أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - أحمد رشيد مسَلّم - سبع دقائق لإنهاء حياة إنسان














المزيد.....

سبع دقائق لإنهاء حياة إنسان


أحمد رشيد مسَلّم

الحوار المتمدن-العدد: 8608 - 2026 / 2 / 4 - 18:28
المحور: القضية الفلسطينية
    


في قاعة الكنيست الإسراىيلي، في يناير 2026، ارتفعت الأيدي للمصادقة على ما سُمي "قانون محاربة الإرهاب - التعديل الخامس". لم يكن هذا تعديلا قانونياً عادياً، بل تحولا جوهرياً في طبيعة النظام القائم نحو تحويل القتل المنظم من ممارسة ميدانية يومية إلى سياسة دولة مُشرعنة؛ فبموجب هذا القانون، تمنح المحاكم العسكرية صلاحية إصدار أحكام الإعدام شنقاً بحق الفلسطينيين، ليس كاستثناء عابر، بل كقاعدة قانونية ثابتة تشرعن سلب الحق في الحياة.
ويكشف هذا التشريع عن تمييز عنصري فج في تعريفه للجريمة، حيث تُعرِّف المادة 3(ب) "الجريمة الإرهابية" بأنها "الفعل النابع من دوافع قومية تتعلق بالنزاع الفلسطيني الإسرائيلي"، وهو توصيف صُمم خصيصاً لاستهداف الفلسطينيين، بينما يُستثنى منه المستوطنون الذين يرتكبون جرائم مماثلة تحت حماية المنظومة ذاتها. وتؤكد الأرقام هذه الانتقائية القضائية الصارخة؛ إذ وثق تقرير مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان لعام 2025 (الفقرة 47) أن 99% من قضايا "الإرهاب" تُرفع ضد فلسطينيين، في حين يُحاكم المستوطنون المتهمون بجرائم قتل مماثلة، كما في قضية مقتل الشاب جهاد عفانة في برقة عام 2024، أمام محاكم مدنية نادراً ما تصدر بحقهم عقوبات فعلية، مما يكرس نظام "الأبارتهايد".
وعند النظر في بنية المحاكم العسكرية الإسرائيلية، نجدها تعمل كآلة إدانة لا تخطئ هدفها ولا تمنح فرصة للعدالة؛ إذ تشير بيانات منظمة "يش دين" لعام 2025 إلى أن نسبة الإدانة بلغت 99.74%، في محاكمات صورية لا يتجاوز متوسط مدتها 7 دقائق للقضية الواحدة، وهي مدة لا تكفي حتى لسماع شهادة واحدة، لكنها كافية لإنهاء حياة إنسان. والخطر الأكبر هنا يكمن في إلغاء "السلطة التقديرية للقاضي"؛ فبمجرد إثبات "الدافع القومي" يصبح الإعدام إلزامياً، مما ينسف المادة 75 من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف التي تحظر الأحكام الصادرة دون ضمانات محاكمة عادلة وكاملة.
أما على صعيد القانون الدولي، فيمثل هذا التشريع اختراقاً لكافة الخطوط الحمراء، بانتهاكه للمادة 6 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، وخرقه لمبدأ "الشرعية القانونية" عبر محاولة تطبيق العقوبات بأثر رجعي، وهو ما ينسف المادة 15 من العهد ذاته. وقد كان تحذير مفوض الأمم المتحدة السامي، فولكر تورك، واضماً حين أكد أن تشريع العقوبات التمييزية يقوض النظام القانوني العالمي برمته، ويخلق سابقة خطيرة تسمح للأنظمة الاستبدادية باستنساخ هذا النموذج القمعي تحت غطاء القانون والشرعية الزائفة.
وليس هذا القانون في جوهره سوى تتويج رسمي لمسار تصاعدي من "الإعدام الصامت" الذي يُمارس داخل المعتقلات بعيداً عن الأضواء. فمنذ عام 2023، قضى 32 معتقلا تحت التعذيب في معسكر "سدي تيمان" وحده وفق تقرير منظمة الصحة العالمية لعام 2025، بالإضافة إلى سياسة "القتل البطيء" عبر الإهمال الطبي التي أدت لاستشهاد رموز وطنية وعلمية مثل الأسير وليد دقة والطبيب د. عدنان البرش. إن القانون الجديد يسعى بوضوح لتحويل هذه الجرائم من "موت غامض" أو "نتائج تحقيق" إلى "تنفيذ حكم قضائي" رسمي، في محاولة مكشوفة للالتفاف على تحقيقات المحكمة الجنائية الدولية في جرائم الحرب.
إن تقنين "الإعدام العرقي" يضع الضمير الإنساني اليوم أمام اختبار وجودي؛ فصمت العالم عن انتهاك الحق في الحياة في فلسطين يعني القبول بتفكيك نظام الحماية الدولي للمدنيين في كل مكان. وكما حذرت المقررة الخاصة للأمم المتحدة فرانسيسكا ألبانيز، فإن الصمت عن مشنقة في القدس هو صمت عن مشانق ستنصب في كل زاوية من زوايا العالم الذي يغيب عنه العدل. ومع هذا الخطر الداهم، فإنه من غير المعقول أن ننتظر تدخل دول أجنبية أو مؤسسات دولية ونحن نيام في بيوتنا، فالرهان الحقيقي يبدأ من الوعي الشعبي والتحرك الجماعي الرافض لهذا التوحش.
لذا، بات من الملحّ أن تتحرك محكمة العدل الدولية لإصدار رأي استشاري عاجل يبطل شرعية هذا القانون، وأن تسارع المحكمة الجنائية الدولية للتحقيق في "جرائم الفصل العنصري" كجريمة ضد الإنسانية وفق المادة 7 من نظام روما الأساسي. إن التاريخ سيسأل بمرارة: أين كنتم حين شُنقت العدالة في قاعة برلمانية؟ فدماء الضحايا لن تلطخ أيدي الجلادين فحسب، بل ستلاحق كل من رأى المشنقة تُنصب وصمت، ففلسطين اليوم هي خط الدفاع الأخير عن فكرة العدالة البشرية برمتها.
المراجع المعتمدة:
(تقرير مفوضية الأمم المتحدة السامية 2025، بيانات "يش دين" و"بتسيلم"، اتفاقيات جنيف، العهد الدولي للحقوق المدنية، تقارير هيئة شؤون الأسرى 2024-2026، وثائق المحكمة الجنائية الدولية).



#أحمد_رشيد_مسَلّم (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عصيان مدني وميثاق شرف
- -شريان حياة- أم سجن كبير ؟
- بزنس الصمود: صناعة التقارير فوق أنقاض البيوت
- آيفون 17 في خيمة غارقة: هندسة -الرفاهية المسمومة- في غزة
- سيادة بلا أنياب: حين يتحول الأسير إلى -حالة اجتماعية- والأرض ...
- التجفيف: هندسة النزوح لإفراغ الأرض في الضفة الغربية
- فخ القطيع والأرض المغلقة-: من سرقة الأرض إلى هندسة المجاعة.. ...
- الاستيطان الرعوي في الضفة الغربية: الوجه الأخطر للاحتلال وسي ...


المزيد.....




- زوج جيل بايدن السابق يواجه اتهامًا بقتل زوجته
- الكرملين: روسيا ستواصل -عمليتها الخاصة- حتى تتخذ أوكرانيا -ا ...
- محادثات أمريكية- إيرانية في عُمان الجمعة وسط توتر عسكري يرفع ...
- سوريا توقّع اتفاقاً مع شركة شيفرون الأمريكية للتنقيب عن النف ...
- إسبانيا تتجرع تبعات العاصفة ليوناردو فيضانات وإجلاء واسع في ...
- -التجارة تتجه شرقاً رغم العقوبات-.. اتصال بين الرئيسين الروس ...
- تشاد: الطهي بالتمر تقليد متوارث في مدينة فايا الصحراوية
- السلطات المغربية تقرر إجلاء سكان مدينة القصر الكبير بالكامل ...
- كيف يتفاعل الإيرانيون مع التهديدات المتصاعدة والمفاوضات المر ...
- -حرب غير منتهية- لأسماء وجيه: رحلة بصرية في جغرافيا اليمن


المزيد.....

- بين العلمانية في الثقافة السياسية الفلسطينية والتيارات السلف ... / غازي الصوراني
- قراءة في وثائق وقف الحرب في قطاع غزة / معتصم حمادة
- مقتطفات من تاريخ نضال الشعب الفلسطيني / غازي الصوراني
- الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والموقف الصريح من الحق التاريخي ... / غازي الصوراني
- بصدد دولة إسرائيل الكبرى / سعيد مضيه
- إسرائيل الكبرى أسطورة توراتية -2 / سعيد مضيه
- إسرائيل الكبرى من جملة الأساطير المتعلقة بإسرائيل / سعيد مضيه
- البحث مستمرفي خضم الصراع في ميدان البحوث الأثرية الفلسطينية / سعيد مضيه
- فلسطين لم تكسب فائض قوة يؤهل للتوسع / سعيد مضيه
- جبرا نيقولا وتوجه اليسار الراديكالي(التروتسكى) فى فلسطين[2]. ... / عبدالرؤوف بطيخ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - أحمد رشيد مسَلّم - سبع دقائق لإنهاء حياة إنسان