أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد بسام العمري - مقامة الليل والوجد والنجوى















المزيد.....

مقامة الليل والوجد والنجوى


محمد بسام العمري

الحوار المتمدن-العدد: 8600 - 2026 / 1 / 27 - 02:55
المحور: الادب والفن
    


حدّثنا عيسى بن هشام قال:
لمّا طال عليّ الليل، وامتدّ ذيله، وتشعّبت سُبله، وسكنت الأصوات إلا همس الهموم، وخمدت الأجساد إلا جسد الساهر المكلوم، خرجت أتمشّى أستأنس بخطاي، وأستدرج النوم إلى جفوني استعطافًا ورجاء. فإذا الليل قد لبس ثوب الوقار، ونثر على الطرقات درر الأسرار، والنجوم عيونٌ لا تنام، تشهد ولا تُدان، وتحفظ ولا تُفشي ما كان.
وبينما أنا كذلك، إذ طرق سمعي صوتٌ مبحوح، يختلط فيه النشيج بالإنشاد، والعَبرة بالإنشاد، فقلت: صوت عاشقٍ أو نائحة، أو شاعرٍ طوّح به الهوى بين الوعد والفضيحة. فاتّبعت الأثر، وسرت حيث يقودني السهر، حتى انتهيت إلى رجلٍ قد اتكأ على جدار الليل، وأسند رأسه إلى كتف الظلام، وألقى قلبه بين يدي الهوى إلقاء المستسلم للخصام.
كان شاحب اللون، طويل السكون، كثير العيون، إذا تكلّم نطق بالحزن، وإذا سكت أفصح بالأنين. فلما رآني قال:
— يا هذا، أأنت من أهل السهر أم من رسل النوم؟
قلت: بل أنا غريبٌ عن النوم، قريبٌ من الهمّ، صاحب ليلٍ طويل، ورفيق أرقٍ ثقيل.
فقال: إذن فأنت من قومي، ومن شكوتي، فاجلس فلعلّ الحديث يخفّف، أو الشعر يسكب شيئًا من البلسم على جراحٍ لا تندمل.
ثم رفع رأسه، وأنشد بصوتٍ كأنّه خارج من صدرٍ مثقوب:
يا ليلُ الصبِّ متى غَدُهُ؟
أقيامُ الساعةِ موعدُهُ؟
قال عيسى بن هشام: فارتعدتُ لهذا الاستهلال، إذ ليس بعد السؤال عن الغد إلا اليأس، ولا بعد توقيت اللقاء بالساعة إلا فناء الرجاء. فقلت له:
— ويحك، ما هذا الاستعجال؟ لكل ليل فجر، ولكل دمع قرار، وقد قيل: إذا اشتدّ الظلام قرب الفجر.
فابتسم ابتسامة من جرّب الكذب حتى صدّقه، وقال:
— أيّ فجرٍ ترجوه لمن رقد السمار فأرقه؟ وأيّ صباحٍ ينتظر من جعل البين مؤذّنه، والهجران مؤقّته؟
ثم تابع، وكأنّ الكلمات تنزف من فمه نزفًا:
رقد السمارُ فأرقهُ
أسفٌ للبينِ يرددهُ
وقال:
— نام الناس عن همّي، وصحا قلبي على جرحي، فالليل عندهم سكون، وعندي قيام حساب، وكأنّ البين قاضٍ لا ينام، كلّما هممتُ بالغفوة صاح فيّ: قم، فما آن الأوان.
قلت:
— إنّك تُكثر الشكوى، وقد قالوا: الشكوى لغير الله مذلّة.
فقال:
— صدقتَ، ولكن القلب إذا ضاق نطق، وإذا فاض باح، وأنا لا أشكو الناس، بل أشكو الليل إلى الليل، والنجوم إلى النجوم.
ثم أشار بيده إلى السماء وقال:
— أما ترى ذاك النجم؟ لقد بكاني قبل أن أبكيه، ورقّ لحالي قبل أن أرقّ لنفسي.
وأنشد:
فبكاهُ النجمُ ورقَّ لهُ
مِمّا يرعاهُ ويرصدهُ
قلت:
— عجبًا، أتبكيك النجوم؟
قال:
— نعم، لأنّها تعرف معنى البعد، فكلّ نجمٍ حبيبُ أرضٍ لا يصلها، وكلّ كوكبٍ عاشقٌ لموضعه الأول.
ثم تنفّس طويلاً وقال:
— كُلّفتُ بغزالٍ ذي هيفٍ، لو مرّ النسيم على خصره لاعتذر، ولو رآه القمر لاستحيا وتستّر.
وأنشد:
كُلِّفتُ بغزالٍ ذي هيفٍ
خوفُ الواشينَ يُشرِّدهُ
قلت:
— ويحك، وما شأن الواشين؟
قال:
— هم لصوص السعادة، وسماسرة الفراق، يبيعون الوهم بثمن اليقين، ويشترون الخراب باسم النصيحة. أما سمعت المثل: احذر عدوّك مرة، وصديقك ألف مرة؟
ثم قال:
— نصبتُ له عينيّ شركًا في النوم، لعلّ الطيف يُصاد، فعزّ تصييده.
وأنشد:
نصبتُ عينايَ لهُ شركًا
في النومِ فعزَّ تصييدُهُ
قلت:
— أفي النوم تُنصب الشراك؟
قال:
— نعم، فالصيّاد الحقيقي هو الخيال، والقنص الأصدق يكون في المنام، حيث لا سلطان للرقباء ولا للواشين.
ثم ضحك ضحكة موجوعة وقال:
— والعجب كلّ العجب أنّي أنا القنص، لا هو، وأنّي الأسير لا الصائد.
وأنشد:
وكفى عجبًا أنّي قنصٌ
للسربِ سباني أغيدُهُ
قلت:
— صدق من قال: العاشق عبدُ معشوقه ولو كان سلطانًا.
فقال:
— بل أنا عبدٌ بلا عتق، وأسيرٌ بلا فدية.
ثم مال عليّ وقال:
— هو صنمٌ للفتنة، منتصب في قلبي، أهواه ولا أعبده.
وأنشد:
صنمٌ للفتنةِ منتصبٌ
أهواهُ ولا أتعبّدُهُ
قلت:
— وكيف تهوى صنمًا ولا تعبده؟
قال:
— لأنّ العبادة خضوع، وأنا في الهوى ذليل، لكنّي لم أفقد عقلي كلّه… أو هكذا أزعم.
ثم صاح فجأة، وكأنّ الخمر فاضت في حروفه:
صاحَ والخمرُ جنى فمِه
سكرانَ اللحظِ معربدُهُ
قلت:
— أراك تخلط الخمر باللحظ.
قال:
— نعم، فسكر العيون أشدّ من سكر الدنان، وقد قالوا: جرح اللسان يبرأ وجرح العيون لا يبرأ.
ثم أردف:
ينضو من مقلتهِ سيفًا
وكأنّ نعاسًا يُغمِدُهُ
فيريقُ دمَ العشّاقِ بهِ
والويلُ لمن يتقلّدُهُ
قلت:
— ما أظلم هذا السيف!
قال:
— لا ذنب له، فالقاتل ليس باليد، بل بالنظر.
ثم قال وقد لان صوته:
— كلا، لا ذنب لمن قتلت عيناه ولم تقتل يده.
وأنشد:
كلا لا ذنبَ لمن قتلت
عيناهُ ولم تقتل يدهُ
ثم قال:
— يا من جحدت عيناه دمي، وخدّاه يشهدان، كيف تنكر الجريمة وآثارها بادية؟
وأنشد:
يا من جحدت عيناهُ دمي
وعلى خدّيه تورّدُهُ
خدّاك قد اعترفا بدمي
فعلامَ جفونُك تجحدُهُ
قلت:
— لقد أفرطت في التعلّق.
قال:
— ومن قال إنّ العشق يعرف الاقتصاد؟
ثم رفع كفّيه وقال:
— إنّي لأعيذك من قتلي، وأظنّك لا تتعمّده.
وأنشد:
إنّي لأعيذك من قتلي
وأظنّك لا تتعمّدهُ
قلت:
— أترجو من قاتلك شفقة؟
قال:
— نعم، فليس لي غير الرجاء، وقد قيل: الغريق يتعلّق بقشّة.
ثم قال:
— بالله هب للمشتاق كرى، فلعلّ خيالك يسعده.
وأنشد:
باللهِ هبِ المشتاقَ كرى
فلعلَّ خيالكَ يُسعدُهُ
قلت:
— وهل يداوي الخيال ما أفسده الواقع؟
قال:
— أحيانًا، فالخيال وطن مؤقّت للمشرّدين.
ثم تنفّس وقال:
— ما ضرّك لو داويت ضنى صبّ، يدنيك ويبعده؟
وأنشد:
ما ضرّك لو داويتَ ضنى
صبٍّ يدنيك ويبعدهُ
ثم خفض صوته وقال:
— لم يبق من هواك له رمق، فليبكِ عليه عوده.
وأنشد:
لم يبقَ هواك لهُ رمقٌ
فليبكِ عليهِ عودُهُ
قلت:
— أتراه يموت؟
قال:
— كلّ حبّ لا يُسقى بالوصل يموت عطشًا.
ثم قال:
— وغدًا يُقضى أو بعد غد، فهل من نظرٍ يتزوّده؟
وأنشد:
وغدًا يُقضى أو بعدَ غدٍ
هل من نظرٍ يتزوّدُهُ
ثم التفت إليّ وقال:
— يا أهل الشوق، لنا شرقٌ بالدمع يفيض مورده.
وأنشد:
يا أهلَ الشوقِ لنا شرقٌ
بالدمعِ يفيضُ موردهُ
قلت:
— وما الشرق؟
قال:
— موضع الفيض، حيث تشرق الدموع كما تشرق الشمس.
ثم ختم بقوله:
يهوى المشتاقُ لقاءكمُ
وصروفُ الدهرِ تُبعدُهُ
ما أحلى الوصلَ وأعذبَهُ
لولا الأيامُ تُنكّدُهُ
بالبينِ وبالهجرانِ فيا
لفؤادي… كيف تجلّدُهُ؟
قال عيسى بن هشام:
فلمّا فرغ من كلامه، سكت الليل قليلًا، كأنّه يصغي، ثم عاد الصمت أثقل ممّا كان. فودّعته، وأنا أعلم أنّ العاشق لا يُشفى بالنصح، ولا يُداوى بالمنطق، وأنّ الهوى — كما قال الحكماء — داءٌ إذا أحببته قتلك، وإذا فارقته أوجعك. ومضيت أقول في نفسي:
سبحان من جعل الليل مرآة القلوب، فإذا أظلم أظهر ما فيها، وإذا طال فضح أسرارها.



#محمد_بسام_العمري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الزمن: البعد الفلسفي والصوفي وتأثيره على التجربة الإنسانية
- -الحنين إلى الفردوس: بحث الروح عن الأمل والفرح المفقود-
- حين يتكلم الصمت حبًا-
- «رسالة من ضفة الغياب»
- حين تعود القلوب عطشى
- -رؤية أدبية وفلسفية مستوحاة من الحديث النبوي-
- الغلاف الجوي: سقف محفوظ وآية إلهية
- الانفعالات النفسية وأثرها على الجهاز الهضمي: العلاقة الخفية ...
- حين يتكلم اللاوعي بلغة الأدب: من الذي يتكلم داخل الكاتب دون ...
- هندسة الفراغ
- معزوفة الصباح
- «ربّانٌ بلا بوصلة»
- حين تحترق الرسائل ولا يحترق القلب
- آفاق البحث المستقبلية ودلالة الثقوب السوداء في المعرفة الإنس ...
- الثقوب السوداء والجاذبية الكمية – نحو توحيد القوانين الأساسي ...
- إشعاع هوكينغ، مفارقة المعلومات، وحدود الفيزياء المعاصرة
- الزمن، الضوء، وتشوه الزمكان في محيط الثقوب السوداء
- الثقوب السوداء فائقة الكتلة: المحور الخفي لتشكّل المجرات وتط ...
- البنية الفيزيائية للثقب الأسود وأنواعه: من أفق الحدث إلى الت ...
- نشأة مفهوم الثقوب السوداء: من الحلّ الرياضي إلى الحقيقة الرص ...


المزيد.....




- صوت هند رجب يصل إلى الأوسكار.. تجربة سينمائية عربية تتجاوز ا ...
- غوتيريش: إصلاح مجلس الأمن بات ضرورة ملحة لتعزيز التمثيل والف ...
- -الفارسي-.. رواية بتفاصيل مذهلة كتبها عميل -سي آي إيه- عن صر ...
- -الفارسي-.. رواية بتفاصيل مذهلة كتبها عميل -سي آي إيه- عن صر ...
- ريشة خلف الحصار.. طفلة توثق مأساة غزة من زاوية خيمة النزوح
- -القصة أكبر مني-.. سلمان رشدي يتحدث عن فيلم يوثق محاولة اغتي ...
- شارع النبي دانيال بالإسكندرية.. قبلة المثقفين التي نسيها الم ...
- لؤلؤة الأندلس تعود للنور: الليزر يفك طلاسم -مدينة الزاهرة- ا ...
- اختلاف الروايات بشأن مقتل أمريكي برصاص ضباط أمن في مينيسوتا ...
- قنطارجي.. حارسة جماليات التذهيب في الفن الإسلامي


المزيد.....

- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي
- خرائط العراقيين الغريبة / ملهم الملائكة
- مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية ... / عبدالرؤوف بطيخ
- يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال ... / السيد حافظ
- ركن هادئ للبنفسج / د. خالد زغريت
- حــوار السيد حافظ مع الذكاء الاصطناعي. الجزء الثاني / السيد حافظ
- رواية "سفر الأمهات الثلاث" / رانية مرجية


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد بسام العمري - مقامة الليل والوجد والنجوى