ماهر عزيز بدروس
(Maher Aziz)
الحوار المتمدن-العدد: 8584 - 2026 / 1 / 11 - 10:54
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
يُعد الدكتور مراد وهبه واحدًا من أبرز الفلاسفة المعاصرين، وأبرز فلاسفة مصر والعالم العربي والإسلامي، في نصف القرن الماضي، الذي اتسم مشروعه بالجرأة والوضوح الشديد.
ويتلخص فكر الدكتور مراد وهبه في كونه معركة وجودية ضد "الجمود" ومحاولة لإعادة إحياء العقلانية في المنطقة العربية من خلال منهج "الفلسفة التنويرية".
وفيما يلي تحليل موجز لأعمدة فكره الفلسفي :
.
[ 1 ] رباعية "حمى الديمقراطية" (الأسس الكبرى) :
يرى مراد وهبه أن الديمقراطية ليست مجرد صناديق اقتراع، بل هي ثقافة متكاملة تقوم على أربعة أركان لا يمكن فصلها عن بعضها البعض :
1-1. العلمانية :
ويعرفها بشكل مميز بأنها "التفكير في النسبي بما هو نسبي، وليس بما هو مطلق".
أي عدم إقحام القضايا الإلهية المطلقة في الشئون البشرية المتغيرة.
2-1. التنوير :
وهو إعمال العقل في كل ما يعرض عليه من أفكار، دون الخضوع لسلطة "النص" أو "السلف" دون نقد.
3-1. الليبرالية :
الإيمان بالفرد وحريته كأصل في المجتمع.
4-1. العقد الاجتماعي :
الانتقال من مفهوم "الرعية" إلى مفهوم "المواطنة".
.
.
[ 2 ] مفهوم "الأصولية" (العدو اللدود) :
يرى الدكتور مراد وهبه أن أكبر خطر يواجه العالم هو "الأصولية" (Fundamentalism). فالأصولية عنده ليست دينية فقط، بل هي منهج ذهبي يقوم على "تجميد النص" ورفض التأويل وإلغاء المسافة بين الذات والموضوع.
وهو يرى أن الأصوليات (سواء كانت دينية أو أيديولوجية أو غيرها) تلتقي جميعاً في نقطة "إغلاق العقل"، مما يؤدي حتماً إلى الصدام والعنف.
.
.
[ 3 ] "رشدية" مراد وهبه (ابن رشد كقنطرة) :
يعتبر وهبه أن النكبة الحضارية العربية بدأت من لحظة إحراق كتب ابن رشد وانتصار فكر الغزالي.
ويدعو إلى استعادة "الرشدية" التي توفق بين العقل والوحي، وتؤمن بأن "الحق لا يضاد الحق"؛ كما يؤكد أن الغرب نهض لأنه استلهم "رشدية" ابن رشد (عن طريق الرشدية اللاتينية)، بينما غرقنا نحن في التواكل والجمود.
.
[ 4 ] نقد "المطلق" و"النسبي :
يكمن جوهر فلسفته في التمييز الحاد بين المطلق (الله/الحقيقة المطلقة) والنسبي (الواقع البشري/السياسة/العلوم).
ويرى أن المشكلة الكبرى في العقل العربي هي "إطلاق النسبي" أو "مطلقة النسبي"؛ أي تحويل وجهات النظر البشرية أو القوانين الوضعية إلى مقدسات لا تقبل النقاش.
وهو ينادي بضرورة الإيمان بأن كل فكر بشري هو "نسبي" وقابل للتغيير، وهذا هو المدخل الوحيد للتسامح وقبول الآخر.
الخلاصة :
"نحن نفكر إذن نحن نغير"
مشروع مراد وهبه هو مشروع "تفكيك البنية الأصولية" للعقل العربي. هو لا يهاجم الأديان في حد ذاتها، بل يهاجم "توظيف الدين" كأداة لمنع التفكير. غايته النهائية هي بناء إنسان قادر على التفكير النقدي، لا يخشى من طرح السؤال، ويؤمن بأن الحقيقة ليست ملكًا لأحد.
.
.
[ 5 ] علاقة العلمانية بالدين عند مراد وهبه :
علاقة العلمانية بالدين عند مراد وهبه هي النقطة الأكثر إثارة للجدل والأكثر يسراً للفهم إذا فككنا مصطلحاته الخاصة.
يتبع مراد وهبه منهجاً "راديكالياً" (بمعنى العودة للجذور) في تعريف هذه العلاقة، ويمكن تلخيصها في النقاط التالية :
.
1-5 . العلمانية ليست "الإلحاد" :
يُصحح وهبه مفهوماً شائعاً وخاطئاً؛ فالعلمانية عنده ليست إنكاراً لوجود الله أو محاربة للدين، بل هي "تحرير للدين" من استغلال البشر.
* الدين :
علاقة بين العبد وربه (مطلقة).
* العلمانية :
آلية لتدبير شؤون الحياة (نسبية).
وعندما يختلط النسبي بالمطلق، يفسد الدين وتتحول السياسة إلى استبداد باسم "الحق الإلهي".
.
2-5 . التفكير في "النسبي" بما هو "نسبي" :
هذه هي قاعدته الذهبية.
يرى مراد وهبه أن كل ما ينتجه البشر (سياسة، اقتصاد، علوم، فنون) هو نسبي وقابل للخطأ والصواب.
المشكلة تبدأ عندما يأتي شخص ويدعي أن رأيه السياسي هو "إرادة الله"؛ هنا هو قام بـ "مطلقة النسبي"؛ أما العلمانية فهي الحارس الذي يمنع هذا الخلط، ويجبر الجميع على التحاور بلغة العقل والمنطق لا بلغة القداسة.
.
3-5 . الصراع مع "اللاهوت السياسي" :
يرى مراد وهبه أن أكبر عائق أمام تقدم الشرق هو "اللاهوت السياسي" (Political Theology)، أي استخدام النصوص الدينية للسيطرة على الحكم؛ وهو يعتبر أن العلمانية هي الحل الوحيد لمنع الحروب الأهلية الطائفية؛ لأنها تقف على مسافة واحدة من الجميع.
في الدولة العلمانية، لا يُسأل المواطن "ماذا تعبد؟" بل "ماذا ستقدم للوطن؟".
.
4-5 . نقد "الإخوان" والتيارات الراديكالية :
.
بناءً على فلسفته، كان مراد وهبه من أشد الخصوم لتيار الإسلام السياسي؛ ويرى أنهم يمثلون "الأصولية" في أوضح صورها، لأنهم يرفضون "إعمال العقل" في النص التاريخي ويحاولون فرض رؤية أحادية (مطلقة) على مجتمع متنوع (نسبي).
.
5-5 . دور "ابن رشد" في هذه العلاقة :
يستشهد وهبه دائماً بابن رشد ليثبت أن العلمانية (بمعناها العقلاني) لها جذور في تراثنا :
* ابن رشد قال بـ "التأويل" :
إذا تعارض النص مع العقل، نؤول النص.
* هذا التأويل هو بذرة العلمانية :
لأنه يعطي الأولوية للعقل البشري في فهم الواقع.
.
[ 6 ] مفارقة "الإيمان والعقل" :
في التحليل العميق لفكر الدكتور مراد وهبه، الإيمان الحقيقي لا يخشى العلمانية. الشخص المؤمن بعمق يثق أن دينه أسمى من أن يُزج به في صراعات انتخابية أو صفقات سياسية؛
ولذا فإن العلمانية عند وهبه هي :
"حماية للمقدس من دنس الطموحات البشرية".
.
[ 7 ] تحليل مراد وهبه "للربيع العربي" :
تحليل الدكتور مراد وهبه "للربيع العربي" - أو بالأحق "الحريق العربي" (تعبيري الشخصي) - وما تبعه من أحداث يعد من أكثر التحليلات إثارة للجدل، لأنه لم ينظر إليه كحراك سياسي عابر، بل كصراع حضاري عميق بين "العقل" و"الأصولية".
يرى وهبه أن ما حدث في مصر والمنطقة العربية عام 2011 لم يكن "ثورات" بالمعنى الفلسفي الكامل، وأسبابه وفق رؤيته علي النحو التالي :
.
1-7. الثورة الحقيقية هي "ثورة عقل" لا "ثورة ميادين" :
.
يرى وهبه أن أي تغيير سياسي لا يسبقه "تنوير" (أي تغيير في طريقة تفكير الناس) هو تغيير محكوم عليه بالفشل.
واستشهد بالثورة الفرنسية التي سبقتها قرون من فلسفة ديكارت وفولتير وروسو؛ ويري في العالم العربي أننا خرجنا إلى الميادين بـ "عقول أصولية"، فكانت النتيجة الطبيعية هي أن تقفز التيارات الأكثر تنظيماً (الإخوان والسلفيون) على السلطة، لأن بنية العقل الجمعي لا تزال تؤمن بالمطلق والسمع والطاعة.
.
2-7. مفهوم "خداع الجماهير" :
.
حلل الدكتور مراد وهبه صعود التيارات الدينية بعد "الحريق العربي" بأنه نتيجة "للفراغ الفلسفي".
فالجماهير كانت تعاني من الجهل والفقر، والأصولية قدمت لهم "حلولاً مطلقة" (الإسلام هو الحل) في واقع يتطلب "حلولاً نسبية" (اقتصاد، سياسة، قانون).
ويرى أن هذه التيارات استخدمت الديمقراطية كما يستخدم "التاكسي" للوصول إلى السلطة، وبمجرد وصولها كان هدفها إلغاء الديمقراطية لأنها تتناقض مع فكرها الأحادي.
.
3-7. الصراع بين "كوكب الأرض" و"كوكب الأصولية" :
.
استخدم مراد وهبه تعبيراً مجازياً عميقاً لوصف المشهد :
* كوكب الأرض :
يمثل الحداثة، العولمة، العقلانية، والبحث العلمي.
* كوكب الأصولية :
يمثل العودة للماضي، الجمود، ورفض الآخر.
وقد اعتبر أن أحداث "الحريق العربي" كانت لحظة اصطدام كبرى بين هذين الكوكبين في الداخل العربي.
.
4-7. التنبؤ "بصدام الحضارات" داخلياً :
.
بينما تحدث "هنتنجتون" عن صدام الحضارات بين الشرق والغرب، يرى الدكتور مراد وهبه أن الصدام الحقيقي هو "داخل الحضارة الواحدة"؛ ففي مصر وتونس وسوريا، انقسم المجتمع إلى معسكرين : معسكر يريد "الدولة المدنية" ومعسكر يريد "الدولة الدينية".
ويرى الدكتوى وهبه أن هذا الصدام سيستمر ولن يُحل إلا بـ "مذبحة للأصولية" (بمعنى فكري)، أي بإنهاء سطوة الفكر الأصولي على أيدي التعليم والإعلام.
.
5-7. دور "ابن رشد" الغائب في الثورات :
.
كان مراد وهبه يكرر دائماً أن المتظاهرين في الميادين رفعوا شعارات "عيش،حرية، عدالة اجتماعية"، لكنهم لم يرفعوا شعار "إعمال العقل".
وبدون "رشدية" (نقد النص وتأويله)، تتحول الحرية إلى فوضى، وتتحول العدالة إلى توزيع للفقر.
.
[ 8 ] رؤيته للمستقبل (ما بعد الصدمة) :
.
مراد وهبه متفائل "تشاؤمياً"؛ فهو يرى أن الطريق الوحيد للنجاة بعد عواقب "الحريق العربي" هو :
.
* ثورة تعليمية :
تقوم على الفلسفة لا الحفظ.
* إصلاح ديني :
يبدأ من الاعتراف بنسبية التفسيرات البشرية.
.
* علمانية صريحة :
لا تخجل من نفسها.
.
[ 9 ] منهج مراد وهبه :
منهج الدكتور مراد وهبه ليس مجرد "أفكار"، بل "أداة عمل" ذهنية تهدف إلى تفكيك الواقع وإعادة بنائه.
يرتكز منهجه الفلسفي على ما يسميه "المنهج التنويري الراديكالي"، ويمكن تلخيصه في أربعة مسارات أساسية :
.
1-9. منهج "تفكيك المطلقات"
(The Deconstruction of Absolutes) :
.
هذا هو حجر الزاوية في فكر مراد وهبه؛ وهو يرى أن أزمة العقل البشري تكمن في خلطه بين "المطلق" و"النسبي".
وفي تفكيك المطلقات يري وهبه أن الآلية عندما يدرس أي ظاهرة سياسية، دينية، اجتماعية، تكون هي أن يبحث عن المساحة التي تحولت فيها الفكرة البشرية (النسبية) إلى "صنم" أو "مقدس" (مطلق).
كذلك هو يري أن الهدف من تفكيك المطلقات هو كسر قدسية الأفكار البشرية لإعطاء العقل الحق في نقدها وتطويرها.
.
2-9. المنهج "الرشدي"
(Averroism) :
.
يتخذ مراد وهبه من ابن رشد منهجاً لا مجرد تاريخ؛ ويعتمد هذا المنهج على "التأويل"؛ فهو يرى أن هناك "ظاهراً" و"باطناً" للنص؛
فإذا اصطدم النص مع الواقع أو العقل، يفرض المنهج علينا تأويل النص ليتوافق مع العقل، وليس العكس.
وبالنسبة لمراد وهبه العقل هو "الحكم" النهائي في شؤون الدنيا.
.
3-9. منهج "النقد الحضاري" :
.
لا ينظر وهبه للفلسفة كترف ذهني، بل كأداة لتشخيص الأمراض الحضارية؛ وهو يستخدم المنهج المقارن بين مسار الحضارة الغربية (التي تبنت "الرشدية" فنهضت) والمسار العربي (الذي تبنى "الغزالية" فتراجع).
وهو يحلل التاريخ من خلال "الصراع بين العقل والنقل".
.
4-9. الربط بين "الإبستمولوجيا" (نظرية المعرفة) و"السياسة" :
.
يربط منهج الدكتور مراد وهبه ببراعة بين كيف نفكر وكيف نُحكم؛ فإذا كان منهجك المعرفي "يقينياً" (تؤمن بأنك تملك الحقيقة المطلقة)، فمنهجك السياسي بالضرورة سيكون "استبدادياً".
وإذا كان منهجك المعرفي "نسبياً" (تؤمن أن الحقيقة تتطور)، فمنهجك السياسي سيكون "ديمقراطياً".
وأدواته المنهجية الثلاث (الثالوث الشهير)
في كل كتاباته، التي يستخدمها كبوصلة هي : العقلانية؛ بمعني لا سلطان على العقل إلا العقل نفسه؛ والعلمانية؛ بمعني فصل المقدس عن الشأن البشري المتغير، والمستقبلية؛ بمعني التفكير دائماً فيما يجب أن يكون، وليس الغرق في "سلفية" الماضي.
الحق أن خلاصة منهج الدكتورمرادوهبه هو أنه منهج "ثوري" يسعى لتمكين الإنسان من السيطرة على مصيره عن طريق نزع الهالة عن الأفكار الجامدة، وإعادتها إلى دائرة البحث البشري.
.
لقد اهتممت - أصلا وجوهرا - بعرض موجز لفكر الدكتور مراد وهبه للوقوف بقوة أمام الهجمة الشرسة التي يتعرض لها الآن من مجتمع الأصولية والسلفية والجهل المصري؛ الذي سارع بمجرد وفاته بوصفه بالصهيوني والملحد وهادم الأديان.
وقد قاد هذه الهجمة الشرسة - للعجب العجاب - أستاذة كرسي الفلسفة الحالية بكلية الآداب جامعة القاهرة - تلميذته النجيبة - التي منحها بنفسه الأستاذية؛ والمفترض انها أول من يمكنه فهم فلسفته؛ وأنه بعيد تماما عن الصهيونية والإلحاد؛ لكن ذلك يؤكد غلبة الإظلام الدوجماطيقي لدي أصحابه علي نور العقل.
.
.
#ماهر_عزيز_بدروس (هاشتاغ)
Maher_Aziz#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟