أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رياض العيداني - جزاة الإحسان… «بكّان» (الحكم المركزي)














المزيد.....

جزاة الإحسان… «بكّان» (الحكم المركزي)


رياض العيداني

الحوار المتمدن-العدد: 8581 - 2026 / 1 / 8 - 19:54
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


8/1/2026

في الذاكرة الشعبية لا تعيش بعض الحكايات لأنها جميلة أو مسلّية ، بل لأنها تختصر تجربةً إنسانيةً قاسية تكرّرت بأشكال مختلفة عبر الزمن ، ومن بين هذه الحكايات تبرز قصة «جزاة الإحسان… بكّان» بوصفها مرآة أخلاقية عميقة يمكن إسقاطها بسهولة على واقعنا السياسي والاقتصادي المعاصر .

تحكي القصة عن رجلٍ طيبٍ يُدعى حسّان فتح قلبه قبل دكانه لمتسوّلٍ وكلبه فأحسن إليه بلا حساب ، في البداية بدا الإحسان سبباً للبركة والازدهار ، لكن النهاية جاءت صادمة حين استُدعِي الكلب «بكّان» ليطرد من أحسن وليُسقط صاحبه جريحاً عند باب من أغناه ، المأساة هنا لا تكمن في الخيانة وحدها ، بل في بساطة الثقة حين توضع في غير موضعها والخير عندما يقدم الى غير أهله !.
هذا المعنى وإن بدا شعبياً فإنه قد يتكرر في العراق بصيغة أكثر تعقيداً وأشد كلفة من سابقه ، لا على مستوى الأفراد ، بل على مستوى (إدارة الدولة بشكل مركزي) فالعراق الذي يعتمد اقتصاده بنسبة تتجاوز (90٪) من إيراداته العامة على النفط ، تُدار موارده من مركز واحد بينما تتحمّل المحافظات المنتجة أعباء الإنتاج والتلوث والضغط السكاني دون أن تُمنح وزناً متناسباً في القرار أو التوزيع وكان آخرها بل وأبسط حقوق أبناء البصرة أن يتم قبوله طلبتها في الأكاديمية البحرية التي تم تأسيها في البصرة كونها المحافظة الوحيدة التي تمتلك اطلالة بحرية والغريب أن المقبولين أغلبهم من محافظاتٍ أخرى بعيدة عن البصرة والبحر!! وبذلك قد تم حرمان شبابنا من الدخول في الأكاديمية البحرية ! وهذا مثالٌ بسيط ، وبذلك يتحول الحكم المركزي إلى «بكّان» اقتصادي ينهش فرص التنمية والقضاء على البطالة بين صفوف الشباب ، لا بفعل سوء النية دائماً ، بل بفعل اختلال بنيوي في شكل الإدارة .
وفي قلب هذا الاختلال تبرز مفارقة سياسية لا تقل دلالة عن الأرقام( البصرة) التي تمثل العمود الفقري للاقتصاد العراقي وتؤمّن الحصة الأكبر من الصادرات النفطية والإيرادات العامة وتغذي البلد بأكمله من شمالهِ الى جنوبه بما في ذلك جيوب الفاسدين لم تُمنح – منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة وحتى اليوم فرصة حقيقية لتولي منصب (رئيس مجلس الوزراء) رغم ما تزخر به من كفاءات إدارية ونخب أكاديمية وأساتذة جامعات وخبرات اقتصادية مشهود لها بالعلمية والنزاهة والحيادية ، هذه المفارقة لا يمكن تفسيرها بمعايير الكفاءة أو التمثيل الوطني ، بل تعكس منطقاً مركزياً يحتكر القرار السياسي في دائرة جغرافية ضيقة ويعيد إنتاج السلطة من المكان ذاته فيما تُختزل المحافظات المنتجة في دور المموّل الصامت ، بل وصل الحال الى استجداء الحقوق من المركز .

اقتصادياً تظهر آثار هذا النموذج بوضوح في علاقة المركز بالمحافظات غير المنتظمة بإقليم ، فبدل أن تكون الموارد المحلية رافعةً للتنمية تتحول إلى أداة ضغط مالي عبر زيادة الضرائب والرسوم والغرامات والتي تذهب جزاً كبيراً منها الى محافظاتٍ لا تساهم في دفع ما يدفعه المواطنون الآخرون !.
وفي وقتٍ تتأخر فيه أو تتعطل الاستحقاقات الدستورية مثل (مخصصات البترودولار - وتنمية الأقاليم - و50٪ من إيرادات المنافذ الحدودية) النتيجة النهائية دائماً واحدة (المواطن يدفع الثمن مرةً من دخله ومرةً من فرص عمله ومرةً أخرى من جودة الخدمات كماً ونوعاً) .

لقد جُرّب هذا النموذج المركزي منذ أكثر من قرن من الزمن ولم يفضِ إلا إلى تضخم بيروقراطي حتى التخمة وتعقيد إداري وتفاوت تنموي واضح بين المركز والأطراف ، ومع ذلك ما زال يُقدَّم وكأنه الخيار الوحيد!! رغم أن التجربة نفسها تثبت عجزه عن تحقيق العدالة أو التنمية المتوازنة ، إن الإصرار على هذا المسار ، هو إصرار على إعادة إنتاج «بكّان» في كل أزمة مالية وكل موازنة متعثرة .

ختاماً : لا يمكن حماية الثقة الشعبية ولا كسر حلقة الإحسان المنكَر إلا بإصلاح بنية الحكم نفسها ، إن (اللا مركزية الإدارية وتشكيل الأقاليم) ليست شعاراً سياسياً ولا دعوة انفعالية ، بل (حل دستوري عقلاني) يهدف إلى حفظ مصالح الناس وتمكين المحافظات من إدارة مواردها وتقليل الروتين والبيروقراطية الخانقة وتسريع القرار التنموي ، فإما أن نعيد توزيع السلطة والموارد بعدالة ، أو نستمر في ترديد الحكاية ذاتها في كل مرة بنهاية أكثر إيلاماً (جزاة الإحسان… بكّان!).



#رياض_العيداني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- سياسات الأمن الإنساني في البصرة بعد 2005 تحليل بنيوي وإخفاقا ...
- حين تتحوّل الحياة إلى تهمة
- حين تُدار الدولة على ظهر حصانٍ ميت
- البصرة بين مركزٍ يستنزفها واقليمٍ ينصفها
- حين يموت النهر ... وتنطفئ الحياة مأساة البيئة في العراق


المزيد.....




- البحرين تنشر صور 15 شخصا مرتبطين بالحرس الثوري بقضية -عملاء ...
- -صاروخ دفاعي أمريكي ضرب مطار الكويت-.. القيادة المركزية ترد ...
- خبيران يعلقان على دلالات تبادل أمريكا وإيران الضربات بواحدة ...
- مباشر: إسرائيل ولبنان يتفقان على تنفيذ وقف لإطلاق النار وإبع ...
- مقتل ثلاثة أشخاص في هجوم أوكراني على القرم وروسيا تستهدف مدي ...
- الطفلة سارة آخر الضحايا.. هكذا مسحت إسرائيل أسرة فلسطينية من ...
- الصحة الإماراتية تعلن عدم رصد أي حالات إصابة بفيروس إيبولا
- ضربة لترامب.. مجلس النواب الأميركي قد يضع حدا للحرب مع إيران ...
- ترامب يعلن ترشيح محاميه السابق لمنصب وزير العدل
- تقرير: ترامب يحدد -الخط الأحمر- للعودة إلى الحرب مع إيران


المزيد.....

- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رياض العيداني - جزاة الإحسان… «بكّان» (الحكم المركزي)