كما قرّرت هذه المحكمة أنّ القاضي الجنائي حر في أن يستمدّ عقيدته من أيّ مصدر يشاء ما لم يقيّده القانون بدليل معين، فله الإستدلال على إتيان جريمة الإغتصاب بالقوّة من القرائن المتسنبطبة من الأدّلة المعلوماتيّة، كتلك الّتي أثبتت تحديد الموقع الجغرافي للمتّهم لحظة إرتكاب الجريمة و تواجده بمسرحها و أيضا تطابق تصريحات الضّحية مع الدّليل حين صرّحت بإقدام المتّهم على غلق الهاتف فترة تنفيذ الجريمة و توصّل الخبرة إلى الجزم بذلك( ). و خلاصة ما تقدّم أنّ قبول الأدّلة المعلوماتيّة المتسمدّة من التّفتيش الجنائي تعتبر من أهمّ المنافع الّتي جلبها مبدأ الإقتناع الذّاتي للقاضي الجنائي لنظام الإثبات الجنائي الحديث، فالأدلّة العلمية بطبيعتها لا تقبل الخضوع لأيّ قيود بل ينبغي أن يترك الأمر في تقديرها لمحض إقتناع القاضي خصوصا و أنّها كثيرا ما تتضارب مع باقي أدلّة الدّعوى و ذلك فضلا عن إحتمال أراء المختصّين في شأنها( ). الفرع الثّاني: أثر القيمة العلمية للدّليل المعلوماتي على اقتناع القضائي الجنائي إنَّ حجية الأدّلة المعلوماتيّة المستمدّة من التّفتيش، هي قوّتها الإستدلالية على صدق نسبة الفعل إلى شخص معيّن أو كذبه، أو هي قيمة ما يتمتّع به الدّليل، بأنواعه المختلفة الورقية و الإلكترونية و المصغّرات الفيلمية، من قوّة إستدلالية في كشف الحقيقة و اقنتاع القاضي بعناصرها الّتي تمتاز بالقطعية بحكم طابعها العلمي، غير أنّ الإشكالية المثارة في هذا الصّدد تتعلّق بمدى تقيّد القاضي بهذا الدّليل في أحكامه و بالتّالي يخرج الدّليل العلمي عن مبدأ قناعة القاضي إلى كونه دليل قانوني يقيّد القاضي؟ عند الحديث عن تأثيرات الإثبات العلمي على إقتناع القاضي لابد من الإشارة إلى أنّ إقتناع القاضي في الأمور الجنائية يهيمن على مختلف وسائل الإثبات، بما فيها تلك القائمة على أساس من العلم و الّتي إستلزمتها ضرورة مواكبة التّطور العلمي المستمر الّذي يتميّز به العصر الحديث، فالهدف من إقتناع القاضي الجنائي هو حماية العدالة من الشّطط و الهوى، و بذات الوقت يصون القاضي نفسه من الآثار المترتّبة على إستخدام الوسائل العلمية في الإثبات، لذا فإنّ اقتناع القاضي يشكّل السّيادة التّامة بعد تكوينه بحرّية( ). و هكذا فإنّ الدّليل المعلوماتي المستمد من التّفتيش إنّما هو مجرّد دليل لا تختلف قيمته و لا تزيد حجّته عن سواه من الأدلّة، و هو لا يحضى أمام القضاء بقوّة حاسمة في الإثبات، و على هذا الأساس يصحّ للقاضي أن يؤسّس إقتناعه على الدّليل المعلوماتي كما يصحّ له أن يهدره تبعا لاطمئنانه، و بالتّالي لا يجوز إلزامه بالإقتناع بهذا النوع من الأدلة و لو لم يكن في الدّعوى أدلّة سواه( )، و أيّا كانت درجة خطورة الجريمة موضوع المتابعة الجنائية. على أنّه ينبغي التّعرض إلى مسألة جوهرية، و هي تتعلّق بالطّبيعة العلمية لهذا الدّليل الّتي تجعله يتميّز بالموضوعية و الحياد و الكفاءة، الأمر الّذي يجعل إقتناع القاضي الجنائي أكثر جزما و يقينا، حيث يساعده على التّقليل من الأخطاء القضائية و الإقتراب إلى العدالة بخطوات أوسع و التّوصل إلى درجة أكبر نحو الحقيقة( )، و تلك هي السّمات الّتي جعلت بعضا من الفقه يعتقد بأنّه بمقدار إتساع الأدلّة العلمية و من بينها الأدّلة المعلوماتيّة، بمقدار ما يكون إنكماش و تضاؤل دور القاضي الجنائي في تقدير القيمة الإقناعية لها، خاصة أمام نقص خبرة القضاء من النّاحية التّقنية و بالتّالي تصبح مهمّة القضاء شبه آلية، حيث يكون الدّور الأكبر للخبرة الّتي تسيطر على العملية الإثباتية، و لم يبقَ لدى القاضي سوى الإذعان لرأي الخبير دون أيّ تقدير من جانبه( ). و هذا الرّأي الفقهي و على وجاهته، إلاّ أنّنا نعارضه فالدّليل المعلوماتي يخضع إلى تقدير القاضي و بالتّالي إقتناعه و في هذا الخصوص ينبغي أن نميّز بين أمرين: القيمة العلمية القاطعة للدّليل المعلوماتي. ثانيا، الظّروف و الملابسات الّتي وجد فيها هذا الدّليل. فتقدير القاضي الجنائي لا يتناول القيمة العلمية للدّليل المعلوماتي، و ذلك لأنّ قيمة الدّليل تقوم على أسس علمية دقيقة، و بالتّالي لا حرّية للقاضي في مناقشة الحقائق العلمية الثّابتة و الّتي تمتاز بالثّقة في مصادرها العلمية، الأمر الّذي يصعب معه بل قد يستحيل على القاضي أن يتناولها بالفحص و التّقدير، أمّا الظّروف و الملابسات الّتي وجد فيها الدّليل فإنّها تدخل في نطاق تقديره، فهي من صميم وظيفته القضائية بحيث يكون في مقدوره أن يطرح مثل هذا الدّليل إذأ تبيّن أنّه لا يتفق مع ظروف الواقعة و ملابساتها( ). و على ذلك فإنّنا لا نذهب مع الإتجاهات الفقهية القائلة بأنّ نظام الأدلّة العلمية يكون نظام المستقبل و سيحلّ الخبير محلّ القضاء فيكون الدّور له و ليس للقاضي، فيجعل رأي الخبير هو الحاسم لإقتناع القاضي، لكننا نقول أنّ التّطور العلمي في مجال الأدلّة لا يتعارض مع سلطة القاضي الجنائي في تقديرها، بل إنّ هذه الأدلّة ستكفل للقاضي وسائل فعّالة في كشف الحقيقة، و أنّه لا يمكن للخبير مهما كانت دقّة نتائجه و موضوعيتها أن يحتلّ مكانة القاضي في إيجاد العدالة، و الّتي يستلزم إيجادها حسّا مختصّا لا يدركه غيره، و يتمّ هذا الحس من خلال التّكوين العلمي و القضائي الرّفيع و الّذي تنهض به المؤسّسات القانونية و القضائية ، ليشكّل أساسا رصينا في التّقدير السّليم للأدلّة و الّذي من خلاله يصل إلى قراره العادل الّذي يكون عنوانا للحقيقة( ). فمجرد توافر الدّليل العلمي لا يعني أنّ القاضي ملزم بالحكم بموجبه مباشرة سواء بالإدانة أو البراءة دون بحث الظّروف و الملابسات، فالدّليل العلمي ليس آلية معدّة لتقرير إقتناع القاضي بخصوص مسألة غير مؤكّدة ( )، لأنّ الدّليل الجنائي و إن كان عليما يخضع دائما لتقدير القاضي و من ثمّ فلا تثريب على القاضي في استخدام الوسائل العلمية لإرساء و توضيح الحقيقة و لتسهيل تكوين إقتناعه و بنائه على الجزم و اليقين، لأنّ الغاية الحقيقية للإثبات هي الكشف عن الحقيقة الواقعية بالقطع و اليقين بحكم المنطق و العقل( ). واقع الأمر أنّه و مع الهيمنة من قبل مبدأ الإقتناع القضائي على الأدّلة المعلوماتيّة إلاّ أنّه يظل لهذه الأخيرة أثرها على القاضي و الّتي تفرضها طبيعتها العلمية، و لهذا قضت محكمة النّقض المصرية في قضاء مستقّر لها أنّ " لمحكمة الموضوع كامل السّلطة فى تقدير القوّة التّدليلية لعناصر الدّعوى المعروضة على بساط البحث، و هي الخبير الأعلى في كلّ ما تستطيع أن تفصل فيه بنفسها، إلاّ أنّه من المقرّر أنّه متّى تعرّضت المحكمة لرأي الخبير الفني في مسألة فنية بحتة فإنّه يتعيّن عليها أن تستند فى تفنيده إلى أسباب فنيّة تحمله و هي لا تستطيع في ذلك أن تحلّ محلّ الخبير فيها" ( ). و إذا كان ذلك الّذي سلف كذلك، فإنّ الإمتداد الطّبيعي لهذه النّتيجة هو نتيجة أخرى مؤداها تراجع مبدأ "القاضي خبير الخبراء" ، فالحقيقة أنّ مؤشرا في عمل الخبير التّقني يوحي بوجود تطوّر على درجة من الخطورة هنا ممثّلا في مدى إستجابة القضاء لعمل الخبير التّقني على النّحو الّذي يحقّق إستفاضة في فهم عمل تكنولوجيا الإعلام و الإتصال، و على النّحو الّذي يجعل الخبير موجّها للقاضي، سيما إزاء عدم وجود قواعد تشكّل مقياس عام يعتمد عليه في تقنيات الإعلام و الإتصال يمكن إدراكها بالعلم العام الّذي يملكه كلّ شخص؟ و مثل هذا الأمر يخشاه علماء القانون و تردّدت فيه الآراء بحيث يمكن القول، على الرّغم من وجود أنصار بين إتجاه و آخر، إنّه من الصّعوبة بمكان اللّجوء إلى الخبير قصد الحصول على نتائج توجيهية لقاضي الموضوع، بل إنّ مثل هذا الأمر إن حدث يضع الخبير فعلا في مرتبة قاضي الدّعوى و هو الأمر الّذي –إن لم يكن قد عزل دور القاضي الجنائي- فإنّه يجعل للدّعوى قاضيا آخر غير مرئي( ). في اعتقادنا إنّ كثيرا من الفقه يخلط بين مسألة اقتناع القضائي بمسألة علمية ذات جانب معلوماتي، و بين يقينية القاضي بنسبة الجريمة للمتّهم بارتكابها، فالحقيقة العلمية الأولى و إن إتسمت بالثّبات و الإستقرار لأنّها مستمدّة من أصول علمية بحيث تنطبق في جميع الحالات المتشابهة إلاّ أنّها لا تعدو أن تكون مجرّد قرينة، قد تعزّز الإتهام و قد تتجرّد من أيّ قيمة متى تعارضت مع المنطق و العقل في ضوء ظروف القضية و ملابساتها، فيظل القاضي خبير الخبراء و لو أمكننا قول ذلك، لجاز القول إنّ إستناد القاضي إلى شهادة الشّهود يجعل الشّاهد محل القاضي و ذك قول غير صحيح على الإطلاق فكلّ دليل يخضع للتّقييم و التّقدير في سياق الظّروف و ما تكشف عنه الملابسات، و هذا يؤدي باللّزوم العقلي إلى التّأكيد على أنّ كلّ ما يتعلّق بمآل الدّعوى ينتهي عند قاضي الموضوع سواء إستند إلى رأي الخبير أو طرحه، و من ثمّ فإنّ نظام الإثبات لا يزال يدور في فلك الإقتناع الذّاتي للقاضي أو بالأحرى نظام الإقتناع الذّاتي العلمي و المعلوماتي. المطلب الثّاني: القيود الواردة على حرّية القاضي الجنائي في الإقتناع بالدليل المعلوماتي المستمد من التّفتيش إذا كان المبدأ هو حرّية القاضي الجنائي في الإقتناع بالدّليل المعلوماتي المستمد من التّفتيش في تكوين عقيدته بإدانة المتّهم أو ببراءته ، فإنّ هذه الحرّية في التّقدير و التّقييم لا تخضع للسّلطان المطلق لقاضي الموضوع، بل إنّها تخضع لمجموعة من القيود الّتي تجعل كم المظهرية في هذا المبدأ أكبر بكثير من الحقيقة، فالمنطق يفرض أن يكون الدّليل يقينيا لا يعتريه الشّك (الفرع الأوّل) و أن يخضع هذا الدّليل لمناقشة الخصوم (فرع ثاني)، و أن يكون صادقا في مضمونه أي موثوقا فيه (فرع ثالث). الفرع الأوّل: مبدأ يقينية الدّليل المعلوماتي المستمد من التّفتيش إنّ الهدف الأساسي الّذي ترنو إليه التّشريعات الإجرائية المختلفة هو أن يصيب القاضي الحقيقة في حكمه سواء بالإدانة أو البراءة، و لذا يجب على القاضي قبل أن يحرّر حكمه أن يكون قد وصل إلى الحقيقة المؤكّدة، و هو لا يصل إلى هذه الحقيقة ما لم يتكوّن لديه يقين بحدوثها، لذا يتعيّن علينا تحديد مفهوم هذا القيد على حرّية القاضي في تقدير الدّليل المعلوماتي (أولا)، و بيان الحدود الّتي يمليها على القاضي للإلتزام به (ثانيا). أوّلا: مفهوم اليقين القضائي يعتبر"اليقين القضائي" وحدة أساس كلّ العدالة الإنسانية، فهو مصدر ثقة المواطنين في هذه العدالة، إذ بدون هذا اليقين لا يمكن إدراك الحقيقة، فالحقيقة القضائية لا يمكن التّسليم بوجودها ما لم يكن اليقين بها قد أصبح موجودا( )، و على هدى من تلك الفكرة يعرّف اليقين في القانون بأنّه "تلك الحالة الذّهنية أو العقلية الّتي تؤكد وجود الحقيقة و لا يتوصّل إلى هذه الصّورة إلاّ بواسطة الإستنتاج، و الوصول إلى ذلك اليقين يتمّ عن طريق ما تستنتجه وسائل الإدراك المختلفة للقاضي من خلال وقائع الدّعوى، و ما يرتّبه ذلك في ذهنه من تصورات ذات درجة عالية من التّوكيد تستبعد إمكانية أيّ شك أو ريب في تجاه تلك المحصلة النّهائية الّتي وصل إليها القضائي في حكمه"( ). فاليقين إذن يمثّل حالة ذهنية أو عقلية لدى القاضي محدثة إنطباعا عن كيفيّة حدوث تلك الواقعة الإجرامية، و يتوقّف تكامل هذا اليقين في ضمير القاضي على قدرة الأدلّة المطروحة على توصيل القاضي إلى هذه الدّرجة من الإقتناع فإذا حدث ذلك يكون هناك تطابق لديه بين "حالة الذّهن و العقل" مع "حالة الحقيقة و الواقع"( ). فاليقين القضائي إذن هو "إقتناع القاضي"، و الّذي لا يعني أكثر من إذعان هذا الأخير للتّسليم بثبوت الوقائع كما دوّنها حكمه ثبوتا كافيا( )، و من ثمّ فإنّ اليقين الّذي يصل إليه القاضي ليس هو اليقين المطلق و إنّما هو اليقين النّسبي القائم على الضّمير و الّذي يكون راشده العقل و المنطق، إذ أنّ كشف الحقيقة أمر غير أكيد بالنّسبة لإمكانيات البشر و ذلك فإنّ القاضي لا يقول أنا أعلن أنّ هذا المتّهم مدان لأنّ هذه هي الحقيقة المطلقة، و إنّما يكتفي بالقول إنّه في ضميري و بحسب مكنون نفسي و بمقتضى إقتناعي الدّاخلي و اطمئناني أنا على يقين من إدانته( ). إنّ مفهوم الجزم و اليقين المتطلّب لبناء الحكم له معنى قضائي يختلف عن معناه الفلسفي أو اللّغوي ، فما يجري عليه إجتماع الفقه و القضاء أنّ إقتناع القاضي بثبوت الوقائع ينبغي أن يصل إلى درجة الجزم و اليقين يحتاج إلى بعض التّأمل لأنّ الحكم "بالثّبوت" أي بالوجود يتأسّس على أسباب إمّا شخصية إذا حملت "ذهنا" على التّسليم بوقوع الحدث و تكون هذه الأسباب موضوعية إذا كان من شأنها أن تحمل "كلّ ذهن" على التّسليم بوقوع الحدث. و حين يذعن المرء للتّسليم بثبوت الوقائع، فإنّ إذعانه هذا يشكّل "رأيا" إذا استقام حكمه بثبوت الواقعة على أسباب محتملة فيكون هذا الحكم محصّلة لأسباب قاصرة من النّاحيتين الشّخصية و الموضوعية و يدع لذلك مجالا للتّحرز لافتقاره إلى الإقتناع التّام و استقامة الحكم بثبوت الوقائع على مجرّد "الرّأي" محظور في القانون الجنائي، لأنّ الرّأي ليس إقتناعا فهو قاصر على أحداثه حتّى لدى القاضي نفسه و إذا كان الرّأي على هذا النّحو مرفوضا، فهل تحقيق اليقين ممكنا؟( ) الحقيقة أنّ نتائج هذا اليقين تتّسم بالنّسبية، و مع ذلك فإنّ اليقين المطلوب من العدالة البشرية هو اليقين المعقول فضمير القاضي العادل يملي عليه أحكاما أساسها العقل و المنطق لأنّها مجرّدة من الأهواء و المصالح الشّخصية( )، فهذه الحرّية في التّقدير و الإقتناع ليس معناها أن يؤسّس القاضي إقتناعه على عواطفه أو حدسه، و إنّما هو إقتناع عقلي مصدره في العقل لا في العاطفة باعتباره عملا ذهنيا أو عقليا( )، فهو ملزم ليس فقط بـ "الإقتناع "بل أيضا بـ "الإقناع" من خلال ضمانة تسبيب الأحكام القضائية. و في قضاء مستقّر لها أكّدت محكمة النّقض الفرنسية أنّ حرّية القاضي في التّقدير لا يقصد بها حرّية القاضي في أن يؤسّس إقتناعه على هوى عواطفه أو حدسه العاطفي و إنّما هو إقتناع عقلي Une Conviction De Raison يجد مصدره في العقل لا في العاطفة باعتباره عملا ذهنيا Un Travail Intellectuel يحصّله القاضي في صمت و خشوع و مناخ من الصّدق و سلامة الطّوية"( ). و خلاصة القول في ذلك أنّ حرّية القاضي الجنائي في الإعتماد على الدّليل لتكوين عقديته مقيّد بوجوب أن يكون هذا الدّليل يقينيا و غير قابل للشّك، لكن هل القاضي مقيّد بهذا الشّرط حتى في حال الحكم بالبراءة؟ ثانيا: حدود إلتزام القاضي بقاعدة يقينية الدّليل المعلوماتي المستمد من التّفتيش يؤسّس إفتراض البراءة على الفطرة الّتي جُبل الإنسان عليها، فقد ولد حرا مبرءا من الخطيئة، و يفترض على امتداد مراحل حياته أنّ أصل البراءة لا زال كامنا فيه، فهذه الحقيقة هي يقين لا يمكن إثبات عكسه إلاّ بدليل معلوماتي جازم و قاطع في نسبة الجريمة إلى المتّهم (أ)، أمّا إذا تأرجح هذا الإقتناع بين ثبوت التّهمة و عدم ثبوتها كان لزاما على القضائي صيانة الأصل الإثباتي القائم على إفتراض البراءة لأنّ مجرّد الشّك يفسّر لصالح المتّهم (ب). أ )- إشتراط يقينية الدّليل المعلوماتي المستمد من التّفتيش للقضاء بالإدانة إستقرّ الفقه و القضاء على وجوب أن يبلغ إقتناع القاضي بالإدانة درجة من اليقين، و اليقين المطلوب عند الإقتناع ليس هو اليقين الشّخصي للقاضي و إنّما هو اليقين القضائي الّذي يمكن أن يصل إليه الكافة لاستقامه على أدلّة تحمل بذاتها معالم قوّتها في الإقناع( )، إلى درجة أن تستقرّ هذه القناعة فتتميّز بنوع من بالثّبات و لو تغيّر القاضي( )، إذ لا محلّ لدحض قرينة البراءة و افتراض عكسها إلاّ عندما يصل إقتناع القاضي إلى حد الجزم و اليقين فالمطلوب أن يبني القاضي عقيدته على أساس إحتمالات ذات درجة عالية من الثّقة لا يهزها أو ينقضها إحتمال آخر، فالإدانة لا يمكن إقامتها بأيّ شكل على مجرّد ظنون أو تخمينات( ). و التّقيد بهيكلة حكم الإدانة على الدّليل المعلوماتي اليقيني يهدف إلى الإقتراب أكثر نحو الحقيقة الواقعية بحيث لا تقبل الشّك و أن تبتعد عن الظّنون و التّخمينات، و يترتّب على ذلك أنّ جميع الأدّلة المعلوماتيّة بمختلف أنواعها من مخرجات ورقية أو أقراص مغناطيسية أو مصغّرات فيليمية تخضع لتقدير القاضي الجنائي و يجب أن يستنج منها الحقيقة بما يتفق مع اليقين و يبتعد عن الشّك و الإحتمال( ). و قد حرصت المحكمة العليا على التّأكيد على هذا المبدأ في كثير من قراراتها فقضت بأنّ "الأصل في الإنسان البراءة حتّى تثبت إدانته، و قد تبنى دستور 1996 هذا المبدأ في نص المادة 45 منه، إذ نصّ أنّ كلّ شخص يعتبر بريئا حتّى تثبت جهة نظامية إدانته مع كلّ الضّمانات الّتي يتطلّبها القانون. و ترتيبا على ذلك فإنّ الأحكام و القرارات لا تبنى على الشّك و الإفتراضات و إنّما على الجزم و اليقين"( ). و تفريعا على هذا، فإنّ القول بأنّ القاضي الجنائي يملك حرّية تقدير الأدلّة وفقا لمبدأ حرّية الإثبات و الإقتناع ليس معناه أنّه يملك الحكم بالإدانة على غير أساس من التّثبت و التيقّن، ذلك أنّ أكثر ما تكون حالات فساد الإستدلال عندما يتسرّع القاضي و يجزم بثبوت الإدانة مؤسّسا هذا الجزم على دليل أو أكثر غير مباشر أو على قرينة من القرائن إذا كان ذلك لا يؤدي إلى الجزم بالثّبوت بحكم الضّرورة أو اللّزوم العقلي بل يصحّ أن يحمل على أكثر من وجه( )، و بطبيعة الحال فإنّ شرط يقينية الدّليل في القضاء بالإدانة شرط عام سواء كانت الأدلّة الّتي يستسقى منها هذا اليقين تقليدية أو مستحدثة كالدّليل المعلوماتي و اليقين الّذي يعوّل عليه في هذا الشّأن هو ما يتولّد لدى القاضي بأنّ ما وصل إليه هو الحقيقة( ). لكن هذا لا يمنع القاضي من أن يؤسّس قضاءه بإدانة المتّهم على ترجيح فرض على آخر إذ أنّ شرط القطع و اليقين لا يتعارض مع إمكانية إفتراض صور مختلفة لحصول الواقعة و إدانة المتّهم على أيّ صورة من الصّور الّتي إفترضها الحكم، فهنا يكون إقتناع القاضي بوقوع الجريمة و نسبتها إلى المتّهم يقينيا، و لا يقدح في هذا اليقين أن تستخلص المحكمة من الأدلّة من مجموعها و من الأوراق إحتمالات متعدّدة لكيفية وقوع الجريمة طالما أنّ جميع الإحتمالات تؤدي إلى إدانة المتّهم، أمّا إذا كان هناك إحتمال واحد يفيد البراءة فلا يجب على المحكمة الحكم بالإدانة و إلاّ كان ذلك خطأ منها( ). و إذا كانت هذه الأحكام العامة هي الّتي تحكم اليقين في الأدلة الجنائية، فإنّ الأمر لا يختلف بالنّسبة للأدلّة المعلوماتية المستمدّة من التّفتيش، إذ يُشترط في الأدلّة أن تكون غير قابلة للشّك حتّى يمكن الحكم بالإدانة، ذلك أنّه لا مجال لدحض قرينة البراءة و افتراض عكسها إلاّ عندما يصل إقتناع القاضي إلى حد الجزم و اليقين( ). و يمكن التّوصل إلى ذلك من خلال ما يعرض من الأدّلة المعلوماتيّة، و غيرها من الأشكال الإلكترونية الّتي تتوافر عن طريق الوصول المباشر، أو كانت مجرّد عرض لهذه المخرجات المعالجة بواسطة الحاسوب على الشّاشة الخاصة به أو على الطّرفيات، و هكذا يستطيع القاضي من خلال ما يعرض عليه من مخرجات إلكترونية، و ما ينطبع في ذهنه من تصوّرات و احتمالات بالنّسبة لها، أن يحدّد قوّتها الإستدلالية على صدق نسبة الجريمة إلى شخص معيّن من عدمه( ). هكذا فإنّ القاضي يصل إلى يقينية الأدّلة المعلوماتيّة المستمدّة من التّفتيش عن طريق نوعين من المعرفة، أولهما المعرفة الحسّية الّتي تدركها الحواس من خلال معاينة هذه الأدلّة و تفحّصها، و ثانيها المعرفة العقلية الّتي يقوم بها القاضي عن طريق التّحليل و الإستنتاج من خلال الرّبط بين هذه الأدلّة و الملابسات الّتي أحاطت بها( ). و في إطار هذه الضّوابط يمكن للقاضي أن يصل إلى يقينية الأدّلة المعلوماتيّة المستمدّة من التّفتيش عن طريق المعرفة الحسّية الّتي تدركها الحواس من خلال معاينته لهذه المخرجات و فحصها عن طريق المعرفة العقلية من خلال ما يقوم به من إستقراء و إستنتاج ليصل إلى الحقيقة الّتي يهدف إليها و يجب أن يصدر حكمه إستنادا إليها، و هذا الأمر على إطلاقه محل نظر حيث أنّه إذا توافر للبعض من القضاة الحس اليقيني بما تكشفه حواسه الوجدانية فالبعض الآخر ليس لديه هذه الملكة، الأمر الّذي يصبح معه التّشكيك في وجهة نظر إقتناع القاضي الجنائي بيقينية الدّليل المعلوماتي محل إعتبار( ). و مجمل القول أنّ اليقين الّذي يجب أن يبني القاضي عليه إقتناعه ليس اليقين المطلق و إنّما اليقين الّذي يولّد في نفسه عقيدة لا يزحزحها إحتمال آخر على إدانة المتّهم، و في هذا تقول محكمة النّقض المصرية "و لا يقدح في هذا اليقين أن تستخلص المحكمة من الأدلّة في مجموعها و من الأوراق إحتمالات متعدّدة لكيفية وقوع الجريمة كاملا أنّ جميع الإحتمالات تؤدي إلى إدانة المتّهم"( ). ب)- إستنثاء حالة البراءة من شرط يقينية الدّليل المعلوماتي المستمد من التّفتيش إنّ الأصل في الإنسان البراءة و هذا يقين، و من ثمّ فإنّه لا يزول إلاّ بيقين مثله أو أقوى منه( ) ، و يترتّب على هذه النّتيجة لزوم بلوغ الإقتناع بالإدانة درجة اليقين أنّه إذا لم يدرك القاضي هذه الدّرجة من الإقتناع كان معنى ذلك أنّ إقتناعه يتأرجح بين ثبوت التّهمة و مسؤولية المتّهم عنها و بين عدم ثبوتها أو عدم مسؤولية المتّهم عنها، و هذا الإقتناع المتأرجح يعني الشّك في ثبوت التّهمة و مسؤولية المتّهم عنها و الشّك يفسّر لصالح المتّهم (in dubio pro reo) مما يستوجب على القاضي أن يحكم بالبراءة ( ). ففي حالة عدم قدرة أدلّة الإدانة على إحداث اليقين يترتّب عليه إستمرار حالة البراءة الّتي يكفي لتأكيد وجودها مجرّد الشّك في ثبوت تلك الإدانة، و ذلك إتباعا لمبدأ البراءة المسلّم بوجوده بداءة، فإذا كانت المحكمة لم تنته من الأدلّة الّتي ذكرتها إلى الجزم بوقوع الجريمة من المتّهم بل رجّحت وقوعها منه فحكمها بإدانته يكون خاطئا واجبا نقضه( ). فبخلاف حكم الإدانة فالحكم بالبراءة هو مجرّد تأكيد لمبدأ البراءة الّذي يتمتّع به الفرد منذ ميلاده، و لذلك فإنّه يكفي لتقريره مجرّد التّشكيك في وقوع ذلك الأمر العارض و المتمثّل في حالة الإدانة مما يفضي من ثمّ إلى إعادة تأكيد حالة البراءة الأصلية، إلاّ أنّ الإكتفاء بمجرّد الشّك في إثبات التّهمة مشروط بأن يشتمل الحكم بالبراءة ما يفيد أنّ المحكمة قد أحاطت بظروف الدّعوى و أدلّة الثّبوت الّتي قام عليها الإتهام عن بصيرة و زانت بينها و بين أدلّة النّفي فرجّحت دفاع المتّهم أو داخلتها الرّيبة في صحّة أدلّة الإثبات أمّا القضاء بالبراءة دون إحاطة بظروف الدّعوى و تمحيص أدلّتها فإنّه يعيب الحكم( ). و هكذا فإنّ الفقه لا ينازع في اعتبار هذه القاعدة إحدى النّتائج الإيجابية لقرينة البراءة و الوجه السّلبي لاشتراط "اليقين القضائي" لسلامة إقتناع القاضي بالإدانة، و مع ذلك فإنّ هناك رأيا يقف دون أنصار يرى أنّ قاعدة الشّك يفسّر لصالح المتّهم ليس سوى إسما و ليست مبدأ مسيطر على الإثبات، إنّما مجرّد حكمة لا تلزم القضاة في شيء، و استقرارها في التّطبيق القضائي ليس أكثر من عرف مؤسف و غير قانونيpratique illégale et malheureuse ، و هو رأي يتجاهل في واقع الأمر سائر الإعتبارات الّتي يقوم عليها نظام الإثبات الجنائي، و على الأخص مقتضيات الحفاظ على "الحرّية الشّخصية "و إحترام "إفتراض البراءة" فيه حتّى يثبت عكس ذلك يقينا، فهذه القاعدة هي من غير شك ضمانة للمتهمين في مقابل حرية القاضي في الإقتناع( ). فالشّك يفسّر لمصلحة المتّهم و تفسير ذلك يكمن في أنّ عدم قدرة أدلّة الإدانة على إحداث القطع أو اليقين يترتّب عليه إستمرار حالة البراءة الثّابتة يقيناً و في هذا تقول محكمة النّقض السّورية" أنّ القضاء مؤسّسة مهمتها الحكم بالعدل و لا يكون ذلك إلاّ بالعمل على إبراز الوقائع واضحة جلية لا لبس فيها تدعمها أدلّة قاطعة و حاسمة لا يتطرّق إليها الشّك و الشّبهة و لا يلتبس فيها الإحتمال و كلّ دليل يحمل بين طياته شكا أو شبهة أو إحتمالا يجب أن يكون مصيره الإهمال، لأنّ في ذلك فقط يسود الحق و يقوم العدل"( ). و رغم أنّه من المستقرّ عليه أنّ الحكم بالإدانة يجب أن يبنى على اليقين في صحّة أدلّة الإثبات بينما حكم البراءة يكفي فيه أن يؤسّس على الشّك في هذه الأدلّة، إلاّ أنّ محكمة النّقض الفرنسية لا تأخذ بمبدأ الشّك يفسّر لصالح المتّهم إلاّ في نطاق ضيّق، حيث إنّها تتشدّد في فحص أسباب الحكم بالنّسبة لأحكام البراءة المبنية على الشّك أكثر من تشدّدها بالنّسبة لأحكام الإدانة فمجرد التّأكيد أنّه يوجد شك في الإدانة لا يكفي لتبرئة ساحة المتّهم بل يجب أن يستند هذا الشّك على أدلّة قاطعة( ). و قد أكّدت المحكمة العليا ذلك المبدأ في العديد من أحكامها موضّحة أنّ "القرارات القضائية الصّادرة بالبراءة مثلها مثل القرارات الصّادرة بالإدانة يجب أن تعلّل تعليلا كافيا حتّى تتمكّن المحكمة العليا من مراقبة صحّة تطبيق القانون، فالقرار الّذي يكتفي بالحكم بالبراءة بمقول أنّه يوجد في الدّعوى شك لصالح المتّهم يعتبر ناقص السّبب و يستوجب النّقض"( ). في اعتقادنا فإن تطبيق قاعدة الشّك يفسّر لصالح المتّهم في الحقيقة هي تأكيد لقاعدة أخرى مؤداها "أنّه من الأفضل تبرئة ألف مجرم من إدانة بريء واحد"، فهي ضمانة أساسية تحول دون تعسّف القاضي، و بمثابة نقطة التّوازن بين مبدا حرّية القاضي في الإقنتاع و مبدأ إفتراض البراءة. الفرع الثّاني: مبدأ وضعية الدّليل المعلوماتي المستمد من التّفتيش لا تكفي قاعدة يقينية الدّليل المعلوماتي المستمد من التّفتيش في بناء حكم الإدانة لأنّ الحقيقة قد تكون خلاف ما توصّل إليها القاضي، فالتّقدير السّليم لقيمتها الإقناعية يوجب عرضها على المناقشة العلنية و تأمين حق الأطراف من تقديم دفاعهم لدحضها أو تأكيدها إذ أنّ قاعدة وضعية الدّليل قد تفضي إلى إقناع المحكمة بحقيقة غير الّتي ثبتت في ذهنها مقدما، ما يجعل هذا الشّرط جوهريا في تكوين القناعة القضائية و تأسيسا على ما تقدّم نستعرض هذا المبدأ من حيث مفهومه و مبرّراته (أولا) و كذا النّتائج المترتّبة عليه (ثانيا). أوّلا: مفهوم مبدأ وضعية الدّليل المعلوماتي المستمد من التّفتيش تتضاعف أهمّية كشف الحقيقة في الخصومة الجنائية بالنّظر لتعلّقها بسلطة العقاب و هو أمر يمسّ حرّية المتّهم و يتعرّض لحقوقه الأساسية، و لذلك فإنّ القاضي يجب أن يصل إلى معرفة الحقيقة دون الإكتفاء بما يقدّمه الخصوم من أدلّة، بل إنّ عليه القيام بدور إيجابي في إستقصاء الأدلّة و تقديرها فلا يجوز له الإقتصاد في جمع الأدلّة بحجة الإسراع في المحاكمة فقد يحول ذلك دون إنارة الطّريق أمامه للوصول إلى الحقيقة( ). و الحقيقة الّتي ينشدها الحكم الجنائي إنّما الحقيقة الواقعية، و هذه الحقيقة لا يمكن توافرها إلاّ باليقين القضائي لا بمجرد الظّن و الإحتمال، فاليقين مناط الحقيقة القضائية و ليس هو الّذي ينفرد به القاضي باعتباره يقينا شخصيا بل هو اليقين الّذي يفرض نفسه على القاضي و على كافة من يتطلّعون بالعقل و المنطق إلى الأدلّة فيجب أن تخرج الحقيقة الّتي تلوح في ذهن القاضي لكي تنتشر في ضمير الكافة( )، و يأتي ضابط المواجهة كأهمّ ضمان يحقّق هذا اليقين. لذا بات من القواعد الأساسية الرّاسخة في الأنظمة القانونية أنّه لا يجوز للقاضي الجنائي أن يبني حكمه على أدلّة لم تطرح لمناقشة الخصوم في الجلسة و هو ما يعبّر عنه "بوضعية الدّليل"، و مقتضى ذلك أن يكون للدّليل أصل ثابت في أوراق الدّعوى و أن تتاح للخصوم فرصة الإطلاع عليه و مناقشته و الرّد عليه و كلا الأمرين ينبغي توافرهما( )، و ذلك مفترض يتفرّع عن الحق في المحاكمة العادلة و حق الدّفاع، فإذا كان القاضي الجنائي يقضي باقتناعه هو و ليس باقتناع غيره، فإنّه يجب عليه أن يعيد تحقيق كافة الأدلّة القائمة في الأوراق لكي يتمكّن من تكوين إقتناع يقرّبه نحو الحقيقة الواقعية الّتي يصبو إليها كل قاض عادل و مجتهد( ). مؤدى هذا القيد أنّ الأدّلة المعلوماتيّة المستمدّة من التّفتيش الجنائي سواء كانت مطبوعة أم بيانات معروضة على شاشة الحاسوب، أم كانت بيانات مدرجة في حاملات البيانات، أم إتخذت شكل أشرطة و أقراص ممغنطة أو ضوئية أو مصغّرات فيلمية، كلّ هذه ستكون محلاً للمناقشة عند الأخذ بها كأدلّة إثبات أمام المحكمة، و على ذلك فإنّ كلّ دليل يتمّ الحصول عليه من خلال بيئة تكنولوجيا المعلومات يجب أن يعرض في الجلسة ليس من خلال ملف الدّعوى في التّحقيق الإبتدائي، لكن بصفة مباشرة أمام قاضي الموضوع، و هذه الأحكام تنطبق على كافة الأدلّة المتولّدة عن حاسبات الحواسيب( )، و أيضًا بالنّسبة لشهود الجرائم المعلوماتية الّذين يكون قد سبق أن سُمعت أقوالهم في التّحقيق الإبتدائي، فإنّه يجب أن يعيدوا أقوالهم مرة أخرى من جديد أمام المحكمة( ). محصّلة القول أنّه ينبغي على قاضي الموضوع أن يفض حرز الأدّلة المعلوماتيّة الّتي إنتهى إليها التّفتيش، و أن يمحّصها في حضور الخصوم بالجلسة لكي تصبح معروضة على بساط البحث و المناقشة، و هذا الإجراء واجب سواء تمسّك المتّهم بذلك أو سكت عنه لتعلّقه بقاعدة أساسية من قواعد الإجراءات الجزائية( )، و لا يوجد أيّ إستثناء على هذه القاعدة فكلّ الأدلّة تخضع وجوبا للمناقشة الحرّة للأطراف، و بناء عليه "لا يمكن للقاضي أن يبني قراره إلاّ على الأدلّة المقدّمة إليه أثناء الإجراءات و الّتي تمّت مناقشتها حضوريا في الجلسة"( ). و قد حرصت التّشريعات الإجرائية على أن تنصّ صراحة على هذه القاعدة الهامة، و من ذلك على سبيل المثال ما تنصّ عليه المادة 302 من قانون الإجراءات الجزائية الفرنسي "لا يجوز للقاضي أن يؤسّس حكمه إلاّ على أدلّة طرحت بالجلسة أثناء المحاكمة و نوقشت أمامه في مواجهة الأطراف"، و قد أخذ بهذه القاعدة المشرّع الجزائري إذ تنص المادة 212 فقرة 2 من قانون الإجراءات الجزائية "و لا يسوغ للقاضي أن يبني قراره إلاّ على الأدلّة المقدّمة في معرض المرافعات الّتي حصلت المناقشة فيها حضوريا". في الحقيقة ليس هناك من دليل لا يصلح للمناقشة العلنية قبل أن يوضع موضع الإعتبار عند الإدانة أو البراءة، لذا نجد أنّ قاعدة وجوب مناقشة الدّليل الجنائي من القواعد الأساسية في جميع الأنظمة القانونية( )، تقتضي مراعاتها تحت طائلة بطلان الحكم الجنائي، و تطبيقا لذلك قضت المحكمة العليا الجزائية أنّه "لا يمكن لقضاة الموضوع أن يؤسّسوا قراراتهم إلاّ على الأدلّة المقدّمة لهم أثناء المرافعات و الّتي تمّ مناقشتها حضوريا و لذلك عملا بالمادة 212 من قانون الإجراءات الجزائية"( ). و في قضاء مستقر لها قضت محكمة النّقض الفرنسية بأنّه ينبغي إعلام الخصم بأدلّة الدّعوى قبل الجلسة و في وقت يسمح له بمناقشتها و إلاّ لزم تأجيل نظر الدّعوى إلى جلسة لاحقة، فإذا إستعصى ذلك لسبب من الأسباب كان على المحكمة أن تقضي باستبعادها من ملف الدّعوى( )، بل حتّى في الأحوال الّتي يتقدّم فيها الأطراف بأدلّة أثناء نظر الدّعوى و لم يسبق إعلام الخصوم بها كان للمحكمة الإلتفات عنها( )، و انطلاقا من هذه السّوابق القضائية قرّرت ذات المحكمة نقض الحكم الّذي إعتمد على أدلّة تقدّم بها المتّهم في الجلسة دون إعلام النّيابة العامة بفحواها سابقا و تقديما للمناقشة بالجلسة( )، كما قضت بنقض الحكم الّذي إعتمد على أدلة لم تراع فيها قاعدة وجوبية مناقشتها من قبل أطراف الدعوى( )، و ذات الجزاء الإجرائيرتبته متى إعتمد القضاة في تكوين عقيدتهم على أدلّة ضمّت إلى ملف الدّعوى بعد غلق باب المرافعات( ). غير أنّ محكمة النّقض المصرية و إن إستقرت على هذا المبدأ، إلاّ أنّه كان لها رأي آخر في الموضوع أفصحت عنه في أحكامها، إذ قضت بأنّه "متى كان الطّاعن لم يطلب من المحكمة أن تفض حرز التّسجيلات الصّوتية فليس له من بعد أن ينعى على الحكم على إطلاع المحكمة على التّسجيلات أو عرضها عليه"( )، كما قضت أنّ" لما كان البيّن من محضر جلسة المحاكمة أنّ الطّاعن أو المدافع عنه لم يطلب أيّهما الإستماع إلى شريط تسجيل المحادثات فليس للطّاعن من بعد النّعي على المحكمة قعودها عن إجراء تحقيق لم يطلب منها و لم ترى هي من جانبها لزوما لإجرائه"( ). و ينتقد الفقه المصري هذا التّطبيق القضائي، ذلك أنّ عدم فض حرز الدّليل الجنائي (التّسجيلات الصّوتية) و الإستماع إليها مفاده عدم عرض تلك التّسجيلات على بساط البحث و المناقشة في حضور الخصوم و الحيلولة بين المحكمة و بين الإطلاع على تلك التّسجيلات مما يصمّ إجراءات المحاكمة بالبطلان لمخالفة قاعدتي "وضعية الدّليل الجنائي" و "شفوية الإجراءات"، و لا يشفع لمحكمة النّقض أن تقرّر أنّ الطّاعن لم يتمسّك بفض حرز التّسجيلات أو الإستماع إليها أمام محكمة الموضوع لأنّ تمسّكه أو عدم تمسّكه لا تأثير له فيما هو واجب عليها إجراءه من التّحقيق، إذ أنّ الأصل في الأحكام الجزائية أنّها تبنى على المرافعات الّتي تحصل أمام نفس القاضي الّذي أصدر الحكم( ). مجمل القول أنّ ظهور المعلوماتية و خصائصها لا يغيّر شيئا من مبدأ الإقتناع الذّاتي، فالإقتناع يدبّ أن يتولّد على أثر الدّليل المتولّد في نفس القاضي و الّذي لا يترك أيّ مجال للشّك، و حيث أنّ القانون لا يقدّم في المجال الجنائي نموذجا خاصا للإثبات فإنّ القاضي الجنائي تكون له حرّية التّقدير و له الهيمنة في الواقع على القيمة الدّامغة للعناصر الإثباتية الّتي يؤسّس عليها إقتناعه و الّتي يكون للأطراف حرّية الإعتراض عليها و مناقشتها في كافة مراحل الدّعوى( ). ثانيا: النّتائج المترتّبة على مبدأ وضعية الدّليل المعلوماتي المستمد من التّفتيش توصّلنا فيما سبق إلى أنّ ضابط المجابهة أو قاعدة وجوبية مناقشة الأدّلة المعلوماتيّة المستمدّة من التّفتيش تعتبر عنصرا مضافا لما يتمتّع به القاضي الجنائي من حيدة في تقرير قيمتها الإقناعية حيث يعدّ وسيلة تساعده على فهم أدلّة الخصوم على حقيقتها من خلال المجابهة الّتي تتمّ أمامه مباشرة، فهي بالإضافة إلى أنّها تشكّل ضمانة أساسية للخصوم في تقدير مستلزمات حق الدّفاع فلا نعدو الحقيقة إذا قلنا أنّها تمكّن القاضي من تقدير الأدلّة تقديرا مستنيرا بهذه المجابهة( ). و يجري السّؤال في ضوء هذه النّتيجة عن مدى تأهيل القاضي من النّاحية التّقنية لمناقشة هذا النّوع من الأدلّة العلمية؟ لا مراء أنّ قاعدة وجوب مناقشة الأدّلة المعلوماتيّة المستمدّة من التّفتيش الجنائي بوصفها إحدى الرّكائز الأساسية الّتي تقوم عليها المحاكمة العادلة يترتّب على إغفالها بطلان إجراءات المحاكمة لما في هذا الإغفال من إهدار لحقّ الدّفاع بحرمانه من الإلمام بالأدلّة المقدّمة ضده، و بالتّالي فإنّ القاضي الجنائي لا يمكن أن يؤسّس إقتناعه إلاّ على العناصر الإثباتية الّتي طرحت في الجلسة و تمّت مناقشتها في مواجهة الأطراف، و حتّى يكون للقاضي الجنائي السّيادة و الهيمنة على الدّعوى الجنائية فلابد أن يكون متدرّبا تدريبا فنّيا خاصا على كيفية التّعامل مع تقنية المعلومات و أنظمة معاجلة البيانات المعقّدة و مع الأدّلة المعلوماتيّة بشكل واف و دقيق، فلا شك أنّ هذا التّأهيل العلمي يضمن نجاح المهمّة الّتي تناط بالقضاة و هو بصدّد مناقشة مخرجات الأنظمة الحاسوبية على اختلاف عناصرها و صورها( ). فما دام الدّليل المستمد من التّفتيش قد طرح بالجلسة وجب على محكمة الموضوع أن تقول كلمتها فيه بأسباب سائغة و متوائمة مع الثّابت بالأوراق و إلاّ كان حكمها قاصرا ( )، و الأمّية المعلوماتية الّتي تعاني منها كافة الأجهزة القضائية و أعوانها تعدّ فعلا إشكالا كبيرا يحول دون مناقشة الأدّلة المعلوماتيّة بل التّسليم بها، أو بالأحرى التّسليم برأي الخبير الفني المنتدب و هو ما يُفرِغ هذا المبدأ من محتواه و يجرّده من الغاية المرجوة منه. و لهذه الأسباب أجمعت كافة التّقارير المقدّمة للمؤتمر الدّولي الخاص ببحث "جرائم الحاسب و الجرائم الأخرى في مجال تكنولوجيا المعلومات إلى ضرورة التّأهيل الفني و التّقني للقضاة لمواكبة المواكبة العلمية للأدلّة المعلوماتية المستمدّة من التّفتيش( )، حتّى يتمكّن القاضي من تشكيل إقتناعه اليقيني بارتكاب المتّهم للجريمة، و لا يكون بوسعه ذلك ما لم يستوعب الجوانب الفنية للدّليل المعلوماتي خاصة بالنّسبة للجرائم المعلوماتية الّتي يكون فيها التّعقيد التّقني أكثر وضوحا و مرتبطا بركنيها المادي و المعنوي، بما يحتّم على القضاء الإستعانة بالخبراء لحضور جلسة المناقشة و الحصول على إيضاحات بشأن العناصر الإثباتية الّتي تنطوي على غموض( ). و هذا ما يوقدنا إلى القول بأنّ تحري الحقيقة يتخذ له مكانا كبيرا في سير عمل الخبير لكي يسطيع قاضي الموضوع الرّد على دفوع قد يبديها مرتكب الجريمة و تُشكّل في ذاتها دفوعا مقبولة أمام القضاء، لكونها تتفق من حيث طبيعتها مع تكنولوجيا المعلومات و المدى الواسع الّتي هي عليه، و من ذلك الدّفع الّذي يبديه المتّهم بكون ما تمّ ضبطه في حاسوبه ليس له به علاقة و لا يدري عنه شيئا، و إنّما من قام بذلك هو أحد الهكرة مثلا، أو أن يكون ذلك هو مأمور الضّبط القضائي ذاته لأيّ سبب كان، و معلوم أنّ إنتهاك حاسوب الغير من الأمور الجائزة الحدوث في جرائم الأنترنت، فمثل هذا الأمر يحتاج بالضّرورة إلى الخبير للرّد عليه، سيما و أنّه دفاع مقبول أمام المحاكم في القانون المقارن، فلا يجوز للمحاكم إنكار مثل هذا الدّفع عن المتّهم، لكونه دفعا جوهريا واقعيا يحتاج للرّد عليه من قبل محكمة الموضوع و إلاّ وقعت في محظور الخطأ في التّسبيب( ). و الملاحظ في هذا الصّدد أنّ القاضي و إن لم يطمئن إلى الأدّلة المعلوماتيّة فإنّه لا يجوز له إستبعادها إعمالا لسلطانه في تقدير قيمتها الإقناعية، فقد إستقرّ قضاء المحكمة العليا أنّه إذا كان القضاة غير مقيّدين برأي الخبير فإنّه لا يسوغ لهم أن يستبعدوا بدون مبرّر نتائج الخبرة الفنّية( )، و من ثمّ فإنّ إمكانية الإستعانة بخبير متخصّص لا يمكن أن يجعل القاضي بمعزل عن المعرفة و الدّراية الفنّية البسيطة و إلاّ عجز عن فهم الأدّلة المعلوماتيّة المطروحة للمناقشة و لو بحضور الخبير، و استعصى عليه الرّد عن كل الدّفوع و أوجه الطّعن المقدّمة ضد الخبرة، فاكتفى القاضي بالإدانة باقتناع الخبير لا بإقتناعه هو، و في ذلك ما يخالف مبدأ عدم جواز قضاء القاضي بناء على رأي الغير( ). الفرع الثّالث: مبدأ موثوقية الدّليل المعلوماتي المستمد من التّفتيش لا تقف حرّية القاضي في تقدير الدّليل المعلوماتي عند شرطي يقينية الدّليل و وضعه قيد المناقشة العلنية ما لم يكن صادقا في مضمونه، خاصة و أنّ القضاء توجّس منه خيفة نظرا لسهولة تغييره و التّلاعب به، فاليقين لا يتحقّق إلاّ بعد الإسثبات من صحّته طالما أنّ الدّليل الّذي يعرض عليه ليس سوى نسخة منه، و هو ما يثير إشكالية إرتباط موثوقية الدّليل بأصالته (أولا)، و مدى حرّية القاضي في إعمال سلطته في تقييمها (ثانيا)، و كذا المعيار المعتمد في تقدير تحقّق الموثوقية من عدمها (ثالثا). أولا: إشكالية ارتباط موثوقية الدّليل المعلوماتي بأصالته هناك تميّز حقيقي بين الأصالة Authentication في طابعها المادي و بين الأصالة في طابعها الرّقمي، من حيث أنّ الأولى هي سوى تعبير عن وضعية مادية ملموسة كما هو الشّأن في الورق المكتوب أو بصمة الأصابع، في حين فإنّ الثّانية لسيت سوى تعداد غير محدّد لأرقام ثنائية موحّدة في الصّفر و الواحد (1-0) و هما في تكوينهما الحقيقي عبارة عن نبضات متواصلة الإيقاع تستمدّ حيويتها و تفاعلها من الطّاقة ما يجعل الأصالة حين التّعامل مع الدّليل المعلوماتي لها طابع خاص إذ أنّ طبيعة هذا الدّليل لا تعبّر عن قيمة أصلية بمجرد رفع محتواه من البيئة الرّقمية (الأنترنت و غيرها) سيما إذا علمنا قدرة الجاني على حذف الدّليل من حاسوبه و يكون ما تبقى منه نسخة فقط تمّ إستردادها عن طريق التّفتيش عن بعد( ). فهل يكفي ناتج التّفتيش وحده للقول بأنّ الدّليل المعلوماتي المستمد من هذا الإجراء هو دليل أصلي يقبل طرحه على القضاء ليقول فيه كلمته بالإدانة؟ أي هل هذه النّسخ تحقّق اليقين القضائي؟ العقبة الكؤود في هذا الخصوص هو معرفة المقصود بالمستخرج الأصلي أو بالمستند الأصلي هل هو النّاقل أو الوسيط المغناطيسي؟ أو هو المدخلات الخام؟ أم هو الذّاكرة الدّاخلية للحاسوب؟ و بفرض إن كانت وسائل التّخزين هي المستندات الأصلية فإنّ السّؤال سيظل قائما ما هي العلاقة بين المتحصّلات المتكافئة لنفس وسائل التّخزين؟ هل القرص المنسوخ مباشرة من الذّاكرة الدّاخلية يفضّل عن ذلك المنسوخ للمرة الثّانية؟ هل المخرجات المبكرة أفضل من المخرجات المتأخرة أو اللاّحقة ؟( ). إنّ عملية ضبط الأدّلة المعلوماتيّة المستمدّة من التّفتيش بقصد تقديمها كدليل في المحكمة تعدّ من أولى الموضوعات الّتي تعرّض لها الفكر القانوني سواء من حيث قابليتها القانونية أو من حيث منهجية الدّليل الّذي تم تخريجه، إذ يصحّ في القانون أن يكون هناك من الأدلّة ما هو مخرج من مخرجات الحاسوب و الأنترنت، بحيث تعدّ هذه المخرجات أدلّة أصلية على الرّغم من كونها نسخ من دليل أصله موجود في العالم الإفتراضي أو في الحاسوب و هو الجواب الّذي وضع حدا لكافة هذه التّساؤلات. و قد عبّر عنه المشرّع الجزائري ضمنيا بموجب المادة 6 من القانون 09/04 حيث جاء فيها "عندما تكتشف السّلطة الّتي تباشر التّفتيش في منظومة معلوماتية معطيات مخزّنة تكون مفيدة في الكشف عن الجرائم أو مرتكبيها و أنّه ليس من الضّروري حجز كلّ المنظومة يتمّ نسخ المعطيات محل البحث و كذا المعطيات اللاّزمة لفهمها على دعامة تخزين إلكترونية تكون قالبة للحجز و الوضع في أحراز وفقا للقواعد المقرّرة في قانون الإجراءات الجزائية"( ). الملاحظ في هذه الحالة أنّ إعتراف القانون بهذه الهيئة الأخرى (النسخ) يكون مؤسّسا على طابع إفتراضي مبناه أهمّية الدّليل المعلوماتي ذاته و ضرورته، إلاّ أنّه لكي يحدث تواصل بين القانون و بين الدّليل المذكور فإنّه يلزم سلوك مسلك الإفتراض من حيث إعتباره دليلا أصليا، و مسألة الأصالة هذه أثارت العديد من المشكلات، فعند البحث في قيمة الدّليل المعلوماتي المستمد من التفتيش يتردّد السّؤال دوما على لسان القضاة فيما إذا كان الدّليل المستخرج هو نفس أصل البيانات الّتي ضبطت دون أن يلحقه تغيير سواء أثناء "إستخراجه" أم عند "صبطه" و "تحليله" و "حفظه" إلى غاية تقديمه إلى القضاء أم لا. و في هذا الإطار تثار ثلاثة تحديات، قد يدفع أحد الخصوم بعدم صحّة السّجلات المتوالدة و تلك المخزّنة في الأنظمة المعلوماتية بالتّساؤل عما إذا كانت السّجلات قد تمّ تعديلها أو العبث بها أو تدميرها بعد إعدادها، أو ربّما قد يثير المتّهم دفعا مبناه التّشكيك في صحّة سجلات الحاسوب المتوالدة بتحدي قدرة برنامج الحاسوب الّذي قام بتوليدها و ربّما يقوم الأطراف بالإعتراض على صحّة السّجلات المخزّنة و ذلك بالتّشكيك في هوية القائم بإعدادها- التلفيق-( ). و هكذا فإنّ الخلاف حول إستخدام الدّليل المعلوماتي المستمد من التّفتيش أمام المحاكم الجزائية عادة ما يتعلّق بالموثوقية، و مع أنّ الكثيرين يثقون في موضوعية و دقّة الأدّلة المعلوماتيّة و يعتبرونها أكثر موثوقية و ينادون باستخدامها، يرى آخرون أنّ عدم وجود وسائل للتّحقق من أنّها أصلية يجعلها أكثر عرضة للرّفض، و على ذلك فهي أقلّ موثوقية من الأدلّة التّقليدية، و من غير الملائم بناء حكم الإدانة عليها، فإعطاء قيمة قانونية لهذا النّوع من الأدلّة أمر صعب بسبب الجهل بإجراءات معالجة البيانات، و تترجم هذه الصّعوبة في عدم وجود لوائح منهجية محدّدة و كذلك عدم وجود تجانس بين الأجهزة القضائية في تقدير مدى صحّتها و أصالتها، لذا أبدى الشّراح تخوّفهم من ضعف الرّقابة و سهولة التّلاعب في هذه الأدلّة مما يؤدي إلى وجود درجة عالية من التّقلب و عدم اليقين من صحة الأدلّة الأمر الّذي يصعب معه الإعتماد عليها في الإثبات( ). إنّ حقيقة إمكانية خضوع الدّليل المعلوماتي للعبث به على نحو يجعله يعبّر عن واقعة يقصدها أحد الأطراف خلافا للحقيقة الواقعية، جعلت المشرّع يعبّر عن هذه المخاوف من خلال إرساء شرط جوهري كقيد على حرّية القاضي في تقدير قيمتها الإثباتية و هي التّأكد من "سلامتها" Integrity و "صحّتها" Authenticity و هو ما يستشفّ من الفقرة الأخيرة من المادة 6 من القانون 09/04 و الّتي جاء فيها "غير أنّه لا يجوز لها إستعمال الوسائل التّقنية الضّرورية لتشكيل أو إعادة تشكيل هذه المعطيات قصد جعلها قابلة للإستغلال لأغراض التّحقيق شرط أن لا يؤدي ذلك إلى المساس بمحتوى المعطيات". لاشك أنّ إجراءات الحفاظ على البيانات و الوثائق و سلامتها أو ما يعرفThe chain of Custody Proves The Integrity يعدّ أمرا مهمّا لإثبات أصلية الدّليل المعلوماتي و يتمّ إثبات الحفاظ على البيانات و سلامتها من خلال التّأكد بأنّها إستخرجت من جهاز أو موقع معيّن و أنّ هذه البيانات و الأدلّة المستمدّة منها ظلّت تحت المراقبة منذ لحظة تجميعها و لم يطلها أيّ تغيير أو تدمير، ذلك أنّه من خلال الحفاظ على هذه البيانات يمكن الرّبط بين الدّليل المعلوماتي المستمد من تفيش و الجريمة المرتكبة، فإذا كانت هذه البيانات أو المعلومات لم يحافظ عليها و على سلامتها بشكل صحيح فإنّ ذلك يؤدي إلى نتيجة مربكة و تظهر الشّك في موثوقية الدّليل المتحصّل عليه من خلالها( )، مما يؤدي إلى استبعادها من الإثبات تطبيقا لقاعدة الشّك يفسّر لصالح المتّهم. ثانيا: المعاجلة الفقهية و القضائية لإشكالية موثوقية الدّليل المعلوماتي يثير موضوع موثوقية و أصالة الدّليل المعلوماتي كقيد على حرّية القاضي في تقدير قميته الإثباتية إشكالية معقدة فيما إذا كانت هذه الطّبيعة الّتي عليها الدّليل المعلوماتي توجب إرساء قواعد جديدة للتّأكد من موثوقيتها أم تكفي القواعد التّقليدية المتعارف عليها لبناء الحكم عليها أو إستبعادها؟ واقع الأمر أنّ الحل إزاء هذه الإشكالية لا يلقى الإجماع، إذ يرى جانب من الفقه في الولايات المتحدة الأمريكية أنّ التّأكد من صحّة السّجلات الإلكترونية لتقدميها للقضاء لبناء هيكلة الإدانة و البراءة يخضع لنفس القواعد الّتي تتبعها المحاكم للتّأكد من صحّة أيّ دليل معروض عليها، و لا حاجة لوضع قواعد جديدة للتّأكد من صحة الأدّلة المعلوماتيّة بوجه خاص( )، إذ أنّ معيار الصّحة في سجلات الحاسوب هو ذات معيار الصّحة في سجلات الحواسيب الأخرى، ذلك أنّ درجة الصّحة لا تتنوّع ببساطة لمجرد أنّ السّجل متواجد في شكل إلكتروني( ). و تطبيقا لذلك قضت المحكمة العليا في ولاية بنسالفانيا الأمريكية أنّ التّأكد من صحة الأدّلة المعلوماتيّة يخضع لذات القواعد المعمول بها في مجال الأدلّة التّقليدية و ذلك بقولها "نحن لا نرى أيّ مبرّر لإنشاء قواعد فريدة أو متميزة لقبول الأدلّة المستمدّة من الإتصالات مثل الرّسائل بحيث يتمّ تقديمها للمحكمة و تقييمها على أساس كلّ حالة على حدى، شأنها شأن أيّ وثيقة أخرى لتحديد ما إذا كان هناك أسس و شواهد كافية للتّأكد من أصالتها و صحّتها"( ). في مقابل ذلك أبدى جانب آخر من الفقه تردّدا واضحا حيال مسألة موثوقية الأدّلة المعلوماتيّة، خاصة بعد إعتراف القضاء في كثير من قراراته بأنّ مصادقة المعلومات المخزّنة إلكترونيًا ينطوي على عدد كبير من المخاوف، بحسبان أنّ "التّكنولوجيا تتغيّر بسرعة كبيرة" بل و غالبًا ما تكون غير مفهومة من قبل الجهات القضائية، علاوة على ذلك فإنّ" تعقيد " أو "حداثة" المعلومات المخزّنة إلكترونيًا مع إمكانية التّلاعب بها، يستوجب متطلّبات تمحيص أكثر صرامة بخلاف تلك المتعارف عليها لدراسة صحّة السّجلات الورقية الأخرى( ). و قد بدى تردّد القضاء واضحا خاصة في ما يتعلّق بالأدّلة المعلوماتيّة المستمدّة من تفتيش المراسلات الإكترونية الّتي تتمّ عبر مواقع التّواصل الإجتماعي-على كثرتها و تنوعها- إذ يتطلّب القضاء خاصة في هذه الأحوال إثبات "القائم بالتّأليف" و "إثبات عدم حدوث تغيير في المراسلة" على حد سواء، و تأكّد هذا التّطبيق القضائي في عديد من القضايا الحديثة الّتي تعرف تزايدا مذهلا في الولايات المتحدة الأمريكية و من بين أشهرها قضيةSTATE v. ELECK ( )، و قضية COMMONWEALTH vs. DWIGHT WILLIAMS( ). إلّا أنّ الملاحظ أنّ القضاء الأمريكي يتجه نحو الإعتداد بموثوقية الأدّلة المعلوماتيّة المستمدّة من التّفتيش من خلال إقرار قرينة مؤدّاها أنّ الدّليل المقدّم إلى المحكمة يستوفي شرط الموثوقية و يقع على من يدعي خلاف ذلك إثبات العكس( ). و مفاد ما استقر عليه هذا القضاء أنّ مجرّد الدّفع بإمكانية أو احتمالية التّلاعب بالبيانات، لا يعتبر غير كافياتأخذ به المحكمة لاستبعاد الدّليل المعلوماتي المستمد منها، بل هناك من الفقه من ذهب إلى أبعد مما ذهب إليه القضاء، حيث يرى تحقّق شرط الموثوقية في الدّليل المعلوماتي و لو طال التّغيير و التعديل بعض عناصر هذا الدليل الجنائي متى أمكن التّحقق من أصالة الباقي( ). بيد أن هذا الموقف الفقهي و القضائي لا يزال لا يحضى بالاجماع او الاستقرار، اذ أنّه ما تزال هناك شكوك حول أصالة و موثوقية هذا النّوع من السّجلات الحاسوبية مع أنّه قد توجد بها معلومات مهمّة، فالمحقّقون يعتمدون إعتمادا كبيرا على السّجلات و ما يرد بها إذ أنّهم قادرون على تعويض أي نقص في وجود الوثائق الّتي تثبت بأنّ الأدّلة المعلوماتيّة الّتي قدّمت أصلية و موثوقة( ). ثالثا: معيار تقييم موثوقية الدّليل المعلوماتي المستمد من التّفتيش إذا كان ذلك الّذي سلف، فإنّ الإمتداد الطّبيعي للتّساؤل المثار حول موقف القضاء من شرط موثوقية الأدّلة المعلوماتيّة يثير تساؤلا آخر يتعلّق مضمونه بالمعيار الّذي يهتدى به للتّأكد من إستفاء الأدلّة لشرط الموثوقية و الصّحة؟ يتطلّب تقييم موثوقية الدّليل المعلوماتي المستمد من التّفتيش أن يكون الدّليل أصليا و حقيقيا، و يتّبع أحد النّهجين في تقييم ما إذا كان الدّليل المعلوماتي يمكن الإعتماد عليه في المحكمة أم لا، يقوم النّهج الأوّل على التّأكد من أنّ الحاسوب الّذي أنتج الدّليل المعلوماتي يعمل بصورة عادية، و النّهج الثّاني يقوم على فحص الدّليل المعلوماتي الحقيقي لمعرفة مدى وقوع عبث بهذه النّسخ أم لا( ). مقتضى النّهج الأوّل (شرط سلامة الحاسوب) يعني صحّة حركة القطع الصّلبة Hadware فيه، بحيث يجب أن تعمل بطريقة عادية، مثلما هو الحال في أيّ حاسوب آخر من ذات التّركيبة، بحيث يجب فحص حركة الحاسوب المذكورة لكي يمكن تجنب الوقوع في مأزق رفض المحكمة الإعتداد بالدّليل المنبثق عنه، و في القضاء المقارن لا سيما الأمريكي فإنّ شرط سلامة الحاسوب مطعن رئيسي على كلّ دليل تمّ الحصول عليه، بحيث يجب الكشف على حركة الحاسوب بداية و الإقرار بسلامته، و ذلك منذ قضية Rosenberg v. Collins حيث قرّرت المحكمة قبول الدّليل الرّقمي إذا كان مستمدّا من حاسوب سليم( ). و هذا النّهج تمّ إعتماده في الماضي من قبل أغلب التّشريعات المقارنة في الولايات المتحدة الأمريكية و المملكة المتحدة، و هو يمنح للمحاكم سلطة تقدير البيانات المستخرجة من الحاسوب على أساس موثوقية نظام الحاسوب و عملية إستخراج البيانات، فعلى سبيل المثال تنصّ المادة 901/6/9 من القواعد الفيدرالية الأمريكية للإثبات بعنوان متطلّبات الأصلية و التّطابق تقتضي بأنّ الدّليل يصف العملية أو النّظام المستخدم في إحداث النّتيجة و يبيّن أنّ العملية أو النّظام أحدث نتيجة دقيقة، و في بريطانيا ينصّ القسم 69 من قانون الشّرطة و الأدلّة الجنائية لسنة 1984 "في أيّ مرحلة من مراحل الإجراءات الجنائية، فإنّ أيّ بيانات موجودة في وثائق مخرجة من حاسوب لن تكون مقبولة كدليل عن أيّة واقعة ما لم يتبيّن أنّه: أ-ليس هناك أيّ إدعاء يصلح كأساس للإعتقاد بأنّ البيانات غير دقيقة بسبب عدم دقّة الحاسوب"( ). أمّا بالنّسبة للتّشريع الجزائري فهو لا يعير إهتماما لمدى سلامة الحاسوب لتحديد موثوقية الأدّلة المعلوماتيّة المستمدة من التفتيش، بل يشترط صراحة عدم حدوث تغيير على الأدلّة عند "ضبطها" كمعيار فاصل في تقدير مدى أصالتها، كما توحي بذلك الفقرة الأخيرة من المادة 6 من القانون 09/04، و هو نص يحتاج إلى الكثير من التّأمل و إعادة النّظر، إذ أنّ عملية حفظ الأدلّة في العالم الرّقمي بالغة الدّقة بحكم سرعة و سهولة العبث بها، ما يجعل شرط الموثوقية لا يقف عند هذا الحد (مرحلة إستخراج الدّليل و مرحلة الضّبط) وفق منظور المشرّع، إنّما يتّسع إلى مدى أبعد، بحيث يشترط أن لا يكون قد تعرّض الدّليل لأيّ تغيير خلال عملية "ضبطه" أو "حفظه" أو "تحليله". و مثل هذا الأمر يجعل شرط الأصالة لا يتوقف عند مرحلة التحقيق، بل الأهم من ذلك هو المحافة عليه عند تقديمه للقضاء فيستمر لمرحلة المحاكمة و أحيانا لمرحلة ما بعد المحاكمة، كما هو الشّأن حال عرض الدّليل المقدّم إلى محكمة الموضوع و أمام جهة قضائية أعلى كالإستئناف أو لدى هذه الجهة بعد النّقض لمرة أو مرات عدة و إلاّ فقد أهمّية وجوده قانونا. في مقابل ذلك هناك من التّشريعات من اعتمدت كلا الشّرطين لتحقّق أصالة الدّليل المعلوماتي (سلامة الحاسوب و عدم حدوث تغيير على الأدلّة عند ضبطها)، و يأتي التّشريع السّوري في طليعة هذه التّشريعات، حيث أشارت المادة 25 من المرسوم التّشريعي السّوري رقم 17 لسنة 2012 إلى وجوب تيقّن المحكمة من سلامة الدّليل المعلوماتي المقدّم إليها و ذلك بتحقّق شرطين، التّأكد من كون الأجهزة الحاسوبية أو المنظومات المعلوماتية المستمد منها هذا الدّليل تعمل جزئيا أو كلّيا على نحو سليم، و أنّه لم يطرأ على هذا الدّليل أيّ تغيير خلال مدّة حفظه من شأنه أن يغيّر من طبيعته أو من محتواه، و يعدّ الدّليل المعلوماتي المقدّم إلى المحكمة مستجمعا لهذين الشّرطين ما لم يثبت العكس( ). و مثل هذا القول لا يمكن قبوله على الإطلاق، و إنّما وفقا للحالة العادية الّتي يعمل بها الحاسوب، بحيث لا يتمّ التّعويل على الدّليل المستمد من حاسوب محاصر تماما بالعطب البرمجي، أمّا إذا كان العطب البرمجي يجعل الحاسوب مع ذلك مؤهلا للعمل عليه فإنّ مثل هذا العطب البرمجي لا يؤثّر في قيمة الدّليل و مدى قبوله أمام المحاكم في هذا الشّأن( ). لذا يرى الفقه أنّه في الأحوال الّتي يقوم فيها شك معقول فيما يتعلّق بموثوقية الأدّلة المعلوماتيّة، فإنّ هذا لا يجعلها بالضّرورة مجرّدة من القيمة الإثباتية، و لكن ذلك سيقلّل من مقدار الوزن الّذي تعطيه المحكمة، على سبيل المثال إذا كان هناك قلق من أنّ الأدلّة قد تمّ العبث بها قبل جمعها، فإنّ هذا الشّك قد يقلّل من الوزن المخصّص للأدلّة، ففي العديد من الحالات جادل المتهمون بأنّ الأدلّة لم تكن جديرة بالثّقة لمجرّد وجود إحتمال نظري بأنّه كان يمكن تغييرها أو إختلاقها، و مع ذلك و نظرًا لكون القضاة أصبحوا أكثر دراية بالأدّلة المعلوماتيّة، فإنّهم باتوا يطالبون أدلّة لدعم مزاعم عدم الثّقة أو وجود عبث بالأدلّة( ). من المعلوم أنّ موثوقية نظام حاسوب معيّن أمر صعب في التّقييم، فمن النّاحية العملية فإنّ المحاكم ليست مجهّزة بشكل جيّد لتقييم موثويقة أنظمة الحواسيب و عمليتها، كما أنّ زيادة التّنوع و التّعقيد في هذه التّقنيات جعل من الصّعب فحص كلّ الأجهزة و الوقوف على كلّ تعقيدات تشغيلها، إضافة إلى ما يبديه المبرمجون و مصمّمو البرامج من تحفّظ على موثوقية الدّليل المعلوماتي، في أنّه لا يمكن أن يؤسّس على أدنى مستوى من فحص أجهزة الحاسوب و التّعرف على دقّتها، و لهذا نجد أعباء كثيرة على المحاكم و ازدحام العديد منها بشهود التّقنية، كما أنّ صعوبة تصديق الحاسوب أو حتّى عملية معيّنة في عمومها يمكن أن يعطّل الموثوقية في ظروف معيّنة، على اعتبار أنّ أنظمة الحاسوب توجد بها أخطاء تشغيل غير متوقّعة تؤدي في بعض الأحيان إلى تلف البيانات أو قد يحدث تعطّل كارثي، لذلك فإنّ أجهزة الحاسوب ليست آمنة لكي نفترض أنّ الأدوات الميكانيكية منضبطة وقت العمل( ). و لهذا فإنّ مسألة موثوقية الدّليل وفقا للنّهج الأوّل مسألة معقّدة و للخروج من هذا المأزق لجأ القضاء المقارن إلى إرساء معايير أخرى أكثر موضوعية، و هي مبدأ إفتراض صحّة الدّليل المعلوماتي و يقع على من يدعي عكس ذلك إثبات تعرّضه للتّغيير، و في حالة وجود شك معقول كان لقاضي الموضوع الإعتماد على الخبرة التّقنية للتّاكد من أصالة الدّليل أو نفي إستفائه لهذا الشّرط( )، أو بالإستعانة بشهادة الخبراء التّقنيين( ). غير أنّ هذا المعيار و إن كان الأكثر إستعمالا إلاّ أنّه ظلّ منتقدا بشدّة و أسباب ذلك ترجع إلى أنّ عملية التّفتيش على الأدّلة المعلوماتيّة أصلا عملية جدّ معقّدة و تستغرق جهدا كبيرا و موارد بشرية و أموالا طائلة و تستنفذ وقتا طويلا قد يتجاوز في بعض الحالات ستة أشهر و يحدث ذلك في الدّول الأكثر تقدّما من النّاحية التّقنية، أمّا إذا تمّ تكرار هذه العملية في سبيل التّحقق من أصالة الدّليل فإنّ ذلك يؤدي بلا شك إلى شلل عملية استخدام هذا النّوع من الأدلّة في الإثبات الجنائي خاصة و أنّ مجمل الأدلّة تتعرّض للطّعن في موثوقيتها. و إزاء هذا الوضع حاول القضاء البحث عن بدائل لهذه المعايير المكلّفة، و لعلّ أهمّها أنّه في حالة الشّك المعقول في موثوقية الدّليل المعلوماتي المستمد من التفتيش، يتمّ إعتبار هذا الدّليل مجرّد قرينة تحتاج إلى دليل يعزّز مصادقيتها للإعتماد عليها في بناء حكم الإدانة، كالإعتماد على شهادة الشّهود( )، أو تصريحات الضّحية إذا لم ينكرها المتّهم( )، أو إعتراف المتّهم ذاته، أو بالإستناد إلى شواهد أخرى تؤكّد قيام العلاقة بين الدّليل المعلوماتي المطعون في صحته و بين الوقائع المراد إثباتها(test of potential relevance)( ). الحقيقة إنّ مثل هذه المخاوف تجعل من الصّعوبة بمكان إمكانية الإعتماد على دليل معلوماتي لوحده لإدانة المتّهم، و إنّما يحتاج الأمر هنا إلى دليل مادي و مثابرة من جهات التّحقيق لكي يتوافر لها دليل تقليدي كإعتراف أو شهادة أو خبرة أو قرائن، بحيث ينبغي ينبغي ألاّ تتجاوز إلى تقرير المستحيل، ففي الحالات الّتي تمّت فيها إدانة أشخاص أمام القضاء المقارن كان هناك دائما دليل مادي يتمّ الإستناد إليه إلى جِوار الدّليل المعلوماتي( ). خلاصة القول أنّ معيارتقييم موثوقية الدّليل المعلوماتي المستمد من التفتيش الأكثر فاعلية يكون من خلال التّركيز على الدّليل المعلوماتي ذاته في ضوء الظّروف و الملابسات أكثر من التّركيز على العملية الّتي أنتجت الدّليل، كما أنّه من غير العملي و لا من الضّروري اللّجوء إلى الخبرة العلمية في كلّ قضية تعرض على القضاء، خاصة و أنّ هذا النّوع من الأدلّة سيشكّل حجر الزّاوية في الإثبات الجنائي مستقبلا، لذا ينبغي معالجة كلّ حالة على حدى و إعمال أحد المعايير السّالفة في ضوء نوع الدّليل و مدى معقولية التّشكيك في صحّته للوصول إلى اليقين القضائي.
الفصل الثاني القيمة القانونية للأدلّة المعوماتية المستمدة من تفتيش غير مشروع تعتبر الرّقابة على مشروعيّة إجراءات استرداد الدّليل المعلوماتي، جوهر الإشراف القضائي على كفالة الحرّية الشّخصيّة، إذ تفقد قاعدة مشروعيّة الدّليل المعلوماتي قيمتها إذا لم تكن هناك رقابة فعّالة على السّلطة الّتي تباشر التّفتيش، و لا معنى لهذه الرّقابة إذا لم يكن هناك جزاء يتقرّر جزاء مخالفة كلّ ما تفرضه هذه القاعدة، و لا سبيل إلى ذلك سوى بفرض جزاء يصيب التّفتيش غير المشروع (مبحث أوّل)، و جزاءات أخرى تصيب مرتكب هذا الإجراء غير المشروع (مبحث ثاني).
المبحث الأوّل جزاء التّفتيش غير المشروع عن الأدلة المعلوماتيّة يكفل القضاء حماية الشّرعيّة الإجرائيّة للأدلّة المعلوماتيّة المستمدة من التّفتيش عن طريق إعمال راقبته على هذا الإجراء المتخذ صونا للحرّيات الفردية و منعا من إساءة إستعمال السّلطة، و وسيلته في ذلك تكمن في منع العمل الإجرائي الّذي إتخذ بالمخالفة للقانون من ترتيب أثاره، و تلك نتيجة غاية في الأهمية قد تؤدي إلى إفلات المجرم من العقاب رغم تحقّق الإقنتاع بالإدانة، لذا يقع علينا أن نحدّد هذا الجزاء الإجرائي (مطلب أوّل)، و آثاره (مطلب ثاني). المطلب الأوّل: تحديد الجزاء الاجرائي للتفتيش غير المشروع لمّا كان تفتيش نظم المعلومات بمختلف مراحله هو مصدر الأدلّة المعلوماتيّة الّتي تؤسّس عليها المحكمة إقتناعها بالإدانة، فإنّ قبول هذه الأدلّة يتوقّف على مشروعية هذا العمل الإجرائي لهذا كان البطلان عنوانا لعدم المشروعية، و لا يتأتى إهدار هذا الدّليل إلاّ في ضوء التّناسب بين المصلحة العامة و مصلحة الأفراد، لذا وجب بيان سياسة البطلان بشكل عام (فرع أوّل) و تحديد طبيعة البطلان الّذي يلحق التّفتيش عن الأدلّة المعلوماتيّة (فرع ثاني) و أحكام الدّفع به ( فرع ثالث). الفرع الأوّل: قواعد البطلان بشكل عام لا يمكن أن نرتّب أثرا قانونيا لإجراء غير قانوني، و في مقابل ذلك فإنّه ليست كلّ مخالفة لقاعدة ما تستوجب إهدار الدّليل المستمد من هذا الإجراء المطلوب ما لم تبلغ المخالفة حدا من الجسامة، و إلاّ طغى عنصر الشّرعيّة على الفعّالية و شلّت يد الهيئة الإجتماعية في مواجهة الإجرام، لذا يتحتّم علينا أن نبيّن مفهوم البطلان (أولا)، و نحدّد مذاهبه (ثانيا)، و صوره (ثالثا)، و معياره (رابعا). أوّلا: تعريف البطلان أشرنا فيما سبق إلى أنّ الرّقابة القضائية تعتمد على سلطة القضاء في إلغاء الإجراء المخالف للقانون، و يتمثّل هذا الإلغاء في الجزاء الّذي يرد على الإجراء غير المشروع فيهدر آثاره القانونية، و هو أكثر الجزاءات فاعلية كنتيجة تترتّب على مخالفة الضّمانات، لأنّه يفسد على المخالف قصده فيهدر الدّليل الّذي يسعى إليه من وراء هذه المخالفة، و يتخذ الجزاء الإجرائي بوصفه وسيلة للرّقابة القضائية صورة البطلان، و هو يحمي بذلك الحرّية الشّخصية الّتي جاءت الشّرعيّة الإجرائيّة لكفالة إحترامها( ). و قد تعدّدت التّعريفات الّتي أعطاها الفقه للبطلان إلاّ أنّها مع ذلك متقاربة للغاية( )، و يمكن القول بأنّ البطلان هو "جزاء إجرائي يلحق كلّ إجراء معيب وقع بالمخالفة لنموذجه المرسوم قانونا فيُعيقه عن آداء وظيفته و يجرّده من آثاره القانونية الّتي لا يمكن ترتيبها فيما لو وقع صحيحا" ( ). و يُعرّف البطلان كذلك، بأنّه "جزاء إجرائي يترتّب على عدم مراعاة أحكام القانون المتعلّقة بأيّ إجراء جوهري و يستوي أن تكون الأحكام المتعلّقة بالإجراء الجوهري تتعلّق بمضمون و جوهر الإجراء أو كانت تتعلّق بالشّكل الّذي يصاغ فيه، كما يستوي أن تكون هذه الأحكام قد وردت بقانون الإجراءات الجزائية أم بقانون العقوبات"( ). فبطلان العمل القانوني هو "إهدار لقيمته و استبعاد آثاره "، و الأصل فيه أنّه نتيجة طبيعية لمخالفة العمل للشّروط الّتي يستلزمها القانون لصحته، سواء إستمدّت هذه الشّروط من نص صريح أو من القواعد العامة، لأنّ العمل المخالف للقانون لا يجوز أن يكون له قيمة العمل الصّحيح ( ). و لعلّ أهم التعريفات الّتي قيلت بشأن البطلان هو ذلك الذي يىى أنّ البطلان هو "جزاء إجرائي لتخلّف كلّ أو بعض شروط صحة الإجراء الجنائي و يترتّب عليه عدم إنتاج الإجراء آثاره المعتادة في القانون"( ). و نحن نرى أن أكثر الوسائل الإجرائيّة فعّالية في كفالة الحرّية الشّخصية أو بشكل عام كفالة إلتزام السّلطة الإجرائيّة بما تفرضه قاعدة مشروعية الدّليل الجنائي و ما تستوجبه قرينة البراءة هي البطلان، و هو مفهوم يرتبط بشكل أساسي بالغاية من الإجراء الجنائي بحد ذاتها، و الّتي سبق أن أشرنا إليها و هي التّنسيق بين الثّانية الفعّالية و الشّرعيّة في الوصول إلى الحقيقة الواقعية، فهو بهذا المعنى جزاء إجرائي يترتّب على عدم مراعاة العناصر اللاّزمة للعمل الإجرائي فيهدر آثاره و يجرها من قيمتها القانونية فيما لو صح العمل الإجرائي. و هذه الوسيلة الإجرائيّة الّتي تمنع العمل الّذي أتخذ بالمخالفة للقانون من ترتيب آثاره، تثير لدينا تساؤلا محدّدا مضمونه هل المشرّع الجزائري عدّد على سبيل الحصر الحالات الّتي يترتّب فيها هذا الجزاء الإجرائي للدّليل غير المشروع؟ أم أنّه ترك هامشا من التّقدير للقاضي يستخلصه وفقا لجسامة المخالفة المرتكبة حتّى و إن لم يرتّب المشرّع البطلان جزاء مخالفتها بنص صريح في القانون؟ ثانيا: مذاهب البطلان لا مراء في أنّ قد يتقرّر البطلان بنص قانوني جزاء مخالفة لقاعدة نصّ عليها المشرّع صراحة، كما قد يترتّب أيضا لمجرّد مخالفة قاعدة تعتبر جوهرية دون أن ينصّ المشرّع على البطلان كجزاء تلك المخالفة، و هذه النتجية تفيذ أنّ البطلان قد يكون قانونيا أو شكليا(أ)، و قد يكون ذاتيا يقدّره القاضي دون أن يرد عليه نص في القانون و هو ما يطلق عليه بالبطلان الجوهري أو الذاتي(ب). أ)- مذهب البطلان القانوني يعني مذهب البطلان القانوني أو الشكلي (Nullité Textuelle) أنّه "لا بطلان بغير نص" Pas De Nullité Dans Texte، و مضمون هذا المذهب أنّ المشرّع هو الّذي يتولّى بنفسه تحديد حالات البطلان، بحيث لا يجوز للقاضي أن يقرّر البطلان في غير هذه الحالات( )، و ميزة هذا المذهب أنّ المشرّع يتولّى بنفسه الإفصاح عن آرائه في تحديد الضّمانات الجوهرية الّتي يترتّب على مخالفتها البطلان( )، فالقاضي مقيّد بنص القانون في تقرير هذا الجزاء من عدمه. و يترتّب على ذلك أمران: أوّلهما، أنّه لا يكفي النّص على إتباع إجراء معيّن حتّى ينتج البطلان عن إغفاله، بل لا بدّ أن يكون المشّرع قد فرض هذا الإجراء في حالة الخروج عليه، بعبارة أخرى لا يجوز الحكم بالبطلان دون نص صريح يقرّر بطلان كلّ إجراء على حدى عند عدم مراعاة القواعد القانونية المتعلّقة به. و ثاني الأمرين، أنّ القاضي لا يملك أيّ سلطة تقديرية في هذا الشّأن، فلا يملك أن يقضي بالبطلان ما دام المشّرع لم ينص عليه، كما لا يملك عدم القضاء به عند النّص( )، و معنى ما تقدّم أنّ هذا المذهب يتسم بالضّبط و التّحديد، فلا مجال للخلاف في الرّأي حول نصيب الإجراء من الصّحة و البطلان، فقد استبعد المشرع ابتداء السّلطة التّقديرية للقاضي في هذا الشّأن( ). بيد أنّ هناك من الفقه من ينتقد هذا المذهب بحجة أنّه يضيّق من حالات البطلان باستلزامه نصا تشريعيا في كلّ حالة، كما أنّه يستند إلى تنبؤ المشرّع سلفا بأحوال البطلان، مع أنّه يتعذّر أن يوفّق المشرّع في تحديد أحوال البطلان في قائمة خالية من الإفراط أو التّفريط( ). فالمشرّع و هو يضع قواعد قانونية مجرّدة لا يستطيع أن يحيط بكلّ الفروض الواقعية، فثمّة حالات يقتضي المنطق القانوني و المصلحة الإجتماعية تقرير البطلان فيها، فلا يجد القاضي وسيلة إلى ذلك، بالإضافة إلى ذلك فقد يقرّر القانون البطلان في حالة، و لكن يتبيّن للقاضي بالنّظر إلى الظّروف الواقعية لهذه الحالة أنّه لا مقتضى لهذا البطلان، و أنّ ثمّة جزاء أقل منه يمكن الإكتفاء به( )، لذا بات من الضّروري الإستعانة بمذهب آخر. ب)- مذهب البطلان الذّاتي أمّا البطلان الذّاتي أو الجوهري (Nullité substantielle) فمقتضاه أنّ الوسيلة لتقرير البطلان ليست تشريعية بمعنى وجود نص صريح يوجبه، و إنّما الوسيلة إلى ذلك قضائية( )، فجوهر هذا المذهب هو اعتراف الشّارع للقاضي بسلطة تقديرية في تحديد القواعد الّتي يترتّب البطلان على مخالفتها، و تمييزها عن القواعد الّتي لا يبطل الإجراء المخالف لها، و يضع الشّارع معيارا مجرّدا يستعين به القاضي على هذا التّمييز، و يقوم هذا المعيار في الغالب من التّشريعات على التّفرقة بين القواعد الإجرائيّة الجوهرية، و القواعد الإجرائيّة غير الجوهرية و تقرير البطلان جزاء لمخالفة الأولى دون الثّانية( ). و يتميّز هذا المذهب بالمرونة حيث يستطيع القاضي و هو على اتصال بالوقائع في كلّ حالة أن يوازن بين أهمّية المخالفة و الجزاء الّذي يترتّب عليها، فيترك لتقدير القضاة بالنّسبة للإجراءات الجوهرية الّتي يجازى عليها البطلان. على أنّه يعاب على هذا المذهب صعوبة وضع معيار للتّمييز بين "القاعدة الجوهرية" و "القاعدة غير الجوهرية" مما يفسح المجال للإجتهادات الفقية و القضائية، و هذا الأمر سوف يدخل القضاء في حالة عدم اليقين، مما يجعل مخالفته للضّمان الجوهري في إحدى القضايا سببا للبطلان و في غيرها من القضايا عديم الأثر، و لا شك أنّ افتقار الجزاء الإجرائي إلى التّحديد يمسّ إحترام مبدأ الشّرعيّة الّتي تفترض اليقين، كما أنّه يمسّ بمبدأ المساواة أمام الخصوم حيث يقضى بالبطلان لصالح البعض و لا يقضى به لصالح الآخرين طالما كان الأمر متروك لتقدير القاضي( )، فهي عقبة كؤؤد قد ينتج عنها اختلاف وجهات النّظر و تضارب في الأحكام. و إذا كان ذلك الّذي سلف، فإنّ الإمتداد الطّبيعي للتّساؤل المثار حول مذاهب البطلان من حيث مقوّماتها و مبادئها، يدفعنا إلى التّساؤل في ضوء ذلك عن المذهب الّذي إعتنقه المشرّع الجزائري؟ و هل وضع فعلا تنظيما وافيا لأحكام البطلان؟ ثالثا: الموقف التّشريعي من مذاهب البطلان لم يضع قانون الإجراءات الجزائية الجزائري نظرية عامة في شأن البطلان، و كلّ ما فعله أنّه أورد بعض نصوص متفرّقة ترتّب البطلان جزاء مخالفة ما استوجبته تلك النّصوص من قواعد، فاعتنق المشرّع نظريتي البطلان الذّاتي و البطلان القانوني عندما نصّ في المادة 159 من قانون الإجراءات الجزائية الجزائري "يترتّب البطلان أيضا على مخالفة الأحكام الجوهرية المقرّرة في هذا الباب خلاف الأحكام المقرّرة في الماديتين 100 و 105 إذا ترتّب على مخالفتها إخلال بحقوق الدّفاع أو حقوق أيّ خصم في الدّعوى و تقرّر غرفة الإتهام ما إذا كان البطلان يتعيّن قصره على الإجراء المطعون فيه أو امتداده جزئيا أو كليا إلى الإجراءات اللاّحقة له". و يمكن القول أنّ أغلب التّشريعات تميل إلى الأخذ بمذهب البطلان الذّاتي كالتّشريع المصري و التّشريع اللّيبي (المادة 304 من قانون الإجراءات الجزائية)، و التّشريع المغربي (المادة 769) و التّشريع الكويتي (المادة 146) و التّشريع الإماراتي (المادة 221) و توجب هذه التّشريعات خضوع العمل الإجرائي المعيب و المؤثّر في الحكم و الضّار بحقوق الدّفاع أو مصالح الخصوم لجزاء تقرّره الجهة القضائية الّتي يرفع إليها الطّعن بالبطلان( ). أمّا المشرّع الفرنسي فقد هجر تقريبا نظرية البطلان القانوني، و كرّس بصدور القانون رقم 93-1013 المؤرخ في 24 أوت 1994 نظرية البطلان الذّاتي، فوفقا للمادة 171 من قانون الإجراءات الجزائية يتحقّق البطلان عندما يترتّب على إغفال إجراء جوهري منصوص عليه في قانون الإجراءات الجزائية، أو أيّ نص إجرائي آخر فيه مساس بحقوق الطّرف الّذي يتعلّق به الإجراء( )، و هذا لا يعني أنّه قد أهمل كلية نظرية البطلان القانوني فقد حافظ عليها في مواضع كثيرة من قانون الإجراءات الجزائية، و هو مفترض طبيعي أن يتدخّل بالنّص على حالات البطلان جرّاء مخالفة قواعدة راسخة تتعلّق بالنّظام العام. و الجمع بين النّظريتن في النّظام القانوني الواحد هو محل إجماع بين الفقه، فإلى جانب النّص تشريعيا على حالات معيّنة للبطلان يُترك لتقدير القاضي فرصة ترتيب هذا الجزاء على مخالفة يقدّر القاضي أهميتها خاصّة في ضوء واقع الدّعوى الّتي ينظرها، لكن السّؤال الّذي يتبادر إلى الذّهن في هذا الصّدد ما هو المعيار الّذي يهتدي به القاضي لتفريق بين "الإجراء الجوهري" و" الإجراء غير الجوهري" كمعيار للحكم بالبطلان؟، لا شك أنّ السّؤال حاسم لأنّ الكشف عن هذا المعيار يعني تحديد نطاق البطلان و رسم الخط الفاصل بين الإجراءات الّتي تفضي مخالفتها إلى بطلانها و تجريدها من أثرها القانوني و بين تلك الّتي تبقى صحيحة منتجة لأثارها القانونية و لو تمت مخالفتها( ). الحقيقة أنّ الفقه إختلف بشأن وضع معيار دقيق للتّفرقة بين القواعد الجوهرية و غيرها، و قد تعدّدت الضّوابط الّتي يمكن الإستهداء بها بشأن معرفة ما إذا كان الإجراء جوهريا يجازى عليه بالبطلان أم أنّه إجراء تنظيمي لا يرتّب مثل هذا الأثر. فيرى جانب من الفقه أنّ شروط صحة العمل الإجرائي في الخصومة الجنائية ليست إلاّ ضمانات لاحترام الحرّية الشّخصية و غيرها من حقوق الإنسان للوصول إلى محاكمة قانونية منصفة، فهي الضّمانات الّتي يتطلّبها الدّستور و القانون لحماية هذه الحقوق و الّتي أكدتها الشّرعيّة الإجرائيّة باعتبارها الشّرعيّة الدّستورية في الإجراءات الجزائية، و قد ترجم القانون هذه الضّمانات في صورة شروط لصحة الإجراءات الجنائية سواء كانت شروطا شكلية أو موضوعية، و هنا يجب التّمييز بين هذه الشّروط الجوهرية الّتي هي في جوهرها ترجمة لهذه الضّمانات، و بين بعض القواعد الإرشادية التّنظيمية الّتي لا تنطوي على حماية هذه الحقوق، بل لتنيظم الأمور و حسن سيرها و لا يترتّب عليها البطلان( ). بينما نجد أنّ المذكرة الإيضاحية لنص المادة 332 من قانون الإجراءات الجنائية المصري( )، قد بيّنت معيار البطلان فنصت" للتّعرف على الأحكام الجوهرية يجب دائما الرّجوع إلى "علّة التّشريع" فإذا كان الغرض منه المحافظة على مصلحة عامة أو مصلحة المتّهم أو غيره من الخصوم فإنّه يكون جوهريا و يترتّب على مراعاته البطلان"، و جوهر هذه الفكرة هي الرّجوع إلى علّة التّشريع، أي أنّ هذا المعيار قوامه فكرة "المصلحة"، هل القاعدة تستهدف حماية مصلحة بحيث يترتّب على مخالفتها إهدار تلك المصلحة، أم هي تستهدف مجرّد التّرتيب و الإرشاد من وجهة نظر الملائمة فحسب بحيث لا يترتّب على مخالفتها تضييع مصلحة ما، و على هذا النّحو كان ضابط القاعدة الجوهرية هو"المصلحة"، و ضابط القاعدة الإرشادية "الملائمة"( )، أي إذا اعتبرنا أنّ غاية الإجراء هي تحقيق مصلحة فكان من شأن عيبه أن جعله لا يحقّق هذه الغاية( ). واقع الأمر أنّ ضابط "المصلحة" أو ضابط "الملاءمة"، هي ضوابط لا تضع تفرقة واضحة المعالم بين الإجراءات الجوهرية الّتي يجازى عليها بالبطلان، و تلك الّتي ينظر إليها على أنّها ثانوية أو غير جوهرية لا يترتّب على مخالفتها أيّ بطلان، لذا ظلّ الاختلاف قائما بهذا الشّأن، مما دفع بعض الفقه إلى محاولة رصد معايير أخرى للتّمييز بين الإجراء الجوهري و الإجراء الإرشادي كمعيار "المصلحة العامة في حسن سير الجهاز القضائي" و معيار "مصلحة الخصوم" و معيار "إحترام حقوق الدّفاع" و معيار " الغاية من الإجراء"( )، أما الجانب الآخر من الفقه فهو ينتقد أصلا مسألة التفرقة بين الإجرائين من المبدأ ( ). رابعا: تقسيمات البطلان ليس للبطلان كجزاء إجرائي نوع واحد سواء كان بطلانا قانونيا أو بطلانا ذاتيا، فهناك تقسيمات مختلفة لهذا الجزاء وفقا لمعايير مختلفة، حيث يتوقف على تحديد نوع البطلان اللاحق بالعمل الاجرائي تحديد ما يترتب عنه من آثار تنعكس بشكل مباشر على القمية القانونية للأدلة الجنائية المستمدة و هي مسألة غاية في الأهمية، ما يستوجب منا بيان صور هذا الجزاء الإجرائي (أ)، و رصد معايير التّمييز بينهما (ب)، و أهمّيته (ج). أ)- أنواع البطلان يمكن التّمييز بين نوعين من البطلان، البطلان المطلق (1)، و البطلان النّسبي (2). 1)- البطلان المطلق يجري العمل على إطلاق وصف "المطلق" على البطلان المتعلّق بالصّالح العام أو النّظام العام، و وصف "النّسبي" على البطلان المتعلّق بمصلحة الخصوم، و هو أمر لا ضرر منه في النّهاية رغم عدم دقّته، حيث إنّ معيار النّظام العام هو السّائد في تمييز البطلان المطلق من النّسبي، كما أنّ البطلان المطلق يلتقي مع البطلان المتعلّق بالنّظام العام في خصائصه الرّئيسية( ). و البطلان المطلق هو البطلان الّذي يتقرّر جزاء لمخالفة قاعدة إجرائية تتعلّق بالنّظام العام أي تستهدف بالدّرجة الأولى تحقيق مصلحة عامة( )، و لم يكن الغرض منها إبتداء مصلحة الخصوم حتّى و لو أسفر مراعاة تلك القاعدة عن تحقيق مصلحة لأحد الخصوم في الدّعوى، طالما أنّ هذه المصلحة لم تكن الهدف الأساسي للقاعدة، و إنّما تأتي في المرتبة الثّانية تبعا لمصلحة المجتمع( ). الحقيقة أنّه بتأمل نصوص قانون الإجراءات الجزائية الجزائري فإنّنا نجده يخلو من الإشارة إلى البطلان المطلق أو البطلان المتعلّق بالنّظام العام، في حين فإنّ قضاء المحكمة العليا يستعمل في قراراته مصطّلح البطلان المتعلّق بالنّظام العام، بدلا من البطلان المطلق( )، في حين إستعمل القانون المدني لفظ البطلان المطلق. أمّا المشرّع المصري فقد حاول أن يحدّد مفهوم و معنى هذا البطلان و خصائصه، فأورد بعض الحالات المتعلّقة بذلك، على سبيل المثال بموجب المادة 332 من قانون الإجراءات الجنائية المصري الّتي جاء فيها: "إذا كان البطلان راجعا لعدم مراعاة أحكام القانون المتعلّقة بتشكيل المحكمة أو بولايتها بالحكم في الدّعوى أو باختصاصها من حيث نوع الجريمة المعروضة عليها أو بغير ذلك مما هو متعلّق بالنّظام العام، جاز التّمسك به في أيّة حالة كانت عليها الدّعوى، و تقضي به المحكمة و لو بغير طلب". 2)- البطلان النّسبي إذا كان البطلان المطلق يتعلّق بالنّظام العام و يرمي إلى حماية المصلحة العامة في المجتمع، فإنّ البطلان المتعلّق بمصلحة الأطراف قد وضع لحماية مصلحة أطراف الدّعوى و المحافظة عليها و تقرير ضمانات لها، و عليه فإنّ كلّ بطلان لا يتعلّق بالنّظام العام هو بطلان نسبي( )، أي أنّ البطلان النّسبي هو البطلان الّذي يقع نتيجة عدم مراعاة الأحكام الإجرائيّة المتعلّقة بمصلحة الخصوم( )، و يستخلص من ذلك أنّ الضّابط في البطلان النّسبي أنّه البطلان الّذي ينال الإجراء المخالف لقاعدة تحمي مصلحة يقدّر القضاء أنّها أقلّ أهمّية من أن تبرّر البطلان المطلق( ). و إذا عدنا إلى التّشريع الجزائري، فإنّه حدّد حالات البطلان النّسبي بأنّها ما ليست من البطلان المطلق و يتجلّى ذلك من خلال نص المادة 159 من قانون الإجراءات الجزائية - المقابل لنص المادة 172 من قانون الإجراءات الجزائية الفرنسي( )- الّذي جاء فيه "يترتّب البطلان أيضا على مخالفة الأحكام الجوهرية المقرّرة في هذا الباب خلاف الأحكام المقرّرة في المادتين 100 و 105 إذا ترتّب على مخالفتها إخلال بحقوق الدّفاع أو حقوق أيّ خصم في الدّعوى..."، و هو موقف محل نقد لأنّه ضيّق نطاق دائرة البطلان النّسبي على مخالفة الأحكام الجوهرية المقرّرة في باب التّحقيق، و كان الأولى بالمشرّع ترتيب البطلان متى وقعت مخالفة للقواعد الجوهرية خلال كافة المراحل الإجرائيّة دون قصرها على مرحلة التّحقيق القضائي و قد إستدرك المشرّع الفرنسي ذلك من خلال التّعديل الملحق على النّص. و ظاهر من خلال أحكام البطلان الّتي تضمّنها قانون الإجراءات الجزائية الجزائري أنّه لم يساعد كثيرا في حل مشاكل البطلان بقدر ما زادها تعقيدا، و السّؤال الّذي يظلّ باقيا إذا كانت أغلب حالات البطلان سواء المطلق أو النّسبي ترجع إلى مذهب البطلان الذّاتي أي لتقدير القاضي، فما هو المعيار الّذي يهتدي به هذا الأخير في التّمييز بين النّوعين طالما أنّ المشرّع لم يرصد معيارا ثابتا؟ ب)- معيار التمييز بين البطلان المطلق و البطلان النسبي الحقيقة أنّ الجواب على هذا التساؤل ليس محل إجماع بين الفقه( )، و يمكن إجمال آراء الشراح حيال هذه المسألة في موقفين: الإتجاه الأوّل: معيار نوع المصلحة الّتي تحميها القاعدة القانونية يعتمد هذا المعيار على أساس نوع المصلحة الّتي تحميها القاعدة الإجرائيّة لتحديد نوع البطلان، فإذا كانت القاعدة الإجرائيّة تهدف إلى حماية مصلحة عامة، فالبطلان المترتّب على مخالفتها مطلق، أمّا إذا كانت تهدف إلى حماية مصلحة الخصوم، فإنّ البطلان المترتّب على مخالفتها هو بطلان نسبي( )، و مثال ذلك القواعد المتعلّقة بسرّية التّحقيق لا تتعلّق بالنّظام العام بل بمصلحة الأطراف( ). فيرى هذا الجانب من الفقه أنّ المعيار الّذي يحتذى به في ذلك هو بالمصلحة الّتي أراد المشرّع تحقيقها بالقاعدة الإجرائيّة، ذلك أنّ كلّ قاعدة إجرائية إنّما ينص عليها المشرّع حماية لمصلحة معيّنة، و هكذا فإنّ الضّابط السّليم في هذا المجال هو الإعتداد بالمصلحة المبتغاة من القاعدة، فإذا كانت هذه المصلحة تتعلّق بضمان حسن سير و فاعلية الجهاز القضائي لتحقيق العدالة الجنائية كانت القاعدة متعلّقة بالنّظام العام، و يندرج تحت تلك القواعد ما يتعلّق بعلنية الجلسات و القواعد الخاصة بتسبيب الأحكام و طرق الطّعن فيها( ). الإتجاه الثّاني: معيار أهمّية المصلحة الّتي تحميها القاعدة الإجرائيّة يرى جانب من الفقه أنّ "نوع المصلحة" ليس معيارا حاسما للتّمييز بين نوعي البطلان، بل إنّ الضّابط الصّحيح في التّمييز بينهما هو "أهمّية المصلحة" الّتي تحميها القاعدة الإجرائيّة و ليس نوعها، و قاضي الموضوع هو الّذي يناط به تحديد هذه الأهمّية، فالقاعدة الّتي تحمي مصلحة قدّر القاضي أهميتها يترتّب على مخالفتها البطلان المطلق( )، و يستوي أن تكون مصلحة عامة في تنظيم القضاء و حسن سيره، أو مصلحة هامة للمتّهم أو غيره من الخصوم أو يرمي إلى حسن سير العدالة( ). يمكن القول بشكل عام أنّ حقوق الدّفاع الأساسية و ما تستوجبه قرينة البراءة من ضمانات للمتّهم في حفظ حقه في الخصوصية و الكرامة البشرية و ما يتفرّع عنها من حقوق لصيقة بالشّخصية الإنسانية هي قواعد هامة و ينبني على مخالفتها البطلان المطلق و مثال ذلك القواعد المتصلحة بحقوق الدّفاع أو المتعلّقة بإجراء الحبس المؤقت( )، أو إجراءات تمديده( ). في ضوء ذلك فإنّنا نؤيّد مذهب بعض الفقه الّذي ينادي بوجوب تبني معيارا مزدوجا يجمع بين نوع "المصلحة" و "أهميتها"، و يتمّ التّوصل إلى ذلك من خلال أمرين. الأمر الأول، ضرورة أن يكون هدف القاعدة الإجرائيّة يتصل إتصالا مباشرا إمّا بالضّمانات الأساسية المتعلّقة بحماية الإنسان في جسده أو حياته الخاصة أو حريته الشّخصية أو في الدّفاع عن نفسه، و إمّا بالضّمانات الّتي تتعلّق بالتّنظيم القضائي. أمّا الأمر الثّاني، فهو أن يكون قصد المشرّع من وضع القاعدة الإجرائيّة هو المحافظة على هذه الضّمانات تحقيقا للصّالح العام و يستوي في تحقيق الصّالح العام أن تكون المصلحة المحمية تتعلّق بالتّنظيم القضائي أم تتعلّق بمصلحة هامة و أساسية للمتّهم كما هو الحال في وجوب تعيين محام للمتّهم في جناية و أيضا الإستجواب قبل الحبس المؤقت( ). و إذا فرغما من تحديد معايير التّفريق بين البطلان المطلق و البطلان النّسبي فإنّ أهمّ سؤال يطرح في هذا الصّدد يتعلّق بالأهمّية العملية المرجوة في التّفريق بين هذين النّوعين من البطلان؟ جـ)- أهمية التّمييز بين البطلان المطلق و البطلان النّسبي إنّ التّمييز بين البطلان المطلق و البطلان النّسبي هو تمييز هام يرتّب آثارا عملية خطيرة في إجراءات التّقاضي الجنائي، و تختلف تلك الآثار من الوجوه الأربعة الآتية: 1- من حيث صاحب الحق في التّمسك بالبطلان: فلكلّ ذي مصلحة أن يتمسّك بالبطلان المتعلّق بالنّظام العام أمّا البطلان المتعلّق بمصلحة الخصوم فلا يجوز لغير ذي الشّأن التّمسك به. 2- من حيث التّنازل أو التّمسك بالبطلان: لا يجوز التّنازل عن التّمسك بالبطلان المتعلّق بالنّظام العام و لا يصحّح رضا الخصوم بالإجراء الباطل أمّا البطلان المتعلّق بمصلحة الخصوم فلصاحب الشّأن أن يتناول صراحة أو ضمنا. 3- من حيث سلطة القاضي في تقرير البطلان: فالقاضي يملك القضاء بالبطلان من تلقاء نفسه و لو بغير طلب، متى تعلّق ذلك بالبطلان من النّظام العام و لا يميل هذا في شأن البطلان المتعلّق بمصلحة الخصوم إذ هو لا يستطيع تقريره إلاّ إذا تمسّك به من تقرّر لمصلحته. 4- من حيث الوقت الّذي يجوز فيه التّمسك بالبطلان: يجوز التّمسك بالبطلان المتعلّق بالنّظام العام و لو لأوّل مرة أمام محكمة النّقض ما دام ذلك لا يتطلّب تحقيقا موضوعيا و لا يجوز ذلك في شأن البطلان المتعلّق بمصلحة الخصوم فما لم يتمسك صاحب الحق فيه أمام محكمة الموضوع سقط حقه في إبدائه( ). و إذ إنتهينا من بيان مذاهب البطلان في التّشريعات الإجرائيّة المختلفة فإنّ السّؤال المطروح يتعلّق بطبيعة البطلان الّذي يلحق إجراء التّفتيش عن الأدلّة المعلوماتيّة؟ الفرع الثّاني: طبيعة بطلان التّفتيش عن الأدلّة المعلوماتيّة قدّمنا أنّ البطلان قد ينصّ المشرّع على تقريره صراحة جزاء مخالفة قاعدة معيّنة و قد يتقرّر دون نص إذا ما انصبّت المخالفة على قاعدة جوهرية، و قد يتعلّق أحدهما بالنّظام العام و يتعلّق الثّاني بمصلحة الخصوم، إزاء ذلك كلّه لابد من تحديد أحوال بطلان التّفتيش عن الأدلّة المعلوماتيّة في ضوء موقف التّشريع (أولا)، و الفقه (ثانيا)، و القضاء (ثالثا). أوّلا: موقف التّشريع من طبيعة بطلان التّفتيش عن الأدلّة المعلوماتيّة سبق و أن توصلنا إلى أنّ البطلان معناه حرمان الإجراء المخالف للقانون من قيمته القانونيّة و إهدار جميع آثاره و إزالتها، لأنّ ما يخالف القانون لا يجوز أن تكون له قيمة في نظر القانون( )، إلاّ أنّ هذا الأثر الإجرائي لا يترتّب إلاّ في حالة "البطلان المطلق" أو "البطلان النّسبي" عند إثارته ممن تقرّر لمصلحته، و يجري التّساؤل في ضوء هذه القاعدة عن طبيعة البطلان الّذي يلحق التّفتيش عن الأدلّة المعلوماتيّة حال مخالفة أحكامه، هل هو بطلان مطلق أم بطلان نسبي؟ إنّ المتأمّل لنصوص القانون 09/04 المتضمّن القواعد الخاصة للوقاية من الجرائم المتصّلة بتكنولوجيا الإعلام و الإتصال و مكافحتها يجده يخلو من الإشارة إلى البطلان الّذي قد يترتّب على مخالفة أحكام التّفتيش عن الأدلّة المعلوماتيّة، و هو موقف التّشريع المقارن كالتّشريع الفرنسي و التّشريع البلجيكي، و كذا التّشريعات العربية باستثناء التّشريع اللّبناني( )، و مفاد موقف المشرّع إذن أنّ التّفتيش عن الأدلّة المعلوماتيّة يخضع للأحكام العامة لبطلان التّفتيش التّقليدي و ليس له أحكام مستقلة يخضع لها. بالرّجوع الى نص المادة 159 من قانون الإجراءات الجزائية فإنّنا نجد أنّ المشرّع قد حسم الخلاف نهائيا بشأن طبيعة بطلان التّفتيش، بحيث ورد فيها: "يترتّب البطلان أيضا على مخالفة الأحكام الجوهرية المقرّرة في هذا الباب خلاف الأحكام المقرّرة في المادتين 100 و 105 إذا ترتّب على مخالفتها إخلال بحقوق الدّفاع أو حقوق أيّ خصم في الدّعوى و تقرّر غرفة الإتهام ما إذا كان البطلان يتعيّن قصره على الإجراء المطعون فيه أو امتداده جزئيا أو كلّيا إلى الإجراءات اللاّحقة له... و يجوز للخصم دائما التّنازل عن التّمسك بالبطلان المقرّر لمصلحته وحده". و صراحة هذا النّص تفيد على وجه الجزم أنّ بطلان التّفتيش بصورتيه مادي و معلوماتي هو بطلان نسبي لا يتعلّق بالنّظام العام، و ليس للمحكمة أن تقضي به من تلقاء نفسها، فالتّنازل عن بطلان التّفتيش يصحّحه، فأحكام التّفتيش وردت في الباب الثّالث من الكتاب الأوّل من قانون الإجراءات الجزائية الّتي نظّمها المشرّع في المواد 44 إلى 49 و من 79 إلى 85 من قانون الإجراءات الجزائية، أي أنّ حكم المادة 159 من هذا القانون نطبق على جميع أحكام التّفتيش بما فيها حالة تفتيش نظم المعلومات، و بالطّبع فإنّ هذا البطلان هو بطلان قانوني كون المشرّع حدّد حالات البطلان صراحة بمقتضى هذه النّصوص التّشريعية. و بالعودة إلى المادة 48 من قانون الإجراءات الجزائية نجدها تنصّ على أنّه "يجب مراعاة الإجراءات الّتي استوجبتها المادتان 45 و 47 و يترتّب على مخالفتها البطلان"، و الضّمانات المقرّرة بالمادة 45 من هذا القانون تتعلّق بحضور المتّهم أو تعيين من ينيبه في حالة غيابه عندما يتعلّق الأمر بتفتيش المساكن، و هذه الضّمانة الإجرائيّة يجمع الفقه على إعتبارها مجرّد إرشاد( )، الهدف منها هو زرع الثّقة في الإجراء( ). بل إنّ أحكام محكمة النّقض المصرية تكشف أنّ القانون لم يجعل حضور المتّهم الّذى يجرى التّفتيش في مسكنه شرطاً جوهرياً لصحته، فهي لا ترتّب البطلان أصلا جزاء هذه المخالفة( ). أمّا الضّمانات المقرّرة بنص المادة 47 من نفس القانون فتتعلّق بحظر تفتيش المنازل ليلا، و رغم صراحة نص المادة 159 في تحديد طبيعة البطلان المترتّب جزاء مخالفة أحكام التّفتيش بصفة عامة دون أن يردّ استثناءعليها، إلاّ أنّ هناك من الفقه من يرى أنّ عدم مراعاة الأحكام المنصوص عليها بالمادتين 45 و 74 من قانون الإجراءات الجزائية ينجر عنه بطلان التّفتيش بطلانا مطلقا، و حجته في ذلك أنّ نص المادة 48 من هذا القانون صريحة في تقريره ( )، و إن كنا نؤيد هذا الرّأي في توجهه إلاّ أنّنا نبدي قدرا من التّحفظ على مبرّراته، ذلك أنّ صراحة النّص على البطلان ليست معيارا للقول بكون القاعدة تتعلّق بالنّظام العام، بل كلّ ما في الأمر أنّ البطلان في هذه الحالة هو بطلان قانوني. إنّ موقف المشرّع الجزائري في الحقيقة مستوحى من التّشريع الفرنسي، فهذا الأخير يعتبر قواعد التّفتيش مقرّرة لحماية مصلحة الخصوم، و من ثمّ فإنّ مخالفتها يترتّب عليها البطلان النّسبي تطبيقا لنص المادة 59 من قانون الإجراءات الجزائية( )، و هو أيضا حال التّشريع المصري الّتي تجسّده المادة 333 من قانون الإجراءات الجزائية( ). ثانيا: موقف الفقه من طبيعة بطلان التّفتيش عن الأدلّة المعلوماتيّة في حدود البحث الّذي أجريناه فإنّ الفقه إلى غاية اليوم لا يزال يرجع أحكام بطلان التّفتيش عن الأدلّة المعلوماتيّة إلى أحكام بطلان التّفتيش المادي لاسيما و أنّ المشرّع لم يفرد أحكاما خاصة لبطلان التّفتيش المعلوماتي، على نحو لا يزال الخلاف بين الفقهاء قائما الى غاية اليوم حول طبيعة البطلان في التّفتيش عموما، فذهب رأي إلى القول بأنّ أحكام التّفتيش تتعلّق بمصلحة الخصوم (أ)، و ذهب البعض إلى القول بأنّ بطلان التّفتيش يتعلّق بالنّظام العام أي أنّه بطلان مطلق (ب)، و ذهب رأي آخر إلى أنّ بطلان التّفتيش يتعلق بالنّظام العام عند مخالفة القواعد الموضوعية للتّفتيش بينما هو نسبي عند مخالفة القواعد الشّكلية (جـ). أ)- الرّأي القائل بالبطلان النّسبي غالبية الفقهاء من يذهب إلى القول بأنّ القانون قد إعتبر أحكام التّفتيش من القواعد الأساسية المتعلّقة بمصلحة الخصوم، و أنّ مخالفة تلك الأحكام يترتّب عليه بطلان نسبي سواء تعلّق الأمر بمخالفة القواعد الشّكلية للتّفتيش أو القواعد الموضوعية. و من مبرّرات أصحاب هذا الرّأي أنّ الشّروط الخاصة بالتّفتيش وضعت لحماية مصلحة الخصوم في عدم إنتهاك حرمات مساكنهم و أشخاصهم و مراسلاتهم( )، فهي اذن غير مقررة لحماية المصلحة العامة. و يضيف أنصار هذا المذهب أنّه إذا كانت هذه الحماية تتعلّق بالنّظام العام إلاّ أنّ ذلك يأتي تبعا لحماية مصلحة الخصوم، و من ثمّ فإنّ رضا الشخص الذي تعرض للتفتيش يصحّح التّفتيش الباطل( )، و في نظر الفقه فإنّ هذا الموقف ينطبق على التّفتيش عن الأدلّة المعلوماتيّة أيضا من منطلق أنّ التّفتيش المعلوماتي يخضع إلى النّظرية العامة للبطلان( ). و نحن من جانبنا لا نؤيّد هذا الإتجاه على إطلاقه بل هناك قدر من التّحفظ لابد من إيراده، اذ من غير المعقول أن نجعل قواعد التّفتيش كلّها من طبيعة واحدة، فإذا كان المشرّع لم يحدّد القواعد الّتي ينجرّ عن مخالفتها البطلان المطلق، فإنّه من غير المعقول إعتبار التّفتيش المعلوماتي الّذي يجرى بغير إذن من السّلطة المختصّة باطلا بطلانا نسبيا لأنّه يشكّل تعديا واضحا على الحرّيات الفردية مما تتأذى به المصلحة العامة، خاصة و أنّ عذا الضمان الإجرائي من الضمانات الدستورية، أو أن يجرى التّفتيش دون أن ينهض سبب يبرّره، أو أن يرد على محل غير معيّن و غير قابل للتّعيين، أو يجرى التّفتيش بعد الميقات، أو تتجاهل السّلطة حدود الإذن تجاهلا واضحا بتجاوز نطاق الإذن بشكل كبير فيصبح التّفتيش المصرّح به حملة صيد لبيانات الفرد المستهدف( )، ففي كلّ هذه الفروض لم يراعِ المشرّع مصلحة خاصة بالمتّهم لضمان حرّياته الفردية فحسب، فهذه الضّمانات أيضا تهمّ المصلحة العامة الّتي يضيرها إهدار ما تستوجبه قرينة البراءة و ما يتفرّع عنها من حقوق. ب)- رأي يعدّد حالات البطلان المطلق و من بين الشّراح من ذهب إلى أنّ بطلان التّفتيش يتعلّق بالنّظام العام إلاّ في حالة واحدة، و هي حالة عدم حضور شاهدين في التّفتيش الّذي يجريه مأمور الضّبط القضائي إذا لم يمكن حضور المتّهم أو من ينيبه، و ذلك على أساس أنّ القواعد المتعلّقة بالنّظام العام هي تلك الّتي تتعلّق بالتّنظيم القضائي و الأصول الّتي يقوم عليها النّظام الإجرائي و الّتي تحدّد شرعية الأعمال الإجرائيّة، فالقواعد الموضوعية هي من النّظام العام دائما أمّا القواعد الشّكلية فهي تعتبر من النّظام العام متى كان النّظام الإجرائي يقتضي توفّرها و منها هذه القاعدة( ). و قد إنتقد هذا الرّأي لانتفاء أساسه في التّشريع، بل إنتفاء حكمته، فلماذا يتعلّق بطلان التّفتيش بالنّظام العام في كلّ ضوابطه و أحكامه إلاّ في حالة واحدة، هي حالة عدم حضور الشّاهدين في التّفتيش الّذي يجريه مأمور الضّبط القضائي إذا لم يتم حضور المتّهم أو من ينيبه؟ و ما علّة تخصيص هذه القاعدة الشّكلية بحكم خاص من بين القواعد الشّكلية الأخرى؟ و لماذا لا تخضع القواعد الشّكلية برمتها لقاعدة موحّدة، مع لزوم هذا التّحديد و قيامه على منطق واحد و حكمة مشتركة( )، و بناء عليه يمكن القول أنّ هذا الرّأي أيضا فشل في إرساء ضابط مجرّد لتحديد طبيعة بطلان التّفتيش. جـ)- الرّأي الّذي يفرّق بين القواعد الموضوعية و القواعد الشّكلية ذهب رأي من الفقه إلى أنّ البطلان الّذي يلحق التّفتيش هو بطلان يتعلّق بالنّظام العام متى كان مترتّبا على مخالفة القواعد المتعلّقة بتشكيل الهيئات القضائية و اختصاصها، و القواعد المتعلّقة بحالات التّفتيش (الشّروط الموضوعية للتّفتيش) بينما هو يتعلّق بمصلحة الخصوم إذا ما ترتّب على مخالفة القواعد الشّكلية( ). ففي نظر هذا الجانب من الفقه فإنّ القواعد الموضوعية مقرّرة لمصلحة العدالة ذاتها لا لمصلحة الفرد و مخالفتها تشوب العمل بعدم المشروعية، و من الطّبيعي أن يعتبر البطلان المتعلّق بها من النّظام العام، أمّا القواعد الشّكلية فهي قواعد تنظيمية مقرّرة لمصلحة الخصوم و مخالفتها تشوب العمل بمجرّد عدم الملاءمة، و من ثمّ ينبغي أن يكون البطلان المترتّب على تلك المخالفة نسبيا( ). فالبنّسبة للقواعد الأولى، فإنّ المشرّع نفسه صريح في تشكيل الهيئات القضائية و ولايتها و اختصاصها متعلّق بالنّظام العام، و لذلك فإنّ التّفتيش الّذي يخرج عن حدود القواعد المتعلّقة بالإختصاص يكون باطلا بطلانا مطلقا، يضاف إلى قواعد الإختصاص الشّروط الموضوعية للتّفتيش، و هي المتعلّقة بركني "السّبب" و "المحل"، إذ أنّ وظيفة هذه الشّروط هي تحديد حالات مشروعية التّفتيش، و في غير هذه الحالات المشروعة يكون التّفتيش مجرّد عمل عدواني غير مشروع و هو ما يجعلها من النّظام العام، لأنّ من قام به لم يكن يستعمل حقه القانوني بل تعدى حدود هذا الحق و أصبح معتديا، و قد يعاقب على ذلك لأنّه عمل "غير مشروع " و ليس عمل "غير صحيح" فحسب( )، كما هو الحال في التّفتيش الّذي لا يخالف الشّروط الشّكلية الّتي تحدّد حالات التّفتيش و إنّما تحدّد طريقة تنفيذه و من بين أمثلة عدم توفّر شروط المحل كون المحل غير قابل للتّفتيش كالبيوت المسكونة أثناء اللّيل. واقع الأمر أنّ هذا الرّأي كسابقه لا يخلو من النّقد، فأصحاب هذا الرّأي اختلفوا في مسألة جوهرية تتعلّق أساسا بالتّفريق بين "الشّروط الشّكلية" و "الشّروط الموضوعية" للتّفتيش، و قد سبق و أن أشرنا إلى أنّ الشّروط الموضوعية للإجراء هي الّتي يلزم توفّرها مسبقا لنشوء حق الهيئة الإجتماعية في اتخاذ العمل الإجرائي، و متى نشأ هذا الحق حدّد القانون الشّروط الشّكلية الّتي تمثّل الإطار الّذي يتحرّك داخله الحق( ). فميقات تنفيذ التّفتيش مثلا هو ظرف شكلي يتصل بزمان تنفيذ الإجراء و لا يعتبر شرطا موضوعيا، و هكذا اعتبره رأي من الفقه من القواعد الموضوعية الّتي يترتّب على مخالفتها بطلان الإجراء بطلانا مطلقا( )، بينما إعتبره جانب آخر من الفقه من الشّروط الشّكلية المتصلة بمصلحة المتّهم الّتي يترتّب على مخالفتها بطلان نسبي( )، و مثل هذا القول غير صحيح ، لأنّ إجراء تفتيش المنازل ليلا يشكل جريمة إنتهاك حرمة المسكن، و من ثم فالبطلان المنجر جزاء هذه المخالفة يتعلّق بالنّظام العام لأنّ هذه المخالفة معاقب عليه قانونا. و إذا سايرنا مذهب الفقه – الّذي أصاب في نظرنا في التّفريق بين الشّروط الشّكلية و الموضوعية للإجراء- فإنّ النّطاق الزّماني لتنفيذ إذن التّفتيش هو من الشّروط الشّكلية لتعلقه بظرف زماني للتّنفيذ، ينجر عن مخالفته وفقا لهذا الرّأي بطلان نسبي، و هو أمر غير صحيح في جيمع السياقات، ففي الأحوال التي يتم فيها تنفيذ التّفتيش بعد انقضاء مدة سريان الإذن به، يكون حينها العمل الاجرائي قد تمّ بدون إذن قضائي لأنّ الإذن الأول يكون قد فقد معناه و بات في حكم العدم، و لا شك أنّ انتهاك ضمان الإشراف القضائي على الإجراءات الماسة بالحرّية الشّخصية مما يتعلّق بالنّظام العام، و تلك مسألة محل إجماع بين الفقهاء( ). ثالثا: موقف القضاء من طبيعة بطلان التّفتيش عن الأدلّة المعلوماتيّة أبانت المحكمة العليا الجزائرية عن موقفها إزاء طبيعة بطلان التّفتيش فيما إذا كان متعلقا بالنظام العام إو بملص
#دكتور_لهوى_رابح (هاشتاغ)
Dr.lahoua_Rabah#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
ملخص كتاب البحث و التحري عن الجرائم الوقاعة في البيئة الرقمي
...
-
اطروحة دكتوراه الباب الاول
-
الركن الشرعي للجريمة
-
تفسير النصوص الجنائية الموضوعية
-
اسئلة النَّظَرِيَّة الْعَامَّة لِلْجَرِيمَة
-
المحاضرة الخامسة: تقسيمات الجريمة
-
الضوابط الموضوعية للتفتيش المعلوماتي
-
إِلَى أيِّ مَدَى تُشَّكِلُ مَحَارِمُ الشَّرْعِيَّةُ قَيْدًا
...
-
مقدمات التفتيش الالكتروني 1 ضبط البيانات المخزنة لدى مزود ال
...
-
مدلول فكرتي التفتيش و الضبط في البيئة الرقمية
-
نحو ارساء ضوابط اجرائية للتقيش الجنائي الألكتروني - مقدمات ا
...
-
مدخل الى قانون العقوبات
-
ذاتية قانون العقوبات
المزيد.....
-
-لا يليق برئيس دولة-.. مذيع CNN يعلق على فيديو عنصري لترامب
...
-
على خلاف ترامب.. الكرملين يعلق على انتهاء معاهدة -نيو ستارت-
...
-
إجلاء أكثر من 140 ألف شخص بسبب الفيضانات في المغرب
-
بعد ساعات من انتهاء المحادثات بين طهران وواشنطن.. عقوبات أمر
...
-
بالصوت والصورة.. تحقيق للجزيرة يكشف تفاصيل اغتيال -أبو المجد
...
-
لافروف يتهم أوكرانيا بمحاولة اغتيال ضابط أمني رفيع
-
قطر ترحب بالمفاوضات بين واشنطن وطهران وتأمل بإفضائها لاتفاق
...
-
جريمة هزت الشارع الأمريكي.. اختفاء والدة مذيعة -إن بي سي- وف
...
-
مجلس القيادة الرئاسي اليمني يوافق على تشكيلة الحكومة الجديدة
...
-
مفاوضات مسقط الإيرانية الأمريكية.. -بداية جيدة- وتباين في ال
...
المزيد.....
-
قواعد الأمة ووسائل الهمة
/ أحمد حيدر
-
علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة
/ منذر خدام
-
قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف
...
/ محمد اسماعيل السراي
-
الثقافة العربية الصفراء
/ د. خالد زغريت
-
الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية
/ د. خالد زغريت
-
الثقافة العربية الصفراء
/ د. خالد زغريت
-
الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس
/ د. خالد زغريت
-
المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين
...
/ أمين أحمد ثابت
-
في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي
/ د. خالد زغريت
-
الحفر على أمواج العاصي
/ د. خالد زغريت
المزيد.....
|