أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رياض العيداني - حين تتحوّل الحياة إلى تهمة














المزيد.....

حين تتحوّل الحياة إلى تهمة


رياض العيداني

الحوار المتمدن-العدد: 8576 - 2026 / 1 / 3 - 00:15
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


الجمعة 2/1/2026

لسنواتٍ طويلة جرى تقديم الإنسان في خطابنا الثقافي والتربوي بوصفه مشروع فداء دائم كأن الغاية القصوى لوجوده لا تكتمل إلا عند نهايته ، ففي القصائد التي تردد في المدارس وعلى المنابر تكرّست صورة تُجمِّل الفناء وتُحرِّج الحياة ، حتى بات الفرد يستحي أحياناً من التصريح بحبه للبقاء!! وكأن الرغبة في العيش نقصٌ في الشجاعة أو خللٌ في الانتماء ، والمفارقة أن هذا التصور لم يكن قدراً مفروضاً على أحد ، بل صناعة بشرية خالصة صنعناها ثم دفعنا ثمنها النفسي والاجتماعي والسياسي على المدى البعيد !.
فثقافتنا في كثير من تجلياتها حملت الموت كوسام واحتفت بالعدم بوصفه خلاصاً نبيلاً وكما يقول الشاعر :
يا فارساً عرشَ العُلا تتربَّعُ ... صُمُّ الجبالِ أمامَ عزمِكَ تَركعُ
أذللْتَ حُبَّاً للحياةِ ونزعةً ... وَهَببْتَ طوعاً عنْ دِيارك تَدْفعُ
ظَمِئَتْ جراحُك للعُلا فسَقَيْتَها .... نبلاً ومَجْدا بالشَّهادَةِ يُتْرَعُ
وَسَعَيْتَ للأَمجادِ تَطْرُقُ بابَها .. بابُ الشَّهادةِ خير بابٍ يُقْرَعُ
في الأبيات الشعرية أعلاه يمتد الحداد كظلٍّ طويل حتى يغطي المعنى الإنساني للحياة نفسها ، وحين نعود إلى الماضي بحثاً عن ذواتنا فلا نجد غالباً سوى مبالغات خطابية تُخدِّر الروح ولا تُنتج وعياً إنسانياً ، فالنصوص التي تربط المجد حصراً بساحة المعركة وتُصوِّر دائماً الحياة على أنها عقبة يجب تجاوزها!! لا تصنع قيماً أخلاقية بقدر ما تخلق وهماً جمعياً (من لم يمت لم يبلغ المجد)!؟.
وبالرجوع لقصتنا السابقة التي لا تمجّد الشجاعة بقدر ما تصادر البدائل فهي تُهمِّش الحياة وتدفع الإنسان إلى البحث عن قوته في (رماد تاريخٍ لم يصنعه) بدلاً من واقع يمكن أن يُسهم في بنائه !! وهنا تكمن الخطورة (حين يتحول الفناء إلى المعيار الوحيد للكرامة) فتصبح الحياة حينها كلها على الهامش!! ويغدو الحلم ترفاً والبقاء موضع شك أخلاقي!؟.
ومن اللافت في الأمر أن الخطاب الذي حاصر الإنسان في زاوية الفناء كثيراً ما استند "انتقائياً" إلى الدين!! في حين أن النص الديني ذاته يقدّم تصوراً مختلفاً جذرياً للوجود الإنساني ، فالقرآن الكريم لا يُؤسِّس الإنسان بوصفه مشروع موت ، بل يضعه في قلب مشروعاً معرفياً وعمرانياً واضحاَ ، وأول ما يُطلَب من النبي نفسه ليس الموت ، بل المعرفة: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾ (طه:114) وكأن الارتقاء الإنساني يبدأ من الوعي لا من الفناء .
ويؤكد القرآن هذا المعنى حين يميّز بوضوح بين من يملكون المعرفة ومن لا يملكونها: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ (الزمر:9) ، في إشارة صريحة إلى أن القيمة الإنسانية تُبنى على الفهم والعقل لا على مجرد الاستعداد للتضحية ، بل إن معيار الرفعة ذاته يُربط بالعلم: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَات﴾ (المجادلة:11) وهي رفعة مرتبطة بالبقاء والعطاء لا بالغياب .
ويذهب النص القرآني أبعد من ذلك حين يجعل العلماء في موقع الشهادة على الحقيقة الكونية : ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ﴾ (آل عمران:18) وهو موضع لا يمكن أن يُمنَح لمنطق الفناء المجرد ، كما يربط الخشية الحقيقية بالله بالعلم لا بالموت: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء﴾ (فاطر:28) في إعادة تعريف جذرية لمعنى التقوى بوصفها وعياً ومسؤولية لا اندفاعاً أعمى .
وبهذا المعنى فإن تحويل الدين إلى خطاب يُمَجِّد الغياب ويُحاصر الحياة ليس امتداداً للنص ، بل انزياحٌ عنه ، فالدين في جوهره مشروع بناء (بناء العقل وبناء الإنسان وبناء المجتمع) أما ثقافة تحويل الشباب إلى وقود رمزي فهي قراءة انتقائية تُفرِّغ النص من مقاصده وتُعيد توظيفه خارج سياقه الإنساني والحضاري .

لكن الحياة ليست مشروعاً ثانوياً ولا الإنسان مشروع موت مؤجل ، بل الإنسان مشروع حياة بكل ما تعنيه الكلمة من معنى ، فكل لحظة خوف نخسرها وكل شغف نُطفئه هو دليل على أننا خُلقنا لنضيف ونعمر ونتعلم ونعلم الآخرين ((لا لنختفي عن الحياة!!)) وخطأ القرون الماضية لم يكن في تقدير التضحية ، بل في ترويض الوعي على أن الفناء هو ذروة المجد متناسين أن المجد الحقيقي هو أن تبقى (أن تزرع وتبني وتنتج المعرفة وتصنع المعنى وتنهض كل صباح لتقول لنفسك إنك تستحق فرصة جديدة للحياة) .
وهنا أقول من حقنا بل من واجبنا أن نعيد الاعتبار للحياة دون خوف من اللوم ، فمن حق الطفل أن يحلم (بالجمال لا بالغياب) ومن حق الشاب أن يبحث عن (معنى لوجوده لا عن طريق نهايته) ومن حق المجتمع أن (يخلع عباءة الحداد الطويل ويجرّب أن يحب نفسه قليلاً بلا عقدٍ ولا جلدٍ للذات) فنحن مشاريع للحياة (مشاريعَ للنور) نحاول أن نجد شقاً صغيراً في جدار الظلام لندخل منه .
غير أن أخطر ما في ثقافة تمجيد الفناء أنها نادراً ما تكون بريئة ، فدائماً ما تجد من يجني المكاسب دون أن يدفع الثمن !! أولئك الذين يدفعون الشباب إلى حافة الموت فإنهم (لا يشاركونهم الفقد) ولا يتحملون فراغ البيت بعد غياب الابن أو الزوج أو الحفيد!! إنهم يراكمون مكاسب سياسية مؤجلة أو أرباحاً آنية (مناصب تنفيذية) أو فرص تجارية أخرى ، فكلما ارتفع منسوب الخسارة الإنسانية ، المجتمع يدفع والعائلات تدفع بينما يبقى المستفيد بعيداً عن الجرح !!.
الحياة ليست نقيض الشجاعة ، بل هي الشجاعة نفسها ، ومن يختار الحياة لا يخون أحداً ، بل يختار أن يكون (هو كما هو) أن يكون إنساناً لا شعاراً وأن يعيد للإنسان صورته كما يجب أن تكون (كائناً يستحق أن يعيش لا مجرد رقم في سردية الفناء التي لا تنتهي) .



#رياض_العيداني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين تُدار الدولة على ظهر حصانٍ ميت
- البصرة بين مركزٍ يستنزفها واقليمٍ ينصفها
- حين يموت النهر ... وتنطفئ الحياة مأساة البيئة في العراق


المزيد.....




- -استكمال عودة جميع العناصر-.. الإمارات تصدر بيانًا عن قواتها ...
- المغرب يستقبل عام 2026 مع تشكل دور الـ16 في كأس أمم أفريقيا ...
- أقدم قطة حيّة في العالم.. -فلوسي- تُكمل عامها الثلاثين
- رغم العقوبات الغربية.. شحنات غاز روسية تصل إلى الصين
- وسط احتدام القتال.. -انتقالي- جنوب اليمن يعلن مرحلة انتقالية ...
- أي تداعيات لتهديد ترامب بالتدخل دعما لمتظاهري إيران؟
- -أطباء بلا حدود- تستنكر حظر إسرائيل لـ37 منظمة إنسانية في غز ...
- لوموند: هذه آخر الدول المتشبثة بـ-فاغنر- في القارة السمراء
- السجن المؤبد لصحفيين في قضية احتجاجات مؤيدة لعمران خان
- أوكرانيا تجلي الآلاف مع تقدم القوات الروسية في زاباروجيا


المزيد.....

- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ / غنية ولهي- - - سمية حملاوي
- شيوعيون على مر الزمان ...الجزء الأول شيوعيون على مر الزمان ... / غيفارا معو


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رياض العيداني - حين تتحوّل الحياة إلى تهمة