أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الثورات والانتفاضات الجماهيرية - أحمد رشيد مسَلّم - -شريان حياة- أم سجن كبير ؟














المزيد.....

-شريان حياة- أم سجن كبير ؟


أحمد رشيد مسَلّم

الحوار المتمدن-العدد: 8594 - 2026 / 1 / 21 - 23:16
المحور: الثورات والانتفاضات الجماهيرية
    


​بينما تنشغل البوصلة العالمية بصراعات إقليمية مدوية، تُنجز سلطات الاحتلال الإسرائيلي واحدة من أخطر عمليات "إعادة هندسة الإنسان والمكان" في القرن الحادي والعشرين. وتحت شعار "نسيج الحياة"، يُنسج في الواقع نظام فصل عنصري فائق التطور، يُموَّل -بسخرية مأساوية- من ضرائب الفلسطينيين أنفسهم، ليتحول هذا النظام من مجرد جدران خرسانية صماء إلى نظام "ذكي" يستبدل التواصل الجغرافي الطبيعي بـ "تواصل مواصلاتي مُراقَب". فبحسب تقارير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA)، تم تقطيع أوصال الضفة الغربية إلى 247 كانتوناً معزولا، حيث أضحت حركة الفلسطينيين رهينة 705 حاجز، تتحكم فيها بوابات إلكترونية يُغلقها جندي خلف شاشة بضغطة زر واحدة، في تجسيد حي للإدارة عن بعد.
​ولا تتجلى حقيقة هذا المشروع في الخرائط الهندسية فحسب، بل في ساعات العمر المهدورة التي تُغتال يومياً على الحواجز؛ فالمسافة بين بيت لحم ورام الله التي كانت تُقطع في خمسين دقيقة، باتت اليوم تستغرق ما بين ثلاث إلى ست ساعات في مسيرة عذاب تستنزف طاقة الإنسان وكرامته، هذا الخنق المحكم يهدف إلى تحويل الوجود الفلسطيني إلى عبء يومي ثقيل، وليحقن في وعي صاحب الأرض إحساساً دائماً بالاغتراب وعدم الاستقرار، حيث يتحول الزمن من وسيلة للبناء إلى أداة للتعذيب الممنهج.
​والوجه الأكثر قسوة في هذه المعادلة يكمن في "التمويل المقلوب"، حيث تُموّل الضحية جدران سجنها بيديها. فبحسب تقرير البنك الدولي (2024)، تُحوَّل مئات ملايين الدولارات من أموال المقاصة الفلسطينية المحتجزة لتمويل هذه الشبكة التي تخنق أصحابها، إذ بلغت الخصومات قرابة 3.2 مليار شيكل بين عامي 2020 و2023، بينما يُساهم الفلسطينيون قسراً في تمويل 40% من كلفة الطرق في "المنطقة ج" من كدهم وعرقهم. وفي مفارقة بصرية مذهلة، يُدفع الفلسطيني إلى خنادق وأنفاق تصل إلى عمق 25 متراً تحت الأرض ليتحرك في "وطن بديل" سفلي، بينما يتحرك المستوطن في ضوء الشمس فوق الأرض المصادرة، في ثنائية تُقنن نظام الأبرتهايد وتستنسخ تجربة "البانتوستانات" في جنوب أفريقيا بتقنيات رقمية حديثة، ضاربة عرض الحائط بالمادة 49 من اتفاقية جنيف الرابعة التي تحظر تحويل السكان الأصليين إلى زوار مؤقتين في ديارهم.
​إن مشروع "نسيج الحياة" ليس مجرد خطة مواصلات، بل هو محاولة بائسة لاختزال القضية الفلسطينية من قضية تحرر وطني إلى مجرد "مشكلة تنقل سكان" تُحل عبر الأنفاق والجسور. إنه اختبار وجودي يضعنا أمام سؤال المصير، هل نقبل بأن نكون سكان أنفاق تضيع أعمارنا عند بوابات المحتل الإلكترونية، أم نصر على سيادتنا فوق الأرض وتحت السماء؟ فالكرامة الفلسطينية لا تُقاس بأمتار الخرسانة، والحرية ليست مجرد "تصريح حركة" بين نقاط تفتيش، بل هي سيادة مطلقة على الزمان والمكان. ومقاومة هذا الواقع هي معركة بقاء؛ فبقدر ما يحاولون تطبيع السجن وتجميله، يجب أن نصر على أن الشمس لا تُرى من الأنفاق، وأن الوطن لا يُختزل في بوابة يُديرها جندي من وراء زجاج.



#أحمد_رشيد_مسَلّم (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بزنس الصمود: صناعة التقارير فوق أنقاض البيوت
- آيفون 17 في خيمة غارقة: هندسة -الرفاهية المسمومة- في غزة
- سيادة بلا أنياب: حين يتحول الأسير إلى -حالة اجتماعية- والأرض ...
- التجفيف: هندسة النزوح لإفراغ الأرض في الضفة الغربية
- فخ القطيع والأرض المغلقة-: من سرقة الأرض إلى هندسة المجاعة.. ...
- الاستيطان الرعوي في الضفة الغربية: الوجه الأخطر للاحتلال وسي ...


المزيد.....




- تضامنوا مع معرض دار مرايا للنشر
- A Dangerous Attack on Free Speech: Matt Taibbi Sues for Defa ...
- The Train of Regeneration: Green Peace for the Oases from Bé ...
- After Bondi, Australia Faces a Foreign Policy Choice
- Review of James Douglass’ Martyrs to the Unspeakable
- ليسقط إرهاب الإسلام السياسي، الإيقاف الفوري للحملات العسكري ...
- الشبكة الديمقراطية المغربية للتضامن مع الشعوب تعلن تضامنها م ...
- صور أوجلان ورموز -العمال الكردستاني- في مقار قسد.. ما دلالته ...
- تيسير خالد : خيال دونالد ترامب واسع ... لكنه خيال مريض
- The Streets of Iran Are Burning, and So Is the Myth of Stabi ...


المزيد.....

- ليبيا 17 فبراير 2011 تحققت ثورة جذرية وبينت أهمية النظرية وا ... / بن حلمي حاليم
- ثورة تشرين / مظاهر ريسان
- كراسات شيوعية (إيطاليا،سبتمبر 1920: وإحتلال المصانع) دائرة ل ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ورقة سياسية حول تطورات الوضع السياسي / الحزب الشيوعي السوداني
- كتاب تجربة ثورة ديسمبر ودروسها / تاج السر عثمان
- غاندي عرّاب الثورة السلمية وملهمها: (اللاعنف) ضد العنف منهجا ... / علي أسعد وطفة
- يناير المصري.. والأفق ما بعد الحداثي / محمد دوير
- احتجاجات تشرين 2019 في العراق من منظور المشاركين فيها / فارس كمال نظمي و مازن حاتم
- أكتوبر 1917: مفارقة انتصار -البلشفية القديمة- / دلير زنكنة
- ماهية الوضع الثورى وسماته السياسية - مقالات نظرية -لينين ، ت ... / سعيد العليمى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الثورات والانتفاضات الجماهيرية - أحمد رشيد مسَلّم - -شريان حياة- أم سجن كبير ؟