أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - وحيد محمود محمد - آدم و ليلي !؟














المزيد.....

آدم و ليلي !؟


وحيد محمود محمد
كاتب و باحث

(Waheed Eyada)


الحوار المتمدن-العدد: 8587 - 2026 / 1 / 14 - 14:58
المحور: الادب والفن
    


لم يكن آدم يعرف للحب طريقًا واضحًا في حياته.
لم يكن من أولئك الذين يؤمنون بالانبهار السريع، ولا من هواة السقوط المفاجئ. كان دائمًا يثق في العقل أكثر من القلب، ويظن أن المشاعر تأتي بالتدريج، إن أتت أصلًا.

ولكن تغير كل شيء حين دخل ذلك المبنى!

كان المركز الثقافي شامخًا، يطل على النيل مباشرة، زجاجه الواسع يعكس الضوء والماء معًا، وكأن المكان صُمم ليحتوي الأفكار الكبيرة فقط. جاء آدم ليجري مقابلة لوظيفة *مساعد مديرة الأنشطة الفكرية والثقافية*؛ منصب لا يحتمل التردد، ويتطلب عقلًا منظمًا، رؤية بعيدة، وقدرة على إدارة التفاصيل دون أن تُذبح الفكرة على مذبح الروتين.

لم يكن مستعدًا لما حدث داخل المكتب.

جلست ليلى خلف مكتبها، وخلفها نافذة ضخمة ينساب منها النيل في هدوء قديم.
لكن ما شدّه لم يكن المشهد… بل هي.

كانت عيناها أول ما أصابه بالارتباك؛
عينان ساحرتان، يملؤهما سحر الشرق، كأنهما بقايا نظرة فرعونية نجت من آلاف السنين. لم تكونا عينين عاديتين، بل نافذتين تسكبان قصائد صامتة، تحملان عمق التاريخ ودهاء الحاضر معًا.
حواجبها الطويلة الممتدة لم تكن مجرد تفاصيل جمالية، بل خطوط تحكي أحاديث ليلية رومانسية بلا صوت، وكأن كل انحناءة فيها جملة غير مكتوبة.

وحين كانت تتحدث، كان فمها…
ذلك الفم الذي يكاد يقطر عسلًا لا لفرط نعومته فقط ، بل لصدق نبرته. كلماتها لم تكن مزخرفة، لكنها كانت دقيقة، محسوبة، تخرج وكأنها تعرف طريقها قبل أن تُنطق.

قوامها، أوربي ممشوق، متناسق حتى في جلستها الثابتة خلف المكتب. حضورها لا يحتاج حركة ليُرى، ولا صوتًا عاليًا ليُفرض. وحتى يداها…
يدتان نحيلتان، أصابع طويلة، خُلقت وكأنها لم تُصمَّم للإمساك بالقلم فقط، بل لتعزف على البيانو، لتُخرج من الصمت موسيقى.

بدأت تسأله عن رؤيته للأنشطة الثقافية، عن دور الفكر في تشكيل الوعي، عن التفاصيل الصغيرة التي تصنع الفارق الكبير. كانت تمسك بالقلم وكأنه امتداد لعقلها، تكتب وتستمع وتفكّر في آنٍ واحد.

وأثناء حديثها…
فقد آدم إحدى دقات قلبه.

لم يكن ارتباك مقابلة، ولا رهبة منصب، بل إحساس صامت ومفاجئ بأنه أمام امرأة مختلفة تمامًا عن كل ما عرفه. عقلانية حدّ القسوة، ناقدة، عنيدة، لا تمرر فكرة غير مكتملة، ولا ترضى بنصف إجابة. تهتم بالتفاصيل كما لو أن الفوضى عدو شخصي لها، وكان واضحًا أن الكمال بالنسبة لها ليس ترفًا بل ضرورة.

خرج من المكتب وهو يحاول إقناع نفسه أن ما حدث لا يتجاوز الإعجاب المهني.
قال لنفسه:
*«انترفيو قوي… مش أكتر من كده .»*
لكنه كان يعرف، في أعماقه، أن هذه المرة الأولى التي يسبق فيها القلبُ العقلَ دون إذن.

مرت الأيام، وبدأ العمل، وبدأ الاكتشاف الحقيقي. كل يوم كان يرى جانبًا جديدًا يزيد تعلّقه بها: صرامتها في إدارة الفعاليات، نظرتها البعيدة، إصرارها على أن يخرج كل نشاط بأفضل صورة ممكنة. كانت تُرهق من يعمل معها، لكنها تصنع نجاحًا لا يُنكر.

ثم جاء الخبر…
متأخرًا أكثر مما يجب:
ليلى متزوجة.

لم تكن الصدمة في المعلومة ذاتها، بل في توقيتها. جاءت بعد أن استقر الحب في مكانه بلا استئذان. حاول آدم إقناع نفسه أن الانسحاب هو القرار العقلاني الوحيد.

فانسحب.

حذف جميع الصور، أغلق وسائل التواصل، اختفى من المشهد، وانتقل إلى مكان آخر. لكن الجسد لم يحتمل ما كتمه القلب، فوجد نفسه في قسم الطوارئ بإجهاد لا تفسير طبيًا له. تعافى جسديًا، لكن الحب الصامت ازداد ثقلًا.

بعد أيام، وصلته رسالتها:

— *«مالك؟ إنت كويس؟»*

أجاب بإجابات عامة، لكنها لم تقتنع.

— *«مش مصدّقة.»*
— «ضغوط حياة.»
— *«إنت بتقول ألغاز.»*
ثم أضافت بسخرية خفيفة:
— *«واضح إنك كنت بتتفرج على برنامج عروستي و علي برامج الفوازير كتير.»*

ابتسم رغم ألمه.

— «مش كل حاجة ينفع تتقال.»
— *«ولا كل حاجة ينفع تتخبّى.»*
ثم قالت بجدية محسوبة:
— *«اطمّن… أي حاجة هتتحكي هنا هتفضل هنا. دي خصوصيات.»*

تردد، حتى وهو مريض.

— «مش متعود أفضفض.»
— *«يبقى اتعود.»*
ثم قالت بذكاء هادئ:
— *«واعتبرني طبيبة نفسية.»*

بدأ يحكي… ببطء، بحذر، كمن يختبر الأرض قبل أن يخطو.

— «حبيت ست من أول نظرة.»
— *«أهو كلام مفهوم أخيرًا.»*
— «القصة معقّدة.»
— *«إنت بتحب التعقيد.»*
— «اكتشفت إنها متزوجة.»
— *«وسايب كل البنات… وتحب المتزوجة؟»*
— «مكنتش أعرف.»
— *«وطبعًا خايف تعترف.»*
— «خايف من رد فعلها.»

سكت قليلًا، ثم قال:

— «تعالي نبدّل الأدوار.»
— *«مش عاجبني الاقتراح.»*
— *«ممكن تردي أي رد براحتك.»*

ساد صمت أطول هذه المرة.

— *«أول مرة سؤال يربكني… ومش عارفة أردّ مباشرة.»*
ثم قالت بنبرة حاسمة هادئة:
— *«لا… أنا مش حابة موضوع تبادل الأدوار.»*
وانسحبت من الفكرة تمامًا.

ابتسم آدم ابتسامة خفيفة، وقال بهدوء صادق:

— **«شكرًا جدًا… أنا حاسس دلوقتي براحة وتحسُّن.»**
— **«وشكرًا علشان خلّتيني أفضفض.»**

أنهى المكالمة وهو يشعر بخفة غريبة.
لم يعترف صراحة،
ولم يسمع رفضًا أو قبولًا،
لكنه قال كل ما لم يستطع قوله…
تحت غطاء مريض يفضفض لطبيبته النفسية.

وبين نافذة تطل على النيل،
وعينين فرعونيتين لم تُغمَضَا عن الذاكرة،
واعتراف لم يُقَل…
بقيت القصة معلّقة،
كما يجب لبعض أنواع الحب
أن تظل.

-



#وحيد_محمود_محمد (هاشتاغ)       Waheed__Eyada#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الأمين الزائف
- الجندي ..قائد ميداني
- وعدت و ما استطعت
- المقطم التعليمية… من فوضى الدولاب إلى لحظة الميلاد!
- مدرسة تبني الاحلام !
- القيادة تبدأ من الميدان!
- ثقيلة ..!؟
- صوتها
- من مراسي الي الكنبة !
- فلسطين .. فضحت عبوديتنا
- رقصة الماريونيت
- ليه كدا يا سوسو!؟
- عصير الرمان!
- البيت الكبير
- ورقة الجوكر !
- أفلا يتدبرون !؟
- عناقيد العنب!
- شاهوار تصنع الحلم !
- و تشرق سماء ال ياسر !
- التعليم في عيون السينما !


المزيد.....




- عن -قصة حقيقية-.. تركي آل الشيخ يكشف المزيد عن فيلم - العيون ...
- فيلم -الخادمة-… كيف تحول الحلم الأميركي إلى مصيدة؟
- رواية -أيتها القُبّرة-.. كيف يواجه المهاجر العربي الشيخوخة و ...
- فيلم -كولونيا-.. بيت مغلق ومواجهة عائلية مفتوحة
- المجلات الثقافية العراقية في المعهد الثقافي الفرنسي
- على خطى الساموراي.. استكشف بلدات -ناكاسندو- التي لم يغيرها ا ...
- الفنانة السودانية بلقيس عوض.. سيدة المسرح التي رحلت بهدوء وت ...
- المخرجة التونسية وفاء طبوبي: الهاربات ليس عرضا نسويا
- كوميدي أمريكي من أصول إيرانية يشارك نصيحته لصناع المحتوى.. م ...
- تعزيزاً لثقافة المشاركة.. محمد نبيل بنعبد الله يستقبل شباب ن ...


المزيد.....

- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي
- خرائط العراقيين الغريبة / ملهم الملائكة
- مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية ... / عبدالرؤوف بطيخ
- يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال ... / السيد حافظ
- ركن هادئ للبنفسج / د. خالد زغريت
- حــوار السيد حافظ مع الذكاء الاصطناعي. الجزء الثاني / السيد حافظ
- رواية "سفر الأمهات الثلاث" / رانية مرجية


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - وحيد محمود محمد - آدم و ليلي !؟