أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ماجد عاطف - جرذ من المدينة















المزيد.....

جرذ من المدينة


ماجد عاطف

الحوار المتمدن-العدد: 8590 - 2026 / 1 / 17 - 13:50
المحور: الادب والفن
    


قصة قصيرة/ ماجد عاطف
حين اتمشى ليلاً، ما بعد التاسعة مساءً وصولا للثانية صباحا، وأحيانا قبيل ذلك، ألمح في شارع الارسال وحول سوق الخضار الكثير من الجرذان، وإلى جانب ركب حيث كانت "الروابط" قديما، وصارت موقفا لسيارات الأجرة الآن.
في البلدة القديمة كمية متوسّطة، إذا كان لي أن اقدّر.
أراها بدرجة أقل كثيراً في شوارع المدينتين التوأم، رام الله والبيرة، لأن الأحياء سكانية ولا تزال محاطة بمساحات فارغة تفسح للتسلسل الهرمي في الغذاء. في المنطقتين الصناعيتين، حدث ولا حرج من الكثرة أيضاً.
لقلة المغذيات الصناعية السهلة من مخلفات مطاعم وحلويات وخضار، فإنها قليلة العدد في الأحياء البعيدة. لا يخلو الأمر من جرذ يباغتك وهو يخرج من حقل مسيّج أو لا يزال يُرعى ويحرث، لكن شكله يختلف وحركته بل و"احترامه" لك أنت المارّ. يتراجع كفطرته في انتظار أن تبتعد.
أمّا في الشوارع التي ذكرتها، فإنها سمينة كثيرة العدد بطيئة ووقحة تخرج من مخابئ استغربها. هل تمديدات الصرف الصحي بهذا السوء وسط رام الله؟ هل تبقت هناك زوايا تختبئ نهاراً فيها، مع تضخم العمران؟
لا أخاف منها.
شخصياُ احب الفئران الصغيرة الذكية السريعة. يمكنك إن كان المكان ملائما ولديك من الصبر فيمكنك التفرج على مهارة الفئران الصغيرة. أفهم لماذا جعلوها حيوانات أليفة لدى ثقافات، غير أني انظر لها بطريقة مختلفة. النساء تخشى من الفئران ولدي لذلك تفسير غير محتشم، نظرا لبحثها عن ثقوب تختفي فيها، بعكس موقفهن من الأفاعي.. لا يخشينها!
لم يخل الأمر في سابق السنوات من التأمل المطوّل في الفئران. سكنت في مخزن ترابي لأكون وحدي، وكنت أرى من المهارات ما يضحكني مطولا وأنا ارقب، خصوصا حك المقدمتين ببعضهما عند الأكل والتطلع بوقار ذي عينين سوداوين على انسياب في الانخفاض!
الشوارب أتقزز منها، ولم يسبق لي أن لامست واحدا منها بأصابعي، لأن النفور من المرض والقذارات منطبع في وجداني. أتفرج فقط. وذات برميل كان فيه القليل من مخلفات غذائية وأقمشة رأيت (الانفجار) الفئراني عند تدافعه وأنا أحاول التنظيف، دائريا وتفاقزاً كمية كبيرة من المولود حديثا الرشيق القوي.
لم أخف انما تقززت وفاجأتني الحركة.
أعرف الفئران قبل توسّع المدينة، بل وأعرف الجرذان، لكنها كانت مختلفة ولا شك أن تغييرات جرت عليها من قبيل تجاوز مفعول المبيدات والسموم الصناعية، وتأثيرات ما في مياه الصرف. اعتقد أنها تطورت جينيا. كان العدد أقل بكثير، وكانت النوعية مختلفة. ولا أدري إذا كان هذا ممكنا أم لا حاليا، لكني سمعت عن قطع الجرذان لآذان رضع، بفعل الجوع.. غالبا في القرى وحيث الأغنام وغير ذلك.
== ==
الصغيرة لا تخيف لكن لا بد من التخلص منها. يكفي صحون رخيصة ليلتصق بها الفأر حال انجذابه وتقدّمه، ويمكن انتزاع جسمه واستعمال الصحن لأكثر من مرة. فعلتها مرارا حين كانت الفئران تتسلل من الباب المفتوح دائما. المكان ضعيف التهوية. تصبح الحرارة عالية ولا يكفي الشباك/ النافذة الوحيدة لإدخال كمية هواء. إنني أحب البرودة واحتملها، فكنت أنام إلى جانب المفتوح من أجل التنفس المريح، واحيانا في الشتاء.
== ==
فجأة لمحته. جرذ كبير سريع يقترب من بقايا الماء في الحمام. التمديدات محكمة الاغلاق ولا بد أنه دخل من الباب نهاراً أو ليلا. من المؤكد أنه من جرذان المدينة!
كنت سمعت أصواتا لقرقعة خشبية وحركات مفاجئة ولم أحفل، ولكني تحققت عندما رأيته بنفسي.
هل هرب من ماسورة صرف محطمة؟ هل هناك في الجوار وكر يسرّب جرذانه إلى البيت البدائي الوحيد في الحي الراقي؟
أكره السموم الممزوجة مع الطعام، فلربما يأكلها قط أو تتحلل على البلاط، ولا أريد دفع المال. كانت لدي أكثر من مصيدة شبه صدئة. تفقدتهما ووجدتهما تعملان. غذيتهما بالطعم، قليل من مرتديلا وخبز. بعد ساعات طويلة من الاطلالة والتفقد قبضت على الجرذ محشورا في الداخل الشبكي، القفص، يحاول أن يخرج ويحتمي إلى الجانب. أخذ يتراكض عندما رآني.
لم أعرف أين اتخلّص منه. ولأنني كثيراً ما رأيت جرذانا تحوم حول الحاوية الممتلئة بمخلفات الطعام من سكان الحي، حملت القفص وذهبت به هناك وأطلقته فيها.
شعرت بالرضى لأنني لم اقتله. سيكون عملا مقرفا مليئا بصوصآت وإمكانات العض والخدش وبقايا الدماء، وفوق ذلك علي التخلص من الأداة، الهراوة أو العصا. وستسكن مخيلتي مشاهد تستمر لفترة وقد تراودني عند الأكل.
صرت حضاريا، كما في الأفلام الوثائقية التي اشاهدها، فاكتفي باطلاق الحيوان.
فترة ثانية وتكررت القرقعة.
راودتني أفكار ذات شكوك، لكن يحسن بي الاحتفاظ بها لنفسي. جددت الطعم مرة أخرى، وبعد يومين وقع.
أين أطلقه؟
غيّرت المكان إلى حقل قريب مليء بالنبات والشوك، وقلت لعله بعد الخوف الذي طاله من القبض عليه يشعر بالأثر فلا يعود ثانية، وسيجد طعاما.
لم اكن واثقا، لكني اعتقد أنه الجرذ نفسه، الطويل مرعب الذيل السميك وقحٌ لا يتردد من التجوّل وأكل الخشبي والورقي. اللون خصب أسود تغذى بالمواد العضوية هنا وهناك خاصة من ماسورة مكسورة للصرف الصحي، والفراء مقرف.
فترة ثالثة والقرقعة مشابهة. لا يوجد شيء لتتغذى عليه الجرذان لأني وحدي ولا أخلّف طعاما خارج الخزانة. ما من فتات أو مغذيات تدحرجت أسفل المساند والخزانات والمقاعد، وما من بقايا طعام مع مواعين المجلى.
لو كنت اضمن أنه سيخرج وحده، لما اهتممت.
لكنه إن استقر ووجد أنثى سأتورط بمزرعة، وسيتلف الملابس والأوراق وما يتمكن منه. يقال أنه يأكل أسلاك الكهرباء ولا يتأثر.
جهزت المصيدتين وتركتهما. يومان ووقع.
هذه المرة تأملت وتفكّرت جيدا.
إن كان قد ألف معاملتي ولا يخشى مني فسيظل يعود إلي البت باستمرار. لم احتمل فكرة قتله بأداة تتسبب بالتهشيم والدماء والصوصأة، فما كان مني إلا أن أغرقته في سطل ماء ضخم.
أدرت وجهي وابتعدت بانتظار أن يختنق بالماء.
احتياطاً خلطت الماء بمنظفات البلاط. لا أريد أن أظل متوسوسا بأثره والفيروسات والأمراض.
صار لدي سطل مخصص للجرذان أضعه جانبا على سبيل الوقاية، وإلى هذه اللحظة، لم يدخل آخر. غالبا كان الجرذ نفسه.



#ماجد_عاطف (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ما يشبه الغباء
- مطعم العاصمة الادارية
- صاحبي الذي خسرته
- نسختها في يافا
- نسر أحمر
- الضاحك معلم البلاط
- روحية
- ارث في المحكمة
- شرطة الصلاة
- قصة قصيرة
- الأفعى


المزيد.....




- سوريا: الشرع يرسم اللغة الكردية ويقر -النوروز- عطلة رسمية
- لغز الـ100 مليار شجرة.. هل كُتب تاريخ روسيا على لحاء أشجارها ...
- النوروز -عيد وطني-.. مرسوم سوري تاريخي يعترف بالكرد واللغة ا ...
- الممثلة المصرية جهاد حسام تتحدث لترندينغ عن -كارثة طبيعية-
- غزة تهز المشهد الثقافي الأسترالي.. ما هي قضية راندة عبد الفت ...
- ارتفاع الإيرادات وتوسع خارج أوروبا: من يراهن على السينما الف ...
- السينما سلاحا لمواجهة الآخر.. من ينتصر في الحرب الأميركية ال ...
- التاريخ تحت مقصلة السياسة.. أكبر متاحف أميركا يرضخ لضغوط ترا ...
- صبّ تماثيل الدب لمهرجان برلين السينمائي في دورته الـ76
- مدرسة غازي خسرو بك بسراييفو.. خمسة قرون من -حراسة الزمن-


المزيد.....

- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي
- خرائط العراقيين الغريبة / ملهم الملائكة
- مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية ... / عبدالرؤوف بطيخ
- يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال ... / السيد حافظ
- ركن هادئ للبنفسج / د. خالد زغريت
- حــوار السيد حافظ مع الذكاء الاصطناعي. الجزء الثاني / السيد حافظ
- رواية "سفر الأمهات الثلاث" / رانية مرجية


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ماجد عاطف - جرذ من المدينة