|
|
مطعم العاصمة الادارية
ماجد عاطف
الحوار المتمدن-العدد: 8575 - 2026 / 1 / 2 - 00:09
المحور:
الادب والفن
قصة قصيرة/ ماجد عاطف
الطامعون في المربح السريع والكبير في المدينة، لا ينتسبون إليها. فيها عدد مطاعم ضخم يفوق قدرتها على استيعاب الزبائن بأربعة أضعاف، وكلهم يعتمدون على أن تسود المحبة بين أبناء حام وسام وخام (نسيت اسم الثالث)، ويُفرج العربان عن أكياس فضتهم وذهبهم، ويأتي الأعاجم بصناديق مدخراتهم، إلى مدينة كانت لأربعين سنة خلت، بلدةً، لا أكثر ولا أقل. بل إن السينمات القليلة أغلقت كلّها وأبقوا واحدة منها ذخيرة للمتفشّرين والمطبّعين. ما سبق ليس بحكم كوني واحداً من الزبائن المعتادين للمطاعم الصغيرة السريعة أو الراقية الفخمة، فأنا لم أدخل مطعما إلا مرّة واحدة في حياتي. كان ذلك حين سلّمتني الأخت الكبيرة أختها الأصغر، لنمضي معاً في طشتنا داخل المدينة. اسمع عن العزائم وقلت أتدبر واحدة. فلما جلسنا إلى المائدة وتناولنا القائمة الشعبية، لم يخطر لي أن أسألها ماذا تريد، فطلبتُ لنا صحنين ضخمين من المسبّحة والحمص ولم اكن اقترب من بروتينات الحيوانات. نَكَشَت كلا الصحنين برأس اللقمة، رمقتني بنظرة كليوبترا الغامضة، وعنفصت في بدنها وقالت يا مسهّل، إلى خارج المطعم. لحقتها بعد أن دفعت ثمن الصحنين من دم قلبي، ولم أكن أعرف وقتها كيف استرده من أختها الكبيرة. وهذا بخصوص المطاعم، ولم أفهم ما فيه من أسرار خفيت عليّ إلى أن سألت طالبة عربية على الانترنت، فقالت أنه كان يتوجب عليّ أن أسألها ماذا تطلب.. فإذا صح إخلالي للاتيكيت، فلا شك أن إخلال ذات اللقمة به أعظم. (وعلى كل حال تخلّصت منها بعد أيام، مستغلاً سردا لها عن منحة جامعية لبلد أوروبي فباركت لها، وهذا هو وجه الضيف). ثم صادفتني طالبة العلم الأوروبي في الشارع بعد شهور مترعِاً بكأس عاطفية جديدة، لم تترفّع على السندويشات ولا أي شيء أقدّمه. حنّت أو رغبت في الاستئناف فقطعت عليها الطريق مخبرا إياها أنني على وشك خطبة، فسألتني عن العروس. خشيت من حسد الأنوثة وسعي النساء للتخريب، فتحفّظت في جوابها. أما دخولي المطاعم، فهو إمّا من أجل شراء شيء لغيري، أو للعمل كعامل على المجلى. == == ومن مميزات العمل في مطعم الوجبة والمشرب، وإذا كان العمال محترمين فنسبة من البقشيش. على أنني أكره مسح الطاولات وتنظيف البلاط، واقتصر على المجلى صحونه وطناجره ومقاليه وأكوابه. وكان لي ان احتجت العمل، وكان أن فتّشت على الإعلانات المجانية، فذهبت. == == صاحب المطعم أربعينيّ يصغرني بأعوام، محسوب على أصعب جهاز أمني، له فتية ذكور وفتاة أوسطهم مراهقة، وزوجته ترافقه، وبسبب من دورها تحققت أنها شاركته في مال المطعم، وتريد المشاركة في الربح والإدارة. وأنا لا يشغلني هذا ولا ذاك. أهدف للخلوة، وفي رأسي دودة تفكير تجعلني أجلي الطناجر الضخمة المحترقة أو المقالي بآلية تهرب من أن يقاطعها أحد. كان قد تراكم لديهم معدن أسبوع من غير تنظيف، فلمّعته، متى عنّ لي أشعلت سيجارة بعد أن افتح النافذة، ومن ناحيتهم كانوا مسرورين يحضرون الشاي والقهوة. وكان لفتاهم الكبير بحث في الجامعة طلبت أمه مني أن أعينه عليه (لعلها كانت تريده جاهزاً له)، فأوضحت للفتى أصول البحث العلمي وكيف يتهرّب منه الأكاديميون ويحوّلونه لهيكل فارغ. لقد اختار موضوعاً صعبا وهو عن المصالحة، وله شعبة في الرأي جيدة. قبلها أو منذها، تنبهت إلى أن العائلة غزية، والوالد هارب. حاورته ليجسّم أمامي أفكاره. طلبت أن يدوّنها، وأن يختار افتراضا، وأن يضع لها مصادر صحافية، ويقوم بالتحقق سلباً أو إيجابا من افتراضه، وذلك قبل الصياغة. بينما علّمه المحاضر -الذي يريد نموذجاً سهل التصحيح ومنح العلامة- العكس. كنت أتوقّع أن ينتهي إلى وجهة نظري، إنما كان عليه أن يخوض العملية وحده كاملة، فالمتبقي عندي هو أن أراجع كتابته، أساعده في التنظيم والفقرات واللغة والتحقق من الإحالات وسلامة الاستنتاج. لم أكن أخشى من الوالد رغم تجربتي التعيسة مع أمثاله، ففي فراغ من المجلى والزبائن كنت أجالسه نتناقش ويدخن على حسابي! له اطلاع وباع في تفاصيل.. مثل من يرى الأمور من داخلها، لكن ليس لديه قدرة على التفكير والتحليل. ابن فتحاوي كان في دولة عربية، وعند قيام السلطة كان والده –صاحب الرتبة العالية، وهو الشخصية الحقيقية- من بين الذين عادوا، مع عائلته. الأب فشخصية وطنية تعلو على الخصام، والابن صاحب خصومات ورفع سلاح، ولما حوصروا بعد انفجار الصبر عليهم اضطر للتهرّب إلى حدود غزة، ومن بعدها جلب عائلته، يكابد متطلبات العاصمة الإدارية الخيالية، بينما بقي الأب شامخاً في غزة لا يتعرّض له أحد، خاصة المنتسبين إلى أطر منافسه. كنت على بعض اطلاع، فجاهد ليقنعني، مثلا، إن فرق الموت كانت قوات حماية لشخصيات، وأن القسّام مافيات أو لا يختلفون عن الأجنحة الأخرى، من ناحية فرض السلطة والبطش.
وأستغرب من تخصصاته "العسكرية" كدورة في الإنزال الجوي! من أين الطائرة والمجال..؟؟ دورات عسكرية لا سبيل لتحقق لوازمها ولو بعد خمسين عاماً، فكان لي أن استنتجت أنه.. لأؤجل استنتاجاتي. هي عدة أسابيع جعلتني أركّز على شخصه وكيفية تعامله: لا أعرف رتبته، فرتب هؤلاء ليست حقيقية، ولكنها فوق المتوسط من ناحية الالتحاق قبل العشرين ودون دراسة جامعية. يقدّم الوعود ويبني عليها ويتباهي بمعارفه. لما تصادموا مع القسّام، ادّعى أنهم كانوا يبطشون بالناس ومنازلهم وخزانات مياههم بينما يقرّ أن قسامياً شخّصه وسمح له بالهرب، من وراء لثامه. نساء معارفه أيقن أنه ميت لا محالة، فدفعنه للاغتسال والصلاة ليقابل الله مسلما في حالة مات، وبسبب المناسبة التي هزّت بُنيته لم يترك الصلاة، ولكنه كان عادي الأداء يميل للفرض فقط، منفردا، ولا صلاة جمعة. عقدت له محكمة عسكرية في غزة ورفض الامتثال لها، وصدر عليه حكم بالإعدام، وأنا نفسي سمعته يؤكد إصابة واحدة له. بعدها حصلت حادثة خطيرة، كان الإعلام الغزّي قد نشر تفاصيلها وكلام الشهود، وبعض الكلام المنسوب له تكرر حرفياً في كلامه معي مما يعني أنها شخصيته، فاقتنعت برواية غزة التي تناولت محاولة اغتيال لشخصية كبيرة تسعى للمصالحة، وفيها انتحال على سلفيّي سيناء. كان في وسع رواية الشاهد أن تنسب إليه أكثر، لكن محدوديتها بالذات دلالة على صدقها. دخل المطعم لم يكن يبرر نفقاته ولا قلّة الزبائن. عصراً كل يومين تقريباً يحضر شبان أقل/ أكثر من الثلاثين وينفرد بهم مطوّلا، مستغلا أبهة المكان وإيحاء الرتبة، والغموض... ... بعدما اطلعت على تفاصيل له، انتابني شك فيما إذا كان الإعلان المجاني قد وجّهني نحوه بفعل الهندسة الرقمية أم ما حصل مصادفة، ولكني لم انو الاستمرار أكثر. الأجرة سيئة فعلا، وساعات العمل طويلة ومرتبكة لا تترك مجالا لنوم منتظم، لكنهما لم يكونا سبب تركي. شغلني عدة ليال وأنا أحلل كلامه على منشوراته في الفيسبوك، وخرجت بنتائجي. وافق على رفع الأجرة وتحديد الساعات، وكنت أعرف أنه يفعل ذلك مضطرا، وبسبب طبيعة شخصيته فسينتقم فيما بعد.. هكذا عالمهم الذي يتلهّون فيه. أكل عليّ 250 شيكلا، مكذّبا كلاما له دخل أذني من فمه، وهرب من كلام عليه شهود، ومَنّ علي بقطع سمك زائدة لم أطلبها ويكرهها الأولاد ولم تقبل بأكلها حتى القطط. وضعني في تناقضات، ثم فسرّ الأمرين كيفما يحلو له. تجنّبت مشاهدة مطربة كانت تؤدي في سهرتها ببدنها أكثر مما يفعل صوتها، ثم سألني عن رأيي فيها! كان عليّ أن أجيبه بعمومية (فالصلاة بالكاد نجوت بها بعد فترة طويلة من الاستغراب الجمعي)، وإلا تورّطت في أضابير جهاز المخابرات، فقلت: "لا بأس بها لو كانت تؤدي لوناً مختلفاً.."، ولا أدري كيف فسّرني، ربما كما رغب ابنه الذي لم اكتب له بحثه حين التفت لفخذيها المكشوفين، منتقداً ممتعضاً، متناسياً أن والده هو الذي استأجرها. أخيراً نصّحته أن يذهب إلى غزة ويواجه المحكمة العسكرية.. سيأخذون في الاعتبار أنه صراع تنظيمي مسلّح، ولن يعاملونه معاملة خائن، وسيضعونه في بنود المصالحة. لكن كلامه وأفعاله كانا من الوضوح أن غايته في الدنيا هي الانتقام، فحسب. ولم يتبق شيء لينتقم منه. أبادوا عمران غزة، مئات آلاف شهداء وجرحى، الكل في الخيام جوعاً وبرداً ومرضا؛ وخصومه –كلّهم- انتقلوا للرفيق الأعلى شهداء (لا لبس فيهم). ومثله فقط، الذي اشتد ساعده بالفتوة والزعرنة فشكل فرق الموت، صار الآن فرق مرتزقة عميلة للاحتلال: الجندي 1000 دولار، والضابط 1500. فعرفت أن إسلامه لم –وقد لا- يحسن. منذ وقت مررت على المطعم من باب الفضول.. مغلقٌ استحال مقهى ومشاريب ساخنة، لأن هذه هي حال العاصمة الإدارية فعلا: قهوة/ شاي، وأراجيل. لكن ماذا عن الأجرة المرتفعة، الخيالية، للمكان؟؟ لقد رفعوا أجر رام الله وأسعارها من دون تثمين حقيقي مبنيٍ على طلب وظيفي. ظل في روعي أن كثيرين في أجهزة الأمن، لا يعدّون سواء من ناحية كميتهم أو تخصصاتهم ودوراتهم، والحال في السياسة ومفاوضاتها ما نعرفه...، إلا من أجل المشاركة ضد شعوب دول بعيدة و/ أو قريبة..
#ماجد_عاطف (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
صاحبي الذي خسرته
-
نسختها في يافا
-
نسر أحمر
-
الضاحك معلم البلاط
-
روحية
-
ارث في المحكمة
-
شرطة الصلاة
-
قصة قصيرة
-
الأفعى
المزيد.....
-
أول روايتين لنجمي هوليود توم هانكس وكيانو ريفز تريان النور ب
...
-
فتح باب الترشح للدورة الثانية من جائزة خالد خليفة للرواية
-
تركي آل الشيخ يعرب عن سعادته بأول مسرحية قطرية بموسم الرياض
...
-
تغريم ديزني لانتهاك خصوصية الأطفال على يوتيوب يثير تفاعلا وا
...
-
زفّة على الأحصنة وسط الثلوج.. عرس تقليدي يحيي الموروث الفلكل
...
-
حارب الاستعمار ثم تفرغ للبحث.. وفاة المؤرخ الجزائري محمد حرب
...
-
إبراهيم عدنان ياسين: قصص قصيرة جدا - 2
-
سعاد الصباح لـ-الجزيرة نت-: أنا صوت مَن لا صوت لهم والخسارة
...
-
5 أفلام رسوم متحركة ملهمة لا تفوتك مشاهدتها مع أبنائك المراه
...
-
وثائقي -مع حسن في غزة-.. صور من 2001 تفسر مأساة 2026 دون كلم
...
المزيد.....
-
دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس
/ السيد حافظ
-
مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ
/ السيد حافظ
-
زعموا أن
/ كمال التاغوتي
-
خرائط العراقيين الغريبة
/ ملهم الملائكة
-
مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال
...
/ السيد حافظ
-
ركن هادئ للبنفسج
/ د. خالد زغريت
-
حــوار السيد حافظ مع الذكاء الاصطناعي. الجزء الثاني
/ السيد حافظ
-
رواية "سفر الأمهات الثلاث"
/ رانية مرجية
المزيد.....
|