أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - واثق الجلبي - قراءة نقدية تمحيصية في ضوء المجموعة القصصية “ جـــنــيّ الأكفــان للكاتب واثق الجلبي















المزيد.....

قراءة نقدية تمحيصية في ضوء المجموعة القصصية “ جـــنــيّ الأكفــان للكاتب واثق الجلبي


واثق الجلبي

الحوار المتمدن-العدد: 8604 - 2026 / 1 / 31 - 14:03
المحور: الادب والفن
    


قراءة نقدية تمحيصية في ضوء المجموعة القصصية “ جـــنــيّ الأكفــان للكاتب واثق الجلبي
عباسية مدوني / إعلامية وناقدة من الجزائر
1 - العنوان بوصفه عتبة جمالية ودلالية
يُشكّل عنوان المجموعة القصصية “ جنيّ الأكفان” لـ “ واثق الجلبي” عتبة صادمة ومقصودة، تستثمر التوتر بين فعل «الجنيّ» بما يحمله من إيحاء بالحصاد والاقتلاع، و«الأكفان» بما ترمز إليه من نهاية وفقد وطقس جنائزي ، حيث أن العنوان لا يقدّم وعدًا حكائيًا، بل يعلن منذ البدء انخراط النصوص في أفق وجودي قاتم، حيث الكتابة نفسها فعل نبشٍ في ما هو ميت أو مؤجل، وكأن السرد هنا لا يحصد الحياة بل بقاياها، ولا يلامس المعنى إلا عبر تماسّه مع الفقد.
2- إشكالية التجنيس: بين السرد والشعر
تتحرك نصوص «جنيّ الأكفان» في منطقة وسطى ملتبسة بين القصة القصيرة والنص الشعري ، غير أن هذا الالتباس ليس عجزًا عن الانتماء، بل خيارا جماليا واعيا ، فالسرد هنا لا يُبنى على حدث متنامٍ أو حبكة تقليدية، بل على ومضات دلالية، ومشاهد نفسية مكثفة، تقوم مقام الحدث. إننا أمام ما يمكن تسميته بـ«السرد الشعري»، حيث تُستبدل السببية السردية بالتداعي، ويغدو الإيقاع الداخلي واللغة المجازية هما محركا النص.
كما يترتّب على هذا الخيار الخاص بالتجنيس تحوّلٌ واضح في وظائف العناصر السردية التقليدية؛ فالشخصية لا تُقدَّم بوصفها كيانًا نفسيًا متطوّرًا، بل كأثر لغوي أو بؤرة إحساس، والزمن لا يتقدّم خطيًا، بل يتكسّر ويتشظّى وفق منطق الذاكرة والحدس. أما المكان، فيفقد بعده الوصفي الواقعي ليغدو فضاءً داخليًا، مشحونًا بالقلق والرمز، أقرب إلى حالة ذهنية منه إلى حيّز ملموس ، بهذا المعنى، لا يكتفي النص بمجاورة الشعر، بل يستعير آلياته في التكثيف والانزياح، دون أن يتخلّى كليًا عن جوهر السرد، مُنتجًا كتابة هجينة تُراهن على الإيحاء لا الإخبار، وعلى الأثر لا الحكاية، وتُعيد مساءلة الحدود الصلبة بين الأجناس الأدبية.
3- اللغة: كثافة المجاز وعبء البلاغة
لغة الجلبي في هذه المجموعة لغة عالية التوتر، مشحونة بالاستعارة، ومثقلة بالصور المركبة ، فهي لغة تسعى إلى الإدهاش المستمر، لكنها في الوقت ذاته تُعرّض النص لخطر الإغراق البلاغي ، إذ إن تراكم المجازات أحيانًا يُنتج غشاوة دلالية، تجعل القارئ أمام نص يلمع أكثر مما يُفصح ، ومع ذلك، فإن هذه الكثافة اللغوية تنسجم مع الرؤية العامة للمجموعة، التي ترى العالم بوصفه فائضًا من القلق والأسئلة لا من الأجوبة.
ويُلاحظ أن هذه اللغة، على الرغم من عبئها البلاغي، تؤدّي وظيفة بنيوية لا يمكن فصلها عن طبيعة النصوص نفسها؛ فهي ليست زينة أسلوبية بقدر ما هي تعبير عن اختناق الرؤية وضيق أفق المعنى ، فحين تتكاثف الاستعارات إلى حدّ التراكب، يصبح الغموض جزء من التجربة الجمالية المقصودة، لا خللًا تقنيًا طارئًا. غير أن هذا الخيار، فيبعض المقاطع، يضع النص على حافة الاستغلاق، حيث تتحوّل الصورة من أداة كشف إلى حاجز تأويلي، وتُطالب القارئ بجهد مضاعف للنفاذ إلى المعنى .
بذلك، تُقيم اللغة في «جنيّ الأكفان» توترًا دائمًا بين الإيحاء والإبهام، بين الجمالية والتواصل، وهو توتر يعكس بصدق مأزق الذات الكاتبة، ويمنح النصوص فرادتها، حتى حين يحمّلها عبئًا أسلوبيًا إضافيًا.
4- الذات الساردة: الأنا المتشظية
تكاد جميع النصوص تصدر عن ذات واحدة، لكنها ذات متشظية، قلقة، فاقدة للثبات ، الأنا هنا ليست مركزًا واثقًا، بل كيانًا مأزوما، يتكلم من حافة الهاوية، ويعيد طرح أسئلة الوجود، الإيمان، الجسد، الحب، والموت ، الشخصيات – إن جاز تسميتها كذلك – ليست سوى أقنعة لهذه الذات، أو مرايا تعكس انكساراتها الداخلية.
5- الثيمات الكبرى: الموت، الجسد، والخيبة
تتكرر في المجموعة ثيمات واضحة: الموت بوصفه أفقًا دائمًا، الجسد باعتباره ساحة للقلق والرغبة، والخيبة كقدر وجودي. لا يُقدَّم الموت هنا حدثًا، بل حالة ذهنية، ولا يُستثمر الجسد بوصفه متعة خالصة، بل بوصفه موضع صراع بين الرغبة والمنع، بين المقدس والمدنس. أما الخيبة فهي النتيجة الحتمية لهذا الصراع غير القابل للحسم.
6- بنية النصوص: القطع لا الامتداد
تعتمد نصوص «جنيّ الأكفان» على بنية القطع لا الامتداد؛ فهي نصوص قصيرة، لكنها مكتظة، تبدأ غالبًا من ذروة شعورية وتنتهي دون خاتمة تقليدية. هذا الخيار البنيوي ينسجم مع رؤية الكاتب للعالم بوصفه غير مكتمل، ومفتوحًا على الاحتمال لا على اليقين.
كما أن اعتماد بنية القطع لا يقتصر على الشكل السردي فحسب، بل يمتد ليشمل منطق التلقي نفسه؛ إذ يُدخِل القارئ مباشرة في بؤرة التوتر دون تمهيد، ويتركه معلّقًا في فراغ دلالي بعد النهاية ، هذا الفراغ ليس نقصًا، بل استراتيجية جمالية واعية، تُحمِّل القارئ مسؤولية استكمال المعنى وتأويل ما لم يُقَل. هكذا تتحوّل النصوص إلى شظايا سردية تشبه ومضات الوعي أو ارتطامات الذاكرة، حيث اللحظة المكثفة تُغني عن التسلسل، والإيحاء يُزاحم الحكاية.
وبهذا المعنى، يكرّس «جنيّ الأكفان» كتابة تراهن على القلق واللايقين، لا بوصفهما موضوعين فحسب، بل كبنية داخلية تُجسّد هشاشة الوجود وتكسّر السرديات الجاهزة.
7- في مسألة المقدمة: إشكال التلقي والنقد
تثير مقدمة الكاتب إشكالًا نقديًا واضحًا؛ إذ إن الكاتب يتولى فيها التنظير لتجربته، وتثبيت ريادته، والدفاع عن مشروعه الجمالي ، وهذا الدور، في العرف النقدي، يُفترض أن ينهض به ناقد أو باحث مستقل، لا المؤلف نفسه ، فحين يكتب الكاتب مقدمته، فإنه يوجّه القراءة سلفًا، ويحدّ من حرية التلقي، ويحوّل النص إلى بيان دفاعي أكثر منه عملًا مفتوحًا على التأويل.
كما أن انخراط الكاتب في تثبيت ريادته داخل المقدمة يكشف عن انتقال خفي من منطق الإبداع إلى منطق الشرعنة، حيث يصبح النص في حاجة إلى إثبات قيمته سلفًا، بدل أن يترك أثره يتشكل داخل فعل القراءة نفسه ، وهذا التحول يُضعف الثقة في استقلالية العمل، ويجعل التلقي مشروطًا بخطاب مصاحب يبرر وجود النص بدل أن يغامر بتركه عاريًا أمام قارئ حر. ومن هنا، فإن مقدمة المؤلف لا تكتفي بتوجيه القراءة، بل تعيد ترتيب العلاقة بين النص والقارئ على نحو هرمي، تكون فيه سلطة المؤلف سابقة على التجربة الجمالية ذاتها.
في ختام هذا التحليل والتمحيص ، يمكننا القول أنّ المجموعة القصصية «جنيّ الأكفان» مجموعة جريئة، ذات مشروع لغوي واضح، تراهن عل الكثافة والتجريب، وتعلن انحيازها للكتابة بوصفها مغامرة وجودية لا حكاية مطمئنة ، وهي، في الوقت نفسه، نصوص تتطلب قارئًا صبورًا، يمتلك أدوات التأويل، وقادرًا على اختراق طبقات المجاز الكثيفة. إنها تجربة تُحسب للكاتب من حيث الرؤية والطموح، لكنها تظل – في بعض نصوصها – أسيرة .....



#واثق_الجلبي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الدكتور نائل حنون في حوار خاص : اكتشف في مدينة بورسبا لوحا ي ...
- السرد الأَلِغوري ورمزية تحوّلات الرأس في قصة -إلا رأسه- للأد ...
- في جيب الزورق.. تُخبَّأ أشلاء الحب .. قراءة سوريالية في تشري ...
- النَّص المستطيل فرض عين ..فرض طرازٍ وحداثة للكاتب واثق الجلب ...
- كلكامش .. عودة الثلث الأخير .. أسطورة الخلود بعيون الكاتب وا ...
- سقوط النجمة في جيب الزورق للكاتب واثق الجلبي
- الأصابع بوصفها أثرًا وجوديًا.. قراءة في قصة حثالة الابتهاج ل ...
- شعرية التناص في قصيدة (نحمل الدماء) للشاعر واثق الجلبي
- (التبئير الداخلي ) في روايات واثق الجلبي
- بين الرصانة والتجريب قراءة في الحس الشعري وبينة اللغة في قصص ...
- رسالة إلى نفسي
- الحوار العاطفي في شعر( واثق الجلبي )
- الناقدة منال رضوان تكتب سردية التعدد الرمزي والحوار الوجودي ...
- رحلة الخلود بين الأسطورة والواقع في رواية -كلكامش: عودة الثل ...
- منبع الحكمة وفتنة المعرفة يُرَوِّيهما كلكامش على لسان الكاتب ...
- إشارة معرفية .. واثق الچلبي ..الزمن دونما أعتاب
- أجمل ما قرأت.. واثقيات الچلبي..اشتباكات الذات الفطنة
- تشظي الذات وسقوط اليقين .. قراءة في جدلية الوجود والعبث في ن ...
- معارضات يوسفية في الديوان الشعري ( يوسفيات ) للأديب واثق الج ...
- يوسفيات الشاعر واثق الجلبي ... أنسنة الشعور وشمعة في عالم ال ...


المزيد.....




- متحف فاروق حسني.. أيقونة التجريد في زمن المينيماليزم
- عشرون دقيقة سينمائية من العتمة الكوبية بدلا من ساعات التقاري ...
- ما بين السطور.. كيف تحايل الإنسان على الرقابة باليوميات المش ...
- وفاة الممثلة الكندية كاثرين أوهارا نجمة -وحدي في المنزل- عن ...
- وفاة كاثرين أوهارا، نجمة مسلسل -شيتس كريك- وفيلم -هوم ألون- ...
- حزب التقدم والاشتراكية يعزي في وفاة الفنان المغربي الكبير عب ...
- وفاة الممثلة الكندية كاثرين أوهارا نجمة -وحدي في المنزل- عن ...
- هدى شعراوي: إلى أين وصلت التحقيقات بقضية الفنانة السورية؟
- مهرجان عمّار يختتم دورته بتكريم سينمائيين مهتمين بالمجتمع وا ...
- رواية -غليف- تقتفي أثر الحرب في غزة وتشرح -رأسمالية المراقبة ...


المزيد.....

- ذاكرة لا تصافح أحداً. حكايات وذكريات الكاتب السيد حافظ الجزء ... / ياسر جابر الجمَّال
- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي
- خرائط العراقيين الغريبة / ملهم الملائكة
- مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية ... / عبدالرؤوف بطيخ
- يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال ... / السيد حافظ
- ركن هادئ للبنفسج / د. خالد زغريت
- حــوار السيد حافظ مع الذكاء الاصطناعي. الجزء الثاني / السيد حافظ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - واثق الجلبي - قراءة نقدية تمحيصية في ضوء المجموعة القصصية “ جـــنــيّ الأكفــان للكاتب واثق الجلبي