أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - عالم الرياضة - التجاني بولعوالي - ليلة سقوط القناع وانفضاح الجوار الإفريقي الزائف















المزيد.....

ليلة سقوط القناع وانفضاح الجوار الإفريقي الزائف


التجاني بولعوالي
مفكر وباحث

(Tijani Boulaouali)


الحوار المتمدن-العدد: 8593 - 2026 / 1 / 20 - 20:15
المحور: عالم الرياضة
    


يمكن تشبيه النسخة الأخيرة من كأس إفريقيا بالمغرب (2026) بقمة جبل الجليد التي كانت تخفي تحتها شتى العجائب والغرائب؛ فما إن أسدل الستار على هذه التظاهرة الكروية، حتى انكشف المستور، وظهر ما كان خفيا، فكان أعظم!
كرة القدم، في أصلها، لعبة جميلة وممتعة، يمارسها الإنسان مثل باقي الألعاب، إما لغرض صحي يهدف إلى ترويض الجسد وتهذيب النفس معا، أو بقصد المنافسة الشريفة التي تختبر قدرة الإنسان على التحمل والصبر والانضباط. أما المتفرج، فينحصر هدفه الأساس في التسلية والترويح عن النفس بعد عناء العمل وتعب الحياة اليومية. بهذا المعنى، تظل الرياضة فعلا إنسانيا بسيطا وعفويا، مرتبطا بالفرح الجماعي، وبحاجة الإنسان الفطرية إلى اللعب والانبساط.
غير أن الرياضة عموما، وكرة القدم على وجه الخصوص، شهدت في العقود الأخيرة تحولات عميقة في الوسائل والأهداف والاستراتيجيات. فقد تحولت إلى مجال واسع للإشهار والترويج والبروباغندا، لا سيما على المستوى التجاري والتسويقي، وأضحت صناعة ضخمة تتداخل فيها الأموال والسياسة والإعلام. ومع ذلك، كان من المفترض أن يبقى الهدف المركزي لكل هذا التطور هو التسلية، بالمعنى السيكولوجي الإيجابي الذي عرفته البشرية منذ أقدم العصور، حين كان الناس يستمتعون بمشاهدة المصارعة، وسباقات الخيل، ومختلف أشكال التحدي الجسدي.
إلا أن التسلية نفسها قد تنقلب إلى نقيضها، عندما تتحول الرياضة إلى أداة لتخدير الشعوب، وصرفها عن القضايا الكبرى، وإشغالها عن همومها المصيرية. عندئذ، لا تعود الرياضة وسيلة للترفيه، بل تصبح أداة للهيمنة والتحكم، تُستعمل لتوجيه الجماهير وتنفيس غضبها في قضايا هامشية، بدل مساءلة الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي. وهذا ما أصبح يطبع عصرنا الراهن، حيث تزاحم الرياضة، وعلى رأسها كرة القدم، مجالات المعرفة والعلم والتعليم والبحث العلمي، فتدفع بها إلى مراتب ثانوية، خاصة في المجتمعات المتأخرة أو ما يصطلح عليه بالعالم الثالث. بل تكاد كرة القدم، في بعض السياقات، تتحول إلى ما يشبه "دينا جديدا"، تُستثمر فيه العواطف والولاءات، ويُمنح قداسة "إلهية" لا تليق بلعبة، مهما بلغت شعبيتها.
وهكذا، أصبح لاعب كرة القدم يُباع بملايين الأورو، ويُوفر له من الامتيازات والمتع والإمكانات ما لا يخطر على بال، في حين تُهجر مجالس العلماء والمفكرين والباحثين، الذين لا يطلبون مالا ولا جاها، ولا يحضر دروسهم ومحاضراتهم إلا القليل. امتلأت الملاعب عن آخرها، رغم غلاء تذاكر الدخول، بينما ظلت بيوت الله، حيث السكينة والطمأنينة واليقين، في كثير من الأحيان شبه خاوية. ونعتقد أن هذا التناقض الصارخ يعكس خللا عميقا في سلم القيم والأولويات داخل مجتمعاتنا.
وليس الغرض من هذا الكلام تحريم كرة القدم، ولا التبخيس من أهمية الرياضة البدنية والنفسية والعقلية في حياة الإنسان، وإنما التنبيه إلى أننا اليوم أمام ظاهرة أخلاقية وسوسيو-اجتماعية معقدة، انحرف فيها الإنسان، خصوصا في المجتمعات الجنوبية، عن المقاصد الأصلية للرياضة. فالترويح، وهو مقصد تحسيني وتكميلي في منطق علم المقاصد، يأتي في المرتبة الثالثة بعد الضروريات والحاجيات. غير أننا قلبنا المعادلة رأسا على عقب، وأصبحنا نُعلي من شأن ما هو تحسيني على حساب ما هو ضروري وحاجي، كالدين، والصحة، والتعليم، ومحاربة الفقر، وترسيخ الأخلاق.
وعند مقارنة تعامل الشعوب الإفريقية والعربية والآسيوية والأمريكية اللاتينية مع الرياضة، بتعامل المجتمعات الأوروبية معها، يظهر الفرق جليا. ففي كثير من دول الجنوب، تُجعل الرياضة أولوية الأولويات، فتُستنزف الثروات، وتُهدر الميزانيات، وتتفاقم المديونيات من أجل بناء الملاعب وتنظيم التظاهرات وتمويل الآلات الإعلامية، في الوقت الذي تعيش فيه فئات واسعة من الشعب تحت خط الفقر، وتعاني المستشفيات من الإهمال، ويتراجع التعليم، وتستشري الرشوة. في المقابل، تُنظر إلى الرياضة في أوروبا نظرة مغايرة؛ فهي ضرورة اجتماعية وصحية، لكنها ليست أبدا على حساب الأولويات الكبرى. لقد جاءت مأسسة الرياضة وتقنينها في أوروبا بعد أن حققت الشعوب قدرا معقولا من الرفاه، ونالت حقوقها الأساسية، وبلغت قطاعات الصحة والتعليم والإدارة مستويات متقدمة. لذلك، نجد أن المدارس والجامعات والمستشفيات والإدارات العمومية، من حيث البناء والتنظيم والخدمات، تضاهي، بل أحيانا تفوق، الملاعب والمرافق الرياضية.
ثم إن الرياضة في السياق الأوروبي لا تختلط، في الغالب، بما هو إيديولوجي أو سياسي. لكل مجال منطقه ووظيفته؛ فالرياضة تُعنى بإمتاع المواطنين والحفاظ على صحتهم، والسياسة تُعنى بتسيير الشأن العام وتحقيق المصلحة العامة. قد تقع أحداث شغب معزولة بسبب نتائج المباريات، لكنها نادرا ما تتحول إلى صراعات ذات طابع سياسي أو عرقي أو ثقافي. وهو ما يختلف عما تابعناه في النسخة الأخيرة من كأس إفريقيا بالمغرب، حيث كشفت "قمة جبل الجليد" عن حجم التوتر والشحناء بين بعض الشعوب الإفريقية، وعن انقلاب البعض على البلد المضيف، رغم ما أبداه من كرم وحفاوة تنظيمية وإنسانية. فغابت الروح الرياضية، وحل محلها خطاب عدائي لا يمت بصلة إلى معنى الرياضة ووظيفتها الإنسانية في التقريب بين الشعوب.
إن الرهان في اتجاه العمق الأفريقي أو نحو المشرق ينبغي أن لا يتجاوز ما هو شكلي ورمزي؛ لن يحترمك الغير إلا عندما تكون قويا بتاريخك وثقافتك وتراثك وشعبك. ولعل المغرب يتمتع اليوم بهذه المزايا الجميلة، ولا ينقصه إلا الالتفات الحقيقي إلى شعبه، ورد الاعتبار لمواطنيه، والرقي بمؤسساته الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. إن الاستثمار الرياضي كشف عن أن المغرب قادر على أن يحقق المستحيل في التشييد والتنظيم والأمن، ونأمل أن يليه بشكل عاجل استثمار صحي واستثمار تربوي واستثمار إداري وغيرها. لقد آن الأوان لننزع أنفسنا من وحل العالم المتأخر، ونحلق إلى الأفق الكوني البعيد، حيث النجاح الحضاري لا يتحقق بلعبة ترفيهية، بل بالمعرفة والتربية والتكنولوجيا والبحث العلمي.
وفي الختام، يمكن القول إن أياما معدودات كانت كافية لتعلمنا، نحن المغاربة، دروسا عميقة، لعل أبرزها ثلاثة: مقصد الرياضة، وحقيقة الجوار، وضرورة العودة إلى الذات. فالرياضة، مهما بلغت أهميتها، تظل مجالا تحسينيّا وتكميليّا، لا يجوز أن يُقدَّم على الأولويات الحقيقية كالصحة والتعليم والأمن والعدالة الاجتماعية. وحقيقة الجوار الإفريقي، كما كشفتها هذه التظاهرة، تستدعي إعادة قراءة هادئة ومسؤولة، بعيدا عن الأوهام والشعارات. أما العودة إلى الذات المغربية، فتعني التركيز على الإنسان، والاستثمار في المجتمع، ورد الاعتبار للمواطن، لأن قوة المغرب الحقيقية لا تكمن في كرة القدم وحدها، بل في المعرفة، والتربية، والتكنولوجيا، وبناء الإنسان. فالتاريخ يعلمنا أن الأمم لا تُقاس بألقابها الكروية، بل بما تحققه من كرامة وعدالة وتنمية بشرية مستدامة.



#التجاني_بولعوالي (هاشتاغ)       Tijani_Boulaouali#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- نحو عولمة الوعي بالسردية الفلسطينية
- غزة ليست النهاية.. والدور آت على الجميع
- مجلة اجتهاد في أوروبا تواصل مسيرتها البحثية بصدور عددها الثا ...
- أي علاقة بين إيران-الشعب وإيران-النظام؟
- مغرب الأوراش الكبري وضرورة الاستثمار في الإنسان والمجتمع
- ميلاد مجلة علمية محكمة جديدة في أوروبا تؤسس لمقاربة إسلامية ...
- الجريمة الأخطر من حرق الكتب هي عدم قراءتها
- البرلمان الأوروبي.. ماذا عن انتهاك حقوق التعبير في أوروبا؟
- عقوبات مادية تهدد أولياء الأمور في التعليم الفلامانكي!
- المسلمون جيران وزملاء.. ومع ذلك لا نعرفهم جيدا!
- هزيمة بطعم النصر.. هزيمة لم تنزع الأسود البطولة!
- الإسلام في الغرب بين جدلية الذات والآخر
- درس في الوطنية.. إلى من يريد أن يجردنا من الوطنية!
- الحكومة.. بْغَاتْ اَتْكَحّلْهَا عْمَاتْهَا
- هكذا احتفت المستشرقة الإيطالية لورا فاليري بتسامح الإسلام
- -ميثاق مباديء- وجدل تدبير الشأن الديني في فرنسا
- خذ الكتاب بقوة.. كتب أهديت لي!
- الربيع العربي بين الأعلمة والأسلمة
- الكفاءة السياسية وراء تعيين وزراء من أصل أجنبي في الحكومة ال ...
- الحقيقة الغائبة في قضية -آيا صوفيا-


المزيد.....




- منتخب تونس يستعد لكأس العالم 2026 بـ4 مباريات ودية
- بالفيديو.. -إهانة- محمد صلاح في مطار القاهرة تثير جدلا كبيرا ...
- بالفيديو.. يوم أمر ميسي زملاءه في الأرجنتين بالانسحاب أمام ا ...
- زلزال سياسي يهدد مونديال 2026.. ألمانيا تلوح بالمقاطعة و-إلغ ...
- ساديو ماني يكشف -مكالمة رونالدو- بعد الفوز باللقب الإفريقي
- هذه العقوبات تنتظر السنغال بعد الانسحاب أمام المغرب بنهائي ك ...
- من التنمّر إلى منصة الأبطال.. كيف صنع التوحد قصة أقوى رجل في ...
- أردوغان وشاكيل أونيل يلعبان كرة السلة ويوقّعان الكرات بإسطنب ...
- هل يشارك صلاح مع ليفربول في قمة الأبطال؟.. اختبار فاصل يحدد ...
- عضو في البرلمان الفرنسي يطالب الفيفا بنقل مونديال 2026 خارج ...


المزيد.....

- مقدمة كتاب تاريخ شعبي لكرة القدم / ميكايل كوريا
- العربي بن مبارك أول من حمل لقب الجوهرة السوداء / إدريس ولد القابلة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - عالم الرياضة - التجاني بولعوالي - ليلة سقوط القناع وانفضاح الجوار الإفريقي الزائف