أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - ماهر عزيز بدروس - المعارك الفكرية للدكتور مراد وهبه















المزيد.....

المعارك الفكرية للدكتور مراد وهبه


ماهر عزيز بدروس
(Maher Aziz)


الحوار المتمدن-العدد: 8587 - 2026 / 1 / 14 - 14:59
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


لم تكن المعارك الفكرية للدكتور مراد وهبه - علي الأخص صدامه مع "التيارات الأصولية" و"الإسلام السياسي" - مجرد نقاشات أكاديمية، بل كانت "اشتباكاً وجودياً" على جبهات متعددة؛ فهو لم يكتفِ بنقد أفكارهم، بل حلل بنية عقولهم وهاجمها في الصميم.

ولقد تجلت أبرز معاركه الفكرية في حقبة السبعينيات والثمانينيات فيما يلي :

[ 1 ] معركة "الرشدية" ضد "الغزالية" :

اعتبر الدكتور مراد وهبه أن المعركة الحقيقية في الشارع العربي ليست بين يمين ويسار، بل هي استمرار لمعركة قديمة بدأت في القرن الثاني عشر.

وكان الصدام حادا عندما هاجم الدكتور مراد وهبه تبني التيارات الإسلامية لمنهج الإمام الغزالي (الذي كفّر الفلاسفة وحصر العقل في النقل)، فلقد رأي الدكتور وهبه أن انتصار الغزالي قديماً هو الذي مهد الطريق لظهور "الإخوان المسلمين" لاحقاً، لأن كلاهما يلغي المسافة بين النص والواقع؛ ولذا رفع شعار : "لا نهضة بدون ابن رشد".

[ 2 ] المواجهة مع "سيد قطب" وفكرة الجاهلية :

ركز الدكتور مراد وهبه في تحليله لتيارات العنف الإسلامي السياسي علي فكر سيد قطب، خاصة مفهوم "الحاكمية" و"جاهلية المجتمع".

فقد رأى أن فكر سيد قطب هو التجسيد الأقصى "لإطلاق النسبي" أو "مطلقة النسبي"؛ ذلك أن سيد قطب حوّل "تفسيره الخاص" للدين إلى "حكم إلهي مطلق"، ومن هنا نبع التكفير.

وكان الدكتور وهبه من القلائل الذين حذروا مبكراً (منذ السبعينيات) من أن هذه الأفكار ليست مجرد دعوة دينية، بل هي "قنبلة موقوتة" تدمر الدولة الوطنية من الداخل.
.

[ 3 ] الصدام مع "السلطة" بسبب تحالفها مع الأصولية :
.
توطد في السبعينيات، في عهد الرئيس محمد أنور السادات، تحالف شهير بين السلطة والجماعات الإسلامية لضرب التيارات اليسارية.

وقد واجه الدكتور مراد وهبه هذا التحالف الخطير بموقف فكري صلب شجاع انتقده فيه بشدة، واعتبره " لعباً بالنار".

لكن النتيجة الصادمة كانت أن تعرّض الدكتور مراد وهبه لمضايقات وظيفية، وللعزل الأكاديمي والفكري، لكنه ظل مصراً - رغم ذلك - على أن "الدولة التي تستخدم الأصولية لتثبيت حكمها، ستكون أول ضحاياها". وهذا ما حدث تاريخياً بالضبط في اغتيال الرئيس السادات.

.
[ 4 ] معركة "العلمانية" في مجمع اللغة العربية والجامعات :
.
خاض الدكتور مراد وهبه معارك ضارية لفرض مصطلح "العلمانية" كضرورة حضارية وليس كسبّة أو كفر.

وكان يُتهم في المقابل بأنه يريد "تغريب" المجتمع، لكن رده الفلسفي كان بليغاً دائما : "أنا لا أنقل عن الغرب، أنا أسترد ابن رشد الذي سرقه الغرب منا وبنى به حضارته".

.
[ 5 ] تأسيس "ابن رشد" كبديل للمواجهة :
.
لم يكتفِ الدكتور مراد وهبه بالهجوم، بل أسس "الجمعية الدولية لابن رشد والتنوير"؛ وكان يهدف من خلالها إلى خلق "جبهة عالمية" من الفلاسفة لمواجهة الأصوليات (سواء كانت إسلامية، أو مسيحية، أو يهودية)؛ وكان يرى أن "الإرهاب" هو عرض لمرض، والمرض هو "غياب الفلسفة الرشدية".

أما لماذا كان مراد وهبه "مزعجاً" لهذه التيارات؟
فالسبب بسيط .. وهو أنه لم يجادلهم في "النصوص"، بل جادلهم في "العقل"؛ وبينما كان غيره يحاول إثبات أن "الإسلام ديمقراطي"، كان هو يقول بأن "الديمقراطية فلسفة بشرية نسبية، والدين مطلق، فلا تخلطوا بينهما فتفسدوا الاثنين معا".
هذا الوضوح الحاد القاطع كان يجرّد التيارات الأصولية من أهم أسلحتها؛ ألا وهي سلطة التحدث باسم المطلق.

خلاصة القول هي أن الدكتور مراد وهبه عاش حياته كأنه "سيزيف" الفكر العربي؛ يحمل صخرة التنوير ويصعد بها ضد تيار جارف من الأصولية ولا يهمه أن تسقط أرضا فيعاود المحاولة من جديد؛ وقد أثبتت معاركه أن الفيلسوف يمكن أن يكون "مقاتلاً" بكلمته وقلمه.

.

ولقد نواصل معه منهجه النقدي إذا طبقنا هذا المنهج على أحد أكثر التحديات إثارة للجدل في عصرنا الحالي .. الذي نحن في القلب منه الآن عام 2026 .. ألا وهو "الذكاء الاصطناعي وصراع الإنسان مع الآلة" ..

فلو سألنا الدكتور مراد وهبه عن رأيه في الذكاء الاصطناعي، تري كيف سيعالجه بمنهجه الفلسفي؟
الأغلب أنه سيحلله عبر مستويات محددة؛ فالذكاء الاصطناعي أداة "لتفكيك المطلقات"؛ ومن وجهة نظره الذكاء الاصطناعي هو الانتصار الأقصى "للنسبية" و "العقلانية" .. فالآلة لا تؤمن "بالمقدس" أو "الثابت" .. هي فقط تحلل البيانات .. تتشكك .. وتطور نفسها بناءً على الواقع المتغير. ويرى الدكتور مراد وهبه أن الذكاء الاصطناعي يثبت صحة نظريته بأن "الإبداع البشري لا حدود له طالما تحرر من القيود الأصولية".

إن الذكاء الاصطناعي هو ثمرة العقل الذي تجرأ على محاكاة "الخلق الذهني" .. وتكمن الصدمة الأصولية تجاه التكنولوجيا في توقعات "المنهج الوهبي" بأن تظهر "أصولية جديدة" تحارب الذكاء الاصطناعي؛ وستكون المواجهة كما حوربت "الرشدية" قديمًا .. إذ تخرج أصوات تحرم أو تجرم الذكاء الاصطناعي لأنه "يتدخل في مشيئة الله" أو "ينافس الخالق" ..

علي أن صوت وهبه يأتي عبر الحضور الذهني بأن ذلك هو "تجميد للنص" مرة أخرى .. فالمشكلة ليست في الآلة، بل في العقل الذي يخشى من أي منافس لسلطته المطلقة على المعرفة ..

وإذا طبقنا مبادئ كتابه "مستقبل الأخلاق"، فإن"أخلاق" الذكاء الاصطناعي تظهر عبقرية منهجه؛ إذ كيف نضع قوانين للآلة؟ يرفض الدكتور مراد وهبه استقاء أخلاق الآلة من نصوص قديمة جامدة، والبديل هو أن ينادي "بعقد اجتماعي رقمي" .. بأخلاق تقوم على "المنفعة الإنسانية الكونية"، فالقيمة الأخلاقية للذكاء الاصطناعي تُقاس بمدى تحريره الإنسان من العبودية والجهل، وليس بمدى مطابِقته لشرائع وُضعت قبل آلاف السنين .. والنتيجة من منظور الدكتور مراد وهبه هي أن الذكاء الاصطناعي ليس تهديداً للإنسان، بل هو تهديد حقيقي ل"جرثومة التخلف".

إن الإنسان الذي يملك "عقلاً رشدياً" يرى في الآلة شريكاً لتوسيع حدود العقل، بينما الإنسان الذي يملك "عقلاً أصولياً" يشعر بالرعب لأن الآلة تكسر احتكاره للحقيقة وتقدم حلولاً "نسبية" متفوقة على "يقينياته" الجامدة.

لقد انتقلنا مع الأستاذ العظيم الدكتور مراد وهبه من "القرن الثاني عشر" مع ابن رشد إلى "أزقة القاهرة" ومعاركه مع الأصولية، وصولاً إلى "مستقبل التكنولوجيا".

والعبرة التي يتركها لنا مراد وهبه هي أن : "لا تخافوا من العلم ولا تخافوا من المستقبل .. خافوا فقط من العقل الذي يغلق أبوابه ويدعي أنه وصل إلى الحقيقة النهائية أو أنه قد امتلك المطلق".



#ماهر_عزيز_بدروس (هاشتاغ)       Maher_Aziz#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- اختطاف مادورو : قرصنة لا أخلاقية أم حق قانوني ؟
- عرض كتاب : -جرثومة التخلف- للدكتور مراد وهبه
- المشروع التنويري للدكتور مراد وهبه يؤثم جهل الأصوليين
- مع الدكتور مراد وهبه : أحد أعظم عشرة فلاسفة في القرن العشرين ...
- فلسفة جرائم الأسلمة القسرية للبنات في مصر
- المتحف المصري الكبير .. والبيئة الطاردة للسياحة
- مصر هى الخاسر الأكبر
- القدس: مدينة الحرب أم مدينة السلام؟ (2)
- القدس : مدينة الحرب أم مدينة السلام ؟ ( 1 )
- استفهامات مهمة في الطاقة النووية
- مفاهيم مغلوطة : الأحوال الشخصية للأقباط والقراءة الخطأ لآيات ...
- جدلية القداسة والجنس
- الذكاء الاصطناعي وتغِّيُّر المناخ- 8
- الذكاء الاصطناعي وتغِّيُّر المناخ - 7
- الذكاء الاصطناعي وتغِّيُّر المناخ-6
- الذكاء الاصطناعي وتغِّيُّر المناخ - 6 معدل
- الذكاء الاصطناعي وتغِّيُّر المناخ - ٦
- الذكاء الاصطناعي وتغِّيُّر المناخ - 4
- الذكاء الاصطناعي وتغِّيُّر المناخ - 5
- الذكاء الاصطناعي وتغِّيُّر المناخ - 3


المزيد.....




- ترامب يقوم بـ-إشارة بذيئة- لشخص خلال جولة بمصنع فورد.. كيف ع ...
- هل تصبح الفضة استثمار محدودي الدخل في 2026؟
- في الذكرى الـ15 لثورة تونس: القضاء يؤيد سجن زعيم حركة النهضة ...
- أخبار اليوم: قرب الإعلان عن أسماء لجنة إدارة غزة في المرحلة ...
- هل التهديد الصيني لغرينلاند حقيقي أم مجرد ادعاء من ترامب؟
- ما هي -غوست بيرينغ- التي تسرق حساب الضحية على واتساب؟
- عام 2025 ثالث أكثر الأعوام حرارة على ?الإطلاق
- رياح شديدة تضرب قطاع غزة وتهدم المنازل والخيام على ساكنيها
- النيجر تلغي تراخيص شركات نقل وسائقين رفضوا نقل الوقود إلى ما ...
- السلطات الأميركية تبرم -تسوية- مع منظمة صهيونية متطرفة


المزيد.....

- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ / غنية ولهي- - - سمية حملاوي
- شيوعيون على مر الزمان ...الجزء الأول شيوعيون على مر الزمان ... / غيفارا معو


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - ماهر عزيز بدروس - المعارك الفكرية للدكتور مراد وهبه