أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رياض العيداني - الأزمة المالية في العراق (حين يغيب التخطيط وتُستبدل الإصلاحات بالاستقطاعات)














المزيد.....

الأزمة المالية في العراق (حين يغيب التخطيط وتُستبدل الإصلاحات بالاستقطاعات)


رياض العيداني

الحوار المتمدن-العدد: 8599 - 2026 / 1 / 26 - 17:41
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


الاثنين 26/1/2026

تمرّ الدولة العراقية اليوم بأزمة مالية متكررة لكنها ليست أزمة موارد بقدر ما هي أزمة إدارة ورؤية ، فالعراق بوصفه واحداً من أغنى الدول النفطية في المنطقة لا يعاني شحّاً في مصادر الدخل بقدر ما يعاني اختلالاً بنيوياً في كيفية إدارة هذه الموارد وارتباكاً واضحاً في القرارات الاقتصادية وغياباً لاستراتيجية متكاملة تربط الاقتصاد بالسياسة وبمستقبل المجتمع .

عند النظر إلى تجارب الدول التي واجهت أزمات مشابهة يبرز الفارق بوضوح ، فالنرويج على سبيل المثال لم تتعامل مع النفط بوصفه مورداً للاستهلاك الآني ، بل أسست صندوقاً سيادياً استثمر عائداته خارج القطاع النفطي بهدف حماية الأجيال القادمة من تقلبات السوق ، في المقابل لا يزال الاقتصاد العراقي رهينة لمورد واحد تُصرف عائداته على أبواب تشغيلية متضخمة دون تنويع حقيقي أو استثمار إنتاجي مستدام .

أما في ملف الضرائب والإيرادات غير النفطية فإن الخلل أكثر وضوحاً ، فدول مثل تركيا استطاعت عبر ربط النظام الضريبي والجمركي إلكترونياً أن تحدّ من التلاعب وتغلق منافذ الهدر وتحقق عدالة أكبر في التحصيل ، أما المغرب من جهته وسّع القاعدة الضريبية وشدد الرقابة لكن دون أن يخنق المواطن أو يثقل كاهله بزيادات عشوائية ، في العراق على العكس من ذلك لا توجد سيطرة فعلية على المنافذ الحدودية ولا نظام ضريبي عادل وشفاف وغالباً ما يكون الحل الأسهل هو رفع الضرائب والرسوم على المواطن الملتزم أصلاً ما يؤدي إلى تعميق الشعور بالظلم بدل معالجة أصل المشكلة !.

ويبرز الخلل ذاته في سياسات التعليم والتوظيف، ففي دول صناعية كألمانيا يُربط التعليم العالي بشكل وثيق بحاجات سوق العمل وتُضبط التخصصات بما يخدم الاقتصاد الوطني حتى لو تطلب الأمر الحد من التوسع غير المدروس في بعض المجالات ، أما في العراق تُمنح الموافقات الدراسية بلا تخطيط وتُعترف بالشهادات دون تدقيق كافٍ في جودتها أو ملاءمتها ما يؤدي إلى تخمة في سوق العمل ، وعندما تقع الأزمة تُتخذ قرارات قاسية تطال الجميع فتُسوى الشهادة الرصينة بغير الرصينة ويُعاقَب الموظف المجتهد بقرارات لم يكن طرفاً في صناعتها .

وفي إدارة الأزمات المالية تتجلى المفارقة الأخلاقية قبل الاقتصادية ، (فإيرلندا) مثلاً خلال أزمتها المالية بدأت بخفض رواتب المسؤولين الكبار قبل المساس برواتب الموظفين في رسالة واضحة بأن التقشف يجب أن يبدأ من القمة ، وتجربة (كرواتيا) تقدّم مثالاً أكثر رمزية حين أقدمت رئيسة البلاد على بيع الطائرة الرئاسية وتقليص أسطول السيارات الحكومية ، إذا باعت ما يقارب (25 سيارة مرسيدس فاخرة) الخاصة بوزراء الدولة وحولت أموالها الى خزينة الدولة ، وخفضت رواتبها ورواتب الوزراء بأكثر من (30%) واختارت السفر على متن الطائرات العامة بالدرجة الاقتصادية لتقليل نفقات الدولة وإيصال رسالة تضامن حقيقية مع المواطنين ، في العراق لا تزال الرواتب والامتيازات العليا بما فيها رواتب الرئاسات والبرلمان والحالات الخاصة المتراكمة التي تشكّل عبئاً ثقيلاً على الموازنة العامة ، بينما يُطلب من الموظف ذي الدخل المحدود أن يكون (كبش الفداء) عند كل أزمة من خلال فرض الضرائب المباشرة والرسوم ، والضرائب غير المباشرة التي تفرض على التاجر ويتحملها المواطن أيضاً .

إن الخطاب السائد الذي يُحمّل المواطن مسؤولية الأزمة ويدعوه إلى الصبر يتجاهل حقيقة أساسية (المشكلة ليست في حجم الرواتب الدنيا ، ولا في إنفاق المواطن ، بل في سوء الإدارة ، وغياب الأولويات ، واستمرار منظومة اتخاذ القرار بيد جهات لا تمتلك رؤية اقتصادية ولا ارتباطاً فعلياً بمصالح الدولة طويلة الأمد).

إن تشخيص الأزمة يقود إلى نتيجة واضحة وهي أن العراق (لا يعاني عجزاً مالياً بنيوياً ، بل يعاني عجزاً في الحوكمة) الإصلاح الحقيقي يبدأ بتنويع مصادر الدخل عبر الاستثمار المنتج وضبط المنافذ والضرائب بنظم شفافة ، وإعادة هيكلة (سلم الرواتب والامتيازات بعدالة تامة ، وربط التعليم بسوق العمل ، والأهم من ذلك، إرساء ثقافة سياسية تعتبر المال العام أمانة لا غنيمة).
دون هذه الخطوات ستبقى كل معالجة مالية مجرد استقطاع مؤقت وستظل الأزمات تتكرر لأن المشكلة لم تُعالج من جذورها ، بل جرى تحميلها دائماً على أضعف حلقة في السلسلة وهي ("المواطن").



#رياض_العيداني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- نظرية معادلة (3×3) حين يُدار العراق بتوازنات جغرافية لا وطني ...
- بين ترشيد الإدارة وتجفيف المعرفة قراءة اجتماعية في قرار عدم ...
- لماذا تعثّر بناء الدولة في العراق؟ مقاربة في المفهوم والبنية ...
- إقليم البصرة المقومات الموضوعية والجدوى الدستورية في ضوء الت ...
- جزاة الإحسان… «بكّان» (الحكم المركزي)
- سياسات الأمن الإنساني في البصرة بعد 2005 تحليل بنيوي وإخفاقا ...
- حين تتحوّل الحياة إلى تهمة
- حين تُدار الدولة على ظهر حصانٍ ميت
- البصرة بين مركزٍ يستنزفها واقليمٍ ينصفها
- حين يموت النهر ... وتنطفئ الحياة مأساة البيئة في العراق


المزيد.....




- فيصل بن فرحان يوضح رؤية السعودية للعلاقة مع الإمارات والاختل ...
- الغموض يخيّم على شمال شرق سوريا مع مواجهة الأكراد لتهديدات ج ...
- قانون بوابة شرق المتوسط: خطوة أمريكية لتعزيز البنية التحتية ...
- فرنسا - الجزائر: سيغولين روايال تزور الجزائر على خلفية توتر ...
- إسرائيل تعلن استعادة رفات آخر رهينة بغزة وحماس تعتبر العملية ...
- كيف ستتعامل مصر مع قرار إسرائيل فتح معبر رفح بشكل محدود وتحت ...
- رئيس وزراء السنغال في المغرب.. هل تُطوى صفحة النهائي الساخن ...
- ترسلة.. من أثر تاريخي إلى قاعدة استيطانية عسكرية تهدد شمال ا ...
- الجزيرة ترصد تحركات روسية بمحيط مطار القامشلي في سوريا
- المطرب أحمد سعد يتراجع عن تصريحاته بشأن -ذا فويس- ويعتذر لجم ...


المزيد.....

- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله
- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ / غنية ولهي- - - سمية حملاوي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رياض العيداني - الأزمة المالية في العراق (حين يغيب التخطيط وتُستبدل الإصلاحات بالاستقطاعات)