منال حاميش
مهندسة مدني.. باحثة بالباراسيكولوجي
(Manal Hamesh)
الحوار المتمدن-العدد: 8587 - 2026 / 1 / 14 - 21:16
المحور:
قضايا ثقافية
تمهيد
حين ننظر إلى السيماتيكس للوهلة الأولى، قد يبدو لنا مجرد فرعٍ بصريٍّ مثير من فروع الفيزياء الصوتية: ذبذبات، ترددات، رمل، ماء، وأشكال هندسية تتكوَّن وتختفي. غير أن هذا المشهد البسيط يخفي خلفه أفقًا فلسفيًا واسعًا، يتجاوز المختبر والأدوات، ليطرق أسئلة الوجود الأولى: ما أصل الشكل؟ ما العلاقة بين المرئي وغير المرئي؟ هل المادة سابقة على النظام أم أن النظام هو الذي يستدعي المادة إلى هيئة بعينها؟
السيماتيكس، في جوهره، لا يقدّم إجابات نهائية، بل يفتح بابًا للتأمل الميتافيزيقي. إنه لحظة التقاء بين العلم والفلسفة، حيث تتحول التجربة الفيزيائية إلى مرآة تعكس قضايا طالما شغلت الفكر الإنساني منذ هيراقليطس وأفلاطون، مرورًا بالتصوف الشرقي، وصولًا إلى فلسفات العصر الحديث. في هذا المقال، سنعيد تناول العناصر الخمسة التي نوقشت سابقًا، ولكن بتوسّعٍ أعمق، لنكشف مدلولها الفلسفي والميتافيزيقي في ضوء السيماتيكس.
1. الوجود كذبذبة لا ككتلة
أ. من صلابة المادة إلى سيولة الوجود
الفهم الكلاسيكي للوجود يقوم على فكرة المادة الصلبة: أشياء لها حجم ووزن وحدود واضحة. غير أن السيماتيكس يهزّ هذا التصور من جذوره. فعندما نرى الرمل – وهو رمز الصلابة والتفكك في آن واحد – يتخذ أشكالًا دقيقة بمجرد تعرّضه لتردد صوتي، ندرك أن الشكل ليس خاصية أصيلة في المادة، بل حالة مؤقتة تفرضها الذبذبة.
ميتافيزيقيًا، هذا يقودنا إلى إعادة التفكير في مفهوم «الجوهر». فإذا كان الشكل يتغير بتغير التردد، فإن الجوهر لا يمكن أن يكون كتلة جامدة، بل نمطًا اهتزازيًا. الوجود هنا لا يُفهم بوصفه شيئًا ثابتًا، بل حركة مستمرة، توترًا دائمًا بين الإمكان والتحقق.
ب. هيراقليطس والسيماتيكس
قال هيراقليطس: «لا يمكنك أن تنزل النهر نفسه مرتين». السيماتيكس يقدّم برهانًا بصريًا معاصرًا على هذه الحكمة القديمة. فالشكل الذي نراه ليس هو ذاته في اللحظة التالية، حتى وإن بدا متشابهًا. إننا أمام وجود يتجدّد باستمرار، حيث الثبات وهمٌ ناتج عن بطء إدراكنا، لا عن حقيقة الأشياء.
ج. الذبذبة كأساس للكينونة
حين نفهم الوجود كذبذبة، تتغيّر نظرتنا لكل شيء: الجسد، الفكر، العاطفة، وحتى المعنى. الكينونة ليست «شيئًا نملكه»، بل «حالة نعيشها». والسيماتيكس، بهذا المعنى، لا يشرح الصوت فقط، بل يلمّح إلى بنية الوجود ذاته.
2. النظام يولد من الاضطراب: الكوسموس من الكايوس
أ. الفوضى كشرط أولي
قبل تشغيل الصوت في تجربة السيماتيكس، يبدو الرمل مبعثرًا بلا نظام. هذه الحالة تشبه ما وصفته الأساطير والفلسفات القديمة بـ«الكايوس» – الفوضى الأولى. لكنها ليست فوضى عديمة الإمكان، بل فوضى مشحونة بالقابلية.
ب. الإيقاع بوصفه مولِّدًا للنظام
بمجرد إدخال التردد، يبدأ النظام في الظهور. الأشكال الهندسية لا تُفرض قسرًا، بل تنبثق طبيعيًا من تفاعل الذبذبة مع المادة. هذا يطرح رؤية ميتافيزيقية عميقة: النظام لا يأتي من القهر، بل من الانسجام. الإيقاع، لا القوة، هو ما يصنع الكوسموس.
ج. الأخلاق والكون
إذا كان النظام الكوني ينبع من الانسجام، فإن هذا يفتح بابًا للتأمل الأخلاقي. هل الأخلاق هي شكل من أشكال التناغم؟ وهل الفوضى الإنسانية – في النفس والمجتمع – هي نتيجة نشاز داخلي؟ السيماتيكس لا يجيب، لكنه يضع أمامنا نموذجًا كونيًا يُغري بالإسقاط الفلسفي.
3. العلّة غير المرئية والأثر المرئي
أ. ما لا نراه هو ما يصنع ما نراه
في تجربة السيماتيكس، لا نرى الصوت، لكننا نرى أثره. هذه البساطة تحمل دلالة ميتافيزيقية عميقة: الأسباب الحقيقية غالبًا غير مرئية، بينما النتائج هي ما يملأ وعينا.
ب. كهف أفلاطون من جديد
أفلاطون تحدّث عن بشرٍ يرون الظلال ويظنونها الحقيقة. السيماتيكس يعيد هذا السؤال بلغة معاصرة: هل الأشكال التي نراها هي الحقيقة، أم مجرد تجلّيات لقوى أعمق؟ الصوت، هنا، يشبه «العالم المثل» الأفلاطوني: غير مرئي، لكنه المنظّم لكل ما يظهر.
ج. الوعي والسببية
إذا اعتدنا البحث عن الأسباب في الظواهر، فإن السيماتيكس يدعونا للبحث أعمق، في الطبقات غير المرئية من الواقع. وربما كان الوعي ذاته – كما يرى بعض الفلاسفة – سببًا غير مرئي لأشكال الواقع الذي نعيشه.
4. الشكل كذاكرة للاهتزاز
أ. زوال الشكل وبقاء القانون
الأشكال السيماتيكية تختفي فور توقف الصوت، لكنها تعود متى عاد التردد ذاته. هذا يكشف أن الشكل ليس كيانًا مستقلًا، بل تعبيرًا مؤقتًا عن قانون ثابت.
ب. الذاكرة الكونية
ميتافيزيقيًا، يمكن فهم هذا على أنه نوع من «الذاكرة الكونية». الكون لا يتذكر بالمعنى الإنساني، لكنه يحتفظ بقوانينه، التي تعيد إنتاج الأشكال ذاتها كلما توفرت الشروط.
ج. الهوية الإنسانية
إذا أسقطنا هذا على الإنسان، تظهر أسئلة الهوية: هل نحن أشكال ثابتة، أم أن هويتنا هي نمط اهتزاز يتكرر ويتحوّل؟ ربما نحن، مثل أشكال السيماتيكس، تجلّيات مؤقتة لقوانين أعمق.
5. الصوت واللغة والخلق
أ. الكلمة كفعل وجودي
في معظم الثقافات، يبدأ الخلق بالكلمة: «كن». السيماتيكس يمنح هذا الرمز بعدًا ماديًا؛ فالصوت لا يصف فقط، بل يُشكّل.
ب. اللغة بين الرمز والاهتزاز
الكلمات ليست مجرد إشارات اعتباطية. إنها أصوات ذات إيقاع ونبرة. والسيماتيكس يذكّرنا بأن للغة أثرًا يتجاوز المعنى الدلالي إلى أثر اهتزازي، نفسي وربما وجودي.
ج. الإنسان ككائن مُنغَّم
إذا كان الصوت قادرًا على تشكيل المادة، فما بالك بتأثيره في الإنسان، الذي هو في ذاته منظومة اهتزازية معقدة؟ هنا يصبح للصوت، والموسيقى، والكلمة، دور ميتافيزيقي في تشكيل الوعي والوجدان.
6️⃣ الإنسان ككائن اهتزازي
أ. الجسد بوصفه مادة مُستجيبة
إذا كان السيماتيكس يبيّن لنا أن المادة تستجيب للتردد، فإن الجسد الإنساني لا يمكن استثناؤه من هذا القانون الكوني. الجسد، في جوهره الفيزيائي، مادة: خلايا، سوائل، ذبذبات كهربائية وكيميائية. ومن ثمّ فهو ليس كتلة صامتة، بل بنية حساسة، تتأثر بما يخترقها من اهتزازات.
هنا يخرج الصوت من كونه ظاهرة سمعية محايدة، ليصبح عاملًا ميتافيزيقيًا مؤثرًا. فالصوت لا يمر عبر الجسد فقط، بل يتخلله، ويعيد تنظيم توتراته الدقيقة، سواء أدرك الإنسان ذلك أم لم يدركه.
ب. الصوت والنغمة والكلمة: ما وراء الدلالة
حين ننظر إلى الصوت والنغمة والكلمة، غالبًا ما نحصر تأثيرها في المعنى اللغوي أو الجمالي. غير أن السيماتيكس يوسّع هذا الأفق؛ فالكلمة ليست مجرد رمز دلالي، بل اهتزازٌ يحمل أثره الخاص. نبرة الصوت، إيقاعه، حدّته أو ليونته، كلها عناصر تتجاوز المعنى الظاهري، لتؤثر في البنية الداخلية للإنسان.
بهذا المعنى، لا تكون اللغة محايدة ميتافيزيقيًا. الكلمات لا تصف الواقع فحسب، بل تشارك في تشكيل الوعي، والانفعال، وحتى صورة الإنسان عن ذاته. إننا لا نُصاغ فقط بما نفهمه، بل بما نهتزّ له.
ج. التشكّل الداخلي والبيئة الاهتزازية
إذا كان الإنسان يتعرض باستمرار لأصوات وكلمات ونغمات، فإن شخصيته الداخلية يمكن النظر إليها بوصفها نتيجة لتاريخ اهتزازي طويل. البيئات الصاخبة، أو العنيفة لفظيًا، أو المشحونة بالتوتر، تترك أثرها العميق، تمامًا كما تفعل النغمات المتناغمة والهادئة.
من هنا، يصبح السؤال الميتافيزيقي مشروعًا: إلى أي حدّ نختار ذبذباتنا؟ وإلى أي حدّ تُفرض علينا؟ وهل الوعي محاولة دائمة لإعادة ضبط النغمة الداخلية؟
7️⃣ المعنى الأعمق: الكون يستجيب للانسجام
أ. ما لا يقوله السيماتيكس
السيماتيكس، على عكس بعض القراءات المتعجلة، لا يدّعي أن الصوت «يخلق الكون» بمعناه الحرفي. هو لا يقدّم أسطورة جديدة، ولا يستبدل الإله أو العلة الأولى بموجة صوتية. لكنه يلمّح إلى فكرة أدق وأعمق: الكون، في مستواه الظاهري على الأقل، يستجيب للانسجام.
الأشكال لا تظهر عند أي صوت، بل عند ترددات محددة. النشاز لا يصنع هندسة، بل اضطرابًا. أما الانسجام، فيُنتج نظامًا يمكن إدراكه ورؤيته.
ب. الوعي كتردد محتمل
من هذا المنظور، يُطرح سؤال فلسفي بالغ الحساسية: هل الوعي ذاته تردد؟ ليس ترددًا فيزيائيًا بالمعنى المباشر، بل نمطًا من الانسجام الداخلي. فإذا اختل هذا الانسجام، اختلّ الإدراك، وتشوّه المعنى، تمامًا كما تتشوّه الأشكال السيماتيكية عند اضطراب التردد.
هذا التصور لا يقدّم تعريفًا علميًا للوعي، لكنه يفتح أفقًا تأمليًا: ربما الوعي ليس مادة، ولا فكرة مجردة، بل حالة انسجام ديناميكية.
ج. الأخلاق بين الانسجام والنشاز
إذا كان الكون يستجيب للانسجام، فهل يمكن النظر إلى الأخلاق بوصفها شكلًا من أشكال التناغم؟ وهل الشر، أو الخلل الأخلاقي، نوع من النشاز الوجودي؟ السيماتيكس لا يقدّم نظرية أخلاقية، لكنه يتيح استعارة قوية: الفعل الإنساني قد يكون نغمة، إما أن تنسجم مع الكل، أو تخلخل بنيته.
خاتمة: ( أسئلة مفتوحة على الوجود)
السيماتيكس، في عمقه الفلسفي الميتافيزيقي، لا يمنحنا أجوبة نهائية، بل يدرّبنا على نوع آخر من النظر. إنه يذكّرنا بأن الشكل ليس أصلًا، بل نتيجة؛ وبأن ما نراه ليس إلا أثرًا لشيء لا يُرى.
إذا كان الوجود اهتزازًا، فهل يمكن فهم الحياة بوصفها بحثًا عن نغمة متوازنة؟ وإذا كان الإنسان كائنًا اهتزازيًا، فإلى أي حدّ يكون مسؤولًا عن الأصوات التي يُدخلها إلى داخله؟ ثم، هل يمكن للوعي أن يُعاد ضبطه كما تُعاد ضبط النغمة؟
وأخيرًا، إن كان الكون يستجيب للانسجام، فهل نحن مطالبون بأن ننسجم معه… أم أن دورنا هو اكتشاف النغمة التي تجعل لهذا الوجود معنى؟
#منال_حاميش (هاشتاغ)
Manal_Hamesh#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟