أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفساد الإداري والمالي - وحيد محمود محمد - الأمين الزائف














المزيد.....

الأمين الزائف


وحيد محمود محمد
كاتب و باحث

(Waheed Eyada)


الحوار المتمدن-العدد: 8575 - 2026 / 1 / 2 - 00:07
المحور: الفساد الإداري والمالي
    


ليست كلمة الأمين مجرد وصف عابر، بل قيمة أخلاقية كبرى، وميزان تُقاس به إنسانية الإنسان قبل مكانته أو منصبه. فالأمانة في جوهرها التزامٌ بالحق، وخوفٌ من الله، وانحيازٌ للعدل ولو على حساب النفس.

عندما نذكر الأمين، فإن أول ما يتبادر إلى الذهن هو النبي محمد ﷺ، الذي عُرف بين قومه قبل البعثة بلقب **الصادق الأمين**. لم يكن اللقب تشريفًا لفظيًا، بل شهادة مجتمع كامل لرجلٍ لم يُعرف عنه كذب، ولم تُنتهك عنده أمانة. وحين جاءت الرسالة، لم تتغير هذه الصفة، بل صارت أساس الدعوة نفسها؛ إذ كيف يُصدَّق نبيٌّ لا يُؤتمن؟

ويمتد معنى الأمانة من الأرض إلى السماء، فنجد **سيدنا جبريل عليه السلام** موصوفًا في القرآن بـ *الأمين*، لأنه حمل الوحي الإلهي من السماء إلى الأرض دون زيادة أو نقصان، فكانت أمانته ضمانًا لنقاء الرسالة وصحتها. هنا تصبح الأمانة شرطًا لسلامة الدين ذاته، لا مجرد خُلُق فردي.

وفي الأرض أيضًا، كان من الصحابة من بلغ في هذه الصفة مبلغًا عظيمًا، حتى لقّبه النبي ﷺ بـ **أمين هذه الأمة**، وهو **أبو عبيدة عامر بن الجراح رضي الله عنه**. لم يكن اللقب مكافأة، بل توصيفًا دقيقًا لشخصية جعلت من الأمانة نهج حياة، في المال، والقرار، والمسؤولية.

غير أن المفارقة المؤلمة تظهر عندما ننتقل إلى عصرنا الحاضر، حيث أصبحت كلمة *الأمين* في كثير من الأحيان **مسمّى وظيفيًا**: أمين عام، أمين خزينة، أمين لجنة… ألقاب تُكتب على الأبواب والبطاقات، لكنها لا تضمن بالضرورة وجود الأمانة في القلوب. فكم من *أمين* خان، وكم من صاحب منصب لم يرَ في موقعه إلا سلطة لا مسؤولية.

وهنا يتجلّى الفرق الجوهري بين **الأمين الحقيقي** و**الأمين الزائف**.
الأمين الحقيقي يخاف الله، ويعلم أن المنصب تكليف لا تشريف، وأن الأمانة سؤال قبل أن تكون سلطة. أما الأمين الخائن، فيتخذ الموقع ستارًا، ويستمع للأكاذيب، ويصدّق الافتراءات، بل قد يضع نفسه في موضع الحكم المطلق، فيُحاسب ويُعاقب وكأنه فوق البشر، وربما — في ذروة الغرور — يتعامل وكأن الدعاء إلى الله جريمة، وكأن العدل خطر يهدد هيبته.

وعلى الصعيد الشخصي، قد يصادف المرء في حياته المهنية نماذج من هذا النوع: من يشغل منصب *الأمين العام* لإحدى المؤسسات، لكنه يتعامل مع الناس وكأنه *مالك الملك*. لا يميّز بين الأمانة والمهنية، ولا بين التحقيق والافتراء، فينخدع بأحاديث كاذبة، ويتخذ قرارات تظلم العباد، ناسِيًا — أو متناسيًا — أن المنصب زائل، وأن الحساب باقٍ.

إن أخطر ما في غياب الأمانة ليس الفساد الإداري وحده، بل **تشويه المعنى**؛ حين تُفرغ الكلمات من قيمها، وتتحول الفضائل إلى شعارات. فالأمانة ليست لقبًا يُمنح، ولا كرسيًا يُشغل، بل سلوك يومي، وموقف أخلاقي، وخوف دائم من الله قبل خوف القانون.

وهكذا تبقى المقارنة صارخة:
بين *أمينٍ* حمل الوحي، و*أمينٍ* خان العهد،
وبين *أمينٍ* أقام العدل، و*أمينٍ* استعلى بالمنصب،
وبين أمانة تُقرّب من السماء، وأمانة مزعومة تهوي بصاحبها إلى درك الظلم.

في النهاية، لا يُقاس الإنسان بما يُنادى به، بل بما يؤدّيه. فطوبى لمن كان أمينًا حقًا، وويلٌ لمن اتخذ الأمانة قناعًا، ونسي أن الله لا تُخدعه المسميات.



#وحيد_محمود_محمد (هاشتاغ)       Waheed__Eyada#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الجندي ..قائد ميداني
- وعدت و ما استطعت
- المقطم التعليمية… من فوضى الدولاب إلى لحظة الميلاد!
- مدرسة تبني الاحلام !
- القيادة تبدأ من الميدان!
- ثقيلة ..!؟
- صوتها
- من مراسي الي الكنبة !
- فلسطين .. فضحت عبوديتنا
- رقصة الماريونيت
- ليه كدا يا سوسو!؟
- عصير الرمان!
- البيت الكبير
- ورقة الجوكر !
- أفلا يتدبرون !؟
- عناقيد العنب!
- شاهوار تصنع الحلم !
- و تشرق سماء ال ياسر !
- التعليم في عيون السينما !
- جيل جديد.. حلم جديد


المزيد.....




- تحديث مباشر.. أول تعليق من مادورو بعد انفجارات كاراكاس في فن ...
- سلسلة انفجارات ضخمة تهز فنزويلا.. شاهد كيف علق جنرال أمريكي ...
- ما هي الطريقة الصحيحة لارتداء الكِلت؟ خبير يكشف أسرار هذا ال ...
- الإمارات توجه رسالة لليمنيين بعد التطورات الأخيرة
- الولايات المتحدة تهاجم العاصمة الفنزويلية كاراكاس
- مقاطع فيديو تظهر انفجارات في العاصمة الفنزويلية كاراكاس
- انفجارات في كاراكاس.. فنزويلا تتهم أمريكا بشن هجوم
- واشنطن تشن ضربات على كراكاس وفنزويلا تعلن حالة الطوارئ
- أطفال السودان في قلب الحرب بعد عامين ونصف من النزاع والمعانا ...
- هل يملك العليمي السلطة الشرعية لإصدار القرارات السيادية؟


المزيد.....

- The Political Economy of Corruption in Iran / مجدى عبد الهادى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفساد الإداري والمالي - وحيد محمود محمد - الأمين الزائف